تتجمع في ذي قار عبر سنوات طويلة مجموعة من الضغوط البيئية والاقتصادية والاجتماعية، جعلت شروط العيش في المحافظة تتراجع إلى حدّ يضعها أمام احتمال فقدان قابليتها للحياة خلال عقود قريبة.
أثر الجفاف وشحّ المياه والتصحّر والعواصف الترابية انعكس مباشرة على الأرض والزراعة والعمل، ومع تراجع هذه الأسس الاقتصادية تقلّصت الموارد واتسعت البطالة وازدادت الهجرة الداخلية. وفي سياقٍ لم تتكوّن فيه قدرة مؤسسية كافية على إدارة هذا التحول العنيف، توزّعت السلطة بين جهات سياسية ودينية وعشائرية متعددة، تعمل داخل المجال نفسه من دون إطار منظم يجمعها، فأخذت تدير الأزمات كلٌّ بطريقتها، حتى تحوّلت إدارة الأزمات إلى أزمةٍ بحدّ ذاتها.
ومع اتساع هذا الاختلال أخذت الأعراف الاجتماعية موقعاً أوسع في تنظيم العلاقات، بالتوازي مع حضور ديني محافظ يتماهى معها ويضيّق حدود الفضاء العام. ترك هذا المناخ أثره بصورة أوضح بين فئات شابة تواجه ضيق الفرص وتراجع التوقعات المستقبلية، حيث ظهرت مؤشرات نفسية قاسية شملت تعاطي المخدرات، وحالات الانتحار، والانجذاب إلى جماعات مغلقة تحمل تصوّرات “خلاصية” منفصلة عن شروط الحياة اليومية، مثل جماعة “القربان”.
داخل هذه البيئة تتعطّل محاولات محدودة لتنظيم نشاطات موسيقية وقرائية وشبابية في أكثر من مناسبة. فقد أُلغيت حفلة للفنان محمد عبد الجبار بعد ضغوط اجتماعية ودينية، ثم أُلغي مهرجان القراءة في الناصرية بعد توقيف أحد منظميه أثناء نقل أكثر من ألف كتاب إلى موقع الفعالية، بسبب العثور على كتابٍ صادر في زمن النظام السابق يحمل صورة صدام حسين. هذه الوقائع المتقاربة، وحدها، تكشف صعوبة استمرار أي مبادرة اجتماعية لا تنسجم مع موازين القوة السائدة في المجالين الديني والعشائري، وتداخل ذلك مع مجالٍ سياسي مغلق.
تمثّل هذه المعطيات في مجموعها مساراً متدرّجاً لتآكل محافظةٍ عراقية كانت من أكثر المحافظات تأثيراً في تشكيل الثقافة الحديثة في البلاد. ولا يقتصر الأمر على توصيف واقعٍ متدهور، بل يكشف عن اتجاهٍ في إدارة المستقبل داخلها، ترسم ملامحه جماعاتٌ مهيمنة تمتلك القدرة على التأثير في المجالين الاجتماعي والسياسي، من دون أن تقدّم تصوراً يعيد بناء شروط الحياة.
وفي ظلّ الانغلاق والقسوة والتجهيل يضيق الأفق العام وتتصاعد العدمية بوصفها نتيجة اجتماعية ممكنة، فلا يعود الانتحار حادثةً منفصلة، بل علامةً على مسارٍ يفقد فيه المكان تدريجياً قدرته على حماية الحياة نفسها. ومع امتداد هذا المسار تتحول ذي قار، ومعها محافظات أخرى تشترك في الظروف ذاتها، إلى صورة مركّزة لسؤالٍ يتعلّق بشكل المستقبل المقبل في العراق.