“الرصيف مفقود”.. عن ضياع حق المشي في المدن العراقية

كيف خسر العراقيون حقهم في المشي والمدينة؟ مقال عن مدن أصبح السير فيها مخاطرةً يومية..

حسن المشعلحسن المشعل | 8 تشرين الثاني 2026

أخرج مع والدي للمشي، كما اعتدنا منذ أن أوصاه الطبيب بأن يجعل المشي جزءاً من روتينه الصحي. نختار شارع 14 رمضان، أحد شوارع كرخ بغداد التجارية المعروفة، ونحاول أن نشق طريقنا وسط الحركة الكثيفة والضجيج المستمر. 

هدمت البلدية رصيف الشارع وجزرته الوسطية وتركت الأرض مكشوفة يتصاعد منها الغبار. كان الرصيف قد فقد وظيفته أصلاً تحت ثقل البسطات والمولدات والتجاوزات اليومية، ثم اختفى تماماً، فأصبح السير التفافاً دائماً بين العوائق والسيارات المتحركة، وفعلاً حذراً يُمارَس في مكان لا يوفر أبسط شروط المشي. 

نحاول الحفاظ على عادتنا اليومية، لكن الشارع لا يمنحها مساحة إلا للعبور المؤقت. نمشي بسرعة وانتباه كي نغادر، فلا تتحول الخطوات إلى علاقة بالمكان أو ذكرى فيه. 

يتراجع المشي في المدن العراقية، وتضيق معه علاقة الناس بشوارعهم. تختفي تدريجياً مشاهد الأهالي وهم يتحركون سيراً، والأطفال الذين يذهبون إلى مدارسهم مشياً. وللأسف، لا يرتبط هذا التراجع بتغير العادات وحده، بل بمدن لم تعد تهيئ شروط الحركة الطبيعية، ولا تمنح المشاة مكاناً مناسباً في فضائها العام. 

يمشي المواطن العراقي وهو يلتفت باستمرار خوفاً من دراجة نارية أو سيارة قد تقترب فتؤذيه أو تنهي حياته، يتوقف حتى تمر، ثم يعاود السير مستعجلاً لأن أخرى قد تصل. يحدث ذلك غالباً بسبب غياب الرصيف، أو تحوله إلى مساحة مكسورة أو محتلة، فيغدو المشي فعلاً مشروطاً بالحذر والاستعجال. 

ويظل المشي ممكناً ضمن قيود غير معلنة، فلا يُفضَّل ليلاً، ولا يبدو خياراً آمناً للنساء في ظل ضعف الإنارة وتكرار المضايقات وغياب الشعور بالأمان في شوارع كثيرة. وبالتالي، تقتصر العلاقة بالمكان على عبوره لغرض محدد، وكأن المدينة مساحة يجب اجتيازها للوصول إلى مطعم أو مركز تجاري يمنح زائره قدراً من الراحة التي لا يجدها في الشارع. 

خطوات خارج إيقاع المدينة 

ارتبط المشي في تاريخ الفكر بممارسة تأملية تشترك فيها حركة الجسد مع عمل الذهن. ويُستحضر فريدريك نيتشه بوصفه واحداً ممن تعاملوا معه باعتباره جزءاً من عملية التفكير نفسها، فالخطوة تنظم الأفكار وتخلق مسارات ذهنية لا تتشكل في السكون، فيما تدخل الوجوه والعمران والمشاهد التي نصادفها في بناء الفكرة. 

ويرتبط المشي بزمن مختلف عن زمن المدينة السريع، زمن يسمح للفكرة بأن تتكون على مهل، وللذهن بأن يعمل خارج ضغط الإنجاز والوصول. إنه مساحة وسطى بين العزلة والاختلاط، يكون فيها الفرد حاضراً بجسده داخل الفضاء العام ومنشغلاً بذاته في الوقت نفسه، فيتأمل العالم من دون أن ينسحب منه. 

ومع اختفاء هذا الإيقاع البطيء من شوارع المدن العراقية، يضيق الهامش الذي يسمح للجسد بأن يفكر وهو يتحرك، وتصبح الخطوة استجابة سريعة لإيقاع مفروض. فالمشي حوار صامت مع المكان، تُقرأ خلاله الشوارع والواجهات والوجوه وتدخل في بناء المعنى والذاكرة. وحين يتعذر هذا الحوار، يصبح السير محاولة فردية لفرض إيقاع الجسد على مدينة تريد فرض كل شيء، ويكشف مع كل خطوة مقدار الاستعجال المفروض على الحياة اليومية، وضيق المساحة المتاحة للتفكير والتفاعل مع المكان. 

حجر الأثرياء وخطوات متعثرة 

يُعتمد حجر “المقرنص” لتغطية أرصفة مدن عراقية كثيرة بوصفه خياراً شبه ثابت في مشاريع التطوير، ثم يُستبدل خلال فترات متقاربة رغم كلفته العالية. يكشف ذلك فهماً شكلياً لوظيفة الرصيف، بدلاً من التعامل معه على أنه عنصر وظيفي طويل الأمد. 

من الناحية الفنية، يُفترض أن يتراوح العمر الافتراضي للمقرنص بين 15 و25 عاماً عند تنفيذه وفق الأصول، من حيث طبقات التأسيس والاستواء ونوعية المواد. غير أن التجربة المحلية تظهر تدهوره خلال سنوات قليلة؛ بسبب ضعف التنفيذ وسوء التصريف وعدم مراعاة الاستخدام اليومي. سرعان ما تمتلئ الأرصفة بالفواصل وتفقد استواءها، ثم تُستبدل لتوضع مكانها المادة نفسها ضمن دورة متكررة من الإنفاق لا تحسّن تجربة المشي. 

في شباط 2019، قالت مقررة مجلس محافظة البصرة إن المقرنص يُستبدل كل ستة أشهر، وإن ذلك يستنزف أموال المحافظة والمواطنين، قبل أن يردَّ المحافظ نافياً ما ورد في تصريحها. 

يوضح المعماري سجاد الوردي أن المشكلة لا تكمن في المقرنص نفسه، بل في طريقة توظيفه داخل المدينة. يقول إن “الرصيف ليس عنصراً ثانوياً في المشهد الحضري، بل الفضاء الذي تبدأ فيه علاقة الإنسان بالمدينة”، مشيراً إلى أن الحجر نفسه يُستخدم في مدن مثل أمستردام وروما وباريس ضمن منظومة تخطيطية تراعي طبيعة المشي وتدرج الحركة، هناك تكون المماشي مستوية والفواصل مدروسة، فيغدو المشي تجربة يومية مستقرة. 

أما في العراق، فيأتي استخدام المقرنص غالباً منفصلاً عن هذه المنظومة، ويُنفَّذ بلا تأسيس سليم أو رقابة نوعية. يقول الوردي إن “المقرنص في العراق لا يفشل لأنه مادة سيئة، بل لأنه يُنفَّذ بطريقة سيئة”، إذ يحوِّل غياب الأساس المناسب، وسوء ضبط المناسيب، وانعدام شبكات التصريف، الرصيف إلى عنصر طارد للمشي. 

ويضيف أن “الرصيف الجيد لا يعيق الخطوة ولا يفاجئ المواطن، بل يستجيب له ويمنح الحركة إيقاعاً يسمح بالتوقف والملاحظة”. فنجاح الأرصفة في المدن لا يرتبط بالشكل وحده، بل بقدرتها على خلق شعور يشجع على التوقف والمشي البطيء. وحين يُنفَّذ الرصيف بوصفه فضاءً إنسانياً، يصبح جزءاً من الذاكرة اليومية للمدينة. 

من يملك حق السير؟ 

تظهر الفوارق بوضوح أكبر حين يتقاطع المشي مع تجربة النساء، إذ لا يرتبط السير بالعوامل التخطيطية وحدها، بل بجملة من القيود الاجتماعية غير المعلنة التي تعيد رسم حدود الحركة اليومية. 

تقول نبأ، وهي شابة من بغداد تبلغ 24 عاماً، إن المشي لا يحدث في حياتها فعلاً اعتيادياً، بل ضمن شروط دقيقة: “أمشي أحياناً، لكن ليس وحدي، ولا من دون غاية واضحة، وغالباً برفقة العائلة إلى السوق القريبة فقط”. 

يرافقها في الشارع شعور دائم بالمراقبة “إحساس أن الجميع يحدق، والتحرش، ونظرات المارة وكأنهم يقولون: أين والدها؟ أين عائلتها؟ كيف سمحوا لابنتهم بالخروج؟ حتى النساء ينظرن إلينا من أعلى إلى أسفل”. 

تصف نبأ علاقتها بالمدينة بوصفها علاقة متقطعة ومحكومة بالحذر. تستذكر من طفولتها مساحة خضراء قرب متنزه كانت تلعب فيه، ثم تقلصت تدريجياً مع تمدد الاستثمار وبناء المحال والمنازل مكان الأشجار، ولم يبق منها سوى مساحة محدودة لا تُستخدم للمشي إلا نادراً. 

تحوَّل الطريق المحاذي للمتنزه إلى مكان لا تستطيع المرأة المرور فيه من دون مضايقات من السيارات أو المارة، وحتى من الأطفال أحياناً. لذلك سلكت نبأ وعائلتها طرقاً جانبية بين البيوت، قبل أن يتحول المكان لاحقاً إلى موقف للسيارات والدراجات بعد منح أرض مرأب قديم لشخصية نافذة، بحسب المتداول في المنطقة. 

وفي البصرة، تصف زهراء علاقتها بالمشي بوصفها علاقة غائبة تكاد تقتصر على الذاكرة والخيال. تقول إنها “نسيت كيف يكون المشي في الشارع بصورة اعتيادية وفي المكان الذي يعجبها”، وإنها باتت محصورة في أماكن قريبة وغير شعبية لتجنب المضايقات، رغم حبها للمشي. 

لا تتحدث زهراء عن حادثة تعرضت لها مباشرة، بل عن امتناع مقصود بوصفه وسيلة للأمان: “لم أتعرض لمضايقة لأنني لا أمشي”. تختصر عبارتها تحوُّل الحق في الحركة إلى قرار يصعب اتخاذه في مدينة لا يوفر شارعها شروط الاستخدام الآمن. 

تكشف الشهادتان كيف يتحول المشي من ممارسة يومية مفتوحة إلى سلوك تُحدَّد مساراته مسبقاً وفق النوع الاجتماعي والمكان والتوقيت. ومع تراكم هذه القيود، يصبح الفضاء العام مجالاً تنظمه المراقبة والضبط، وتغدو الحركة اليومية امتيازاً انتقائياً بدلاً من أن تكون حقاً مشتركاً. 

فضاءات مفتوحة بشروط 

يُفترض أن تكون المتنزهات والمساحات المفتوحة امتداداً طبيعياً للمشي ومتنفساً يتيح الحركة بعيداً عن ضغط الشارع. ومع تقلص إمكانية السير على الأرصفة، تبدو هذه الفضاءات البديل الأكثر أمناً واتساعاً، لكنها تخضع بدورها لمنطق الإغلاق والتنظيم الصارم، ولا سيما بعد الغروب. 

تُدار المساحات العامة باعتبارها مواقع محتملة للمخالفة، ويصبح استخدامها مشروطاً بالتوقيت والمراقبة والسلوك المتوقع. اختبرتُ ذلك في إحدى الليالي، حين خرجت مع صديقين للمشي وقطعنا مسافة طويلة بالسيارة إلى شارع أبو نؤاس وكورنيشه، بوصفه أحد الفضاءات القليلة التي تتيح السير بمحاذاة النهر، وحين وصلنا وجدناه مغلقاً، سألنا أحد العناصر الأمنية عن السبب، فأجاب بأن الإغلاق يهدف إلى منع تجمع الشباب وشرب الخمر. 

يعاد تعريف المتنزه، أمنياً، من مساحة عامة إلى مكان يُدار وفق تصور مسبق عن مستخدميه، ويصبح المشي نشاطاً قابلاً للإيقاف. ويكشف هذا المشهد منطقاً أوسع في إدارة الفضاء العام، حيث يُعامَل الجسد بوصفه مصدر قلق قبل أن يكون جزءاً من المدينة. 

ومع تكرار هذا النمط، تضيق الخيارات أمام من يريد المشي خارج منطق الاستهلاك، ويتحول المتنزه إلى مساحة مؤقتة تفتح وتغلق وفق اعتبارات لا تتصل بالحاجة اليومية إلى الحركة، فيما لا يوفر الشارع رصيفاً يمكن السير عليه. 

كيف خسر الشارع مكانته؟ 

يعاد تنظيم شوارع بغداد اليوم استجابةً للضغط المروري المتراكم، أكثر مما يجري وفق تخطيط طويل الأمد يعيد توزيع الأولويات داخل الفضاء الحضري.  

ويوضح مسؤول في أمانة بغداد أن المدينة “صُممت في زمن كانت فيه الكثافة السكانية قليلة وعدد السيارات محدوداً”، ثم تغير الواقع مع ارتفاع عدد السكان والهجرة الداخلية وامتلاك العائلة الواحدة أكثر من سيارة، فضلاً عن تقسيم المنازل الكبيرة إلى وحدات متعددة، ما ضاعف الضغط على الشوارع. 

دفع هذا التحول الجهات المعنية إلى التركيز على توسعة الطرق وإنشاء المجسرات. غير أن الاختناقات ظلت قائمة حتى بعد إنشاء التقاطعات الحديثة، وظهرت نقاط ازدحام جديدة عند مداخلها ومخارجها بسبب غياب المعالجة الشاملة للبنية المرورية المحيطة بها. 

وبالتزامن مع الخطاب الحكومي الذي يقدم المجسرات والطرق بوصفها إنجازاً كبيراً، تراجعت وظيفة الرصيف، وهو حق للمواطن، وتحوَّل في مناطق كثيرة إلى مساحة مستغلة تجارياً، ليعاد بذلك تعريف الشارع بوصفه ممراً للسيارات قبل أي استخدام آخر كالمشي. 

يمتد الخلل إلى الواجهات النهرية والمساحات الخضراء التي يُفترض أن تكون متنفساً مفتوحاً.  

ويحذر المسؤول في الأمانة المسؤولة عن 14 بلدية في العاصمة من التوسع غير المنظم في المشاريع الاستثمارية التي تستحوذ على هذه المساحات، موضحاً أنها “ليست أرضاً عادية، بل مساحة بيئية ومتنفس حضري، يُفترض أن تكون مكاناً للمشي والجلوس والنشاطات العامة”. وحين تتحول إلى مشاريع مغلقة أو محصورة بفئة محددة، تفقد المدينة جزءاً من توازنها البيئي والاجتماعي، ويتقلص المشي خارج منطق الاستهلاك. 

يرتبط ذلك بغياب رؤية تخطيطية موحدة تدير المدينة بوصفها منظومة من الوظائف المترابطة. يشبّه المسؤول المدينة بالبيت، حيث تأتي الوظيفة أولاً ثم الجمال، من حيث الحركة والراحة ومساحات الاستراحة والتنزه. غير أن بغداد تشهد عمراناً متفرقاً ومشاريع قد تكون جيدة منفردة، لكنها تظهر بلا هوية موحدة أو لغة عمرانية تجمعها. 

ينعكس هذا التشتت مباشرة على تجربة المشي، ويُبقي الشارع أسير حلول جزئية تعالج الأزمة الآنية أو المظهر الخارجي، من دون إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمدينة بوصفها مكاناً يُعاش خطوةً خطوةً. 

مدينتنا والمدن التي تركت أثراً 

يحكي والدي لي عن بغداد والناصرية بوصفهما مدينتين صنعتا حياته، وحضرتا في ذاكرته عبر السير ومعرفة الطرق من دون خرائط، وما يزال يتعامل مع المدينة كما يتعامل شاعر مع محبوبته، يغازل جمالها ويقسو عليها حين تسوء ظروفها. علاقة صنعتها الأيام والطرق والتوقف الطويل عند التفاصيل، وتركت شوارعها أثراً عميقاً فيه، حتى صار المشي وسيلة للفهم والاعتياد والانتماء. 

جدل
“أزمة رصيف”: مدنٌ للإنسان وليست للسيارات!
وسام إبراهيم عنبر/19 حزيران 2023

تحدثت أجيال عن بغداد ومدن أخرى كما لو أن علاقة عاطفية نشأت بينها وبين المكان، علاقة بنتها تفاصيل بسيطة، من شارع يُعرف بالمشي، إلى طريق يسمح بالتوقف، ومدينة تُكتشف ببطء. كان الشارع جزءاً من التجربة اليومية، يشارك في بناء الذاكرة ومنح الإحساس بالألفة، حتى تتحول المدينة إلى فضاء مألوف يُعاش، لا مجرد مسار يُستخدم. 

تغيرت هذه العلاقة مع تغير وظيفة الشارع وانتقاله إلى منطق المرور والاستثمار والضبط، وتقلصت إمكانيات المشي، وتضررت الأرصفة، وأُغلقت المتنزهات، وأُعيد تنظيم الفضاءات العامة وفق شروط التوقيت والسلوك والغاية. ومع كل رصيف مكسور، وكل شارع يُصمَّم من دون اعتبار للمشاة، وكل مساحة عامة تُعامَل بوصفها مصدر إزعاج محتمل، تآكلت العلاقة اليومية بين الناس ومدينتهم. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

طبيب وكاتب وباحث عراقي.
بمشاركة