تقترب الديون الداخلية والخارجية للعراق من 150 مليار دولار، في وقت يعترف فيه البنك المركزي، أعلى سلطة نقدية في البلاد، بأن العجز المالي كبير ولا يمكن تغطيته عبر القروض والسندات.
لا يعكس هذا الوضع، بطبيعة الحال، أزمة مالية عابرة، بل نموذجاً اقتصادياً يقوم على الاستدانة المستمرة لتمويل النفقات التشغيلية، مثل الرواتب والتقاعد.
وبحسب التقديرات المالية، يدفع العراق نحو 3.6 تريليون دينار سنوياً، أي ما يعادل 2.8 مليار دولار، كفوائد على الدين الداخلي فقط، من دون تسديد أصل الدين، وتُقتطع هذه المبالغ مباشرة من الموازنة العامة، وبالتالي يتقلص الإنفاق على الخدمات العامة والقطاعات المنتجة.
ويتركز نحو 96 بالمئة من الدين الداخلي داخل الجهاز المالي الحكومي، ويُدار من خلال سندات وحوالات خزينة بفوائد تقارب 3 بالمئة، وترتفع إلى أكثر من 6.5 بالمئة في الإصدارات الجديدة. كما يمتلك البنك المركزي نحو 45 بالمئة من أدوات الدين الداخلي، ما يعني أن الحكومة تموّل نفسها من داخل المنظومة المالية.
في الوقت نفسه، لم تعد مبيعات النفط كافية لتغطية النفقات الجارية، التي تبلغ نحو 11 تريليون دينار شهرياً، ما يجعل الاقتراض الخيار شبه الوحيد لسد العجز.
هذه الأرقام، وعلى عكس رواية حكومة محمد شياع السوداني التي تستمر بالاقتراض وتروّج لمرحلة توسّع اقتصادي، تكشف أن العراق يغرق أكثر في الدين عاماً بعد آخر. أما الحديث المتكرر عن استثمارات مرتقبة أو مشاريع كبرى، فلا يستند إلى أرضية مالية صلبة، إذ إن مبيعات النفط بالكاد تغطي رواتب الموظفين وخدمة الديون، ولا توفر أي مساحة حقيقية للتمويل الاستثماري. في هذا السياق، تبدو الوعود الاستثمارية أقرب إلى خطاب سياسي منها إلى خطة اقتصادية قابلة للتنفيذ.
وتمثل توضيحات محافظ البنك المركزي، علي العلاق، تحذيراً صريحاً من أن العراق يقترب من مرحلة مالية حرجة، إذ تتسع كلفة خدمة الدين وتضيق القدرة على المناورة.
وإزاء استمرار الدين كل عام من دون أن يُسدّد أصل الدين، يتحول الاقتراض من وسيلة تمويل إلى قيد دائم يثقل الموازنة ويزيد هشاشة الاقتصاد أمام أي صدمة نفطية.