كيف أصبح العراق أرضاً سهلة الاختراق؟ عن القاعدة الإسرائيلية في النجف

من القاعدة الإسرائيلية المزعومة في صحراء العراق إلى حوادث الاختراق المتكررة، يطرح المقال أسئلة عن الاختراق والتجسس والسيادة: كيف أصبح العراق بهذه الهشاشة؟ وكيف تحوّل إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية والدولية؟ وما علاقة العدالة الاجتماعية بكل ما يحدث؟

جلجامش نبيلجلجامش نبيل | 26 أيار 2026

من بلدٍ شبه محظور على الأجانب، يصعُب الحصول على تأشيرة لدخول أراضيه، إلى بلدٍ شبه مخترق، هكذا يرى بعض العراقيين تحوّل واقع بلادهم بعد أن نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية تقريراً يفيد بإقامة إسرائيل قاعدة عسكرية في الصحراء الواقعة بين محافظتي النجف وكربلاء، قُبيل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران 28 شباط الماضي. 

ويأتي هذا التقرير بعد 66 يوماً من حادثة غير اعتيادية وقعت في تلك المنطقة في الرابع من آذار المنصرم، حيث تعرّضت قوة من عمليات محافظة كربلاء لقصف جوي وإطلاق نار أثناء تنفيذها واجب تفتيش في المنطقة، ما أودى بحياة منتسب وتسبب في إصابة اثنين آخرين.  

في اليوم التالي، كشف نائب قائد العمليات المشتركة، قيس المحمداوي، عن “إنزال جوي أمريكي” في محافظة النجف في مهمة إسناد قوة أخرى كانت تُجرى مهاماً استطلاعية، ووصف العمل بـ”الغادر والجبان”.  

في أيار، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن وجود قاعدتين إسرائيليتين، لا واحدة، بقيتا سريّتين في صحراء العراق لمدة أشهر، لكنّها أسهبت في ذكر تفاصيل ما حدث في قاعدة النخيب، ولم تسمّ مصدرها عن القاعدة الأخرى ولم تحدّد موقعها. 

بحسب الصحيفة، فإن إسرائيل عملت لأكثر من عامٍ كامل على تحويل موقع النخيب لإدارة عملياتها ضد إيران. اعتمدت الصحيفة على حوار أجرته مع عامر الشمري، ابن عم الراعي عواد الشمري الذي قُتل على يد الإسرائيليين إثر اكتشاف القاعدة صدفة. ونقلاً عن مسؤولين إقليميين، فإن القاعدة التي اكتشفها الشمري قد استُخدمت خلال حرب حزيران 2025، وكانت القوات الإسرائيلية قد بدأت ببنائها منذ أواخر 2024، لكن الجيش الإسرائيلي رفض التعليق على المعسكرات المؤقتة ومقتل الشمري.  

تذكر الصحيفة أن الولايات المتحدة كانت على علم بالقاعدة منذ حزيران 2025، ولكنها لم تبلغ الحكومة العراقية بالأمر. هذا الحديث بالكامل عن قاعدة صحراء النخيب، لكن الصحيفة تقول إن مسؤولاً عراقياً آخر أكد وجود قاعدة أخرى دون تحديد موقعها في صحراء غرب العراق.  

وبينما لا يزال الغموض يلُف تفاصيل القاعدة -سواء كانت مجرّد مهبط طائرات أو قاعدة دعم لوجستي، وما إذا كانت قد عملت لوقت طويل قبل إبلاغ أحد الرُعاة المحليّين عن نشاطٍ مشبوه، أو أنها أُقيمت قبل فترة قصيرة من اكتشافها- هيمنَ سؤال السيادة على نقاشات العراقيين بعد انتشار كل هذه الأخبار.  

وفي خضم الاصطفافات الطائفية، استغلّ معارضو الحكومة العراقية الأمر للاستهزاء بمحور المقاومة، باعتبار أن العراق مُخترق وفيه قواعد إسرائيلية، وأن إيران قُصفت من العراق. فيما رجّح آخرون عِلم الحكومة بالأمر وتجاهلها له لدواعٍ براغماتية، تتعلّق بتحقيق التوازن الصعب في علاقة العراق بكلٍ من إيران والولايات المتحدة، كما استغل الأمرَ بعض المدونين الخليجيين للرد على سخرية بعض العراقيين من وجود قواعد أمريكية في دول الخليج، بينما برّر الموالون للحكومة الأمر على أنه مجرد خرق يحدث في كل مكان.  

في العادة، ينتقد المبرّرون للحدث الراهن أية أخبار عن مرور الطائرات الإسرائيلية فوق الأجواء السورية أو ظهور مدونين إسرائيليين في شوارع دمشق، بينما يعلو صوت المبرّرين للتطورات السورية -مثلاً- بانتقاد العراق اليوم، ويعكس هذا حجم الانقسام الطائفي في المشرق، فالجميع يبرّر لمعسكره ويخوّن المعسكر الآخر، بينما يتجاهلون الحقيقة الواضحة: الجميع مُخترق حد النخاع في هذه المنطقة.   

العراق قبل عام 2003 

من المعلوم أنه ليس هناك بلدٌ عصيّ على الاختراق، وقد يحدث الأمر على أعلى المستويات. يذكّرنا التاريخ بخيانة العقيد ألفرد ريدل، الضابط ومؤسس ومطوّر جهاز مكافحة التجسّس في إمبراطورية النمسا والمجر منذ 1907، والذي تجسّس لصالح الاستخبارات الروسية وضلَع في أكبر عملية تجسّس عرفتها النمسا قبيل الحرب العالمية الأولى، حيث نقل كافة خطط التعبئة والهجوم النمساوي على الجبهة الشرقية والجنوبية إلى الروس.  

مع ذلك، وبحسب كتاب “حرب الخليج: الملف السرّي” (1991)، للصحافيَّين بيير سالنغر وإريك لوران، نجد أن العراق كان ساحة صعبة الاختراق على الإسرائيليين لدرجة أنهم فوجئوا بغزو العراق للكويت في آب 1990، ولم تكن الولايات المتحدة تسمح للإسرائيليين بالحصول على صور أقمار صناعية بما يتجاوز 50 كم من حدودهم، حيث اعتبروا أن هذه المسافة كافية لحماية أمنهم، وجاء ذلك التضييق بعد قصف إسرائيل لمفاعل تموز/أوزيراك العراقي في عام 1981.   

وقبل ذلك، وجدت إسرائيل صعوبات في خطف طائرات الميغ من العراق وسوريا ومصر، ولم يكن لها التفوّق العسكري الجوي في المنطقة قبل حرب 1967. لكن الأمور تغيّرت تباعاً، فمنذ 1991 فقد العراق سيادته الكاملة بوضعه تحت البند السابع، وحظر الطيران ووضعه تحت رقابة طلعاتٍ جوية شبه يومية، ووصول فرق التفتيش على أسلحة الدمار الشامل إلى القصور الرئاسية. ومنذ سقوط نظام صدام حسين في 2003، وسقوط الأنظمة العربية تباعاً بعد ثورات “الربيع العربي”، أصبحت إسرائيل قوّة مهيمنة في المنطقة وتحظى بدعمٍ أمريكي منقطع النظير.  

صحيح أن العراق لم يكن دولة قوية، كما يحلو لنا أن نراه بخيالنا الوطني مستلهمين تاريخ الإمبراطوريات الآشورية والكلدية والعبّاسية، لكنه كان أرضاً صعبة الاختراق بفعل الأنظمة الشمولية السابقة. لكن هذا الانغلاق انتهى، والمنطقة اليوم في مجملها مفتوحة أرضاً وجواً أمام من يمتلك أدوات العصر: الأجواء والفضاء والإنترنت والذكاء الاصطناعي.  

إيران نفسها أخفقت في هذا الجانب من الحرب؛ بسبب التفوّق التكنولوجي والمعلوماتي الأمريكي-الإسرائيلي، وشهدت عمليات إنزال على أرضها. وعلينا ألّا ننسى أن الصحاري تعدّ خواصر رخوة في معظم البلدان، ولطالما كانت مصدر قلق للإمبراطوريات عبر التاريخ، ومنها تأتي غزوات الشعوب البدوية، وكذلك الحال عندما كانت البادية الغربية، وبادية الشام، وتلال حمرين، معاقل للجماعات الإرهابية الإسلامية (القاعدة وداعش وغيرها)، ولا تُستثنى الجبال الوعرة من القاعدة عند الحديث عن جبال قنديل، حيث تخدم التضاريس الوعرة عناصر حزب العمّال الكردستاني، وتجعل القضاء عليهم أمراً متعسّراً رغم التفوّق العسكري التركي المعروف.  

اختراق على الأرض   

ولتعزيز شعور التفوق وتعاظم الاختراق الإسرائيلي، انتشر مقطع فيديو يُظهر شاباً في صحن الإمام الحسين في كربلاء يُنشد النشيد الوطني الإسرائيلي “هاتكفاه”، أو الأمل، لكن المقطع يُظهر أخطاءً في لفظ كلمات النشيد، حيث يقول “كُل أوو فاليفف” بدلاً من “كُل أود باليفف” כֹּל עוֹד בַּלֵּבָב، وكذلك “أولفاتيه ميزيخا” بدلاً من “أولفاتيه مزراخ” וּלְפַאֲתֵי מִזְרָח، أي نحو أقاصي المشرق. تُثير هذه الأخطاء شكوكاً حول تركيب المقطع بالذكاء الاصطناعي أو أن المسافر لا يُجيد العبرية، وقد يكون يهودياً يحمل جواز سفرٍ أجنبي، وهو ما يُسهّل دخول معظم الإسرائيليين إلى الدول المحظورة عليهم.  

في الوقت ذاته، نشرت القناة 14 الإسرائيلية تقريراً متلفزاً يُظهر الصحافي الحريدي الأرثوذكسي يتسحاق هوروفتز يتجوّل في بغداد، ويرصد صور قادة الحشد والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، ليوصل رسالة مفادها عمق التأثير الإيراني في العراق، وينتهي بزيارة المدن الشيعية المقدّسة ويلتقي ببعض عناصر أو قادة الحشد، على حد زعمه.  

المفارقة أن الصحفي ذاته الذي يعمل لصالح صحيفة بِكْهيلا (בקהילה) الأرثوذكسية المتشددة، زار ضريح الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في بيروت في كانون الأول 2025، متخفياً باسم علي.  

قد يبدو الأمر غريباً، لكن مكة، المدينة الإسلامية المحظورة على غير المسلمين، شهدت اختراقاتٍ كثيرة عبر التاريخ، ليس آخرها صور اليهودي الروسي المَولد بين تزيون، الذي نشر صورة له في المسجد النبوي بالمدينة في عام 2017 بعد زيارته كلاً من إيران ولبنان والسعودية والأردن، فضلاً عن صور الصحافي الإسرائيلي غيل تماري الذي تسّلل إلى مكّة، ونشر تقريره عبر القناة 13 الإسرائيلية في عام 2022.  

في عام 1503، كان الرحالة الإيطالي فارتيما لودفيكو أوّل أوروبي غير مسلم يزور مكّة والمدينة منطلقاً من دمشق، باسم الحاج يونس المصري. وفي عام 1853، زار المستشرق والعسكري الإنجليزي ريتشارد فرانسيس برتون مكة تحت هويّات عديدة منها: ميرزا فارسي، ورجل من البشتون، وشيخ سُني، وطبيب وساحر ودرويش. 

وفي عام 1884، زار المستشرق والجاسوس الهولندي كريستيان سنوك هرخونيه مكة، بعد زعمه اعتناق الإسلام وتغيير اسمه إلى عبد الغفّار، حاملاً معه كاميرا صوّرت الكعبة والمسجد الحرام، وسجّل أول تسجيل صوتي معروف لتلاوة القرآن. وفي عام 1928، نشر إلدون رَتر Eldon Rutter كتاباً عن رحلته إلى مكة والمدينة بعد أن زارها بصفته حاجاً سوريّاً.  

في كتابه “ملوك العرب” (1924)، يشرح المفكر القومي اللبناني-الأمريكي أمين الريحاني صعوبة ذهاب غير المسلمين، بما فيهم العرب، إلى اليمن، ذاكراً تحذيرات شخصٍ يمني قابله في نيويورك قال إنهم “يذبحون” أي غربي أو مسيحي يدخل تلك البلاد. مع ذلك، نجح المستشرق والرحالة اليهودي الفرنسي جوزيف هاليڤي (1827-1917) في زيارة اليمن بحثاً عن النقوش السبئية، متنكراً في هيئة حاخام يهودي فقير من القدس، ومتسوّل يعتاش من الصدقات، مستفيداً من المجتمع اليهودي للتغلّب على الأخطار، وكتب كتابين عن تاريخ اليمن.  

تكشف لنا هذه الأحداث أن سلطات المنطقة يسهُل اختراقها عبر اللعب على وتر عواطفها الدينية، وإظهار الانتماء إلى الإسلام كثيراً ما يفتح أصعب الأبواب اختراقاً. وبينما تتّسم بعض الجماعات بالريبة من الأجانب، والتعامل مع كل غريب على أنه جاسوسٌ محتمل، تتعامل شرائح أخرى مع الأجنبي بعطف مبالغ فيه، ويفتح أمامه ما يصعُب وُلوجه على الباحثين والصحافيين المحليّين أحياناً.  

بالطريقة ذاتها أيضاً، اخترق إيلي كوهين، اليهودي المصري الحلبي الأصل، بسهولة دوائر عسكرية عليا عندما زار دمشق مدعياً أنه مهاجر سوري يحنّ إلى بلاده، ولم يتوانَ عن إتقان الإسبانية لتسهيل مهمته وإيهام السوريين بأنه سوري مسلم عاش عقوداً في الأرجنتين، قبل أن يُكشف ويُعدم في عام 1965.  

ولإسرائيل، من خلال تنوّعها العرقي والثقافي، غلبة في التجسّس، حيث تمتلك جاليات تنحدر أصولها من العديد من الدول، وكثيرٌ منهم يجيد لغة ولهجة وثقافة موطنه الأم، ومن شأن هذا تسهيل مهام الاختراق.  

السيادة المفقودة  

إن قلق الناس حيال السيادة اليوم حقيقي ومبرَّر، لكنه يتجاهل واقع المنطقة ككل، بل يتجاهل أن العراق اليوم يخضع للتفاهمات والتوافقات الإقليمية حتى في شأن تشكيل الحكومة، وهذا أكبر مؤشر على اختراق السيادة وارتهان الأمر بالخارج، ويدعو إلى القلق بقدر ما يدعو إليه الإنزال العسكري في منطقة نائية، أو أكثر.  

ما علينا مواجهته اليوم هو أسباب هذا الضعف، بعد إدراك أننا لسنا قوة إقليمية عظمى، بل دولة أضحت، ومعظم جيرانها العرب، ساحات للقوى الإقليمية الكبرى: إيران وتركيا وإسرائيل. يحاول الناس اليوم إقناع أنفسهم بأن نفوذ هذه الدول في العراق أو سوريا هو حلف استراتيجي، لكنّ هذا الوهم يتجاهل أن النديّة شرط أساسي في وصف العلاقة بالتحالف، وأن الطرف الأضعف “تابع” لا حليف.  

الحروب الحديثة تختلف عن تلك التقليدية، ولم يعد عديد الجيش أو بسالة أفراده العامل الحاسم، وتجاوز الأمر مسألة التفوّق الجوي فحسب، فقد أصبحت الحروب تعتمد على المعلومات والقدرة على الاختراق لمعرفة حتى أماكن ووقت إطلاق الصواريخ للتصدّي لها، وهذا يحرم الطرف الأضعف من عنصر المفاجأة، ويجعل أوراقه وخططه مكشوفة أمام الطرف المتفوّق تكنولوجياً ومعلوماتياً.  

تصطدم جهود معالجة هذا الضعف بعقبة الاقتصاد الريعي المعتمد على تصدير النفط بدون بدائل، والفساد المعزّز بالمحاصصة التي تضمن سكوت الجميع عن فساد بعضهم البعض. ويساهم الانقسام الداخلي وغياب الثقة في إضعاف الجيش، حيث يرفض العديد من المكونات تسليح الجيش وتطويره؛ بسبب مخاوف من الإقصاء العِرقي في حالة الكرد، أو المذهبي لدى السُنة، أو لرغبةٍ في أن يكون الجيش أضعف من الجيوش البديلة، كالشيعة الموالين لمحور المقاومة أو البيشمركة الكردية. كما أن الانقسام الطائفي نفسه حقيقة تجعل ولاء المواطنين في بلادنا مرتبطاً بانتماء الحاكم لطائفته، وهذا ما يُسهّل الاختراق الفعلي أو المعنوي في أحسن الأحوال.  

بالمحصّلة، لا يمكننا تجاوز هذا الضعف من دون تنويع مصادر الاقتصاد، وتطوير صناعة الأسلحة، وتنويع مصادر الاستيراد، ومواكبة التكنولوجيا والثورة المعلوماتية، وقبل ذلك كله، تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية؛ لمنع الاختراق بدواعي الحاجة أو الاحتقان الطائفي/القومي، وإقامة نظام يتجاوز المحاصصة التي تسهّل الفساد وتعيق فكرة المواطنة.  

  • تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب ومترجم عراقي مستقل مقيم في تركيا، يكتب في مجالات السياسة والتعليم والفن والأدب، وحقوق المرأة، ونشرت مقالاته مواقع عربية وأجنبية. نشر رواية بعنوان “صراع الأقنعة” (2016) وترجم كتاب “الصناعات الإبداعية في سوريا: التغييرات والتكيف” إلى اللغة الإنجليزية (2020).