“المياه تذهب إلى حقول النفط ولا تصل إلى أهالي البصرة”.. عن الماء المحقون في المكامن النفطية  

يتتبع هذا التحقيق المياه التي تذهب إلى حقول النفط بدلاً من أن يحصل عليها سكان البصرة وأراضيهم الزراعية العطشى.. كيف تشرب "المكامن النفطية" ماء العراقيين؟

عبد الله السعدعبد الله السعد | 6 كانون الثاني 2026

في نهاية مجرى دجلة والفرات، حيث تلتقي مياه النهرين وتمتزج في شط العرب، يقف مزارع من القرنة أمام أرض تشققت حتى صارت تشبه الصحراء. ينظر إلى النخل الذي ظل أباً لمدينته عشرات السنين، ثم يرفع صوته: “الماء يُسحب منا… ليُدفن في بطن الأرض”. 

في الوقت ذاته، وعلى بعد كيلومترات قليلة، تهدر مضخات عملاقة في محطات حقن الماء داخل حقل الرميلة، تدفع مئات الآلاف من البراميل إلى أعماق المكامن النفطية. 

صوتها يشبه هدير آلة لا تتوقف، كأنها تبتلع ما تبقى من حياة النهر، وهنا يتقاطع خطان لا يلتقيان: سكان يبحثون عن ماء للشرب والزراعة، وصناعة نفطية تحتاج الماء لتبقى مستمرة. 

سنوات من الشح المائي نحتت ملامح الأزمة، بانخفاض في الإطلاقات من دول المنبع، وتراجع في الأمطار، وتصحر يزحف، وبساتين تهوي. 

ومع كل هذه الأعباء، يبرز رقم صادم يردده المتخصصون، فكل برميل نفط يستخرج من باطن الأرض يحتاج برميلاً أو أكثر من الماء ليظل المكمن منتجاً، وما يسحبه النفط من أنهار البصرة لا يعود إليها. 

ومع أن الجهات المشغلة للحقول تقول إنها تستخدم ماء مالحاً “غير صالح لأي استخدام بشري”، إلا أن شهادات خبراء ومسؤولين تكشف لـ”جمار” أن محطات الحقن في البصرة ما تزال تعتمد في جزء كبير منها على مياه شط العرب وتفرعاته، لتدخل المحافظة معركة غير متكافئة بين مزارعين يشتكون من العطش وآبار نفط تحتاج مزيداً من الضخ. 

كل هذا يجري بينما مشروع معالجة مياه البحر، الذي كان من المفترض أن يوفّر بديلاً يحمي موارد البصرة، ظل عالقاً 15 عاماً بين التخطيط وسوء الإدارة وشبهات الفساد. 

وظيفة أخرى للماء 

داخل الحقول النفطية في جنوب العراق، يبدو أن للماء وظيفة أخرى لا تشبه وظيفته على السطح. هناك، في مكامن مضى على عمليات الإنتاج فيها أكثر من 60 عاماً، بدأت التغييرات تظهر بوضوح. 

هيئة تشغيل الرميلة تقول إن الضغط في شمال الحقل انخفض، وتصف ما يحدث بـ”انحسار الضغط المكمني”، وهي ظاهرة مألوفة في حقول النفط، حتى لو اختلفت سرعة الانخفاض بين مكان وآخر. 

ولمنع هذا الانخفاض من التوسع، وللحفاظ على قدرة الآبار المنتجة، تُسحب كميات كبيرة من الماء المالح من خور أبو عبد الله لتُحقن في الآبار. 

رسم توضيحي لعملية حقن الماء في المكامن النفطية (سوشال ميديا). 

هو ماء غير صالح للاستخدام، كما توضح الهيئة، يؤخذ من قناة صناعية متفرعة من قناة كرمة علي، ثم يُدفع إلى عمق الأرض بواسطة محطات حقن متخصصة. 

تعمل هذه المحطات كمنظومة مترابطة. فمحطة كرمة علي لمعالجة الماء، وخطوط النقل الطويلة، وآبار الحقن المنتشرة على امتداد الحقل، كلها تتحرك في دورة لا تهدأ، والغرض واحد: إبقاء المكامن قادرة على دفع النفط نحو الآبار الإنتاجية. 

وتقول الهيئة إن هذه المنظومة تخضع لبرنامج صيانة وتطوير مستمر، لضمان أن تعمل كل محطة، وكل خط، وكل بئر، بكفاءة أعلى. 

فأي خلل صغير قد يعني انخفاضاً جديداً في الضغط، وانخفاض الضغط لا يعني سوى التراجع في الإنتاج. 

ومع كل عملية سحب للماء، وكل دفعة تُحقن في عمق الأرض، تتضح المفارقة أكثر. 

الماء الذي يحتاجه السكان في المدن والقرى والمزارعون في الحقول يصبح جزءاً من دورة لا يرى الناس منها شيئاً، فيدخل في باطن الأرض ولا يعود إلى سطحها. 

ومع استمرار السحب اليومي من خور أبو عبد الله وقناة كرمة علي، ومع استمرار الحقن في محطات الرميلة، تتشكل طبقة جديدة من التعقيد في مشهد المياه جنوباً. 

هنا ماء يذهب إلى المكامن النفطية كي تبقى منتجة، وهناك ماء يتراجع عن مساره نحو البيوت والمزارع. 

صورة جوية لمحطة كرمة علي لسحب ومعالجة مياه حقن المكامن النفطية في حقل الرميلة بالبصرة (Google Earth). 

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً في الهواء: كيف يمكن لمحافظة تعاني من شح شديد، وتراجع في الإطلاقات، أن تجد ما يكفي للحقن في المكامن، بينما تكافح مدنها للحصول على ماء الإسالة؟ 

في أقوال الخبراء، تأخذ أزمة الماء منحى أكثر وضوحاً. 

خبير نفطي – فضّل عدم ذكر اسمه – يقول إن كمية المياه اللازمة لعمليات الحقن لا تخضع لرقم ثابت. فكل شيء، برأيه، يعتمد على خطة الإنتاج، وعلى طبيعة المكمن ذاته، وعلى خصائصه التي تتغير من مكان إلى آخر. 

ويذكر الخبير لـ”جمّار” أن العراق ينتج اليوم نحو أربعة ملايين و500 ألف برميل يومياً. ومع هذا الإنتاج، فإن الحد الأدنى المطلوب هو برميل ماء مقابل كل برميل نفط. 

لكن العملية قد تتطلب ضعف ذلك أو ثلاثة أضعافه أو حتى خمسة، تبعاً لنفاذية المكمن وتشبعه المائي وضغطه المكمني. 

ويشير إلى أن المعدل التقريبي الشائع هو برميلان من الماء لكل برميل نفط، مع التأكيد على أن “لكل مكمن دراساته الخاصة”. 

هذا التفاوت يجعل حساب الكميات أكثر صعوبة. فالحاجة اليومية من الماء ترتفع مع كل زيادة في الإنتاج، وتنخفض مع كل تغيير في خصائص المكامن، وتتحرك وفق معادلات لا يمكن تقديرها بدقة من دون دراسات تفصيلية. 

وحين سألنا الخبير الذي عمل سنوات في مجال النفط في العراق عن عدد محطات الحقن، أجاب بأنه لا يستطيع تقديم رقم واضح، ولا حتى تقريبي. 

لكن ما يعرفه أن في البصرة وحدها ما لا يقل عن 15 محطة، وكل هذه المحطات تعتمد في تزويدها بالماء على شط العرب وتفرعاته. 

ويضيف الخبير أن العمليات النفطية، بما فيها عمليات حقن الماء، لها أثر سلبي على البيئة، وأن كميات المياه التي تُسحب من مجاري الأنهار وتُحقن في المكامن تمثل خسارة حقيقية لأهالي البصرة، خصوصاً للمزارعين الذين تتراجع حصصهم المائية أساساً من دون تعويض من وزارة الموارد المائية. 

ويشير إلى نقطة شديدة الحساسية: أيّ انخفاض في كميات الماء المخصصة للحقن سيؤثر فوراً في الإنتاج النفطي. والنفط، في بلد يعتمد على إيراداته اعتماداً شبه تام، لا يحتمل هذا الانخفاض. 

وبالتالي، يقف الماء بين خيارين لا يمكن الفصل بينهما بسهولة، إما الذهاب إلى الحقول النفطية كي تبقى قادرة على الإنتاج، وإما البقاء فوق الأرض كي تصل حصصه إلى المزارعين والسكان. وتكمن في هذه المفارقة واحدة من أعمق أزمات البصرة اليوم. 

وفي هذا السياق، يضيف فالح حسن الخزعلي، رئيس لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية سابقاً، بُعداً آخر للمشهد. 

يقول الخزعلي لـ”جمّار” إن جزءاً من المياه المستخدمة في الحقن يأتي من المصب العام بعد تنفيذ محطات تحلية، وإن كميات أخرى تُسحب مباشرة من أنهار الغراف والقرنة والمْدَينة وكرمة علي. 

ويشير إلى أن وزارة الموارد المائية سجّلت استخدامات للمياه الجوفية لأغراض الحقن باعتبارها مخالفات واضحة. 

ويقدّر الخزعلي كميات المياه المستخدمة للحقن في البصرة بنحو 15 متراً مكعباً في الثانية، وهي كميات أثّرت، كما يوضح، على مياه الإسالة وري الأراضي الزراعية في المحافظة. 

وفي المقابل، تعلن وزارة الموارد المائية أنها لا تؤيد استخدام المياه العذبة على الإطلاق في حقن الآبار النفطية. 

وتؤكد الوزارة أنها توصلت إلى اتفاق مع وزارة النفط على اعتماد مياه البحر أو مياه البزل المالحة لأغراض الحقن في المكامن النفطية، نافية استخدام المياه العذبة في هذه العمليات. 

حلول بلا تنفيذ 

وسط الجدل حول مصادر الماء وكمياته، يظهر مشروع كان من المفترض أن يغيّر المشهد كله، إنه مشروع معالجة مياه البحر لأغراض الحقن في المكامن النفطية. 

ظل المشروع سنوات طويلة عنواناً للأمل، ثم تحول إلى ملف مؤجل تتراكم عليه الأسئلة. 

الخبير النفطي نفسه يصف المشروع بأنه البديل الحقيقي لمحطات الحقن التي تعتمد على مياه الأنهار. 

فمياه البحر إذا تمت معالجتها تستطيع أن توفر كميات كبيرة من دون المساس بحصص السكان والقطاع الزراعي. 

لكن الطريق إلى تنفيذ المشروع لم يكن سهلاً. تأخرت الأعمال التنفيذية كثيراً، وتعددت العروض التي قدمتها الشركات، ولم يُتخذ قرار حاسم بشأن أي منها. 

وأُضيف إلى ذلك نقص الأموال اللازمة، حتى انتهى الأمر بالتعاقد مع شركة صينية، بالتنسيق مع شركة توتال الفرنسية، لتنفيذ المرحلة الأولى. 

وكان من المخطط أن تبلغ الطاقة الإنتاجية للمرحلة الأولى خمسة ملايين برميل يومياً من الماء المخصص للحقن. 

ومع تنفيذ المرحلة الثانية، يمكن أن تصل الطاقة إلى سبعة ملايين و500 ألف برميل يومياً. 

ويقترح الخبير أن ترتفع الطاقة إلى عشرين مليون متر مكعب يومياً، لضمان تأمين الكميات المطلوبة للحقن، وتأمين المياه اللازمة لأهالي البصرة أيضاً. 

غير أن هذا المشروع لم يكن الجديد الوحيد في هذا الملف.  

فقد قدّم تحالف شركتي “باي ووتر – وود” البريطانيتين عرضاً قديماً قبل نحو عشر سنوات، يتضمن تنفيذ مشروع متكامل لإنتاج 800 ألف متر مكعب يومياً من مياه الشرب لأهالي البصرة، وإنتاج 800 ألف متر مكعب يومياً لمياه الحقن في المكامن النفطية. 

كان العرض يوفر ما يعادل خمسة ملايين برميل من الماء يومياً لأغراض الحقن، ويختصر الكلفة بمقدار أربعة مليارات دولار مقارنة بتنفيذ مشروعين منفصلين. 

ومع ذلك، لم يلتفت أحد إلى هذا العرض، وظل مصيره غير واضح، لأسباب لا يعرفها أحد. 

إنفوغرافيك داخلي خاص بشركات وزارة النفط حول مشروع محطة معالجة مياه البحر في خور الزبير لأغراض حقن الحقول النفطية (مصدر خاص للكاتب). 

وفي الوقت الذي بقي فيه المشروع معلقاً استمرت محطات الحقن في الاعتماد على مصادر البصرة ذاتها، لتبقى المحافظة بين خيارين صعبين: انتظار مشروع معالجة مياه البحر لأغراض الحقن في المكامن النفطية الذي تأخر أكثر من 15 عاماً، أو الاستمرار في دفع حصتها من الماء إلى جوف الأراضي النفطية. 

ذوبان اليورانيوم 

إلى جانب الحديث الفني عن الكميات والضغوط والمكامن يظهر اتجاه آخر أكثر تعقيداً، يتعلق بما ينتجه الحقن ذاته داخل الحقول. 

فهناك جانب لا يراه كثيرون، يرتبط بالتلوث الإشعاعي الذي يمكن أن يتصاعد مع زيادة عمليات ضخ الماء في طبقات الصخور. 

د.ميثم الصيمري، عالم الفيزياء الإشعاعية والتدريسي في جامعة البصرة، يشرح ما يحدث داخل المكمن عندما يتعرض لدفعات كبيرة من الماء، خصوصاً إذا كان الماء مالحاً. 

يقول الصيمري لـ”جمّار” إن عمليات الحقن تزيد من إذابة المواد المشعة الطبيعية، المعروفة اختصاراً بـ”NORM”، لأنها مواد موجودة أصلاً في الصخور. 

الماء يذيب رواسب تحمل سلسلة نظائر اليورانيوم 238 ونظير الثوريوم 232، ومع ذوبانها يرتفع تركيز الراديوم 226 والراديوم 228، بوصفهما ناتجين مباشرَين من تحلل تلك السلاسل. 

ويشير الصيمري إلى أن التغييرات لا تقف عند الذوبان فقط. 

فالتفاعل بين الماء والصخور قد يغير درجة الحموضة والملوحة داخل الخزان، ويؤثر على عمليات الأكسدة والاختزال. 

ومع مرور الوقت، تتكون قشور في الأنابيب والصمامات والخزانات النفطية، تختلط فيها النظائر المشعة بما ينتج من المواد المترسبة. 

ويقول إن هذا الأمر يحمل آثاراً سلبية على البيئة والعاملين. 

فزيادة عمليات الحقن تعني زيادة في ذوبان تلك المواد، وارتفاعاً في مستويات التلوث الإشعاعي عندما تخرج إلى السطح مع المنتج. 

ولا تخلو هذه العمليات من مخاطر تتراوح من آثار بسيطة إلى مستويات أعلى، تبعاً لطبيعة المكمن وكميات الماء المستخدمة. 

وفي مشهد المياه المتنازع عليها فوق الأرض يضيف هذا البعد تعقيداً جديداً للصورة. 

فالماء الذي يُضخ نحو الأعماق من أجل استمرار الإنتاج قد يعود محملاً بما لا يراه أحد، في مسارات لا تظهر للناس، لكنها تترك آثارها في الأنابيب والبيئة والهواء. 

وبين السطح الذي يشكو من العطش، والعمق الذي يتلقى الماء، مع المواد المذابة، تتسع الفجوة بين ما يحتاجه النفط وما يمكن أن تتحمله البصرة بيئياً وإنسانياً. 

ومع توسع عمليات الحقن تتجه الأنظار إلى البصرة نفسها، بوصفها المحافظة الأكثر تضرراً من شح المياه، والأكثر تعرضاً للضغوط الناتجة عن السحب المستمر من أنهارها. 

فعند نهاية مجرى دجلة والفرات تتلقى البصرة ما تبقى من الإطلاقات المائية، بعد أن تمر عبر محافظات كثيرة تستهلك حصصها، وحصص غيرها أحياناً. 

صورة لإحدى محطات حقن الماء في حقل الرميلة النفطي (سوشال ميديا). 

محمد فالح البطاط، رئيس لجنة الزراعة والموارد المائية وإنعاش الأهوار في مجلس محافظة البصرة، يصف واقع المياه في المحافظة بكلمة واحدة: “مزرٍ”. 

يقول البطاط لـ”جمّار” إن الانخفاض الحاد في الإطلاقات المائية الواردة إلى العراق عموماً، وإلى البصرة خصوصاً، جعل المحافظة تواجه أزمة مركّبة. 

فالبصرة تقع في نهاية النهرين، وما يصلها أقل بكثير مما تحتاجه، حتى قبل أن تبدأ عمليات السحب لأغراض الحقن. 

ويضيف البطاط أن التجاوزات على الحصص المائية لا تقتصر على المحافظات الوسطى والشمالية، بل تشمل أيضاً عمليات السحب المستمرة لأغراض الحقن في القرنة والمْدَينة وكرمة علي. 

هذه العمليات، كما يقول، ساهمت في جفاف مساحات واسعة من الأهوار، وانخفاض كميات المياه الواردة إلى شط العرب. 

ومع انخفاض الإطلاقات، يتقدم المدّ الملحي شمالاً. 

تزداد ملوحة المياه، وتبلغ مناطق لم تكن تتأثر سابقاً، لتضر القطاع الزراعي وتدمر البساتين وتقلص إنتاج النخيل والأشجار المثمرة. 

وتصل الآثار إلى الثروة الحيوانية والسمكية، التي تضررت بفعل ارتفاع الأملاح ونقص المياه. 

ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فالبطاط يشير إلى أضرار لحقت بحياة الناس أنفسهم، إذ إن المياه المالحة التي اندفعت داخل شط العرب ضيّقت فرص الحصول على مياه صالحة للاستخدام، وأثرت في قدرة العائلات على الري والشرب وممارسة أعمالهم اليومية. 

إحدى محطات حقن الماء في المكامن النفطية في حقل الرميلة بالبصرة (سوشال ميديا).   

وفي هذا المشهد المزدحم بالمشكلات، تبدو عمليات الحقن جزءاً من الصورة العامة، لا يمكن فصلها عن أزمة المياه، ولا عن الأضرار التي تتوسع في كل موسم. 

فما يُسحب من حصص البصرة المائية لا يعود إليها، وما يذهب إلى المكامن النفطية يزيد من اتساع الفجوة بين حاجة الناس إلى الماء وحاجة الحقول إلى الاستمرار في الإنتاج. 

عطش أراضي الزراعة 

في خضم هذا التعقيد، يظهر صوت آخر من داخل مؤسسات الدولة. 

إنه عبد الأمير التعيبان، مستشار رئيس الوزراء لشؤون الزراعة والمياه والأهوار، الذي يوضح الطريقة التي تُقسّم بها المياه سنوياً بين القطاعات المختلفة. 

يوضح التعيبان أن وزارة الموارد المائية تحدد نسباً واضحة لكل قطاع، ومثال على ذلك: 80 بالمئة للزراعة، و10 بالمئة لمشاريع الإسالة، وخمسة بالمئة للحقن في المكامن النفطية، وخمسة بالمئة للاستخدامات البلدية. هكذا توزع الحصص، وفق ما يعلنه المستشار. 

ثم يضيف رقماً آخر يزيد الصورة وضوحاً. فكل برميل نفط يُستخرج من الأرض يحتاج ثلاثة براميل من الماء كي تستمر عملية الحقن. 

ومع إنتاج يزيد على أربعة ملايين برميل يومياً، تصبح الحاجة المائية اليومية ضخمة، لا يمكن تجاهلها. 

ويشدد التعيبان، في حديث لـ”جمّار”، على ضرورة استخدام مياه البحر ومياه البزل للحقن، تجنباً لاستخدام المياه العذبة التي يحتاجها السكان والزراعة. 

فالمياه الصالحة للشرب والري ليست جزءاً من مخزون يمكن التفريط به، ولا يمكن أن تدخل في دورة الحقن إلا على حساب حياة الناس وحقولهم. 

وهذه المعادلة تكشف جانباً آخر من الأزمة، فالحقول النفطية تحتاج الماء لتبقى منتجة، والمدن تحتاجه لتبقى صالحة للعيش، والزراعة تحتاجه لتبقى قادرة على البقاء، وكل قطاع يحاول أن يجد حصته في مشهد لا يتسع للجميع. 

ومع أن التعيبان يضع الحل في مشروع مياه البحر واستخدام مصادر غير عذبة، إلا أن الحاجة اليومية للحقن تبقى أعلى من كل ما توفره الأنهار المتراجعة، ليظل التوازن بين متطلبات إنتاج النفط ومتطلبات الحياة اليومية توازناً هشّاً، يتحرك مع كل انخفاض جديد في الإطلاقات المائية. 

وعند نهاية هذا المسار الطويل من الشهادات والأرقام والتفاصيل، تتجه الأنظار إلى الأرض ذاتها، التي كانت يوماً رمزاً للخصب، وباتت اليوم تواجه خسائر لا تُحصى. 

ففي قضاء القرنة، يتحدث هادي بدر المالكي، رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية، لـ”جمّار” عن أثر العمليات النفطية في الزراعة. 

يقول المالكي إن الحقن المائي للشركات النفطية أثّر تأثيراً كاملاً على الأراضي الزراعية في البصرة. فالعمليات النفطية كلها، بما فيها الانبعاثات الغازية الناتجة عنها، تسببت بأضرار فادحة لحقت بالتربة والبساتين. 

ومع استمرار سحب الماء من الأنهار لأغراض الحقن أصبحت الخسائر ملموسة في كل موسم. 

ويشير المالكي إلى رقم كبير يتكرر في حديث المتخصصين، فما يقرب من 15 بالمئة من الإطلاقات المائية القادمة من نهر دجلة إلى البصرة يُستهلك في عمليات الحقن، وذلك على الرغم من قلة الإطلاقات أساساً. 

هذه النسبة، كما يقول، حرمت المزارعين من كميات يحتاجون إليها للري، على الرغم مما يبذلونه من جهد في حراثة الأرض وتسميدها وبذرها كل عام. 

ويضيف المالكي أن الأهالي لم يجنوا من وجود الشركات النفطية سوى الويلات، فلا منفعة تصلهم، ولا تعويض يغطي خسائرهم. 

وتمتد الأضرار من الأراضي الزراعية إلى البساتين وإلى الثروة الحيوانية والسمكية التي تراجعت مع تراجع الماء. 

صراع مرير بين أشجار النخيل وآبار النفط (سوشال ميديا). 

وفي النهاية، يبدو أن الأزمة ليست مؤقتة، فالعراق ما يزال يعتمد اعتماداً شبه تام على إيرادات النفط، والحقول تحتاج الماء لتستمر في الإنتاج، والموارد المائية تتراجع عاماً بعد عام. 

وبهذا، تتشكل صورة بلد يقف بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في ضخ الماء نحو المكامن النفطية كي تبقى مخزوناته قائمة، أو الحفاظ على ماء السطح الذي تتنفس منه المدن والقرى والحياة الزراعية. 

ومع تراكم هذه المعطيات، فالمعاناة، كما يبدو، قد تمتد عقوداً، والبلد الذي كان أرض النخيل الواسعة بات مهدداً بأن يجد نفسه يوماً بلا نخيل وبلا تمور، بينما تستمر الحاجة إلى عمليات الحقن في تحويل الماء من مورد للحياة إلى ضرورة لا بديل عنها في باطن الأرض. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب مستقل، مهتم بالشأن السياسي والاقتصادي. نشرت مقالاته في مواقع مختلفة.