“بروجكترات الحرب”.. أمٌّ في السجن وفتى يهرب من المفخخات(2-2)

في الجزء الثاني من ملف "حروب تستيقظ" نتتبع كيف يفكّر العراقي في لحظة الحرب على أرضه أو عند جيرانه؟ ماذا يتذكّر؟ ماذا يخاف؟ وكيف تتحوّل تجارب مثل الحصار، والقصف، والملاجئ، والفقدان، إلى أنماط يومية في الأكل، والنوم، والقلق، وفي طرق النجاة الصغيرة التي لا تُرى؟ ضمن ملف "حروب تستيقظ"، ننشر أربعة نصوص تتتبّع الحرب التي تستمر في النفس وعلى الأرض بلا توقف..

منتظر شاكرمنتظر شاكريوسف صبيحيوسف صبيح | 10 أيار 2026

طفل يعيش القلق منذ أن كان جنيناً داخل الرحم، وآخر يهرب من المفخخات وذاكرتها بعينين لا تبصران جيداً.. تجربتان عن طفولة تشكلت في ظل الحرب.. 

أخي الذي هزم السلطة بالألوان 

يوسف صبيح 

لم تشهد أمي الانهيارات الأخيرة التي عصفت بالبلاد، لكنها عرفت، قبل سنوات طويلة، شكل رعب حقيقي، مختلف، وربما مثلها آلاف النساء، ولكنهن لم يحكين حكايتهن ولم يحك أحد حكايتهن. 

أما أنا فأريد ألّا أتذكرها الآن كامرأة ودّعت الحياة في عقدها الخامس، بل كعروس شابة، حامل، اقتيدت إلى مركز شرطة البعث، لأن قريباً لها قرر أن يهرب بشبابه من الخدمة الإلزامية في حرب كانت ستقضم عمره. لم تكن قد أتمّت عامها الـ21 عندما وجدت نفسها محاطة برجال الشرطة، بنظراتهم، بصمتهم، بأسئلتهم التي لم يكن فيها انتظار للإجابة، بل للحكم المسبق من تقرير كتبه أحد المخبرين.  

ربما، بل حتماً، جلست على الكرسي المعدني في زاوية إحدى الغرف، ويداها تغطيان بطنها الملفوف بالعباءة السوداء وهما ترتجفان. لم تكن تعرف يومها أن الجنين في داخلها لا يتغذى فقط من جسدها، بل من خوفها أيضاً، من توترها، من ذلك الانتظار القاتل والتلاعب النفسي الذي لم تكن تعرف له نهاية.  

كل يوم يستدعونها، ويتركونها على كرسي الانتظار، بلا أجوبة، بل أسئلة. كما أمهات ونساء العراق وهن ينتظرن عودة رجالهن من الجبهة، كانت تنتظر نجاتها. 

تخيلت كل الاحتمالات بعد كل أنواع الاستدعاء ثم الصمت الطويل كنوع من التعذيب النفسي، هل سيعتقلونها؟ هل ستلد داخل هذا المبنى المتعفن والمتقشرة جدرانه؟ هل ستخرج أصلاً؟ لم تكن تعرف، ماذا عن زوجها في الجبهة؟ هل يعلم أن عروسه وسط رجال الزي الزيتوني؟ خرجت في النهاية، ليس لأن الدولة سامحتها، بل لأن زوجها، أبي، ليعفي زوجته الحامل من ساعات الانتظار، وربما مما هو أسوأ في مراكز الشرطة، قرر أن يتعمد إصابة ساقه من مسافة قريبة ليكون بطل حرب. 

لم تدقق السلطة في إصابته، لأنها كانت دائماً منشغلة بنفسها، تنهار من جهة وتكابر من جهة أخرى، فباغتتها أمي ودخلت صالة الولادة. 

ثم جاء أخي الأكبر ياسين إلى هذا العالم طفلاً جميلاً، هادئاً، لا يبكي كثيراً، بصحة وعافية، ليستطيع الزوجان أن يفرحا لأيام بمولودهما. 

عائلة ياسين، مصدر الصورة: الكاتب.

مرّت الشهور، كانت أمي تراقب بحنان وقلق هدوء أخي وسط فوضى البلاد. لم يشتكِ من شيء في البداية، حتى أصيب بوعكة خفيفة، ليقول الطبيب بعدها جملة واحدة افتتحت حكاية قاسية أمام أخي وأمي: “عنده تأخر في النمو العقلي، سيبقى عقله في عمر الخامسة مهما تقدم به العمر”. 

انهارت أمي لليلة واحدة فقط، ثم نهضت، ولملمت شتاتها بخطة محكمة من أجل طفلها، فلن تنتصر السلطة على الأم أبداً. 

وهبت حياتها كاملة لطفلها، علمته الألوان، والقصص، والحروف، والحب، واللباقة. 

نزعت من حوله الخوف، وغنّت له بدلاً من سماع إحباط الأقارب. لم يكن يعرف الحقد، ولا الخجل من اختلافه، كبر وهو يؤمن أن في داخله عالماً خاصاً لا يشبه عالم أحد.  

في العاشرة من عمره، بعد أن راقب أحد الرسامين الرقميين من أصدقاء العائلة، استأذنه ليبدأ الرسم، فصدم قريبنا مما صنعته أصابع طفل في العاشرة بعقل في الخامسة. 

لوحة من رسومات ياسين، مصدر الصورة: الكاتب.

رسوماته لم تكن عادية، كانت تعجّ بالتفاصيل، بالمربعات والخطوط الدقيقة، بالبيوت التي لا تتهدم، بالنساء والأطفال، رسوم من عوالم جديدة. وعندما شاهدت أمّنا رسومه شعرت للحظة أنها انتصرت على السلطة، ابتسمت وضحكت وأدمعت من قلبها، كأنها رأت شفاءً يتسلل من ثغرة في ألوان التاريخ الحالك الذي عاشته. 

في السنة التالية، أُقيم له معرض صغير في قاعة محلية في بغداد. وقف بملابس مكوية إلى جانب لوحاته الرقمية، ينظر بدهشة إلى الزوار الذين يمدحون فنه ولا يعرفون حكايته من البداية. لم يتصور أحد أن السلطة مرّت عليه وهو جنين في رحم أمي، لم يسأل أو يعرف أحد عن مركز الشرطة، عن التحقيق، عن كلمات الطبيب. 

كانت أكثر لوحاته غرابة تُظهر مدينةً يعلوها دخان كثيف، وسماءً مشققة، ووجوهاً تركض بلا ملامح، وأشار قائلاً: “هي بغداد”. وقف الناس أمامها طويلاً يفسرونها بخيال طفل موهوب، بينما كانت تحدق أمي فيها بصمت وبحدس لم تعرف معناه في تلك اللحظة. 

كانت هناك، واقفة خلف الجميع، تبتسم وتتلقى التهاني عن طفلها الذي لم يهزم التأخر العقلي فقط، بل شيئاً أعظم، لقد هزم خوفها القديم والسلطة بالألوان. 

بعد عام واحد فقط، وقع الغزو، كأن اللوحة نبوءة وثأر من سلطة انتزعت شيئاً من أخي، لكنه تنبأ بزوالها كلها. 

لوحة من معرض رسومات ياسين، مصدر الصورة: الكاتب.

طفولة وشباب تحت “بروجكترات الحرب” وبنصف عين 

منتظر شاكر

يُقال إن الطفولة هي أجمل مراحل العمر، تلك السنوات الأولى البريئة التي يقضيها الطفل راكضاً في أرجاء المنزل، خلف والده، أو جده، أو كرته الصغيرة. فترة من المفترض، على الأقل، أن أكون فيها غافلاً عن مفاهيم الموت، أو الرصاص الطائش، أو السيارات المفخخة. 

لكن، ماذا بوسع دماغ صغير، وجسدٍ هش، وعينين لا تبصران جيداً، أن تفعل حين تولد في مكان لا يوفر الحد الأدنى من رفاهية الطفولة الآمنة؟ سؤال وجدتُ إجابته بنفسي كل يوم، لسوء حظي. 

أنا من مواليد عام 1999، لم أحتج إلى التنقيب طويلاً في ذاكرتي كي أستحضر مقاطع من الحروب التي عايشتها. فما زلت أذكر جيداً ما بعد غزو عام 2003، حين كانت السماء تشتعل ليلاً بالقذائف المضيئة التي تُستخدم لكشف المناطق المفتوحة، وكنت أسميها حينها “بروجكترات الحرب”، لأن عيني الضعيفة الرؤية كانت تضاعف مشهدها. 

رغم أنني لم أكن قد تجاوزت الثامنة أو التاسعة من عمري، كنت أدرك جيداً ما كان يبدو أكبر من قدرتي على الاستيعاب لو أنني وُلدت في دولة أخرى. كان الذهاب من الناصرية إلى بغداد لإنجاز معاملة حكومية، مثلاً، يحمل مخاطر حقيقية، فكل الشوارع المكتظة وكل نقاط التفتيش كانت مرشحة لأن تكون هدفاً لانفجار سيارة مفخخة. تلك العبارة “السيارة المفخخة” أصبحت مألوفة في حياة كل عراقي، وصاروا يعرفون كيف يميزونها أو يتجنبون أماكنها المفضلة، أو يحاولون على الأقل. 

بين عامي 2012 و2013، خرجتُ من المدرسة يوماً برفقة أصدقائي، وبينما كنا نسير في الشارع، توقفت سيارة على الرصيف المقابل للمدرسة، نزل منها السائق بسرعة، وصعد سيارة أخرى كانت بانتظاره، ثم غادر المكان. 

قال صديقي بصوت خافت، وكأنه يقرع جرس إنذار داخل رؤوسنا: “راح يصير انفجار”. 

لم ننتظر تفسيراً، ركضنا بكل ما أوتينا من خوف وغريزة بقاء. كان بعض أصدقائي يحملون أغراضاً منزلية عليهم إيصالها إلى أحد الجيران القريبين، إلى جانب كتبهم المدرسية. 

أما أنا، فكنت أحمل حقيبتي المدرسية الثقيلة، الحقيبة التي تُحمَل على كتف واحدة، كما يفعل أغلب طلاب المتوسطة. 

كنا نركض مرتجفين خوفاً من حدوث الانفجار. “لا نلتفت”، تلك هي القاعدة. 

وبسبب ضعف بصري الحاد، كنت أتعثر وأسقط مراراً أثناء الركض. وعندما وصلنا إلى بيت الجار على بعد عشرات الأمتار، كنت مغطى بالغبار من رأسي حتى قدمي. 

لكن، بعد ساعات من الانتظار، لم يحدث الانفجار. لم تكن هناك سيارة مفخخة، ولا خطرٌ ماثل، رجل مستعجل فقط، لديه حالة طارئة في بيته، ترك سيارته مؤقتاً، وعاد مع قريبه. 

لكن الخوف كان حقيقياً، كان أثقل من الحقيبة على ظهري، وأسرع من قدميّ، وأكبر من عمري، واستمر معي حتى اليوم كوسواس قهري يصعب التخلص منه. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي.