إجابات متأخرة.. الضحايا العراقيون في أرشيف حروب بريطانيا 

كاتبة عراقية تنبش الأرشيف البريطاني بعد عقدين من الغزو، لتكشف أن الانتهاكات في العراق لم تكن أسراراً مخفية، بل وقائع معروفة داخل مؤسسات الدولة البريطانية، جرى التعامل معها بوصفها أزمة يجب احتواؤها، لا جرائم تستوجب المحاسبة..

تمارا الفارسيتمارا الفارسي | 24 أيار 2026

بعد أكثر من عشرين عاماً على غزو العراق، نُشِرت بهدوء مجموعة جديدة من الوثائق الحكومية البريطانية.  

وثق العراقيون الانتهاكات التي تعرضوا لها قبل وقت طويل من نشر الملفات. وبالنسبة للمجتمع العراقي، الذي عانى جزء كبير منه تبعات هذه الانتهاكات قبل الاعتراف الرسمي بها بسنوات، فإن نشر هذه الوثائق لا يكشف معلومات جديدة بقدر ما يؤكد، بلغة الدولة البريطانية نفسها، ما كان معروفاً منذ زمن على أرض الواقع. 

أُفرج عن الملفات أواخر عام 2025، بموجب ما يُعرف في المملكة المتحدة بـ”قاعدة العشرين عاماً”، وهي سياسة تقضي بإتاحة معظم السجلات الحكومية الداخلية للعامة بعد مرور عقدين على إعدادها. وقد نُقلت هذه الوثائق إلى الأرشيف الوطني في لندن، وتشمل مراسلات داخلية، ومذكرات إحاطة، وملخصات قانونية أُعدت في ذروة الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة للعراق. ولم تكن هذه الوثائق موجهة إلى القراء العراقيين، ولا إلى التدقيق العام، بل كُتبت للوزراء وكبار المسؤولين والقادة العسكريين الذين كانوا يتعاملون مع تبعات حرب بدأت تتجلى. وفي هذا السياق ينبغي قراءة الوثائق التالية. 

تغطي هذه المواد نطاقاً واسعاً من القضايا، لكن من أبرزها الوثائق التي تتحدث عن الانتهاكات التي ارتكبتها القوات البريطانية في العراق: الوفيات أثناء الاحتجاز، وسوء معاملة المعتقلين، وإخفاقات التحقيق، والمخاوف المستمرة بشأن المساءلة القانونية. 

بنية الأرشيف والجهات التي أعدته 

منتصف تموز 2005، جرى تداول حزمة من الأوراق الحكومية البريطانية السرية بهدوء في أعلى مستويات الدولة، كانت موجهة إلى توني بلير وموقّعة بالحرفين “JR”، التوقيع المميز لجون ريد، الذي شغل آنذاك منصب وزير الدفاع. خُتِمت الوثائق بـ سري – شخصي، وأُودعت داخلياً في وقت دخول العراق أكثر فصوله اضطراباً. ففي الوقت الذي ناقش فيه ريد وبلير “العواقب القانونية” في لندن، كان تموز 2005 شهراً دامياً في العراق، شهد تصاعداً في التفجيرات الانتحارية وعمليات الخطف الطائفي، على خلفية أول انتخابات شهدها البلد بعد الغزو. 

هذه الحزمة متاحة اليوم في الأرشيف الوطني، حيث اطّلعتُ عليها. لا يمكن عزل هذه الوثائق عما حدث آنذاك، بل إنها تشكل نقطة الارتكاز السياسية لمجموعة أوسع من تقارير وزارة الدفاع، والتقييمات القانونية التي تابعت تداعيات قضية بهاء موسى1 وما أعقبها من محاكمات عسكرية. ومن خلال التركيز على هذا التدخل المحدد في منتصف تموز، يمكن معرفة اللحظة التي انتقل فيها التعامل السياسي من متابعة التطورات القانونية إلى قلق مباشر من رئيس الحكومة ذاتها بشأن مكان محاكمة العسكريين. 

لم تكن هذه الوثائق تقارير ميدانية، ولا تحقيقات تُكتب بعد انحسار الخطر السياسي، بل كانت وثائق عمل: مذكرات إحاطة، وملحقات، وملخصات أُعدت بينما كانت القضايا لا تزال جارية، والجنود ما زالوا قيد التحقيق، والدولة البريطانية تختبر حدود تطبيق القوانين المعنية بقواعد سلوك قواتها العسكرية في الخارج. تكشف أولويات الوثائق الكثير؛ فالعراق لا يظهر فيها بوصفه مكاناً مأهولاً بالحياة، ولا العراقيون بوصفهم ضحايا لأذى وقع عليهم، بل بوصفه موقعاً للمخاطر المؤسسية، وخطراً يهدد نظام العدالة العسكرية، وسلسلة القيادة، والعواقب القانونية للحكومة. 

عند قراءة الوثائق مجتمعة، يتضح أن الانتهاكات والوفيات أثناء الاحتجاز كانت معروفة منذ وقت مبكر، وما تلا ذلك لم يكن نقاشاً أخلاقياً، بل محاولة احتواء إداري. تُظهر الملاحظات المكتوبة بخط اليد، ومنها عبارة “اطّلع رئيس الوزراء، دون تعليقات”، مسار الوثائق داخل مكتب توني بلير. وبصفته رئيس الوزراء الذي راهن بمفرده على مكانة بريطانيا الدولية استناداً إلى “الضرورة الأخلاقية” لغزو العراق عام 2003، كان بلير المهندس الرئيسي للحرب. وقد التزم شخصياً بإرسال القوات البريطانية إلى التحالف، متجاوزاً في كثير من الأحيان معارضة داخلية وبرلمانية واسعة. 

لكن بحلول الوقت الذي وصلت فيه هذه الملفات إلى مكتبه، كان الخطاب الكبير عن “التحرير” قد حلّ محله الصمت. يكشف غياب أي نقاش هامشي أو جوهري من جانب رئيس الوزراء الكثير في حد ذاته. فلم تُصمَّم هذه الوثائق للتشجيع على مراجعة استراتيجية تستند إلى التزامات الحكومة البريطانية بوصفها سلطة احتلال، بل لضبط وضع يزداد هشاشة، وضمان أن تبقى التداعيات القانونية تحت السيطرة على أعلى مستويات الدولة. 

الذعر خلف الكواليس 

يكشف الأرشيف عن فجوة لافتة بين الصورة العلنية التي قدمتها الدولة البريطانية عن نفسها وبين الواقع. فمسودات الخطاب في تلك الفترة، الموسومة بعبارة “Check Against Delivery” (تُراجع عند الإلقاء)، مكتوبة بلغة أخلاقية وطموحة، تتحدث عن واجب التضامن الدولي، وعن إعادة تأهيل 2,535 مدرسة كدليل على انتقال ناجح نحو “ديمقراطية آمنة”. 

لكن خلف الكواليس، هيمن هاجس واحد على كل شيء: أزمة ثقة بين كبار القادة العسكريين، ولا سيما رؤساء هيئة الدفاع السابقين. تكشف المذكرات عن قلق مؤسسي وإنذار قانوني تجاه ما صُوِّر بوصفه تدخلاً خارجياً؛ أي قانون حقوق الإنسان، والمحاكم المدنية، وإمكانية امتداد الولاية القضائية الدولية.  

وبينما دافع المسؤولون علناً عن الحقوق العالمية، قلقوا في السر من خطر الملاحقة القضائية وتأثيره المحتمل على معنويات القوات المسلحة. لم تكن الحكومة تخوض حرباً فحسب، بل كانت تدير بعناية سرديتين متوازيتين، واحدة للاستهلاك العام، وأخرى للاستمرارية المؤسسية. أما بالنسبة للعراقيين الذين تلقوا نتائج هذه العمليات مباشرة، فلم يكن هناك مثل هذا الفصل، فقد أخفت لغة الاستقرار وراءها تجارب الاعتقال والانتهاك والفقدان. 

الاعتراف بالانتهاكات وإدارة تبعاتها 

بخلاف السرديات العلنية اللاحقة التي شددت على الغموض أو شككت في الوقائع، تعترف الوثائق نفسها صراحةً بأن الانتهاكات قد حدثت، ويتجلى ذلك في قضية بهاء موسى، المدني العراقي الذي توفي أثناء احتجازه لدى القوات البريطانية في البصرة في أيلول 2003. 

للمكان دلالته الخاصة، فالبصرة -بوصفها أول مركز حضري رئيسي سقط خلال غزو 2003- اعتُبرت منطقة السيطرة البريطانية الأساسية. وبعد معركة البصرة -أول مواجهة واسعة النطاق خاضتها القوات البريطانية في الحرب- أصبحت المدينة مختبراً لادعاء المؤسسة العسكرية البريطانية بأن خبرتها الاستعمارية “الأكثر ليونة” تساعدها على حفظ السلام أكثر من نظيرتها الأمريكية. لكن وفاة بهاء موسى في مركز احتجاز مؤقت داخل المدينة دمرت هذه الرواية. 

لغة الوثائق الداخلية لا تحتمل اللبس. يُوصف موسى بأنه مدني توفي إثر اعتداء متواصل أثناء احتجازه على يد جنود بريطانيين، مع إسناد المسؤولية بوضوح إلى أفراد من فوج الملكة لانكشاير. 

وقد سُجِّل رد فعل عائلته بدقة بيروقراطية. عُرضت تعويضات مالية على الأسرة، لكنها رفضتها وطالبت بتحقيق علني، إلا أن وزارة الدفاع رفضت ذلك. كان لهذا الرفض تبعات قانونية عندما قضت المحكمة العليا في كانون الأول 2004 بأن التزامات المملكة المتحدة، بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، تمتد إلى “المواقع التي تمارس فيها الدولة سلطتها” خارج حدودها. وخلص الحكم إلى أن المملكة المتحدة انتهكت قانون حقوق الإنسان، وهو قانونها الوطني، بسبب إخفاقها في إجراء تحقيق مناسب في وفاة موسى. 

المهم في الأرشيف ليس الحكم في حد ذاته فقط، بل الطريقة التي فُسِّر بها داخلياً؛ فقد صُوِّر الحكم على أنه توسع خطير في نطاق الولاية القضائية، يمكن أن يُخضع العمليات العسكرية الخارجية لأحكام قانون حقوق الإنسان المحلي. وتُظهر ملاحظة مكتوبة بخط اليد على هامش مذكرة تعود إلى تموز 2005 قلق المؤسسة العسكرية، وجاء فيها: “لكن ينبغي أن نقول في المقابل إن هذه القضايا لن تُحال إلى دائرة الادعاء العام”. 

تشير هذه الملاحظة الهامشية إلى تدخل سياسي مباشر في المسار القانوني، وتقدم وعداً بحماية العسكريين من ملاحقة أمام القضاء المدني للحفاظ على تسلسل القيادة. ولم تُعامَل المساءلة بوصفها التزاماً أخلاقياً، بل باعتبارها عبئاً ينبغي التحكم به. أما بالنسبة للعائلات التي كانت تبحث عن العدالة فقد انتهى بها الأمر إلى قضايا توقفت، أو جرى تضييق نطاقها، أو لم تصل قط إلى ملاحقات قضائية ذات معنى. 

المحكمة الجنائية الدولية بوصفها خطراً يمكن احتواؤه 

إلى جانب قانون حقوق الإنسان المحلي، ظلت المحكمة الجنائية الدولية مصدر قلق دائم. وتعترف إحدى الملاحظات بأن أفراد القوات البريطانية قد يواجهون، نظرياً، ملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية “في الظروف القصوى، هذا صحيح”. لكن هذا الإقرار جرى تحييده على الفور، إذ يؤكد المسؤولون أن هناك “أسباباً وجيهة للاعتقاد بأن مثل هذه الملاحقات لن تحدث في الواقع”. 

وكما تكشف مذكرات الإحاطة الداخلية المرفوعة إلى رئيس الوزراء في تموز 2005، فإن الطمأنة المقدمة لم تكن أخلاقية بل إجرائية. فقد أقرت وزارة الدفاع بأنه رغم أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مُلزم بمراجعة كل شكوى “مهما كانت ضعيفة”، فإن معظم الادعاءات جرى رفضها داخلياً باعتبارها “زائفة أو غير مثبتة”. 

يُظهر الأرشيف أن الحكومة اعتمدت على مبدأ التكاملية، لضمان أنه ما دامت المملكة المتحدة تبدو “قادرة وراغبة” في التحقيق مع أفرادها، يمكن تجنب الاختصاص الدولي. وبموجب هذا المبدأ في القانون الدولي تُعد المحكمة الجنائية الدولية “محكمة الملاذ الأخير”، ولا تتدخل إلا إذا ثبت أن النظام القضائي الوطني غير راغب أو غير قادر على التحقيق في جرائم الحرب التي يرتكبها مواطنوه. 

ومن خلال الحفاظ على دورة من التحقيقات العسكرية الداخلية والمحاكمات العسكرية، كانت المملكة المتحدة قادرة تقنياً على استيفاء معيار “القدرة والرغبة”، وما دام الجهاز القانوني البريطاني يبدو في حالة عمل، تبقى المحكمة الجنائية الدولية خارج المشهد. وقد عزز هذا التوجه تعليقٌ هامشي مكتوب بخط اليد، يشدد على أن هذا الاحتكاك القانوني “يجب ألا يقوض سلطة المؤسسة العسكرية”. 

ويشير الأرشيف إلى أن المملكة المتحدة حققت المطلوب لتلبية الحد الأدنى الذي تشترطه المحكمة الجنائية الدولية، وهي استراتيجية تهدف إلى الاحتماء بالاختصاص القضائي ومنع وصول لاهاي. وهكذا أصبحت المساءلة أداةً لإدارة المخاطر القانونية، لا وسيلةً لمواجهة الضرر أو ضمان العدالة وجبر الضرر. 

المنطقة الرمادية: الشركات العسكرية الخاصة 

مع تصاعد الضغوط القانونية في قضايا مثل قضية بهاء موسى، يكشف الأرشيف عن تحول استراتيجي نحو تنظيم واستخدام الشركات العسكرية والأمنية الخاصة. وبحلول عام 2005، بلغ حجم الخصخصة في العراق مستوى غير مسبوق؛ فلأول مرة في الحروب الحديثة اقترب عدد المتعاقدين الخاصين من عدد الجنود النظاميين. عملت شركات مثل بلاك ووتر، وإيرينيس، وأيجيس في فراغ قانوني، محميةً بالأمر رقم 17، وهو مرسوم أصدرته سلطات الاحتلال لمنح المتعاقدين حصانة من الملاحقة بموجب القانون العراقي. وقد خلق ذلك واقعاً أصبح فيه آلاف المسلحين خارج متناول العدالة المحلية والدولية. 

وتعترف الوثائق بأنه أصبح “من الصعب إجراء تمييز واضح” بين أدوار الجيش وأدوار المتعاقدين الخاصين. لم يكن الدافع وراء طمس هذه الحدود عملياً فقط، بل كان سياسياً أيضاً؛ إذ تشير إحدى الوثائق صراحةً إلى أن الحكومات بات بإمكانها التعامل مع هذه الشركات بوصفها “شركاء بدلاً من اعتبارها مصدراً محتملاً للإحراج”. 

من خلال دفع النشاط العسكري إلى هذه المنطقة الرمادية التعاقدية، بدأت الدولة بنقل الكلفة السياسية للعنف إلى أطراف أخرى. ففي هذا الإطار، يمكن تصوير الانتهاك الذي يرتكبه متعاقد خاص بوصفه “إخفاقاً في الامتثال” أو خرقاً للعقد، لا جريمة حرب. وبينما يتحول الانتهاك الذي يرتكبه جندي إلى أزمة تمس شرعية الدولة، وفرت الشركات المتعاقدة منطقة آمنة لهذه الأفعال. 

وقد أتاح ذلك للدولة البريطانية الحفاظ على وجودها العسكري على الأرض، وفي الوقت نفسه حماية نفسها من “الإحراج” الناتج عن التعرض القانوني والتحقيقات العلنية التي طاردت الجيش النظامي آنذاك. 

أربع قضايا وقلق مؤسسي واحد 

يلخص أحد ملحقات مذكرة الإحاطة المؤرخة في تموز 2005 أربع قضايا، تُظهر عند قراءتها معاً حجم الضغط المتزايد على نظام العدالة العسكرية والقلق الذي ولده داخل سلسلة القيادة. 

في إحدى القضايا، خضع أربعة جنود من فوج رويال ريجيمنت أوف فوزيليرز لمحاكمة عسكرية بتهمة “سوء معاملة” مدنيين عراقيين، ولم يُكشف عن الانتهاكات إلا بعد أن قام أحد العاملين في محل لتحميض الصور بإظهار صور تُظهر إذلال المعتقلين، بما في ذلك صور تتعلق باستخدام الرافعات الشوكية. يتعامل الأرشيف مع هذه الواقعة بوصفها كارثة في انكشافها العلني لا تقل خطورة عن كونها جريمة جنائية. 

تتمحور قضية أخرى حول الجندي تروبر ويليامز، الذي وُصف داخلياً بأنه “كارثة”، فقد أطلق النار وقتل رجلاً عراقياً يُدعى حسن عباس سعيد أثناء محاولة للسيطرة عليه. وبناءً على مشورة قانونية خاطئة، قام قائده بإغلاق القضية من دون عقد جلسة استماع، وعندما انتقلت القضية لاحقاً إلى النظام القضائي المدني لم تقدم دائرة الادعاء العام أي أدلة. تعرض الوثائق هذا الإفلات من المساءلة بوصفه مسألة تتعلق بالاختصاص القضائي. 

أما قضية بهاء موسى فقد ولّدت ما تصفه الوثائق بـ”قلق كبير” بين رؤساء الأركان؛ فللمرة الأولى يواجه قائد عسكري، الكولونيل خورخي مندونسا، احتمال توجيه تهم بارتكاب جرائم حرب. ويكشف الأرشيف أن مجرد احتمال إخضاع مسؤولية القيادة للتدقيق الجنائي اعتُبر أمراً “مزعزعاً للاستقرار” على نحو جوهري بالنسبة للبنية العسكرية. 

لكن بينما انشغلت المؤسسة العسكرية بالقلق من التدخل القانوني، كان واقع الضحايا أكثر قسوة؛ فقد توفي بهاء موسى أثناء الاحتجاز وهو مصاب بـ93 إصابة منفصلة. وكان والده، داود موسى، يعتقد أن وفاة ابنه لم تكن مجرد نتيجة لانعدام الانضباط، بل كانت عملاً انتقامياً متعمداً بعد أن أبلغ عن قيام جنود بعمليات نهب: “أعتقد أنهم عرفوا أن الشخص الذي أشرت إليه كان ابني، ولذلك أرادوا الانتقام مني”. 

وتبرز الوثائق خوف المؤسسة العسكرية من تغلغل القضاء المدني، لكن بالنسبة إلى العائلة، فإن التكاتف داخل المؤسسة العسكرية كان يعني أن المساءلة الجنائية الحقيقية بقيت بعيدة المنال، رغم ما توصلت إليه التحقيقات من وجود إخفاق مؤسسي. وعندما قُدّم اعتذار لاحقاً من محامي الجندي الوحيد الذي أُدين، رفض داود موسى هذا الاعتذار بعبارة حاسمة اخترقت اللغة الإجرائية الجافة لمذكرات الإحاطة: “لن أقبل اعتذار مجرم”. 

أخيراً، تشير الوثائق إلى قضية مقتل الرقيب ستيفن روبرتس، الذي قُتل بنيران صديقة عندما استهدف مدفع دبابة مدنياً عراقياً كان يرشق الحجارة. وتقر الوثائق بأن الحادثة أعقبتها محاولة منسقة من سلسلة القيادة في الجيش لإحباط التحقيق، كما تشير إلى الآثار بعيدة المدى التي قد يخلّفها هذا التدخل على نظام العدالة العسكرية. 

المنظور العراقي: الفن والذاكرة وحدود المساءلة 

لفهم كيف عاش العراقيون حرب العراق وما أعقبها، من المفيد العودة إلى أصوات العراقيين الذين كانوا يقيمون في بريطانيا أثناء الغزو. بالنسبة إلى الكاتب والمسرحي حسن عبد الرزاق، اتسم غزو عام 2003 بتعايش الخوف مع أمل هش: “قلت لأصدقائي: انظروا، سيغزون العراق، لا يهم، أمريكا مجروحة بشدة، وستتصرف مثل ثور هائج”. 

وعندما ظهرت الوثائق الداخلية لوزارة الدفاع أكدت واقعاً كان كثير من العراقيين قد أدركوه منذ زمن، يقول عبد الرزاق: “بعد أبو غريب لم يعد هناك ما يثير الدهشة”. 

ويرى أن الانتهاكات البريطانية لم تكن استثناءات، بل جزءاً من ثقافة احتلال أوسع، حيث تُعد أساليب الاستجواب والتعذيب المشتركة ممارسة اعتيادية. 

لكن عبد الرزاق يرى أن عملية التحقيق البريطانية اللاحقة كثيراً ما تؤدي دور استراتيجية استنزاف أكثر من كونها طريقاً إلى العدالة. ويصف الطريقة البريطانية بأنها دورة من الاختصاصات المحدودة والتأجيلات إلى أن يكون الجميع قد تقاعدوا، وتُؤجل الحقيقة إلى أجل غير مسمى. وبالنسبة إليه، لا معنى للمساءلة من دون عواقب حقيقية: “ما لم يدخل شخص من أصحاب المناصب العليا إلى السجن فإن هذه الأمور لا أثر حقيقي لها. يشعر الناس أنهم يستطيعون الإفلات من العقاب”. 

وتحمل هذه الدورة الطويلة من العنف وغياب الحل كلفة نفسية باهظة. ويشرح عبد الرزاق أن الجمهور قد يعتاد تدريجياً على سيل الأرقام والأخبار، لكن العقل البشري يصل في النهاية إلى نقطة الانهيار. 

يقول: “تتراكم الأشياء إلى أن يرغب دماغك نفسياً في أن ينطفئ”. 

وفي هذا السياق، لا تستطيع الوثائق الرسمية، مهما كشفت، أن تعيد الاعتراف الأخلاقي بمفردها. 

يقول: “إذا كنت عراقياً، فإن من أصعب الأمور أن تحاول مقاومة التبلد العاطفي… الأمر يحتاج إلى عمل فني لكي يجعلك تشعر من جديد”. 

ويرى أن المسألة لا تتعلق بكون الناس “مصدومين” من هذا الأرشيف، بل بأن الجمهور البريطاني بدأ أخيراً يلتفت إلى سجلاته الخاصة بوصفها جزءاً من تاريخ مشترك ومؤلم. 

وعندما سُئل عن ما يود أن يستخلصه الجمهور البريطاني من هذه الملفات، وجّه رسالته إلى أولئك الذين ما زالوا يصرّون على أن الإمبراطورية كانت شيئاً جيداً: “لهؤلاء أقول: انظروا إلى سجلاتكم الخاصة، هذا الأرشيف ليس وثائق للحكومة العراقية، بل وثائق بريطانية، وهي تكشف عمليات تستر وفظائع باعتراف الدولة نفسها”. 

وفي النهاية، فإن الإخفاق ثقافي بقدر ما هو قانوني. فمن دون مواجهة ثقافية مع الماضي، تبقى النتائج القانونية مجرد إجراءات معزولة عن الذاكرة العامة، ويسهل تجاهلها. 

ويقول: “بوصفي راوياً للقصص، أسأل: أين القصص التي تتناول ذلك؟” 

ففي حين يجري تجسيد أشكال أخرى من الانتهاكات كثيراً في الحياة الثقافية البريطانية، يظل العنف الذي مارسته القوات البريطانية في الخارج غائباً إلى حد كبير. 

يقول بإصرار: “لا تظنوا أن هذا ليس جزءاً من تاريخكم… إنه كذلك، هناك قصة كبيرة وحقيقية مدفونة في هذا الأرشيف”. 

إن هذه الوثائق لا تؤكد فقط ما كان كثير من العراقيين يعرفونه مسبقاً، بل تكشف أيضاً حدود المساءلة التي كانت الدولة البريطانية مستعدة لتحملها. فقد وُثّق العنف، وتوقعته المؤسسات، وعالجته داخلياً، لكنه كان يُحوَّل باستمرار إلى مسائل تتعلق بالاختصاص والإجراءات. 

ومن هذا المنظور، فإن هذا الأرشيف لا يتعلق بالعراق وحده، إنهُ تسلط الضوء على منطق حكم لا يزال يحدد الطريقة التي تستجيب بها الديمقراطيات الليبرالية للأضرار التي تتسبب بها.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتبة عراقية مقيمة في لندن، تحمل درجة الماجستير في الإنسانيات والمساعدات والنزاع. تتناول في كتاباتها الإعلام والصراع والثقافة، مع تركيز خاص على الهوية والشتات وسياسات السلطة وإنتاج المعرفة.