من دفاتر الحرب (1): كم تأكل الحرب من إنسانيتنا 

في النص الأول من "من دفاتر الحرب"، يكتب حيدر سعيد عن الإنسان تحت ضغط الحرب، وما يبقى منه في مواجهة الخوف، وعن تمايز الضمائر، الـ"نا" والـ"هم"، وبديهية الصفة الإنسانية..

حيـدر سعيـدحيـدر سعيـد | 30 نيسان 2026

تحدث الحرب، بتعريفها، بين خندقين، فريقين أو مجموعتين سكّانيتين، وتكون مصحوبة بسرديات، أو رؤية، أو منطق متعارض بين الفريقين بالضرورة، يبرّر وصول الصراع إلى شكله الأقصى، العنف، حيث تنعدم وسائل التسوية ما دونه. 

وقد تسود سرديات النزاع المفضية إلى الحرب والمبرِّرة لها بين نخبة الحكم من جهة -وهي التي تتولى عادةً إنتاج هذه السرديات- والشعب من جهة أخرى. ففي حالات غير قليلة، يحدث شكل من أشكال الوحدة بين الدولة أو منظومة السلطة، التي تدير قرارَ الحرب وتخوضها، وبين الشعب أو المجموعات السكّانية تحت سلطة الدولة، حين يسود شعور بالتهديد، يُنتج إيماناً بضرورة الوقوف خلف أداة المواجهة الأساسية، الدولة، ولا سيما في تلك الحروب التي لا تتوقف عند الحدود (الحروب الكلاسيكية)، بل تصل إلى المناطق المدنية وتستهدفها. إلا أن هذه الوحدة ليست عامة، فثمة حروب كثيرة تفتقد إليها. وبوصفي عراقياً، أعرف أن جزءاً كبيراً من الشعب العراقي لم يكن متحداً في الحروب التي خاضها صدام حسين. 

لم تهتم فلسفات الحرب أو الدراسات السوسيولوجية عنها بكيفية صناعة صورة “العدو” بقدر ما تركّزَ منجزُها على توسيع فهم الحرب، من كونها عملاً عُنفياً محضاً إلى ما يشكله العنف من مجاز “metaphor” لمعان أبعد، سياسية، أو سوسيولوجية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو أنثروبولوجية. 

ثمة دراسات قليلة تتناول صورة العدو ومصادر صناعتها، ولكنها تركّز على هذه العمليات ما قبل الحرب، من حيث هي شرط لقيام الحرب، أي وجود عدو مشحون بصورة سلبية.

غير أنه ينبغي التنبّه على عمليات شديدة الأهمية، تسبق عمليات صناعة العدو، فالحروبُ -ولا سيما تلك التي تحدث داخل مجتمع واحد، أو يفترض أنه واحد، أو بين مجتمعات متعايشة ومتشاركة في الثقافة والتاريخ مثلاً- هي تتويج لعمليات “صناعة الآخر”، أو نزعة “الآخرية otherness”، التي تكون من جهةٍ جزءاً من عمليات صناعة الذات الثقافية والسياسية، وابتكار هويتها من نسيج الهويات القائمة وعديدها. ومن جهة أخرى تعرّف ما لا تنطبق عليه هذه الهوية بأنه “آخر”، فتطرده الذاتُ خارجها. 

الآخرية عملية طبيعية في صناعة الهوية، تشتق منطقَها من الأنطولوجيا الفردية، حيث تعرف الهوية عبر الاختلاف عن آخر. 

عمل فني:عاطف الجفال

ولكن الآخرية التي تعمل داخل المجتمع الواحد أو داخل المجتمعات المتشاركة تطرد “آخر” كان جزءاً من تعريف الهوية، وكان يمكن أن يظل كذلك لو صيغ تعريف الهوية على نحو آخر، غير أن لحظة صناعة العدو النزاعية، السياسية، المحتدمة، الملتبسة صيّرته “آخر”.  تظهر الآخرية في اللغة في الخطاب الذي يميز بين “نا” الجماعة، و”هم” الآخرين، بعد أن كان “هم” الآخرين جزءاً من “نا” الجماعة.

تظهر الآخرية في اللغة في الخطاب الذي يميز بين “نا” الجماعة، و”هم” الآخرين، بعد أن كان “هم” الآخرين جزءاً من “نا” الجماعة.

ولأقل: إن اللغة -والرموز على نحو عام- هي التي تضع الحدود بين الذات والآخر. وحتى لو كانت الآخرية قراراً ذهنياً، فإنه لا قيمة له من دون تحقّقه اللغوي الفعلي، لا يمكن الفصل هنا بين الإرادة الذهنية والتحقق اللغوي. وأكثر من ذلك، يمكن القول إن اللغة هي التي تشكّل الآخرية، فالتكوين اللغوي الذي يُنشئ الفرد على تمايزات الضمائر يُنشئه في الوقت نفسه على التمايزات الأنطولوجية والسياسية، التي تبطنها تمايزات الضمائر، تماماً كما تنظّم اللغة وتُنشئ التمييز الجنسي. 

أفكّر دائماً في لغة الخطاب بين العرب والكرد في العراق الحديث، فإذا كان خطاب الكرد، الذين كانوا طامحين بدولة قومية، كما قوميات المنطقة الأخرى، العرب والترك والأرمن والإيرانيين، يتحدث عن العرب -وقد أصبحوا معهم في دولة واحدة وفيما يفترض أنه “أمة واحدة”- بوصفهم “هم”، فإن خطاب العرب -الذين انتهى إليهم حكم العراق بسبب الظروف التاريخية المعروفة والدعاوى الديموغرافية- ظل يتحدث عن الكرد بوصفهم “هم” كذلك، مع أنه خطاب الحاكم راعي الاندماج وصناعة الهوية الوطنية الواحدة. كانت ثمة بعض اللحظات التي دخل فيها “هم” الكرد في “نا” الجماعة، ولكنها لحظات عابرة، ثانوية، لم تترسخ، بل لقد باتت آخرية الكردي تشتد يوماً بعد يوم. 

عمل فني:عاطف الجفال

ومن المثير أيضاً متابعة كيف ومتى بدأت تتمايز الضمائر، الـ”نا” والـ”هم”، في العراق الحديث، بين شيعته وسنته، متى بدأ كل فريق يتحدث عن الآخر بوصفه “آخر”، وإلى أي مدى يمكن أن نَعُد تمايز الضمائر هذا مولِّداً للطائفية. 

ولا تتمظهر الآخرية في اللغة والخطاب فقط ومن خلالهما، بل إن لها مخيالاً، يُنتج الصور والتصورات والخيالات عن الآخر. وفي المجتمع الواحد، تنسف الآخرية إمكانية تشكل مخيال وطني، لنكون أمام حالة يُنتِج فيها الآخرون صورهم عن الآخرين، التي قد لا تطابق “الواقع” بالضرورة، بالبرهان الأدنى لـ”الواقع”، ولكنها صورة تحتاجها الذات في لحظة احتدامها مع الآخر. 
ومن ثم، لا تتوقف الآخرية، في العمليات السوسيولوجية والسياسية داخل المجتمع الواحد أو المجتمعات المتشاركة، عند كونها تمييزاً هوياتياً، فهي تفتح في الغالب مساراً نزاعياً، لتكون تمهيداً أساسياً لصناعة العدو.  

الآخرية وصناعة العدو وصورته إذن تسبقان الحرب، بل هما شرطان لها.
ولكن، هل تتحول الحرب هي الأخرى وبذاتها إلى فاعل في هذا المجال، أم إنها مجرد تنفيذ آلي لصورة معدة سلفاً؟ 

ما تفعله الحرب، استناداً إلى الخبرة التي نعيشها ونكتسبها ونتعلّمها منها، أو لأقل: ما تفعله فترات العنف الطويلة، التي تقع المجموعات السكانية أو المدنيون تحت آثارها، هو أنها تكمل، بل ربما تكون عاملاً أساسياً في إضفاء نوع من التجريد على الفريق الآخر، العدو الخصم، فيصبح كلُّه عدواً، مبرّراً قتالُه، بناسه، ومدنيِّيه، وأطفاله. 

تبدو الحرب كأنها المصداق الفعلي لصورة العدو التي رُسمت قبلها. 

ما أسعى إلى إضافته هنا هو كيف تعمل الحرب نفسها على صناعة صورة العدو أو تعميقها، كيف تصبح هي العامل الرئيس في ترسيخ الصورة، وليست مجرد تطبيق فني، فما كان بوادر قبلها، قد تحتمل النقاش أو النقد، كرّسته الحرب بشكل نهائي، فلا تعود الصورة بعد الحرب كما كانت قبلها. 

وبكلمة: الحرب تكرِّس وتصنع، تتوِّج وترسِّخ، لا يقلّ أثرها في صناعة العدو عن كل العمليات التي تسبقها. 

ولعل بحوثاً ميدانية عن صورة الآخر ما قبل الحروب وما بعدها يمكن أن تكشف لنا كيف أثّرت الحرب بعمق في صناعة هذه الصورة، كيف ترتسم صورة المجموعات الإثنية في لبنان في مخيال كل منها، ما قبل الحرب الأهلية (1975 – 1990) وما بعدها، وفي العراق، ما قبل الحرب الأهلية (2005 – 2008) وما بعدها، وكيف ترتسم صورة العرب والإيرانيين في مخيال كل منهم، ما قبل الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) وما بعدها، وفي اليمن، ما قبل حروب الشمال والجنوب وما بعدها، وما قبل حروب الدولة والحوثيين وما بعدها، وفي سوريا، ما قبل الثورة والحرب (2011 – 2024) وما بعدها، وصورة العراقيين والكويتيين فيما بينهم، ما قبل الغزو العراقي (1990 – 1991) وما بعده، والآن، صورة العرب والإيرانيين، والسنة والشيعة، بين ضفتي الخليج، ما قبل هذه الحرب وما بعدها. 

عمل فني: عاطف الجفال

تقود فترات العنف الطويلة إلى نزع الإنسانية “De-humanization” عن الطرف الآخر، العدو، فلا نعود نراه إنساناً، إذ يصبح -أكثر فأكثر- مجرّداً، عاماً، هلامياً، مجرد عدوٍ، شرير، يستهدفنا. وهو لا يرانا إلا كذلك. 

يخفي العنفُ الطويل (الحرب) أن خلف الأسلحة والجيوش بشراً مثلنا. 

كان أول ما لاحظت ذلك في الحرب الأهلية التي شهدها العراق (2005 – 2008)، حين كان يتحدث أفراد، شيعة وسنة، عن الآخر الذي يستهدفهم، الآخر المجرد، إذ يتيح التجريد أن يُشيطَن العدو وتُنزَع إنسانيته. ولكن، حين تسأل: أي شيعي أو سني هو هذا “الشيطان”؟ هل هو جارك فلان أم زميلك في العمل أم صديقك؟ يكون الجواب بالنفي، في الغالب. 

التجسّد ينقض التجريد، ويعيد للآخر إنسانيته التي نفيناها في لحظة. 

يقوم الخطاب الطائفي على مثل هذه الآلية في الحجاج: التجريد والتعميم، وهي الوحيدة التي تسوّغ تعبيرات من قبيل: هؤلاء عملاء، وهؤلاء متطرفون، وهؤلاء منزوعو الوطنية، وهؤلاء فاسدو العقيدة، وهؤلاء قساة، وهؤلاء متآمرون، وهؤلاء خونة، وهؤلاء متخلفون لا يعرفون الحضارة، وهؤلاء ينقمون علينا، وأن أطفالهم جميعاً على نهجهم، وهؤلاء يستحقون ما يجري لهم، وما إلى ذلك. 

ولكن، عمّن يتحدث مثل هذا الخطاب؟ عن أي إنسان تحديداً؟ عن أي بشر من لحم ودم؟ قد تصدق أوصافٌ مثل هذه على أفراد، ولكن كيف تُلصَق بمجموعات سكانية كبرى، بالملايين، وعشرات الملايين، فضلاً عن صعوبة بل استحالة إلصاقها بعائلة صغيرة. 

التجريد يمحو الملامح، ما يساعد على أن تكتسب معه هذه التعميمات مكانها في الخطاب الطائفي. 

لا أريد أن أستطرد في “الحجاج الطائفي”، فله محل حديث آخر، ولكنني أود أن أقول: إن الشُقّة التي تنتجها الحروب والنزاعات تعمل على صناعة هذه التجريدات النازعة للإنسانية، أو لأقل: إنها تعمل على تعميقها وتكريسها، إذا افترضنا أنها صُنعت قبل الحرب، تماماً كما تفعل التجمعات السكانية المغلقة، حيث يغيب الآخر إلا وهماً أو خيالاً، ويُتصور النقاء المحض في هذا التجمع. 

تمرّننا الحروب إذن على القسوة، تشحذ خيالنا بصور الشياطين الأعداء، فلا نعود نرى البشرَ بشراً، حيثما كانوا، ومتى كانوا، في ضفّتنا أو ضفتهم، قبل الحرب أو بعدها، ما هم إلا بشر مثلنا. 

وما هذا الحديث -الذي قد أكون أكتبه من موقع تقاطعي intersectional- إلا تذكير بالبديهي، بصفة الإنسانية التي لا ينبغي للحرب أن تأكل منها وتجرفها، وتجرفنا معها. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

باحث وكاتب من العراق، رئيس قسم الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات من الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2001.