لم يكن علي الزيدي، المكلّف بتشكيل الحكومة العراقية، اسماً متداولاً في المجال العام، لكن حضوره كان واضحاً في كواليس السياسة والمال والإعلام في العراق.
في مجلس عزاء والده قبل نحو شهرين، ظهر هذا الحضور عبر طبيعة المعزين وتنوّعهم، من شخصيات سياسية في الصف الأول إلى وجوه إعلامية واقتصادية، ما قدم مؤشراً عملياً على امتداد نفوذه.
يقول إعلامي عراقي فضّل عدم الإشارة إلى اسمه: “كان الكل يريد حضور عزاء والد الزيدي، حتى الذين لا يعرفونه وجدوها فرصة للتعرف عليه”.
ينحدر الزيدي من محافظة ذي قار، من مواليد عام 1986، وهو الأصغر بين إخوته، ويُعرف اجتماعياً بميوله الدينية المحافظة واهتمامه بالشعر الشعبي، ويفضِّل عدم الحضور إعلامياً.
ووفق السيرة الذاتية التي تداولها الإعلام المقرب من الإطار التنسيقي، قدم الزيدي بوصفه شخصية تمتلك خبرة قانونية ومالية وتنفيذية، مع حضور في إدارة مؤسسات اقتصادية وتعليمية وطبية، وتوجه نحو “بناء الدولة” و”الإصلاح المؤسسي”.
وتشير السيرة الرسمية إلى تحصيل الزيدي شهادات في القانون والتخصصات المالية والمصرفية، وتولّيه مناصب إدارية، بينها رئاسة مجلس إدارة مصرف الجنوب سابقاً، ورئاسة الشركة الوطنية القابضة، إلى جانب إدارة مؤسسات تعليمية مثل جامعة الشعب ومعهد عشتار الطبي، فضلاً عن عضويته في نقابة المحامين.
وتقدِّم السيرة الزيدي بوصفه نموذجاً لقيادةٍ “تجمع بين الخبرة والرؤية”، مع تركيز على مفاهيم مثل التنمية الاقتصادية، وبناء المؤسسات، وتمكين الشباب، وهي لغة تتكرر في السير الذاتية الرسمية للمرشحين للمناصب العليا في العراق.
من هو علي الزيدي حقاً؟
برز اسم علي الزيدي في سن مبكرة داخل اللجان الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب، من خلال إدارته اللجنة الاقتصادية لائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي. ومن هذا الموقع، بدأ ببناء شبكة اقتصادية متداخلة مع مؤسسات الدولة، توسّعت تدريجياً لتشمل قطاعات الغذاء والمال والإعلام.
وتُعدّ “اللجان الاقتصادية” داخل الأحزاب إحدى الأدوات غير الرسمية لإدارة التعاقدات داخل الوزارات، وهي آلية اعترف بوجودها سياسيون عراقيون في أكثر من مناسبة، وتتولى تنسيق منح العقود وتوزيعها على شركات مرتبطة بالأحزاب أو قريبة منها.
ويرتبط اسم علي الزيدي بعقود وزارة التجارة، خصوصاً ما يتصل بالبطاقة التموينية والسلة الغذائية. خلال فترة رئاسة مصطفى الكاظمي (2020–2022)، توسّع هذا الحضور بشكل ملحوظ، إذ أصبح من أبرز المتعاقدين في مشروع السلة الغذائية، الذي تُقدَّر قيمته السنوية بنحو خمسة مليارات دولار. هذا التموضع وضعه داخل واحدة من أكبر دوائر الإنفاق الحكومي، وجعل نشاطه التجاري متداخلاً بشكل مباشر مع سياسات الدولة التموينية، بالتزامن مع تحوّلٍ في موازين النفوذ داخل وزارة التجارة لصالح القوى الشيعية.
وجاء توسّع دور الزيدي بالتوازي مع إقرار قانون “الأمن الغذائي والتنمية” عام 2022، الذي أتاح للحكومة الإنفاق خارج الموازنة لتأمين المواد الغذائية والخدمات الأساسية، في ظل تعثّر إقرار الموازنة العامة آنذاك.
هذا القانون فتح باباً واسعاً للتعاقدات السريعة، خصوصاً في ملف تجهيز المواد الغذائية، ما منح المتعاقدين مع وزارة التجارة مساحة أكبر للتحرك ضمن إنفاق حكومي مرتفع وأقل تعقيداً من حيث الإجراءات، وهو ما تزامن مع صعود حضور الزيدي داخل هذا القطاع.
على المستوى المالي، شكّل مصرف الجنوب ركيزة أساسية في نشاط علي الزيدي، إذ بدأ المصرف كشركة صرافة قبل أن يتحول إلى مصرف أهلي عام 2016، وشارك في مزاد العملة، حيث حصل على تدفقات مالية كبيرة تقدر بمليارات الدولارات.
وعُدّ مزاد العملة في البنك المركزي العراقي الآلية الرئيسية لتوفير الدولار للمصارف والشركات المستوردة، إذ قام البنك المركزي ببيع العملة الأجنبية يومياً لتمويل الاستيراد. وخلال سنوات، اعتمدت كل المصارف الخاصة عليه لكونه المصدر الأساسي لتدفق الدولار، قبل أن يخضع لقيود وتشديد رقابي منذ عام 2022.
ووفق مصدر في البنك المركزي فإن “علي الزيدي كان مستفيداً كبيراً من مزاد العملة من خلال المصرف، ومن خلال التجارة أيضاً”.
ويمتد نشاط الزيدي إلى قطاع التجزئة والصناعات الغذائية، عبر شركات تستورد طيفاً واسعاً من المنتجات، من المواد الأساسية إلى السلع الاستهلاكية.
كما يمتلك الزيدي شركة “سن كويك”، إلى جانب شبكة “الهايبر ماركت” التي تتوسع في بغداد وعدد من المحافظات.
يقول مدير في وزارة التجارة رفض الإشارة إلى اسمه: “يمكن القول إن علي الزيدي أحد الفاعلين الرئيسيين في سوق الغذاء في العراق”. ويضيف: “سأقول لك، قد تكون كل أنواع العصائر والأجباس من استيراد شركات علي الزيدي”.
في قطاع العقارات، يمتلك علي الزيدي محفظة من المشاريع والمجمعات التجارية، بعضها أقيم على أراضٍ مملوكة للدولة حصل عليها عبر ترتيبات غير معلنة، من بينها مجمع على طريق مطار بغداد الدولي.
في المجال الإعلامي، يمتلك قناة دجلة، التي يديرها شقيقه حسن الزيدي، وقد شهدت القناة خلال السنوات الأخيرة تكثيفاً في البرامج التي تدعم الخطاب الحكومي، خاصة خلال فترة رئاسة محمد شياع السوداني، ما أضاف بعداً إعلامياً لشبكة نفوذه.
العلاقات السياسية لعلي الزيدي
شبكة العلاقات التي يتحرك ضمنها علي الزيدي تمتد عبر قوى سياسية مختلفة، من داخل الإطار التنسيقي إلى شخصيات سنية وكردية، بالإضافة إلى علاقات مع عمار الحكيم ومحمد الحلبوسي، إلى جانب تفاهمات جيدة مع التيار الصدري، وعلاقات مع عائلتَي بارزاني وطالباني. في المقابل، تظهر توترات مع محافظ البنك المركزي علي العلاق في سياق إدارة الملف المصرفي.
للزيدي شبكة علاقات عائلية تتقاطع مع المجال السياسي، من بينها ابنة عمه ابتهال كاصد الزيدي، التي شغلت منصب وزيرة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة بين عامي 2015 و2018، إضافة إلى ضياء الزيدي عضو مجلس النواب عن قائمة السوداني.
تُشير بيانات مالية إلى وجود مستحقات كبيرة لصالح الزيدي لدى مؤسسات الدولة، تُقدَّر بأكثر من أربعة تريليونات دينار، ناتجة عن عقود وتجهيزات مرتبطة بوزارة التجارة.
ويضع هذا الحجم من الالتزامات المالية الزيديَ في موقع دائن للدولة، في وقت يعتمد فيه جزء من نشاطه على عقودها، ما يكشف مستوى عالياً من تداخل المصالح بين الطرفين.
وتشير مصادر إلى أن نشاط علي الزيدي يتقاطع مع نشاط اللجان الاقتصادية للأحزاب التي تدير الوزارات، عبر آليات تعاقد وتوزيع مشاريع يحصل منها على حصة كبيرة، وتمنحه موقعاً متقدماً داخل شبكة المصالح السياسية المرتبطة بالدولة.
ترشيح علي الزيدي
جاء ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء بشكل مفاجئ، إذ لم يكن اسمه مطروحاً ضمن المرشحين، ولم يُتداول اسمه من قبل.
وحتى ظهيرة يوم الاثنين 27 نيسان، ظلّ تداول اسمه محدوداً ومصحوباً بنفي من قوى سياسية لصحفيين، قبل أن يتحول خلال ساعات إلى المرشح المتوافق عليه داخل الإطار التنسيقي، وتُبارِك ترشيحه قوى سنية وكردية.
ترشيح الزيدي المفاجئ لم يرافقه، بطبيعة الحال، نقاش علني حول خبرته السياسية أو موقعه داخل مؤسسات الدولة، ولا حول حجم التداخل بين نشاطه الاقتصادي والملف الحكومي، في وقت يواجه فيه العراق واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة.
ووفق مصادر في الإطار التنسيقي، فإن ترشيح علي الزيدي جاء نتيجة توافق نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، وبدعم من قيس الخزعلي ورعاية من فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى، إلا أن الزيدي لم يحصل على إجماع داخل الإطار التنسيقي، كما أنه لم يحصل على ضوء أخضر أمريكي للمضي بحكومته إلى البرلمان.