“ما أعرف شسوي”: ما الذي يعنيه فعلاً غياب التوعية ومنهاج التربية الجنسية والإنجابية من حياة العراقيات والعراقيين؟ 

بدءاً من "العيب" داخل الأسرة ومن ثم "ترك الدرس" في المدرسة، تغيب التوعية بالصحة الجنسية والإنجابية من حياة العراقيين والعراقيات.. وفي لحظات حاسمة كالبلوغ والزواج والحمل، حيث يفترض أن يكون كل شيء واضحاً، يجد عراقيون وعراقيات كثر أنفسهم/ن في مواجهة الجهل وحدهم/نّ.. مقال وتجارب عن غياب التوعية ومنهاج التربية الجنسية والإنجابية..

نبأ التميمينبأ التميميماريا طلالماريا طلال | 16 كانون الأول 2025

كان محمود (35 عاماً) يعرف أن ليلة زفافه ليست مجرد ليلة، بل اختبار علني لا يقبل الفشل، فبيئته المحافظة ترى أن الرجولة صفة تُثبت، لذا لا خيار أمامه سوى النجاح، فالرسوب يعني حمل وصمة “الما يعرف” إلى الأبد. 

خارج غرفة العروسين، ملأت الأهازيج المكان، رجال يضحكون بثقة ونساء يراقبن من بعيد. الجميع ينتظر النتيجة الحتمية؛ خروج محمود ممسكاً “الوصلة”.. دليل معرفته وقدرته، وليس “عفة” و”شرف” العروس فقط. لكن لم يسأله أحد إن كان مستعداً، فالمعرفة تأتي بالفطرة، في عُرفهم. 

من يسأل، أو يتردد، أو يتعثر، يُوصم “بعار” لن يمحى. 

لكن خلف الباب، كان محمود واقفاً في منتصف الغرفة، بدموع وفم عاجز عن النطق. كان عليه أن يقول شيئاً، أن يطمئن زوجته، أن يتظاهر على الأقل بأنه يعرف ما عليه فعله. 

حاول أن يسترجع ما سمعه من أصدقائه من قصص متناثرة ومعلومات مبتورة، لكن لا شيء ينقذه الآن. التفت إلى عروسه فكانت مثله، بل تنتظر أن يقود هو هذه الليلة التي لم يعلمهما أحد عنها شيئاً. 

بدأ الطرق على الباب، أولاً بمزاح، ثم بإلحاح، ثم بشيء يشبه الإنذار. لم يعد بإمكانه الاحتماء بالصمت، فتح الباب أخيراً، خرج إلى حيث ينتظره الرجال بوجوه متلهفة، لكنه لم ينطق سوى جملة واحدة، بصوت مهزوز، منكسر، “ما أعرف.. شسوي؟” 

الصمت الذي تلاها كان ثقيلاً، نظرات متفاجئة علت محيا الرجال والنساء، لم يكن هذا السيناريو في حسبان أحد، لم يتوقع أحد سماع هذا الاعتراف. اقترب منه أحد إخوته، سحبه جانباً، همس في أذنه ببعض الكلمات، تعليمات سريعة، لكن دون جدوى. 

وقبل أن يتحول الموقف إلى كارثة، جاء صوت امرأة من العائلة، تداركت الموقف، “الدورة… كولولهم عليها الدورة”. وهكذا نجا من وصم “الما يعرف”. 

القلق من الأداء 

 ما مرّ به محمود ليس مجرد لحظة ارتباك عابرة، بل نموذج لما يُعرف بقلق الأداء الجنسي، وهو حالة شائعة بين الأزواج الجدد الذين يبدأون حياتهم الزوجية دون أي معرفة مسبقة عن العلاقة الحميمية، سوى بعض الأقاويل والمعلومات المغلوطة والمضللة. 

تعرّف الجمعية الدولية للطب الجنسي قلق الأداء الجنسي بأنه الشعور بالخوف أو القلق أو التوتر المرتبط بالنشاط والأداء الجنسي والخوف من الفشل، مما يؤدي إلى صعوبات جنسية، ويُعد من أكثر المشكلات الجنسية شيوعاً بين الرجال والنساء، لكنه لا يُشخّص من قبل الأطباء كمرض منفصل، بل يُعتبر عرضاً أو عاملاً مساهماً في اضطرابات جنسية أخرى، مثل ضعف الانتصاب أو انخفاض الرغبة الجنسية أو صعوبة الوصول للنشوة. 

نسب التأثر بقلق الأداء الجنسي ليست منخفضة بين الرجال والنساء على حدّ سواء. يتأثر ما بين تسعة إلى 25 بالمئة من الرجال بقلق الأداء الجنسي، بينما تتراوح النسبة ما بين ستة إلى 16 بالمئة لدى النساء، وفقاً لورقة مراجعة بعنوان “قلق الأداء الجنسي” (Sexual Performance Anxiety) نشرتها مجلة مراجعات الطب الجنسي عام 2020، ووجدت أن قلق الأداء يؤدّي دوراً مهماً في تطور واستمرار الاضطرابات الجنسية، كضعف الانتصاب والقذف المبكر لدى الرجال، وانخفاض الرغبة الجنسية لدى النساء. 

الصورة النمطية التي تفرض على الرجل أن يكون متمرساً جنسياً بالفطرة تخلق هذا النوع من القلق النابع من الخوف من الفشل، وفقاً للطبيب النفسي في مستشفى بغداد التعليمي صادق عبد الإله، الذي أكد في حديثه مع جمار أن “في مجتمعاتنا، لا يُسمح للرجل بالاعتراف بعدم المعرفة، لأنه يساوي ذلك بالضعف، ولهذا يشعر العريس في الليلة الأولى أنه في اختبار قاسٍ، وليس مجرد تجربة طبيعية يفترض أن تأخذ وقتها دون ضغوط”. 

هذا القلق لا ينعكس فقط على الأداء، بل قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من الخوف والتوتر، إذ يصبح الشخص متردداً، مما يزيد احتمال الفشل في إقامة علاقة جنسية، وبالتالي تتعزز مخاوفه أكثر. 

لا يقتصر الأمر على الرجال، فالمرأة أيضاً قد تكون عرضة لضغوط مشابهة، مما قد يسبب تشنجاً مهبلياً، وهو انقباض لا إرادي في عضلات الجزء الخارجي من المهبل، يؤدي إلى صعوبة أو استحالة في الإيلاج، ويعيق حتى الفحص الطبي، وقد يؤدي إلى رفض العلاقة الجنسية، ويؤثر على العلاقات الزوجية والصحة النفسية والبدنية للمرأة. 

وتصاب ما بين خمسة إلى سبعة بالمئة من النساء بالتشنج المهبلي، كما أن هذه النسبة تشمل فقط النساء اللواتي يطلبن الرعاية الطبية لهذه الحالة، ولا تمثل النسبة الحقيقية في المجتمع. وغالباً ما يكون التشخيص معقداً بسبب التداخل مع عوامل نفسية أو اجتماعية أخرى، على رأسها الخوف من الألم الناتج عن الإيلاج للمرة الأولى، وهو خوف يُشبه الرهاب (الفوبيا)، تسببه المفاهيم المغلوطة عن الجنس. كما تُساهم التجارب السابقة كالإساءة الجنسية أو العاطفية، إضافة إلى الضغوط المجتمعية، في زيادة هذا الاضطراب لدى النساء، وفق دراسة منشورة عام 2023. 

يوضح الطبيب عبد الإله أن غياب التثقيف الجنسي يجعل هذه الليلة أشبه بحقل ألغام نفسي، إذ تتحول العلاقة من لحظة تقارب إلى اختبار للنجاح أو الفشل، خاصةً إذا لم يكن هناك تواصل صريح بين الزوجين، وإذا استمر هذا القلق دون معالجة فقد يترك أثراً طويل الأمد على العلاقة الزوجية. 

لكن إن كان محمود قد “أفلت” من العواقب تلك الليلة، فإن آخرين لم يكونوا محظوظين بالقدر ذاته. الجهل لم يكن مجرد عثرة في طريقهم، بل تحول إلى مأساة تركت آثاراً لا تُمحى، وشهد كانت واحدة منهم. 

“جان الوجع كلش قوي، حسّيت أكو شي غلط، حسّيت إني انشكّيت بالنص حرفياً”. هكذا تصف شهد (28 عاماً) ما حدث في ليلة زفافها، الليلة التي كان يفترض أن تكون بداية جديدة، انتهت بنزيف حاد أوصلها إلى المستشفى، فلم يكن الألم الذي شعرت به طبيعياً، أو مجرد انزعاج عابر، بل كان خطأ وقع بسبب الجهل. 

فتحت تأثير التوتر والارتباك، ومحاولات زوجها لإثبات أنه “يعرف”، تم الإيلاج في فتحة البول بدلاً من الموضع الصحيح، بحسب تشخيص المشفى الذي هرعت إليه، مما أدى إلى جرح عميق استدعى تدخلاً جراحياً وخلّف صدمة نفسية امتدت لأشهر. 

تقول شهد: “بقينا أشهر متوترين، وكل ما يقربلي أخاف”. ليس جسدها فقط من تأذى، بل علاقتها بزوجها، وثقتها بنفسها، وأمانها. 

 “جان كلش مرتبك، وهم ما يعرف، ومحد وجهه”. هكذا وصفت شهد قلة معرفة زوجها، فكلاهما لم يتلقيا توجيهاً سليماً من العائلة أو المدرسة. 

غالباً ما يكون قلق الرجل أو اضطراب التشنج عند المرأة نتيجة غياب التوعية الجنسية والإنجابية من الأسرة، وعدم وجود منهج تربية جنسية شاملة في المدارس. 

وهو ما يؤكده فاروق الدباغ، الباحث الاجتماعي والمختص بالسلوك العلاجي والمعرفي، في حوار مع جمار، من أن غياب المعرفة والتربية الجنسية السليمتين لا يؤدي فقط إلى فراغ معرفي وثقافي، بل يترك آثاراً نفسية وسلوكية عميقة، قد تعرض الأفراد لمخاطر صحية ونفسية، كالخجل المرضي، والشعور المزمن بالذنب، وتجارب مؤذية كان من الممكن تجنبها من خلال توعية جنسية مبكّرة وآمنة. 

لكن في العراق، تُعامل المعرفة الجنسية كتهديد أخلاقي، وتُحاط بالصمت وكأن الجهل بها فضيلة. 

هذا الفصل عليكم 

المعرفة الجنسية لا تبدأ عند الزواج بل منذ الطفولة، ويعرّف فاروق الدباغ “المعرفة الجنسية” بوصفها عملية مستمرة تبدأ منذ الطفولة، وتشمل القيم والتصورات المرتبطة بالجسد، والعلاقات في الأسرة والمجتمع، وقد تحمل معلومات وتصورات خاطئة ما لم تُكمّل بمنهج “التثقيف الجنسي الشامل” Comprehensive sexuality education  CSE، فهو شامل وموثوق، ويُفترض أن يُدرّس في المدارس، إذ يتناول موضوعات متعددة من المهارات والقيم وحتى المعلومات الصحية المتعلقة بالمعرفة الجنسية.  

ويرى الدباغ، أن غياب التوعية والتثقيف في العراق ليس مجرد إهمال، بل انعكاس لمنظومة اجتماعية تربط المعرفة الجنسية والإنجابية بالانحلال، بينما يعدّ الجهل بها نوعاً من الفضيلة والحفاظ على “الشرف”. ولم يكن هذا الفهم نابعاً فقط من فهم التفسيرات الدينية بشكل خاطئ، بل ترسّخ بفعل التقاليد العشائرية التي جعلت الحديث عن الجنس أو حتى الأعضاء الجنسية تهديداً مباشراً للقيم الاجتماعية، بحيث بات من “التابوهات” التي يصعب كسرها، حتى في أكثر السياقات حاجةً إليها.  

فالعائلة، التي يُفترض أن تكون المصدر الأول للمعرفة، تنظر إلى الحديث عن الجنس كتهديد أخلاقي بدلاً من كونه جزءاً أساسياً من الوعي الصحي، فجعلت المعرفة الجنسية غائبة عن أحاديث الأسرة غالباً، مما يترك الشباب في مواجهة تجاربهم دون أي توجيه علمي أو صحي. 

ويمتد هذا “التابوه” إلى المدارس، إذ تُدرَّس أجهزة الجسم بالتفصيل -القلب، والرئتين، والكليتين- لكن حين يصل الأمر إلى الجهاز التناسلي سيقول أستاذات وأساتذة كثر: “هذا الفصل عليكم، أنتوا تقرونه وحدكم”. كما فعلت أستاذة مادة الأحياء مع مصطفى (16 عاماً) من بغداد، في الصف الثالث المتوسط، لتجاوز فصل التكاثر بما يحويه من تشريح الجهاز التناسلي، ومواضيع الحمل والدورة الشهرية. 

 يتجنب بعض الأساتذة تدريس هذا الفصل بسبب الخجل. يقول مصطفى: “استحينا ودنكنا وصارت وجوهنا حمرة، وهي هم خجلت، وما جابت عنه أي سؤال بالشرح ولا بالامتحان الشامل”. 

كان ذلك الدرس، بالنسبة له ولزملائه، دليلاً واضحاً على أن المعلم الذي يُفترض أن يكون مصدر المعرفة، لا يشعر بالراحة في الحديث عن “هذه المواضيع”.  

وكأن الجسد البشري نفسه سرٌّ يجب أن يكتشفه الطالب وحده، أو أن يتجاهله تماماً، هكذا يعلق سعد محمد، المرشد التربوي في إحدى المدارس الثانوية المختلطة في قضاء الصويرة بمحافظة واسط، ويؤكد في حديثه مع جمار أن “الكثير من أساتذة الأحياء يتخطون درس الجهاز التناسلي، أو يمرّون عليه مرور الكرام، رغم أنه جزء أساسي من فهم الجسم البشري، مو مجرد موضوع محرج، هؤلاء المدرّسون نفسهم يحتاجون دورات تأهيل حتى يعرفون شلون يشرحون هذا الفصل بدقة، من الناحية العلمية على الأقل”. 

وهكذا يترك الطلبة بلا فهم مبسط لأجسادهم وصحتهم الجنسية والإنجابية في مواد العلوم للمراحل الابتدائية، ولا مدرس يجرؤ على التوعية في الثانويات ودروس الأحياء، ولا مرشد يؤدي دوره. 

لكن الجسد لا ينتظر التعليم المدرسي، والتغيرات لا تأتي وفق ما هو “مقبول اجتماعياً”. 

حين بدأت علامات البلوغ تظهر على حنين (13 عاماً) شعرت بأنها خرجت من الطفولة قبل أوانها، ليس لأن الزمن أسرع، ولكن لأنها لم يخبرها أحد بأن ما تمر به طبيعي، “جنت أستحي لأن صدري كلش بارز بالصّدرية، المدرسة جانت مختلطة، وكل يوم أحس نفسي عبالك مكشّفة، صرت فجأة مرا، رغم أني جنت أشوف نفسي طفلة”. 

حين فرضت والدتها عليها ارتداء حمالة الصدر شعرت أن التغيير قد أصبح رسمياً، وأنها لم تعد طفلة في نظر نفسها ونظر الآخرين، تقول: “سمعت أبوي يكول لأمي: لبسيها زين. حسّيت كل جسمي لازم يتغطى، وضجت حيل”. 

لكن الأسوأ كان في المدرسة، حيث لم يكن هناك حديث عن هذه التغيرات، لا من المعلمات، ولا من المرشدات التربويات، “المعلمات ما جانن يحجن ويانه بهيج مواضيع، يمكن لأن يعتبرنا صغار”. 

ما واجهته حنين يعكس واقعاً تؤكده دراسة ميدانية أجرتها جامعة بابل عام 2012 في محافظة كركوك، بعنوان “واقع التربية الجنسية في المدارس الثانوية (بنات) من وجهة نظر الطالبات والهيئة التدريسية”، شملت طالبات من 12 مدرسة متوسطة للبنات في مركز المدينة وأطرافها. هدفت الدراسة إلى تقييم واقع التربية الجنسية في المدارس من وجهة نظر الطالبات والهيئات التدريسية، وأظهرت أن هناك إحجاماً واضحاً من قبل المدرسات والطالبات على حد سواء في مناقشة الأمور المرتبطة بالتغيرات الجسدية والمشكلات الجنسية، مما يخلق حاجزاً من الخوف والخجل يمنع تداول هذه الموضوعات داخل الصفوف الدراسية. 

وأكدت الدراسة أن عدم تقديم توجيه ممنهج في التربية الجنسية يترك الطالبات عرضة للجهل والارتباك عند مواجهة التغيرات البيولوجية الطبيعية. كما أشارت إلى أن المدرسات أنفسهن يفتقرن إلى التأهيل الكافي لمناقشة هذه المواضيع، مما يزيد من صعوبة كسر حاجز الصمت داخل البيئة المدرسية. 

وهو ما يتفق معه المرشد التربوي في إحدى ثانويات العراق الذي أجرينا مقابلة معه وفضل استخدام اسم مستعار، سعد محمد، إذ يرى أن المشكلة لا تقتصر على الرفض المجتمعي، بل تمتد إلى عدم تأهيل المعلمين والمعلمات أنفسهم لتدريس التربية الجنسية الشاملة بطريقة علمية وتربوية. وبعضهم/نّ يحمل أفكاراً خاطئة عن هذه الموضوعات، مما قد يؤدي إلى انتشار معلومات مغلوطة أو مضللة سببها الكادر التدريسي نفسه!  

يجب أن يترافق إدراج التربية الجنسية في المناهج مع تدريب وتأهيل حقيقي للكوادر التدريسية لكسر حاجز الخجل، كما توصي الدراسة الميدانية التي أجرتها جامعة بابل، وذلك لتتعامل الطالبات مع التغيرات التي يمررن بها بثقة ووعي، فلا تعتمد الفتيات على مصادر غير موثوقة كالأقران أو الإنترنت. 

المدارس تفاقم المشكلة 

تسود الكثيرَ من المجتمعات العربية أفكارٌ تدين مناهج التثقيف الجنسي الشامل وإدراجه ضمن جهاز التعليم، ظناً بأنه يشجع الأطفال أو المراهقين على ممارسة الجنس، خاصة أنه قُدم من قبل حكومات ومؤسسات غربية لا تراعي السياق المحلي العربي. 

لكن عند الدخول في تفاصيل المنهاج، تتبدى سعة المواضيع التي تتجاوز “الفعل الجنسي البحت”، إذ تخصص مواضيع محددة بموجب احتياجات فئات عمرية مختلفة، بدءاً من الأطفال بين عمر الخامسة وحتى الثامنة، وإرشادهم للتعرف على أجسادهم ومشاعرهم وعواطفهم والحياة الأسرية والتصرف في حالات التعرض للإساءة كالتنمر أو التحرش وكيفية طلب المساعدة.  

أما مع المراهقين بين 12 و15عاماً، فيكون التركيز على مواضيع الانتهاك والاعتداء الجنسي وعنف الشريك والتنمر، وعلى أن وزر أي انتهاك أو إساءة لا يقع على الضحية أبداً. 

وبالنسبة للمراهقين الأكبر سناً، من عمر 15 وحتى 18 عاماً، فتتوسع المواضيع الخاصة بالصحة الجنسية والإنجابية والرضائية في العلاقات. 

وقد أظهرت دراسات أُجريت في عدة دول أوروبية أن إدخال برامج وطنية للتربية الجنسية الشاملة في المنهاج التعليمي أدى إلى تأخير سن النشاط الجنسي، وزيادة استخدام الواقيات الذكرية ووسائل منع الحمل الأخرى عند النشاط الجنسي، ولوحظ انخفاض في حالات الحمل والإجهاض بين المراهقين، وتراجع في معدلات العدوى بالأمراض المنقولة جنسياً، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاماً. 

وتعد مرحلة المراهقة والبلوغ من أهم المراحل في تشكيل شخصية الطالب، لكنها تُترك دون توجيه، رغم أن المدارس هي المكان الأنسب لتقديم هذه التوعية بحسب منظمة الصحة العالمية، لأنها تقدّم محتوى تدريجياً وآمناً بإشراف تربوي، مما يساهم في حماية الأطفال وبناء وعي صحي مبكر، وغياب دورها أدى إلى مشاكل عديدة، كالتحرش. 

يشرح المرشد سعد محمد: “شفنا حالات تحرش متكررة بين الطلاب، وهذا كله سببه الأساسي الجهل والكبت وعدم التوعية، ماكو أحد يفهمهم، لا المدرسة تشرح لهم، ولا الأهل يتكلمون وياهم عن هالمواضيع”. ويشير إلى أن التعامل مع المراهقين في هذا العمر يكون صعباً، لأنهم في مرحلة تخبط جسدي وعاطفي، ولا يمكن تركهم دون توعية واضحة.  

ويضيف المرشد سعد محمد أن غياب التربية الجنسية يؤثر على الأطفال بالدرجة الأولى، إذ يتعرضون للاستغلال بسهولة بسبب ضعف كفاءتهم الاجتماعية. وتُعرّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) الكفاءة الاجتماعية بأنها “الفعالية أو المهارة في العلاقات الشخصية والمواقف الاجتماعية، تشمل القدرة على تقييم المواقف الاجتماعية وتحديد ما هو متوقع أو مطلوب، والتعرف على مشاعر ونوايا الآخرين، واختيار السلوكيات الاجتماعية الأنسب للسياق المعين”. 

لذا في ظل غياب التوعية، قد لا يعرف الطفل كيف يميز بين نية المتحرش وغيره، ولا يعرف حدوده الجسدية، مما يجعله عرضة للتحرش، سواء من قبل شخص غريب أو من داخل العائلة نفسها، أو حتى في المدرسة كما يشير المرشد التربوي.   

ويستند في رؤيته على عدة حالات تحرش حدثت داخل المدارس، إذ تورط بعض المدرسين في ممارسات غير أخلاقية تجاه الطالبات، يقول: “إذا المدرّس نفسه يتحرّش، شلون رح يدرّس هيج مادة؟” 

في هذا السياق تذكر زهراء هادي، محامية جنائية في بغداد وتدير صفحة توعوية على إنستغرام، أنها تستقبل يومياً رسائل من أمهات وآباء يشتكون من تعرض أطفالهم للتحرش، غالباً ما يكون المعتدي شخصاً مقرباً. 

هذا الواقع يكشف حجم المشكلة، ويؤكد أن التثقيف في هذه الأمور ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الأطفال والمراهقين من الانتهاكات التي قد تلاحقهم طوال حياتهم، وتستمر معهم حتى الزواج. 

وفي ظل غياب منصات رسمية تقدم معلومات موثوقة، يلجأ الكثير من الرجال والنساء إلى الإنترنت، بحثاً عن إجابات لأسئلتهم. في مجموعات الفيسبوك أو عبر خاصية “الآسك” في إنستغرام، التي تتيح النشر بهوية مجهولة، يطرح المستخدمون أسئلة يرونها محرجة، فيتلقون إجابات من أشخاص ليسوا مختصين، بل يعتمدون فقط على تجاربهم الشخصية. 

تحذر حوراء حسين غافل، المدرّسة في كلية التمريض – جامعة بغداد، من خطورة هذه الظاهرة، مؤكدة أن ما يصلح لشخص قد يكون خطراً على شخص آخر. وتضيف أن الكثير من الأشخاص يثقون بما يُنشر في مواقع التواصل دون تمحيص، بينما وسائل التواصل سلاح ذو حدين؛ فيها المفيد، وفيها المدمر. فالأجدى أن تكون هناك منصات متخصصة، وصفحات رسمية يديرها مختصون، لتقديم معلومات طبية موثوقة بدلاً من ترك الساحة لغير المؤهلين. 

ورغم أهمية الموضوع، لا تزال التربية الجنسية غائبة عن المناهج الدراسية، فالمجتمع لا يرى في هذه المناهج سوى “لغم موقوت”، يخشى أن يؤدي إلى تفسخ أخلاقي. 

مبادرات شبابية  

بعد عام 2003، ومع توسع عمل منظمات الأمم المتحدة في العراق، بدأت تظهر مبادرات وخطط تهدف إلى تعزيز وعي اليافعين واليافعات بحقوقهم وصحتهم الجنسية والإنجابية. وبلغت هذه المبادرات ذروتها بعد تحرير الأراضي العراقية من تنظيم داعش، خاصة في ظل ما تعرّضت له الفئات الهشّة، وعلى رأسها الفتيات اليافعات، من أضرار وانتهاكات. 

لكن هذه البرامج التوعوية كانت قصيرة المدى ومحدودة التأثير، وغالباً ما قوبلت برفض اجتماعي أو بصعوبة في الوصول إلى الفئات المستهدفة. إلى جانب ذلك، لم يكن معظم المدربين والمدربات من ذوي الاختصاص، بل دخلوا هذا المجال من خلفيات أكاديمية مختلفة، بعد تلقيهم تدريبات سريعة دون تأهيل علمي معمق. 

في نينوى، يروي علي عماد كيف تلقى أول تدريب له عام 2017 ضمن شبكة Y-PEER، وهي شبكة شبابية دولية مدعومة من صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبإشراف وزارة الصحة العراقية. استمر التدريب 40 ساعة وتناول موضوعات الصحة الجنسية والإنجابية، لكن المشاركين، كما يقول، واجهوا تردداً وخجلاً في مناقشة هذه القضايا، إلى جانب نقص في المعلومات وانتشار مفاهيم مغلوطة. لاحقاً، انخرط في تدريبات إضافية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتوازي مع بدء دراسته لعلم النفس التربوي. 

أما رحمة عبد الله، خريجة كلية الزراعة من نينوى، فقد بدأت عملها مع منظمة “المسلة” بعد تحرير الموصل، وتدرّجت حتى أصبحت مدربة معتمدة ضمن برنامج “دليل الفتيات المراهقات”، المعتمد من قبل منظمات الأمم المتحدة، واستمرت في تدريبه حتى عام 2023. 

في البصرة، تروي إيلاف حسن، وهي مهندسة برمجيات، أنها بدأت تدريب اليافعات على مهارات الحاسوب ضمن منظمة مدخل العراق الصحي (IHAO) وجمعية أيادي الرحمة (mercy hands).  

من خلال تجاربهن المختلفة، رصد المدربون والمدربات حجم الجهل والشعور بـ”العار” و”الخجل” في مناقشة المعلومات الصحية الأساسية، وبحسب إيلاف، كانت الفتيات في المدارس يخفين وجوههن أو يتوارين خلف زميلاتهن، خجلاً من المناقشة حول أجسادهن، أو حتى تعجّبهن بسبب حملهن مفاهيم خاطئة. 

وتروي أنها أجرت نشاطاً مع مجموعة من الفتيات تقول فيه: “إذا المعلومة صحيحة تقدمن خطوة، وإذا خاطئة تتراجعن”. سألت عن عدد مرات تغيير الفوطة الصحية، فردّت إحداهن بدهشة: “ليش إحنا لازم نغيرها؟!” 

والمعلومة التي عرضتها إيلاف في نشاطها تستند إلى توصيات طبية معتمدة دولياً، حيث تنصح الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (ACOG) بتبديل الفوطة الصحية كل أربع إلى ثماني ساعات، أو بمجرد أن تصبح ممتلئة أو غير مريحة، للحد من مخاطر الالتهابات والحفاظ على النظافة الشخصية. 

كما تضيف إيلاف أن الفتاة ذاتها حين سألتها عن الاستحمام أثناء الدورة الشهرية أجابتها بانفعال: “ميصير نسبح؟… لااا، ميصير؟!” 

أما علي عماد، فيقول إنه كان يضطر للاستعانة بمدربات زميلات عند مناقشة موضوعات الحيض والدورة الشهرية، نتيجة الحرج الإضافي الذي يواجهه بصفته مدرباً. 

وتشير إيلاف، إلى أن أكثر القضايا انتشاراً في المناطق التي تعمل فيها، خاصة في أطراف قضاء الهارثة في البصرة، هو زواج القاصرات القسري، حيث لا تزال الفتيات يتزوجن في سن مبكرة جداً دون أي توعية أو معرفة مسبقة بأجسادهن أو بحقوقهن، وسط غياب شبه تام لبرامج التثقيف الصحي والاجتماعي من قبل المؤسسات التعليمية أو الصحية. 

لم تقتصر التحديات على نقص المعلومات أو الخجل من الحديث، بل وصلت إلى مقاومة مباشرة من المدارس والعائلات. تقول رحمة: “بعض إدارات المدارس الابتدائية رفضوا ندخل بموضوع الدورة الشهرية، كانوا يقولون لا تفتحين عيونها على هيچ مواضيع، خليها تدرس وتسمع كلام أمها وأبوها”. 

بالإضافة إلى فقر الوقت، ففي أغلب المدارس لم يُخصص لهذه الجلسات أكثر من نصف ساعة. أما في مراكز المنظمات فكانت تمتد إلى ساعتين، لكنها كانت تواجه اعتراضات من الأهل، وصلت أحياناً إلى اتهام المدربين بأنهم يعملون مع أجندات أجنبية تريد أن “تفسد البنات”. 

أما الحديث مع الذكور فكان أصعب. تمنع بعض الإدارات حتى التلميح إلى موضوعات مثل التحرش أو البلوغ أو العنف الجنسي. تقول رحمة: “إذا جبت طاري التحرش يعتبروه عيب، شلون أنتِ بنية وتحجين ويا أولاد بهيج مواضيع؟” 

ماهو المنهج؟ 

يوضح علي عماد أن المراهقين لا يحتاجون فقط إلى معلومات عن الصحة الجنسية، بل إلى معرفة أوسع بحقوقهم وبنية أجسادهم وعلاقاتهم. ومن هنا يأتي دور مواد إرشادية متخصصة، مثل دليل “الفتيات المراهقات”، الذي يغطي المهارات الحياتية، والقيم، والحقوق، إلى جانب المعلومات الصحية. 

وهذا المنهج مستقى من المنهج الدولي للتثقيف الجنسي الشامل، الذي طُرح أول مرة عام 2009، من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بالتعاون مع منظمات أممية مثل صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ويتم تحديثه كل عام تقريباً.  

يقدّم المنهج الدولي إطاراً تدريجياً لتعليم الأطفال والمراهقين عن الجسد، والعلاقات، والنوع الاجتماعي، والحقوق. لا يُفرض على الدول، بل يمكن تكييفه بحسب السياق القانوني والثقافي المحلي. وبالفعل، اعتمدت بعض الدول العربية منهج التثقيف الجنسي الشامل، وأعادت صياغته بما يتناسب مع ثقافتها، ودمجته في المدارس.  

أما في العراق، فلم يُدرج رسمياً ضمن المناهج التعليمية، بل اقتصر على المنظمات وبعض الندوات الثقافية داخل المدارس. وحتى حينما قُدم مثل هذا الدليل في هذه المنظمات من قبل مدربين ومدربات مثل علي عماد ورحمة عبد الله، فإن تحديات كثيرة، مثل الضغوط المجتمعية ونقص الوقت، حالت دون تناول التدريبات كافة المواضيع والتوجيهات بالطريقة الأمثل. 

ورغم السنوات الطويلة من العمل على “دليل الفتيات المراهقات”، لا يوجد حتى الآن دليل تدريبي مماثل لليافعين الذكور، هكذا باتت أغلب الأنشطة التي تُقدم لهم تعتمد على اجتهاد المدربين أو تكون جلسات عن العنف. 

يتفق المدربون والمدربات على أن أي برنامج توعوي لا يمكن أن يحقق أثراً حقيقياً دون دعم حكومي مباشر، ويشددون على ضرورة إدراج التربية الجنسية الشاملة في المناهج التعليمية، وتدريب الكوادر التدريسية، وتوفير مساحات آمنة للنقاش داخل المدارس والمجتمع. كما يرون أن استمرارية هذه المبادرات مرتبطة بتأمين تمويل مستقر، ودعم لوجستي وتنظيمي. 

لكن المشكلة لا تتوقف عند غياب المناهج فقط، بل تمتد إلى فراغ ثقافي واجتماعي أوسع. يواجه المراهقون والمراهقات تحولاتهم الجسدية والنفسية في بيئة تفتقر إلى المعرفة والدعم، وتُهيمن فيها المفاهيم المغلوطة والخطابات المحرّمة. 

هذا الغياب لا يؤثر على الفتيات وحدهن، بل يشمل الفتية أيضاً، ممن يُدفعون إلى تبنّي أدوار نمطية صارمة حول الرجولة والعلاقات. وفي المقابل، تمر الفتيات بتجارب حساسة أحياناً دون أي تهيئة معرفية أو نفسية، في ظل مؤسسات تعليمية ما تزال تتجنب الخوض في قضايا الجسد والبلوغ والعلاقات، وتُعيد إنتاج ثقافة الصمت بدلاً من الوعي. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

ناشطة وكاتبة من مواليد بغداد عام 1998، مهتمة بالتحليل النفسي والاجتماعي، وتسليط الضوء على قضايا المرأة والتربية في المجتمع.
صحفية ومترجمة من العراق، صدر لها عدة تراجم، تكتب في قضايا التنوع الاجتماعي والادب والفن.