في الوقت الذي تشيع فيه السلطة العراقية سردية التعافي الاقتصادي، والتنمية، والمشاريع الكبرى، عاد البرلمان ليناقش قانوناً يشبه إلى حد بعيد قوانين التقشف التي ظهرت خلال سنوات الحرب على داعش، حين كانت الدولة تواجه أزمة مالية خانقة، وانهياراً في أسعار النفط، وكلفة حرب مفتوحة استنزفت الموازنة العراقية.
مفهوم القانون الجديد
القانون الجديد يمنح الوزراء والمحافظين ورؤساء الجهات غير المرتبطة بوزارة صلاحية منح الموظفين إجازات طويلة، قد تصل إلى خمس سنوات براتب اسمي، أو ست سنوات من دون راتب، مع السماح لهم بالعمل في القطاع الخاص خلال فترة الإجازة. كما ينص على احتساب جزء من مدة الإجازة لأغراض التقاعد.
ظاهرياً، يبدو القانون إدارياً أو مرتبطاً بتنظيم شؤون الخدمة العامة، لكنه في توقيته الحالي يكشف شيئاً أعمق يتعلق بالقلق المالي داخل الدولة العراقية، خصوصاً مع التراجع الحاد في الإيرادات النفطية منذ نهاية شباط، بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من ردّ، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعتمد العراق عليه بالكامل تقريباً لتصدير نفطه الجنوبي، ما أدى إلى خسارة تقارب 250 مليون دولار يومياً من الإيرادات النفطية، أي ما يقترب من 10 مليارات دولار خلال أسابيع قليلة فقط.
وتأتي هذه الأزمة بينما يعتمد العراق اعتماداً شبه كلي على النفط لتمويل الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، وسط تضخم كبير في الإنفاق التشغيلي، وتأخر إقرار موازنة 2026، وارتفاع الدين الداخلي إلى 96.6 تريليون دينار، بالتزامن مع خسارة تُقدّر بنحو 10 مليارات دولار من العائدات النفطية خلال الأشهر الأخيرة، وانخفاض احتياطي البنك المركزي بأكثر من ثلاثة تريليونات دينار خلال أسبوعين فقط، بين 9 و23 نيسان.

على أية حال، يبدو أن السلطة، أمام هذا الانكشاف المالي الواسع ونقص السيولة الذي قد ينعكس مباشرة على الشارع، لا تملك سوى البحث عن طرق لتخفيف أعباء الدولة المالية، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الاجتماعي نفسه. فالدولة التي قامت طوال سنوات بدور المموّل الرئيسي للحياة اليومية عبر الرواتب والإنفاق العام، تبدو اليوم وكأنها تحاول الانسحاب تدريجياً من هذا الدور.
القانون والقطاع الخاص
ترْك الموظفين للتنافس داخل سوق خاصة وهشة ومحدودة، من دون خطط اقتصادية واضحة أو ضمانات حقيقية، يعني عملياً دفع أعداد كبيرة من الناس نحو قطاع يعاني أساساً من ضعف التنظيم، وتراجع الحقوق، وعدم الاستقرار الوظيفي.
القانون، والحال هذه، لا يتحدث بشكل مباشر عن تسريح الموظفين، لأن هذا الخيار يبقى شديد الحساسية في العراق، خاصة بعد أن تحولت الوظيفة الحكومية، خلال العقدين الماضيين، إلى شبكة حماية اجتماعية يعتمد عليها ملايين العراقيين، أكثر من كونها جزءاً من سوق عمل طبيعية. لكن مضمون القانون يكشف أن الدولة بدأت تفكر فعلياً بكيفية تقليل العبء المالي للجهاز الحكومي، ولو بصورة تدريجية.
بمعنى أكثر صراحة، فإن الدولة لا تقول للموظف إنه مفصول من عمله، بل تطرح عليه خيار المغادرة المؤقتة، والبحث عن مصدر دخل آخر، مع الاحتفاظ بصفته الوظيفية جزئياً، وتقليل الضغط المالي عن الموازنة في الوقت نفسه.

كما أعلنت الوزارة أن عدد السكان ضمن سن العمل، بين 15 و64 سنة، يبلغ نحو 27.8 مليون نسمة، أي ما يمثل أكثر من 60 بالمئة من سكان العراق، بالتزامن مع استمرار معدل النمو السكاني عند 2.5 بالمئة سنوياً، وهي أرقام تعني أن الدولة تواجه ضغطاً متزايداً لتوفير الوظائف والدخل والخدمات، في اقتصاد يعتمد أساساً على النفط والإنفاق الحكومي.
هذه الأرقام تكشف حجم النموذج الذي تشكل بعد 2003، حيث تحولت الوظيفة العامة تدريجياً إلى أداة لامتصاص البطالة، ووسيلة لبناء شبكات الولاء والاستقرار السياسي والاجتماعي، أكثر من كونها جزءاً من تخطيط اقتصادي منتج أو مستدام.
ولسنوات طويلة، أجّلت السلطة مواجهة المشكلة وذهبت بدلاً إلى توسيع التوظيف والإنفاق، من دون بناء قطاع خاص حقيقي أو اقتصاد قادر على توفير فرص عمل مستقرة خارج الدولة. واليوم، ومع تراجع الإيرادات وارتفاع الكلفة، تظهر نتائج هذا النموذج دفعة واحدة، بعدما وضعت السلطة الدولة والمجتمع في علاقة ريعية وزبائنية، تقوم على توزيع المنافع أكثر من بناء اقتصاد فعلي قادر على الصمود.
وهذا التحول لا يعني مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل احتمال اهتزاز كامل للصيغة الاجتماعية التي تشكلت في العراق بعد 2003، حين أصبحت الدولة المصدر الأساسي للدخل، والوظيفة الحكومية الوسيلة الأكثر استقراراً للحياة. وبالنسبة لقطاع واسع من المجتمع العراقي، لم تعد وظيفة الدولة تتجاوز تأمين الراتب بوصفه المصدر الأساسي للاستقرار والمعيشة اليومية.
تآكل نظام السلطة بعد 2003
على مدى عقدين، لم تُبنَ علاقة مستقرة بين السلطة والمجتمع على أساس الإنتاج أو التنمية أو الخدمات كما تفعل الدول عادة، بل على توزيع الرواتب والتعيينات والعقود والمنافع. وكانت الوظيفة الحكومية، حتى مع ضعف الرواتب وتدهور المؤسسات، تمثل بالنسبة لملايين العراقيين الحد الأدنى من الأمان، فهي التي تؤمِّن انتظام دفع الإيجار، وشراء الطعام، وإرسال الأطفال إلى المدارس، وتجنِّب السقوط الكامل في الفقر.
لكن أي تآكل واسع في هذه الصيغة، سواء عبر تقليص التوظيف، أو دفع الموظفين نحو “الخروج المؤقت”، أو خفض قيمة الدينار، وهو خيار يتكرر الحديث عنه في النقاشات الاقتصادية والسياسية، سيعني انتقال الأزمة مباشرة إلى الحياة اليومية للناس، وليس إلى دفاتر الدولة فقط.
ففي بلد يعتمد على الاستيراد بصورة شبه كاملة، سيؤدي أي انخفاض جديد في قيمة الدينار إلى ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والنقل، بينما تبقى الرواتب نفسها أو تتراجع قيمتها الفعلية. وهذا يعني أن ملايين الموظفين، الذين كانوا يمثلون الطبقة الوسطى العراقية أو ما تبقى منها، قد يجدون أنفسهم تدريجياً أقرب إلى الفئات الهشة والفقيرة.

الأخطر أن هذا السيناريو قد يحدث في ظل عدم وجود شبكة ضمان اجتماعي واسعة، ولا خدمات عامة مستقرة يمكن أن تخفف الضغط عن الناس. فالكهرباء، والتعليم، والصحة، والنقل، وحتى المياه، تتطلب في كثير من الأحيان إنفاقاً إضافياً من جيب المواطن نفسه، ما يجعل أي تراجع في الدخل أكثر قسوة واتساعاً في أثره الاجتماعي.
وفي لحظة كهذه، يعود السؤال الأقدم والأكثر حساسية في العراق: كيف تحافظ السلطة على الاستقرار داخل مجتمع شاب ومتضخم سكانياً إذا بدأت الصيغة التي قامت عليها الدولة بعد 2003 بالتآكل تدريجياً؟
فالدولة التي استخدمت الوظائف والرواتب طوال سنوات بوصفها أداة لشراء الاستقرار وامتصاص الغضب، قد تجد نفسها للمرة الأولى أمام مجتمع أكبر عدداً، وأقل قدرة على الاحتمال، وأكثر شعوراً بانسداد الأفق، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة نفسها على التمويل والاحتواء.