كيف أشعلت امرأة انتفاضة تشرين العراقية عام 2019؟

بعد نحو سبع سنوات على انتفاضة تشرين، تعيد احتجاجات الخريجين الأخيرة في بغداد إلى الأذهان بعض المظالم التي دفعت العراقيين إلى الانتفاض، وتذكّر بالبدايات الأولى لتشرين نفسها..

مهدي شكرجيمهدي شكرجي | 27 تشرين الأول 2026

بدأت انتفاضة تشرين في الأول من تشرين الأول 2019، وأشعل شرارتها حادث وقع قبلها بأسبوع. ففي 25 أيلول 2019، خرج خريجون عاطلون عن العمل إلى الشوارع للمطالبة بفرص عمل في القطاع العام، لكنهم واجهوا عنفاً من قوات الأمن، شمل استخدام خراطيم المياه. وخلال الاحتجاجات، أسقطت قوة اندفاع المياه إحدى الخريجات المتظاهرات أرضاً، وأزاحت حجابها عن رأسها، وانتشر فيديو للحادثة وتداوله آلاف العراقيين، الذين رأوا في المشهد إهانة بالغة ومساساً بالكرامة. 

هذه الحادثة هي أحد الأسباب التي دفعت كثيراً من الرجال إلى المشاركة في انتفاضة تشرين، أكبر انتفاضة شهدها العراق في تاريخه منذ الحرب. 

منذ غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، بلغ العنف ضد النساء مستويات مقلقة. فقد أفاد المرصد العراقي لحقوق الإنسان بتسجيل 36 ألف حالة عنف أسري خلال عام 2025 وحده. كما تكرر تعرض المتظاهرات للعنف من قبل السلطات، بما في ذلك الاختطاف والقتل وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. في عام 2020، اغتيلت رهام يعقوب، الناشطة البارزة من البصرة. مؤخراً، قُتلت ينار محمد، الناشطة العراقية المعروفة في مجال حقوق النساء، أمام منزلها في بغداد. 

لا بد من فهم العنف الذي تعرضت له الخريجة المتظاهرة في هذا السياق. فقد خرج الرجال إلى الشوارع تضامناً مع النساء، لكن الأسباب التي قدمها كثير منهم لتفسير غضبهم من الحادثة تكشف أيضاً عن تصورات أعمق بشأن “مكانة” المرأة في المجتمع العراقي، وعن السياسات الجندرية التي رافقت انتفاضة تشرين عموماً. فقد شعر الكثير من الرجال بالغضب لأنهم اعتبروا الحادثة انتهاكاً للأعراف الجندرية السائدة، وهي أعراف تضع المرأة في مكانة رفيعة ظاهرياً، لكنها تضمن في الوقت نفسه بقاءها تحت رعاية الرجل وحمايته الأبوية، ويعبّر ذلك عما يسميه الباحثون والباحثات النسويات بمصطلح “التمييز الجنسي الخيّر” Benevolent) sexism). 

لماذا أثارت الحادثة الغضب؟ 

يقول أحد المتظاهرين، وهو شاب في العشرينيات من عمره من مدينة الصدر في بغداد، التي يسكنها أكثر من 15 بالمئة من المشاركين في احتجاجات تشرين بالعاصمة: “الجماعات الحاكمة كلها مجرمة، وإحنا نعرف هذا الشي، مجرمين وجذابين، باكونا. شكد شفنا حروب؟ شفت أصدقائي وأهلي يموتون، وأنا عاطل عن العمل، شنو حصلنا منهم؟ كل هالأشياء خلتني أتظاهر بتشرين. بس تعرف، من شفت شلون تعاملوا ويه الخريجات، هنا تجاوزوا حدودهم، هذا الشي غير مقبول بالمجتمع العراقي لأن المرأة إلها مكانة خاصة”. 

وفي مقابلات أخرى، شدد متظاهرون وناشطون رجال على أن ما حدث غير مقبول في “المجتمع العربي أو العراقي”. 

تحدث ناشط شاب ينتمي إلى الحزب الشيوعي ويعمل صحفياً قائلاً: “أكثر شي أثر بالمجتمع هو طريقة التعامل ويه الخريجة المتظاهرة اللي انكشفت ملابسها بسبب خراطيم الماي، المجتمع العراقي عنده تقاليد تنطي المرأة أهمية وما تسمح بضربها”. 

في العراق، تحكم العلاقات بين الجنسين مجموعة من المعايير الاجتماعية التي يُشار إليها عادةً باسم “العادات والتقاليد”، وهي أعراف اجتماعية وثقافية واسعة الانتشار، وإن لم تكن مدونة في قوانين رسمية. عندما يشير المشاركون في المقابلات إلى “المجتمع العربي” أو “المجتمع العراقي” فإنهم يستحضرون هذه الأعراف تحديداً. 

وربط هلي المعموري، أحد الأكاديميين، الحادثة بمفهوم الرجولة في المجتمع العراقي: “الخسيس فقط هو من يضرب امرأة هكذا، خسيس ولو وضع ألف نجمة وألف سيف ذهبي على كتفه… الخسيس من يضرب فتاة، أما الشهم فيقف أمامها يتحمل كل ما تقوله ولا يرد، وإلا فلن يكون رجلاً، بمعيار الرجولة العراقية خسيس وغيرة سزز”. 

كثيراً ما استخدم الرجال العراقيون كلمة “الغيرة” لتفسير دوافع مشاركتهم في الانتفاضة. وفي اللهجة العراقية، تشير “الغيرة” عندما ترتبط بامرأة إلى نوع من الحماية، أما عندما ترتبط بالوطن فيمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن الوطنية والانتماء. وفي حالة الخريجة الشابة، تلاقت الغيرة على الوطن مع الغيرة عليها بوصفها امرأة. 

لكن السؤال هنا: كيف يمكن لأعراف جندرية محافظة ومقيدة للنساء في الظروف الاعتيادية أن تتحول إلى دافع للغضب والاحتجاج على عنف الدولة ضدهن؟ أليست هذه الأعراف نفسها هي التي يمكن أن تقيد وجود الخريجة في الفضاء العام؟  

يمكن أن تساعدنا فكرة “الحس المشترك” لدى المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي في تفسير هذا التناقض الظاهري. فبالنسبة إلى غرامشي، يشير “الحس المشترك” إلى التصورات التي يكتسبها الناس عن العالم من الأسرة والمؤسسات الدينية والمدارس والثقافة الشعبية والأعراف العشائرية وغيرها من المؤثرات. 

قد تسهم هذه التصورات في الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم، لكنها قد تتحول إلى أداة لمعارضته أيضاً، ولا سيما عندما يُنظر إلى الجماعات الحاكمة على أنها تتصرف بطريقة تهدد القيم التي يقوم عليها ذلك النظام. من خلال النظر إلى العادات والتقاليد العراقية من هذا المنظور، يمكننا أن نفهم بصورة أفضل كيف تستطيع هذه الأعراف أن تقيد النساء وتكون مصدراً للغضب تجاه الدولة في الوقت نفسه، فقد انطلقت ردود الفعل على حادثة الخريجة من إحساس بالعدالة يستمد جزءاً من معاييره من الأعراف الجندرية التقليدية، التي رأى المحتجون أن الدولة انتهكتها. 

النساء في قلب انتفاضة تشرين 

كثيراً ما حظيت انتفاضة تشرين بالإشادة بسبب الدور المحوري الذي أدته النساء فيها. فعلى الرغم من مشاركة النساء في الاحتجاجات طوال الفترة التي أعقبت عام 2003، فإنها لم تبلغ حجم المشاركة في تشرين ولا مستواها في الاستمرارية. وفي مراحل مختلفة من الانتفاضة، خرجت النساء في مسيرات جابت شوارع بغداد، متحديات، ولو لفترة وجيزة، الأعراف الجندرية المتجذرة التي تحكم الفضاء العام الذي يهيمن عليه الرجال. 

في ظل المناخ الثقافي الذي ازداد محافظةً في العراق بعد عام 2003، كان مشهد النساء وهن يتظاهرن في شوارع بغداد ويهتفن في الاحتجاجات يعكس تحولاً ثورياً. على الرغم من سعي الرجال إلى “حماية” النساء من الدولة، فإن وجود النساء في الشوارع لم يكن امتيازاً منحه الرجال لهن، فقد اصطدمت المشاركات في انتفاضة تشرين باستمرار الأعراف الجندرية المحافظة التي فرضها أقاربهن من الرجال، وأحياناً من النساء أيضاً. 

تحدثت إحدى المشاركات، وهي أستاذة جامعية شابة، عن الصعوبات التي واجهتها في إقناع زوجها بالسماح لها بالمشاركة في الانتفاضة، ووصفت خروج المرأة للتظاهر بأنه أمر “صعب داخل الأسرة العراقية”. 

وأضافت: “من جهة، الرجال منفتحين بطريقة تعاملهم مع النساء، ويحترمونهن ويقدرونهن هواي. لكن من جهة ثانية، فكرة أن تطلع المرأة للشارع لسبب سياسي مو سهلة”. وحتى شقيقتها انتقدت قرارها بالمشاركة في الانتفاضة. إلى جانب هذه التحديات، ظهرت صعوبات أخرى تتعلق برعاية الأطفال أثناء مشاركتها في الاحتجاجات. 

تسلط شهادتها الضوء على المعضلات الجندرية التي واجهتها عند اتخاذ قرار المشاركة في الاحتجاجات. فكثيراً ما تُقيَّد مشاركة النساء في السياسة بسبب مواقف أزواجهن، ومسؤوليات الرعاية الملقاة على عاتقهن، فضلاً عما قد يتعرضن له من وصمة اجتماعية ورقابة مجتمعية بسبب انخراطهن في العمل السياسي. 

كما تكشف شهادتها عن التناقض بين خطاب الفروسية والاحترام من جهة، والقيود المفروضة على دخول النساء إلى الفضاء العام من جهة أخرى، وهو تناقض يميز الأعراف الجندرية في العراق. وكثيراً ما يستخدم الرجال العراقيون هذا المنطق لتبرير منع زوجاتهم من العمل؛ بحجة أن النساء أفضل حالاً في المنزل، حيث يعشن “معززات مكرمات”. 

خاضت كثير من النساء اللواتي شاركن في الانتفاضة صراعاً مشابهاً، اضطررن فيه إلى طلب الإذن من أقاربهن الرجال، أو تحدي إرادتهم، مع احتمال التعرض للإهانة والانتقاد من الأقارب رجالاً ونساءً، ومن المجتمع عموماً. 

شهدت انتفاضة تشرين خروج أعداد غير مسبوقة من النساء إلى الفضاء العام، متجاوزات القيود المفروضة عليهن، ومع ذلك ظلت ساحات الاحتجاج خاضعة لهيمنة الرجال، فيما جرى تهميش مطالب النساء. وقد روت ناشطات في مجال حقوق النساء الصعوبات التي واجهنها لإيصال أصواتهن داخل ساحات الاحتجاج. فعلى الرغم من قيادة النساء للاحتجاجات وإقامتهن خياماً للاعتصام، بقيت لجان تنسيق الاحتجاجات تدار من قبل الرجال، كما تولى بعضهم قيادة الأحزاب السياسية التي تشكلت في أعقاب الانتفاضة. 

وكان الرجال هم من يحددون جدول الأعمال ويصوغون المطالب ويتفاوضون مع السلطات، ولم تتناول أي من المطالب التي طُرحت باسم تشرين بصورة واضحة قضايا النوع الاجتماعي. وعلى الرغم من اقتحام النساء الفضاء العام بقوة، فإن الأدوار الجندرية التقليدية استمرت في كثير من الأحيان، فقد تولت النساء أعمال الرعاية، مثل الطبخ والتنظيف وتقديم الخدمات الطبية، بينما اضطلع الرجال بما عُدّ العمل السياسي الجاد المرتبط بالمقاومة.  

وإذا كانت امرأة قد أسهمت في إشعال شرارة الانتفاضة، فإن الرموز المهيمنة على تشرين كانت من الرجال. فقد أصبح سائقو الـ”تكتك”، الذين أظهروا تضامنهم مع المحتجين عبر نقلهم من ساحات الاحتجاج وإليها، رمزاً للشخصية الثورية البطولية في الانتفاضة: رجل فقير، يعيش في ظروف اقتصادية غير مستقرة، لا يعرف الخوف. وقد أعلنت إحدى النساء في ساحات الاحتجاج أنها لن تتزوج إلا من سائق “تكتك”؛ لأنه رجل صاحب نخوة وشرف. 

تؤكد كثير من الروايات عن انتفاضة تشرين على جوانبها التحررية. لكن السياسات الجندرية الداخلية للانتفاضة غالباً ما يجري تجاوزها أو إغفالها بالكامل، فقد نُظر إلى ساحات الاحتجاج بوصفها فضاءات بدأت فيها الأعراف الاجتماعية السائدة بالتفكك، سواء تلك القائمة على الطائفية أو النوع الاجتماعي أو الطبقة الاجتماعية. غير أن استخدام أوصاف مثل “مدني” لتوصيف الانتفاضة قد يختزل تعقيدها الثقافي في قالب محدد، ويتجاهل الطرق المختلفة التي استمرت من خلالها الأعراف الجندرية المحافظة والمقيّدة للنساء في التأثير في العلاقات داخل ساحات الاحتجاج. 

لماذا يهمنا كل هذا اليوم؟ 

لم ينتهِ الصراع ضد النظام القائم على المحاصصة الإثنية والطائفية، وإذا كان التاريخ العراقي يعلمنا شيئاً، فهو أن اندلاع تشرين جديدة ليس سوى مسألة وقت. ولهذا، من المهم فهم بعض الديناميكيات الداخلية لانتفاضة تشرين، التي أسهمت في نشوء الانقسامات على أساس النوع الاجتماعي واستمرارها. 

كانت تشرين حدثاً يحمل إمكانات تغيير كبيرة، وشهدت تحدي النساء للأعراف الثقافية التي تقيّد مشاركتهن السياسية. استمرت النساء في مواجهة منظومة من التصورات المحافظة داخل ساحات الاحتجاج، سعت إلى إبقائهن في “مكانهن” المحدد اجتماعياً، ولم تكن الدولة وحدها من يفرض هذه التصورات ويتمسك بها، بل شاركها في ذلك كثير من الرجال الذين ساروا في ساحات الاحتجاج نفسها.

جدل
التظاهُر خلف الشاشات.. كيف غيَّرتنا تشرين حقاً؟
هالة عبدالله/25 تشرين الأول 2024

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

زميل باحث في العلاقات الدولية بقسم العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE). تركز أبحاثه على الحركات الشعبية، ولا سيما الحركات الاحتجاجية والعمالية، في العراق ومنطقة الشرق الأوسط عموماً، ودورها في السياسة الدولية.