“المنع والنجاة والامتنان”… هل تنقذ “طقوسنا الصغيرة” رأس السنة؟ 

في هذا النص، تروي ثلاث نساء طقوسهن وذكرياتهن في ليلة رأس السنة، كما عشنها: لحظة فرح محتملة، وخوف متكرر، وذاكرة لا تشبه الاحتفال بقدر ما تشبه الحياة اليومية وحدودها.. 

ضيّ أحمدضيّ أحمدماريا طلالماريا طلالكوثر طهكوثر طه | 31 كانون الأول 2025

رأس السنة الميلادية لا تأتي دائماً بوصفها ليلة فرح خالص. فبالنسبة لكثير من النساء، ترتبط هذه المناسبة بأسئلة بسيطة وقاسية في آنٍ واحد: من يخرج ليحتفل، ومن يُطلب منه البقاء في البيت؟ باسم الخوف و”الحماية”، تُغلق الأبواب على البنات، بينما يبقى الشارع مفتوحاً غالباً للرجال. 

يكشف الاحتفال العراقي بقدوم العام الجديد، كل مرة، عن تمييز غير معلن في الحق بالفرح، وعن تغييب النساء عن الفضاء العام حتى في أكثر الليالي بهجة. بين الخوف الاجتماعي، ومحاولات الاستمتاع بالوحدة، واستعادة الذكريات بوصفنا عراقيين وأحياناً لاجئين، تتحوّل ليلة رأس السنة إلى تجربة متناقضة، تجمع الرغبة في الفرح مع الإحساس بالمنع. 

في هذا النص، تروي ثلاث نساء طقوسهن وذكرياتهن في ليلة رأس السنة، كما عشنها: لحظة فرح محتملة، وخوف متكرر، وذاكرة لا تشبه الاحتفال بقدر ما تشبه الحياة اليومية وحدودها.. 

“وين نروح يمعودة؟”: عام جديد بطقس متكرر 

ضيّ أحمد

“بس الي ما يخاف على أهله يطلعهم براس السنة”. 

هذا شعار منزلنا للاحتفال. لا أتذكر مرور عامٍ دون أن أسمع هذه الجملة من أبي. كل عام يكررها، دون ملل، دون أن يتوقف عن إعلامنا أن خروجنا أثناء أعياد الميلاد أو بداية السنة ليس ممنوعاً فقط، بل مستحيلاً.  

الحق، أنني توقفتُ عن سؤاله “لماذا؟” عندما كبرت. في الأعوام الأخيرة، سألتُ نفسي، حتى إن خرجت، أين سأذهب؟ البصرة لا ترفيه فيها سوى المُخطط التالي:  

الخيار الأول: المطاعم، حيث يتضاعف السعر، وتتزاحم الأسر للدخول، ومشاكل في تلقي الطلب الصحيح، وفوضى، وشعور غامر بالضياع في حشدٍ من الناس يريد أن يتعشى ليشعر أنه احتفل بالعام الجديد.  

الخيار الثاني: “الكورنيش” أو مدن الألعاب. أحياناً أفكر أنه عند الذهاب لأحد المكانين في أيام الأعياد، على النساء توقيع تعهد: “تحذير، قد تقعين ضحية لتحرش فردي أو جماعي، والأغلب أن الجميع يستطيع تصويرك دون مُساعدتك، وستُلامين على خروجك من المنزل على منصات التواصل. استمتعي بالاحتفال!” 

شوارع البصرة الواسعة ليست معدَّة للمشي خلال مثل هذه الأيام، هذه رفاهية لا يمكن المُطالبة بها.  

كل عام، أجلس في صالة المنزل، فيلم Home alone يُعرض على التلفاز، أنا وأمي وشقيقتي نجلس سوية. شقيقاي يخرجان، كلٌ منهما يحتفل مع أصدقائه، لا أحد يخاف من خروجهم أثناء الاحتفال، لا أظن أن القلق من تحرشٍ جماعي يطل عليهم. قد يتبعهما أبي مع أصدقائه، وقد يبقى في غرفته، حسب العام. أسمعُ الجملة السنوية من أمي: “شفتِ شصار؟” وأستطيع أن أخمن الفيديو، والتعليقات، وشكل الضحية، وشكل المعتدي، أستطيع أن أخمن أن أمي ستقول، “حقه أبوج، صدك بس الما يخاف يطلع يحتفل”.  

أفكر كيف أن هذه الفكرة تلاحقني في كل مكان، حتى عند السفر. العام السابق كنتُ في بغداد خلال احتفالات العام الجديد، عدتُ للمنزل الساعة السادسة عصراً، خشيتُ أن أكون الضحية القادمة.  

والضحية القادمة هنا، ليست ضحية التحرش فقط، ربما ضحية الرصاص، أو الحوادث، أو أي شيء. خشيتُ أن تنطلق العادة العراقية الشهيرة في كل أنواع المناسبات، رمي الرصاص.  

بقيتُ في المنزل، راقبتُ عقارب الساعة وهي تتحرك باتجاه الـ12 ليلاً، صوت الألعاب النارية والرصاص يختلط، لا أعرف أياً منهما يغلب الآخر. أتذكر أنني ضحكتُ حينها في محافظة أخرى، بعيدة عن أبي، لكنني لازمتُ المنزل تحت شعار: “بس الما يخاف”.  

أعرفُ ما سأفعله هذا العام، سأكون في صالة المنزل، أتابعُ الفيلم نفسه، أطلبُ من المطعم ذاته، أجلس على الكرسي نفسه، الباب مُقفل لأن رجال العائلة خرجوا. ستتصفح أمي الفيسبوك، وستجلس شقيقتي بجانبي، وتخبرني، مثل كل عام: “هسه أنا لو ولد؟ شنو هاي!” سأبتسم لها، وأخبرها: “ميخالف” لأنه لا حل آخر. بعدها، أُراهن أن أمي ستسألني: “شفتِ شصار؟” وسأخبرها: “لا”، وستريني فيديو جديداً، غالباً في أحد مدن الألعاب، لفتاة لم تفعل شيئاً سوى المشي برفقة صديقاتها، وأحدهم يظن أن له الحق بتطيين عيشها.  

أفكر إن كانت كل أعوامي الجديدة ستمضي بهذه الطريقة، أشاهد الفيلم نفسه، مع بيتزا من المطعم نفسه، مع الفيديو نفسه من هاتف أمي، مع الصمت الذي يتبع مُشاهدتنا إياه، ثم صوت الألعاب النارية والرصاص في الجو.  

كريسماس أحمر وبارد داخل المدرسة العسكرية! 

ماريا طلال

إنه العام 2013، يوم واحد فقط يفصلنا عن سنة جديدة. في مثل هذه الليالي نسمع عادة أصوات “الشعالات”، والألعاب النارية، والضحكات والأغاني. لكن هذا العام كان مختلفاً. 

 بدلاً من أن أذهب إلى سريري الدافئ باكراً، كما في الأعوام السابقة، لأترك للكبار احتفالاتهم، كنتُ مع إخوتي الأصغر تحت طبقات من الملابس وبطانيات خفيفة، بعضها من تبرعات الهلال الأحمر، داخل مدرسة عسكرية تشبه المعتقل. 

كنت أبكي وإخوتي من البرد، الثلج الذي نحبه تحول لعذابات صغيرة تؤلم العظام، أتذكر شفتَي أختي “زركة” من البرد.  

كلما غضبت لاحقاً من والديّ تذكّرت أنهما أعطيانا كل ما يملكان لنتدفأ، بدءاً من حصتهما من بطانيات الهلال، وصولاً إلى الملابس التي حملناها معنا من مجزرة عدرا العمالية، تلك التي نجونا منها بأعجوبة. 

حملنا حقائب صغيرة على ظهورنا، وسرنا يوماً ونصف اليوم على الأقدام. كنا جائعين، خائفين، والبرد يعمّ الجسد من أخمص القدم حتى أطراف الأذن. 

تلك الليلة شكّلت وعيي المبكر أو ما يسمى نظرتي تجاه الحياة. بوعي الطفلة، كنت أقارن بين أيامٍ نمتُ فيها بدفء وشبعى حتى التخمة أحياناً، وبين هذا اليوم؛ مبللة من ثلجٍ ما إن يسقط حتى يصبح ماءً متجمداً. فهمتُ، للمرة الأولى، أن في اللحظة نفسها التي نعاني فيها أنا وجموع من الناس، هناك آخرون يرقصون ويحتفلون، أو على الأقل ينامون بأمان. أدركت أن العالم ليس أبيض أو أسود فقط، بل رمادي، وأحياناً ملوّن أيضاً. 

أتذكر تلك الليلة من الكريسماس بوصفها حمراء وباردة، حمراء كلما أطبقتُ جفناي من لمحات صور الجثث التي رأيتها في المدينة التي هربنا منها، ولون النيران المرتجفة التي أشعلها المرتجفون برداً وخوفاً في المدرسة العسكرية، في ليلة خلت من النور والإنارة. 

والداي يبكيان، وقتها تصورت أنهما يبكيان مثلي من البرد والجوع والألم والأرض الباردة التي نمت عليها، لكني اليوم وبعد مرور 11 عاماً على ذكرى الكريسماس والمجزرة، فهمتُ أنهما كانا شابين بأحلام ومستقبل مجهول، بلادهما توالت عليها الحروب والصراعات، وهربا إلى بلد لجأا إليه ليحميانا من هذا المشهد، لكن الحرب لحقتهم وأطفالهم وجردتهما من بيتهما وأمانيهما. 

أتذكر الجوع المؤلم في المعدة، خاصة لطفلة تحب الطعام، ووالدتها تطبخ ألذّ الأطعمة. وأتذكر أصوات البكاء والأحاديث التي كانت تهرب من أفواه النازحين مثلنا، وأمهات أضعن أطفالهن، وأحباء فقدوا من يحبون، وعائلات مشتتة، الكل ضائع. وقتها لم يكن الإنترنت منتشراً كما هو اليوم، وحتى المكان الذي كنا فيه كان خارج التغطية، كنا منسيّين. نظرتُ إلى عائلتي، وكنا معاً… على الأقل. 

تلك الذكرى التي حملتها بداخلي لسنوات جعلتني ممتنة دائماً لكل ما حولي، للماء الذي أشربه، لدفء جواربي، وحتى لشعوري بالامتنان نفسه الذي صرت أعرفه اليوم وأفهمه أكثر، في السنوات الخمس الأخيرة صرت أستشعره مع كل بداية عام. 

عندما أرى اليوم فيديوهات “تحرّم” الاحتفال أو حتى عادات تستنكره، أتذكر تلك الليلة وكيف علّمتني احترام الفرح وعيشه، وعرّفتني مبكراً على معنى المجزرة والسياسة والحقوق والعدالة وكلمات كبيرة عشتها قبل أن أعرف معناها في المعجم. منذ تلك الليلة، نمَت بداخلي نزعة البحث والقراءة والمساءلة، لأننا جميعاً نستحق أن نحتفل… آمنين ودافئين. 

طقوس الاحتفال وحيدة: كعكة الميلاد والأغاني والمشي في البيت 

كوثر طه

في مثل هذه الليلة من العام الماضي، لم يمنعني شعور الوحدة ولا صمت منزلنا ولا شعور الحزن المريب الذي يلازمني في الأعياد من الاحتفال، بل منحتني طقوساً أكثر خصوصية وأماناً حين تردد في ذهني: “شلون نحتفل يا كوثر؟” فالكل في عائلتنا لا يبالي، لا يعني لهم رأس السنة ولا نصفها ولا آخرها شيئاً، لطالما وصفتُ والديّ بـ”مسلمين كيوت”. قد يبدو اللقب مضحكاً، إذ يجدون في “الكريسماس” أمراً يخص أبناء الديانة المسيحية وحدهم، عندما تعلو ترانيم اليسوع في الكنائس، وتزين أشجار الميلاد الخضراء المنازل، وتشعل الشموع بضوئها الخافت، تلك التي بعثت الطمأنينة في ليالي الكتابة والقراءة، ولم أتوقف يوماً عن رفقتها الحنونة. 

في المطبخ عند الـ11 مساء، إنها ليلة الميلاد، وطبخ المعجنات والكعك لغتي الخاصة في الحب والاحتفاء، أقف هناك، أضيف الكاكاو إلى الدقيق والسكر والحليب، ثم أمزجهم بشدة، بينما تعلو أصوات أغانٍ في الخلفية، من بينها “هذا أنت عندي” لرضا العبد الله، يغلب عليها طابع الفرح والعاطفة على الألحان الشعبية القديمة، ثم أتجه نحو الفرن أدخل كعكة الميلاد بـ”الشوكولاتة”، وبحماس طفولي أترقب حتى تخرج شهية وطرية، أزينها بالفراولة والشموع، وأردد في داخلي: كم هي مباركة الأيادي التي تطهو، لأجد “فطومة”، أختي الأصغر رفيقة المطبخ وليالي الأعياد، قد أطفأت الشموع وهي تصفق بسعادة كما لو أنه ميلادها.  

بعد الانتهاء من إعداد كعكة الميلاد، تبدأ طقوسي العزيزة بارتداء ملابسي المفضلة، قميص و”بيجامة” من القطن الناعم بلون ناصع البياض، دافئة المنظر والملمس. والقليل من أحمر الشفاه والكحل، أطلق شعري الطويل، واضعة سماعات الأذن وأسمع أغاني كثيرة، لدي ذوق أقل ما يقال عنه “طماطة”، إذ أستمع لكل شيء، قديم وحديث، راقص وحماسي، لا فرق. 

أمشي طويلاً في الحديقة وعلى السطح، أتأمل المصابيح المضاءة في الجامع أمام منزلنا، تداعب وجنتي وشعري نسمات الهواء البارد، لأمسي أكثر بهجة وخفة كالفراشات، بينما يقتحم صوت الألعاب النارية والمفرقعات أرجاء الصمت والظلام ليلاً، ويبشر بقدوم عام جديد، أمتن فيه لما فات، لوجود العائلة، لكل الأيادي الحنونة التي رافقتني، فلا شجرة، ولا زينة، ولا سعادة تغمرني دونهم. 

لسنوات مضت، كنت أجهل أن للسنة رأساً وميلاداً، حتى أعلن كعطلة رسمية في الثانوية، طرتُ فرحاً وحبوراً بيوم راحة بعد ليالٍ دراسية طويلة بلا نوم، بمتنفس حرية بعد عبودية امتحانات لم تتوقف حتى التخرج. حينها، بسعادة، كنت أجلب البطانية المفضلة مع عصير البرتقال، وأتسمر أمام شاشة التلفاز أشاهد مباشرة تجمعات مزدحمة، وحفلات عشوائية. أنظر إلى أفواج الناس وتجول في خاطري فكرة: لا أمان لوجودنا كنساء هناك، قد نوصم بمختلف الأحكام ونتعرض لتحرش علني. ثم بمرور السنوات انحصر الاحتفال بـ”وردة مع وشاح أحمر” للعشاق فقط على السوشال ميديا، فيما فقدنا طقوسنا الخاصة البسيطة التي تمنح ليالي الأعياد روحاً ومعنى بعيداً عن “الترندات”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتبة وصحفية عراقية، مهتمة بالكتابة عن قضايا النوع الاجتماعي.
صحفية ومترجمة من العراق، صدر لها عدة تراجم، تكتب في قضايا التنوع الاجتماعي والادب والفن.
كاتبة وصحفية عراقية.