وضعت الفصائل المسلحة في العراق شروطاً معقدة أمام أي محاولة لنزع سلاحها، وكان أكثرها وضوحاً ما صرح به قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، الذي ربط تسليم السلاح بامتلاك العراق لمنظومة دفاع جوي متكاملة.
اشتراط الخزعلي لا يعكس فقط موقفاً سياسياً تكتيكياً، بل يدرج السلاح، بكل أشكاله، كأداة ضغط تفاوضية، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والضغوط الدولية.
ولا تقدم الفصائل أي تصور عملي لتجنب العراق سيناريو العقوبات الأمريكية المشابهة لتلك المفروضة على إيران، أو ضربات أمريكية وإسرائيلية، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية على بغداد لضبط المشهد الأمني الداخلي. وبينما جاء موقف حركة النجباء واضحاً برفض أي محاولة للتخلي عن السلاح، التزمت كتائب حزب الله الصمت، ما يعزز الغموض حول موقفها المستقبلي.
ولا يبدو أن الفصائل تسعى فقط للحفاظ على نفوذها العسكري، بل تحاول توسيع حضورها السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات القادمة. وعلى رأس هذه الفصائل، تأتي عصائب أهل الحق، التي ترى في الانتخابات فرصة لترسيخ مواقعها داخل مؤسسات الدولة. ورغم هذا الطموح السياسي، لا تقدم الفصائل حتى الآن رؤية واضحة لكيفية تعاملها مع الرفض الدولي المتزايد تجاه وجودها المسلح، ولا مع تداعيات ذلك على علاقات العراق الإقليمية والدولية.
على الجانب الآخر، لا تزال الحكومة العراقية تتعامل بحذر مع هذا الملف الشائك. فوزير الخارجية فؤاد حسين أكد أن الحكومة لا ترغب في التصعيد، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي مواجهة مباشرة مع الفصائل قد تفتح الباب أمام اقتتال أهلي واسع، قد يكون من الصعب احتواؤه. وبينما تروج الحكومة للحوار كخيار أساسي، لم يظهر أي تقدم ملموس في هذا المسار، خاصة في ظل تصلب مواقف الفصائل وتصريحاتها المتكررة حول تمسكها بالسلاح.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، لا تبدو الحلول التوافقية في المتناول، كما أن استمرار المراوحة السياسية قد يفاقم الأزمات الداخلية ويدفع نحو مزيد من الضغوط الخارجية. الفصائل تدرك أن سلاحها يمنحها نفوذاً، لكنه أيضاً يشكل عبئاً داخلياً وخارجياً متزايداً. والحكومة تدرك أن المماطلة قد تجنبها المواجهة، لكنها لا تضمن لها استعادة السيطرة.
الحال هذه، ما بين هذين الطرفين، يبقى العراق في قلب معادلة صعبة، حيث تبدو كل الخيارات مكلفة، وكل الحلول مؤجلة إلى أجل غير معلوم.