ملف “البعث” المفتوح

جُمّارجُمّار | 28 تموز 2025

تبدو كل مؤسسات العراق، فجأة، منشغلة بمهمة “ملاحقة البعثيين”؛ فمنذ مطلع العام، طالت حملات الاعتقال نحو 300 شخص بتهمة الانتماء إلى حزب البعث، في بقع موزّعة بين بغداد، ونينوى، وصلاح الدين، والأنبار، وكركوك.

نُفّذت الاعتقالات على يد الأمن الوطني وأمن الحشد الشعبي، وشملت رجالاً طاعنين في السن، وآخرين وُلدوا بعد سقوط النظام بعام. وكعادتها، تتوارى الأدلة خلف تقارير “المُخبر السرّي”.

الحدث ليس جديداً، فقبيل كل انتخابات، يتكرّر المشهد، وسبق أن كان الملف حاضراً بقوة قبل اقتراعَي 2018 و2021، ويبدو اليوم أشد كثافة، في ظل اتهامات متكررة لقوى السلطة من الشيعة باستخدام “ورقة البعث” لإقصاء الخصوم، وهو ما يفعله قادة سنّة ضد خصومهم من المستقلين أو المعارضين.
ما يُستند إليه قانونياً هو “قانون حظر حزب البعث” (2016)، الذي يجرّم الانتماء للحزب أو الترويج لأفكاره، ويمنع المنتمين السابقين من الترشح أو شغل وظائف عامة.

لكن هذا القانون يُفعّل ويُطفئ وفق الحسابات السياسية، دون معيار دستوري أو قضائي واضح.

في الخلفية، تعود هيئة “المساءلة والعدالة” إلى الواجهة، رغم الوعود السابقة بحلّها. وبينما تؤكد مصادر رسمية أنها لم تُرسل بعد قوائمها الكاملة إلى مفوضية الانتخابات، فإن تجارب الماضي تشير إلى أنها تفعل ذلك في اللحظات الحاسمة، لتصفية المرشحين غير المرغوب بهم.

نجم الجبوري، المحافظ السابق لنينوى، مثال على عبثية الملف، فالرجل كان مشمولاً بقانون المساءلة بسبب عمله في الجيش قبل 2003، لكنه حصل على استثناء، وشغل مناصب عليا في الجيش ثم أصبح محافظاً، قبل أن يُمنع لاحقاً من الترشّح، بسبب الملف ذاته.

المفارقة الأعمق أن ملف البعث، رغم كونه أحد أكثر الملفات تداولاً، لم تؤسس له السلطات المتعاقبة على العراق بعد الغزو الأمريكي أرشيفاً علنياً أو قاعدة بيانات واضحة، ولا تمنح أي مؤسسة عراقية أرقاماً دقيقة عن “المشمولين” فيه والمنتمين إليه سابقاً، ولا أحد يقيس موقف الرأي العام من هذا الملف، هل في المجتمع متعاطفين مع البعث حقاً؟ ولماذا؟ وهل تغيّر الوعي حقاً بعد أكثر من عقدين من زوال نظام صدام حسين؟

لم يُبنَ حتى الآن متحف يوثّق جرائم البعث، والمنهج الجامعي الشامل الذي يجب أن يدرّس تلك المرحلة لم يصدر إلا مؤخراً. وبدلاً من بناء عبرة وذاكرة عادلة، يبقى الملف مفتوحاً.

وبذلك، يتحوّل ملف البعث من أداة عدالة إلى أداة سياسية، يُستخرج عند الحاجة، ويُطوى عند الضرورة، بلا إنصاف حقيقي، ولا مواجهة جادة مع الماضي..

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media