في الثامن من نيسان 2026، انتهت أربعون يوماً من حربٍ أعادت رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة. الهدنة التي رعتها باكستان بين واشنطن وطهران افتتحت ما يمكن أن يكون مرحلة جديدة في المشرق العربي، تختلف بنيوياً عن مرحلة الاستقطاب الحادّ التي حكمت العقدين الماضيين. وفي قلب هذه المرحلة، يقف العراق في موقع نادر: بلد لم يدخل الحرب طرفاً، احتفظ بقنوات اتصال مع جميع الأطراف، وخرج منها بعلاقات قابلة للبناء عليها مع كلٍّ من واشنطن والرياض وأبو ظبي والدوحة وطهران وأنقرة على حدّ سواء.
هذا الموقع لم يأتِ صدفة. هو ثمرة اختيارات سياسية متراكمة منذ تولّي محمد شياع السوداني رئاسة الوزراء، وهو ثمرة موقف عراقي رسمي رفض الانخراط العسكري في الحرب، رغم الضغوط من اتجاهات متعدّدة، وهو ثمرة جغرافيا اقتصادية تجعل من العراق ممرّاً لا يمكن لأحد تجاوزه. السؤال المطروح اليوم ليس عمّا إذا كانت الفرصة موجودة، بل كيف يمكن للعراق ترجمتها إلى مكانة سيادية مستقرّة طويلة الأمد؟
نهاية مرحلة الاستقطاب الحادّ
النموذج الذي حكم المنطقة منذ 2003، حيث كان على كلّ بلد أن يختار بين محورين متخاصمين، انتهى عملياً مع هذه الحرب. خرجت إيران من المواجهة بأولويات معدَّلة، تركّز على إعادة البناء الداخلي وإعادة هيكلة قيادتها بعد رحيل المرشد علي خامنئي، وتُبدي انفتاحاً مستمراً على المفاوضات. وخرجت واشنطن بقناعة جديدة بأنّ الترتيبات الإقليمية المستقرّة تتطلّب شركاء أقوياء لا أتباعاً ضعفاء. وخرج الخليج بقناعة راسخة بأنّ الأمن لا يُستورَد كاملاً، بل يُبنى عبر شبكة من الشراكات الإقليمية التي تشمل العراق بصفته شريكاً محورياً.

في هذا التحوّل، يكتسب الموقف العراقي قيمة لم يكن يحظى بها سابقاً. فالعراق الذي كان يُنظر إليه طويلاً بوصفه ساحة للتنافس، باتت فيه مقوّمات موضوعية تجعله طرفاً وسيطاً قادراً على إدارة علاقاته مع الجميع: حدود مشتركة مع ستّ دول إقليمية، وعضوية فاعلة في الجامعة العربية ومنظمة أوبك، وعلاقات تاريخية مع طهران لا يمكن قطعها ولا رغبة في قطعها، وشراكة استراتيجية مع واشنطن تحكمها اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وانفتاح متسارع نحو الخليج العربي. لا توجد دولة أخرى في المنطقة تجمع هذه الشبكة من العلاقات في آنٍ واحد.
الانفتاح الخليجي: من التحفّظ إلى الشراكة
التحوّل الأبرز في السنوات الأخيرة جاء من الجانب الخليجي. الرياض وأبو ظبي والدوحة لم تعد تتعامل مع العراق بوصفه ملفّاً صعباً، بل بوصفه فرصة استراتيجية. الأرقام تتحدّث بوضوح: قطر تستثمر 27 مليار دولار في مشروع نمو الغاز المتكامل، إلى جانب التزامات شركة الاستثمار القطرية بسبعة مليارات إضافية في العقارات والفنادق والمستشفيات في بغداد. الإمارات تتقدّم عبر “دانة غاز” و”كريسنت بتروليوم” في حقول الجنوب، وأطلقت مع بغداد مؤخراً مشروع كابل “WorldLink” البحري، بقيمة 700 مليون دولار، لربط شبه جزيرة الفاو بأبو ظبي. السعودية تستثمر في الأنبار وتُكمل ربط شبكتها الكهربائية بالعراق عبر هيئة الربط الخليجي. الكويت، رغم ملفّات الترسيم البحري التي تحتاج تسوية تفاوضية، شريك تجاري يتنامى باطّراد.
ما يجعل هذا الانفتاح ذا قيمة استراتيجية أنّه يقوم على اعتراف خليجي صريح بأنّ استقرار العراق وازدهاره مصلحة خليجية بنيوية، لا مجرّد حسن جوار. الأمن الخليجي بعد هذه الحرب يُفهَم على نحو مختلف؛ فقد اتّضح أنّ المظلّة الأمريكية، رغم أهميّتها، لا تكفي وحدها، وأنّ الترتيبات الإقليمية المستدامة تتطلّب شراكات بينية حقيقية، تُتيح للجميع هوامش مناورة وموارد دفاعية مشتركة. والعراق في هذه المعادلة ليس طرفاً يُستجدى موقعه، بل طرفاً يتمتّع بأوراق قوّة يستحقّ على أساسها معاملة الندّ.
الانفتاح الأمريكي: شراكة على قاعدة المصلحة المتبادلة
على الجانب الأمريكي، يحمل المشهد دلالات بالغة الأهمية. تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة في 27 نيسان، وما تلاه من اتصال هاتفي مباشر من الرئيس ترامب في 30 نيسان، ودعوته إلى البيت الأبيض فور تشكيل الحكومة، أمور تعكس تحوّلاً في طبيعة العلاقة. واشنطن لم تفرض اسماً، لكنّها أعلنت بوضوح خطوطاً حمراء، وكان رفضها ترشيح المالكي قبل أشهر اختباراً لقدرتها على التأثير. النتيجة: مرشح توافقي خرج من داخل الإطار التنسيقي نفسه، يحظى بقبول خليجي وأمريكي وكردي وسنّي في آن واحد.
هذا النمط من العلاقة، حيث تُصاغ الخيارات الكبرى بتشاور جدّي مع الشريك الأمريكي دون أن يُختزل القرار العراقي، هو ما ينبغي تكريسه نموذجاً. اقتصاد العراق يعتمد على عوائد نفطية مودعة في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وعلاقاته المصرفية الدولية تمرّ عبر النظام المالي الأمريكي، ووجوده في التحالف الدولي ضد داعش لا يزال له ضرورات وظيفية. هذه ليست تبعية، إنّها واقع موضوعي يتطلّب إدارة مهنية لا انفعالية. والإدارة المهنية تعني تحويل العلاقة الأمريكية من علاقة ضغط دوريّ إلى شراكة استراتيجية تحكمها الأطر المؤسّسية، بدءاً من اتفاقية الإطار الاستراتيجي ووصولاً إلى ترتيبات اقتصادية وأمنية أوسع.
العلاقة مع إيران: جوار سيادي بلا وصاية
في موازاة ذلك، يحتاج العراق إلى إعادة تعريف علاقته بإيران على قاعدة جديدة: علاقة دولة بدولة، تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا علاقة تخترق فيها الفصائل المسلّحة المؤسّسة العراقية باسم قضايا إقليمية. إيران في مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى علاقات اقتصادية مستقرّة مع جوارها، أكثر من حاجتها إلى أذرع مسلّحة، وفي هذا التحوّل فرصة لإعادة بناء العلاقة العراقية-الإيرانية على أساس أكثر نضجاً.

الجوار مع إيران لا يُلغى ولا يُختزل. مليون زائر إيراني سنوياً للعتبات المقدّسة في النجف وكربلاء، وتجارة بينية تتجاوز 12 مليار دولار، واعتماد كهربائي تاريخي، وروابط دينية وثقافية لا تخضع للحسابات الجيوسياسية. لكنّ هذه العلاقة الواسعة تحتاج إطاراً سيادياً يُديرها، لا أن تُدار من خارج المؤسّسة الرسمية. هذا في مصلحة البلدين معاً: إيران تكسب جاراً مستقرّاً يمكن الاعتماد عليه اقتصادياً، والعراق يكسب علاقة لا تُكلّفه استقلالية قراره.
طريق التنمية: العمود الفقري للسيادة الاقتصادية
في قلب هذه الفرصة يقع المشروع الاقتصادي الأبرز في تاريخ العراق الحديث: ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية. استثمار بقيمة 24 مليار دولار، يمتد على طول 1200 كيلومتر من السكك الحديدية والطرق السريعة، لربط الفاو بالحدود التركية، وعبرها بأوروبا، بطاقة شحن سنوية تبلغ 55 مليون طن في المرحلة الأولى، و10 إلى 15 يوماً من التوفير مقارنة بقناة السويس. ولسبب موضوعي، تدفع كلٌّ من الإمارات وقطر وتركيا باتجاه إنجاحه، وتنظر إليه واشنطن بترحيب باعتباره يقلّل اعتماد الأسواق على ممرّات ضيّقة معرّضة للاضطراب.
لكنّ القيمة الحقيقية لهذا المشروع تتجاوز الأرقام الاقتصادية. حين أغلقت أزمة هرمز في 18 نيسان أبواب التجارة العالمية مؤقّتاً، تبيّن أنّ كلّ كيلومتر من طريق التنمية يضيف للعراق هامش حركة، ويُحرّر القرار الإقليمي من ابتزاز الجغرافيا. مشروع كهذا يحوّل العراق من ممرّ إجباري إلى ممرّ مرغوب، ومن ساحة عبور إلى عقدة تحوّل تنتفع منها كلّ الأطراف بلا استثناء، بما في ذلك إيران نفسها، التي تستفيد اقتصادياً من ازدهار جارها.
هنا تبرز قيمة الإجماع الإقليمي حول المشروع. ميناء الفاو وطريق التنمية لا يعاديهما أحد جوهرياً، لأنّ منطق المنفعة المتبادلة يحكمهما. هذا بالضبط ما يجعلهما مشروعاً سيادياً نموذجياً: لا يُجبِر العراق على الاختيار، بل يُمكّنه من فتح أبوابه للجميع.
المرحلة المقبلة: ترجمة الموقع إلى مؤسّسات
تشكيل حكومة الزيدي هو الاختبار التطبيقي الأوّل. الفرصة المتاحة تتطلّب حكومة كفاءات قادرة على إدارة التعقيدات الإقليمية، وعلى ترجمة الإجماع الذي أوصل الزيدي إلى الترشيح إلى إجماع أوسع حول أولويات الدولة: استكمال طريق التنمية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الريع النفطي تحقيقاً لأهداف “رؤية 2050″، وتعزيز احتكار الدولة لأدوات القوّة وفق قرار مجلس الأمن الوطني الصادر في 24 آذار. هذه ليست أجندة لاستهداف أيّ طرف، بل أجندة لبناء دولة قادرة على الالتزام بتعهّداتها أمام الجميع.

نجاح هذه المرحلة يتطلّب أيضاً إعادة بناء الثقة الإقليمية بعد التوترات الأخيرة. تسوية ملفّ الترسيم البحري مع الكويت بصيغة تفاوضية محترمة، وتسريع آليات الحوار الأمني مع دول الخليج، وتوسيع التعاون الاقتصادي مع الأردن ومصر وسوريا الجديدة، كلّها خطوات لا تُكلِّف العراق سيادته، بل تُعزّزها. الدولة القوية هي تلك التي تستطيع أن تتفاوض من موقع مسؤول، لا تلك التي تتعامل مع جيرانها كأعداء محتملين.
العراق محوراً لا ساحة
الفرصة المتاحة اليوم استثنائية؛ لأنّها تأتي من تحوّل بنيوي في المنطقة كلّها، لا من ضعف هذا الطرف أو ذاك. إيران تُعيد ترتيب أوراقها على أساس واقعي. الخليج يُعيد تعريف أمنه على قاعدة الشراكات لا الوصاية. واشنطن تُعيد قراءة دورها على أساس إدارة العلاقات لا فرضها. وفي هذه اللحظة بالذات، يجد العراق نفسه، للمرّة الأولى منذ عقود، مرغوباً من الجميع، لا متّهماً من الجميع.
ترجمة هذا الموقع إلى منجز سيادي مستدام تتطلّب وضوحاً في الرؤية، ومهنية في الإدارة، وصبراً في التنفيذ. لكن المعطيات الموضوعية مهيّأة بشكل استثنائي: حكومة قادمة تحظى بقبول إقليمي ودولي واسع، ومشاريع اقتصادية كبرى تدخل مرحلة التشغيل، وانفتاح خليجي حقيقي، وعلاقة أمريكية تنتقل من الضغط إلى الشراكة، وفرصة لإعادة بناء العلاقة مع إيران على قواعد الندّيّة.
العراق عبر تاريخه الحديث كان يُعرف بمكانته الجغرافية، وبثقله الديموغرافي، وبثرواته الطبيعية، وحان الوقت ليُعرف أيضاً بقدرته على إدارة هذه المقوّمات بحكمة. فرصة استعادة الموقع الطبيعي لبلاد الرافدين -محوراً لا ساحة، شريكاً لا تابعاً، صانعاً لتوازنات لا منفعلاً بها- حاضرة اليوم بشكل لم يكن متاحاً منذ عقود، والمسؤولية الوطنية تقتضي عدم تفويتها.
تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”