هل يمكن للطلبة العيش مع “هيبك” لعشرين عاماً؟.. قصة “تطبيق معطل”سيربح 99 ملياراً سنوياً

99 مليار دينار هي الإيرادات السنوية المحتملة لـ"هيبك" من جيوب الطلبة، رغم تعطل خدماته وفرض رسومه بلا سند قانوني.. يتتبع هذا المقال كيف فُرض التطبيق على الجامعات، ولماذا أُلغيت البدائل المجانية، وكيف يواجه الطلبة إلزامهم بالدفع..

محمد هاديمحمد هادي | 20 تشرين الأول 2026

يدفع آلاف الطلبة في الجامعات العراقية اشتراكات مالية إجبارية في تطبيق إلكتروني فرضته وزارة التعليم العالي لإلغاء المعاملات الورقية، لكنهم يفاجأون بأن النظام لا يعمل، ليجدوا أنفسهم مضطرين في النهاية إلى مراجعة كلياتهم وإنجاز معاملاتهم من خلال الورق القديم والطوابير المعتادة. 

هذه المنصة، التي رُوّج لها بوصفها خطوة نحو التحول الرقمي، تحولت عملياً إلى عبء مالي إضافي يستقطع مبالغ سنوية من جيوب الطلبة، من دون أن تقدم لهم الخدمة الموعودة أو تغنيهم عن الحضور الشخصي لإكمال تسجيلهم. 

بدأت قصة التحول الرقمي في الجامعات العراقية في 17 آذار 2020، حين أجبرت جائحة كورونا وزارة التعليم على إيقاف الدوام وتحويل الدراسة إلى الإنترنت. 

لم يكن الأساتذة أو الطلبة مهيئين لهذه التجربة، فالانقطاع المستمر لشبكة الإنترنت وضعف الخبرة حوّلا المحاضرات والامتحانات عبر تطبيقات مجانية مثل “كلاس روم” و”غوغل ميت” و”زوم” إلى مسار شاق، ودفعا التدريسيين إلى التساهل في التقييمات لإنقاذ العام الدراسي. 

يوضح محمد عدنان، الأستاذ في الجامعة المستنصرية، طبيعة تلك المرحلة بقوله إن أغلب الكليات تمتلك منصة خاصة للتواصل، سواء عبر “البروفايل الأكاديمي” أو “كلاس روم”، وهي أفضل وسيلة رسمية للتواصل، تمنح الأستاذ صلاحيات لمنع نشر أي محتوى، وتتيح نشر المحاضرات بصيغ ملفات أو مقاطع فيديو. 

ومع تراجع الوباء وعودة الدوام، تلاشت تلك التجربة تدريجياً بدلاً من تطويرها، وعادت معظم الكليات إلى الاعتماد على الورق، مقتصرة في تواصلها الرقمي على مجموعات “تلغرام” لنشر الجداول والدرجات. 

فوضى “هيبك” 

جاءت المحاولة الجادة التالية أواخر عام 2022، حين أطلقت الوزارة تطبيقاً مجانياً باسم “مسار بولونيا”، وبدأ بمرحلة تجريبية في الجامعات التقنية الأربع، قبل أن يعمَّم رسمياً مطلع العام الدراسي 2023 في 600 قسم علمي بمختلف الجامعات؛ لمتابعة الحضور والتقييمات وربط الطلبة بالمصادر والبرامج البحثية المدفوعة مجاناً. لكن ما إن بدأ الطلبة والأساتذة يعتادون هذا النظام المجاني حتى ألغته الوزارة فجأة، مفسحة المجال لمنصة “هيبك” المدفوعة، ليعود الطلبة مجدداً إلى نقطة الصفر. 

في كانون الأول 2024، أعلنت الوزارة مشروع التحول الرقمي الكامل، مروجة لوجود 50 نظاماً إلكترونياً. وفي الثاني من حزيران 2025، أطلق نعيم العبودي، وزير التعليم العالي السابق، شعار “وداعاً للورق.. الحلم أصبح حقيقة”، معلناً إلزام الجامعات باعتماد منصة “هيبك” لإنجاز المعاملات رقمياً، وإنشاء ما يسمى نظام معلومات الطلبة (SIS). 

لكن هذا “الحلم” تحول على أرض الواقع إلى فوضى حقيقية، إذ لم يقتصر الأمر على تعطل النظام، بل أطاح بمنظومات إلكترونية كانت تعمل بنجاح وبالمجان. 

تقول مريم فاضل، وهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة كربلاء: “كان تطبيق بولونيا يسهّل علينا الكثير من الأمور، مثل استلام نتائج الامتحانات والحصول على نسخ مجانية من برامج هندسية مدفوعة عبر البريد الجامعي، وبعد إطلاق “هيبك” عمت الفوضى، دفع بعض الطلبة الرسوم وامتنع آخرون، ومن دفع فوجئ بأن البرنامج لا يعمل أصلاً، لنعود مجدداً إلى استلام النتائج بالورق بعد إلغاء التطبيق القديم”. 

وظهرت المفارقة الكبرى في الجامعات الأهلية التي تمتلك أساساً أنظمة رقمية متطورة، فالجامعة الأمريكية في بغداد تعتمد نظام “كانفاس” العالمي لإدارة الدراسة ولم تتخل عنه، ومع ذلك أُجبر طلبتها على دفع رسوم منصة الوزارة من دون أي حاجة إليها. 

يوضح علي محمد، وهو طالب في كلية الصيدلة بالجامعة الأمريكية: “منذ دخولي الكلية ونحن نستخدم نظام “كانفاس” بسلاسة، ومع ذلك أُلزمت بدفع رسوم “هيبك”، على الرغم من أنني لست بحاجة إليه على الإطلاق”. 

أحد الإيميلات التي كانت تُرسل إلى طلاب الجامعة الأمريكية كإنذار نهائي لتسديد أجور تطبيق “هيبك”.
مصدر الصورة: الكاتب.

أما حيدر علي، وهو طالب في الجامعة المستنصرية، فيروي تفاصيل تعطل الخدمة قائلاً: “أبلغتنا وزارة التعليم أن التقديم للقبول في الجامعات سيكون إلكترونياً بالكامل عبر منصة “هيبك”. أنجزت الإجراءات كلها، من الفحص الطبي وتأييد الدرجات حتى دفع الرسوم، وانتظرت أياماً عدة من دون أن يظهر اسمي في قوائم القبول، فاضطررت في النهاية إلى الذهاب للجامعة والتقديم بالورق كالمعتاد”. 

هذا الخلل دفع زميله في الجامعة المستنصرية، إبراهيم صلاح، إلى مقاطعة المنصة؛ معللاً سبب رفضه بأن كل المعاملات تُنجز بالورق. 

يقول لجُمّار: “التطبيق مجرد واجهة بلا أي فائدة عملية، فقررت عدم الاشتراك، ومضت السنة وأُعلنت النتائج من دون الحاجة إليه، فالأصل أن تكون مثل هذه الخدمات مجانية بالكامل”. 

وبحسب إبراهيم، لا توجد منصات جامعية مفعلة، والاعتماد كله على قنوات عشوائية في تلغرام، حتى حين حاول أحد الأساتذة استخدام “كلاس روم” تعطلت التجربة؛ بسبب غياب التوعية بالبرامج وإهمال البريد الجامعي. 

رسوم تحت الضغط 

بينما تتحدث التصريحات الرسمية عن تحول رقمي ورفع لتصنيف الجامعات عبر البريد الإلكتروني الذي بقي مجرد إجراء شكلي، تكشف الوقائع إهمالاً حاداً، فموقع الجامعة المستنصرية يضع ملفات لطلبة في عام 2025 تتضمن محاضرات قديمة تعود إلى عام 2020؛ نتيجة غياب المتابعة والتعليمات الصارمة من رئاسة الجامعة. 

وعلى خلاف تطبيق “مسار بولونيا” الذي خضع لتجربة تدريجية في الجامعات التقنية قبل تعميمه، فُرضت منصة “هيبك” بصورة مفاجئة ومن دون أي مرحلة تجريبية أو توضيح مسبق. 

والمفارقة أن وزارة التعليم اعتمدت على الكتب الورقية والمخاطبات التقليدية للضغط على رؤساء الأقسام وإلزامهم بجباية الرسوم، ما دفع إدارات الكليات إلى ابتكار وسائل ضغط مباشرة، أبرزها حرمان الطلبة من خوض الامتحانات النهائية في حال عدم الدفع. 

يروي عمر فارس، وهو طالب في جامعة التراث الأهلية، تفاصيل هذا الإجبار قائلاً: “نُشر تبليغ رسمي في قنوات تلغرام قبل بدء الامتحانات، ينص على منع أي طالب لم يسدد مبلغ 66 ألف دينار من دخول القاعة الامتحانية. دفعنا المبلغ مجبرين خوفاً على مستقبلنا الدراسي، وحتى هذه اللحظة لم تُفعَّل المنصة، والنتائج تُسلَّم يدوياً بالورق أو عبر قنوات الجامعة”. 

ولم تتوقف الأزمة عند ابتزاز الطلبة، بل امتدت لتثقل كاهل الكوادر التدريسية، إذ فُرض إدخال البيانات الضخمة على الأساتذة والموظفين بدلاً من تخصيص فرق فنية متخصصة لإنجاز العمل. 

يكشف الأستاذ محمد عدنان أبعاد هذا العبء الإداري قائلاً: “تكمن المشكلة الحقيقية في أن التطبيق يتبع جهة مستثمرة تجني الأرباح بمفردها، بينما تُلزِم الوزارة الأساتذة والموظفين بالعمل القسري لإدخال بيانات الطلبة والتدريسيين حتى في أثناء العطلة الصيفية، ليتحول الكادر الأكاديمي إلى أيدٍ عاملة مجانية تقدم خدمة للمستثمر من دون أي مقابل، ولا حتى كتاب شكر وتقدير”. 

ويضيف أن “التطبيق بشكله الحالي استنزاف للجميع، فالطالب حين يحتاج إلى وثيقة تخرج أو تأييد استمرار بالدوام يضطر إلى مراجعة الكلية بنفسه، والخضوع للروتين الورقي القديم وطوابيره، من دون أن تقدم له المنصة أي خدمة رقمية فعلية”. 

حملات إعلانية 

في ظل هذا التخبط، لم تعلق الوزارة بإدارتها الحالية التي يرأسها وكالةً عبد الحسين الموسوي على جدوى المشروع، مكتفية بالإشارة إلى احتساب الرسوم للطلبة الذين لم يتمتعوا بخدمات التطبيق وترحيلها إلى العام الجديد، بينما تتواصل إعلانات في مجموعات الطلبة تفيد بأن من لا يدفع المبلغ لن تصدر له هوية جامعية. 

تبليغ للطلاب بشأن الهويات، فالذي لا يشترك في التطبيق لن تصدر له هوية جامعية.
مصدر الصورة: الكاتب.

ولم تكتفِ الوزارة بالمؤتمرات التي أقامتها في حزيران وتشرين الأول 2025، وتحديث أرقامها من 50 إلى 120 نظاماً وخدمة موزعة بين الطلبة والأساتذة والبنية التحتية، بل اتجهت إلى ما عدّه كثيرون تسليعاً للتعليم بالتعامل معه كسلعة تجارية معروضة للبيع عبر حملة إعلانية واسعة، بررت فيها استقطاع الرسوم بالقول: “ادفع 66 ألف دينار، أي ما يعادل خمسة آلاف دينار شهرياً، بسعر كوب قهوة تشربه أو أجرة سيارة أجرة تقلك إلى الكلية”. 

ويرى حمزة عماد، وهو طالب في جامعة بغداد، في هذه الحملة إساءة للمستوى الأكاديمي، يقول لجُمَّار: “بدلاً من أساليب الإجبار والترهيب وحملات الترويج، كان الأولى بالوزارة أن تقدم نظاماً يقنع الطالب بجدواه أولاً”. 

ويشير إلى أن “الموضوع تحول إلى تجارة علنية، فحين أشاهد إعلانات وزارة التعليم أشعر وكأنني أمام دعاية لمنصات الدروس الخصوصية في السادس الإعدادي، وهذا أمر مهين للجامعة ومكانتها”. 

وركزت الإعلانات أيضاً على إغراء الطلبة بخصومات وعروض في محال تجارية وعيادات طبية عبر بطاقات التطبيق، متجاهلة احتياجاتهم الأكاديمية الحقيقية من بحوث رصينة وتواصل علمي. 

تقول حوراء، وهي طالبة في الجامعة التكنولوجية: “إن الإعلانات تكرر الكلام ذاته بأساليب مختلفة من دون أي فائدة جوهرية، فالخدمات التي يروجون لها كانت متوفرة لدينا بالفعل وبالمجان في برامج سابقة، ولا يوجد أي جديد يستحق الدفع”. 

هدر مالي 

وسط هذا الغموض، خرجت القضية من إطار الفشل الإداري إلى شبهات هدر مالي في صفقة تحوم حولها علامات الاستفهام، إذ كشف تقرير صادر عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي في الثاني من آذار 2026، أن وزارة التعليم العالي تجاهلت ملاحظات رقابية رسمية أُرسلت إليها بكتاب رسمي بتاريخ 13 أيار 2024، قبل أن يدخل العقد حيز التنفيذ في 22 تموز 2024. 

وأكد الديوان في ملاحظته الأولى أن العقد يقوم على إدارة مشتركة وتقاسم للأرباح، وهو ما يفرض تحديد نوعه القانوني بوضوح لتطبيق التشريعات الملزمة. غير أن الوزارة تجاهلت التحذيرات ومضت في إبرامه بصيغة مبهمة، لتأتي الصدمة في تفاصيل توزيع الأرباح: 10 بالمئة فقط تذهب إلى وزارة التعليم العالي، بينما يذهب 90 بالمئة إلى الشركة المستثمرة من جيوب الطلبة. 

ويرى الخبير الاقتصادي دريد العنزي أن تقسيم الأرباح بهذه الطريقة يمثل خللاً فادحاً، موضحاً أن حصول المستثمر على 90 بالمئة والوزارة على 10 بالمئة مبدأ قد يطبق في المشاريع الإنتاجية، لكن في المشاريع الخدمية يفترض أن تتضاعف حصة الوزارة أو تكون مناصفة على الأقل. 

ويضيف العنزي أن “ما نراه هنا خروقات قانونية صريحة لا تخدم مصلحة التعليم إطلاقاً، وأطالب القضاء بالتدخل فوراً لدراسة بنود هذا العقد بوصفه عقد إذعان كامل، يخرق أولاً مبدأ التعليم المجاني، ويمنع ثانياً التدخل القضائي والتحكيم العادل لمراجعة شروطه المجحفة”. 

تقرير ديوان الرقابة المالية حسم الجدل أيضاً بالتأكيد على عدم وجود أي سند قانوني يتيح فرض هذه الرسوم على الطلبة مقابل تفعيل حساباتهم، مشدداً على أن “بنود العقود لا تصنع قوانين”. 

وتساءل التقرير الرقابي باستنكار: “مشروع الأتمتة لا يعود بفائدته على الطالب وحده، بل يهدف بالأساس إلى تخفيف أعباء موظفي الوزارة وتسهيل المعاملات، فلماذا يُلزَم الطالب بتحمل تكاليف العقد بالكامل؟” 

وتكشف الأرقام مفارقة أكبر، إذ تبلغ القيمة الكلية للعقد 160 ملياراً و467 مليون دينار، ومن المقرر أن يستمر 20 عاماً، غير أن الأرقام المحددة تكشف أن الشركة المستثمرة تسترد كامل أموالها خلال سنتين فقط من جيوب الطلبة، وهو ما يعد هدراً للمال العام واستنزافاً لا مبرر له. 

هذا التناقض الصارخ دفع قانونيين إلى تفنيد الغطاء التشريعي للجباية، إذ يؤكد المتخصص في القانون عباس ثائر أنه “لم يرد أي سند قانوني في تشريعات التعليم العالي يتيح استحصال هذه المبالغ البالغة 66 ألف دينار، وجاءت هذه القرارات خلافاً للمادة 34 / الفقرة الثانية من الدستور العراقي، التي تنص صراحة على أن التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله. وكان يفترض بالوزارة أن تبين آلية جباية هذه الرسوم وأوجه إنفاقها، وهل تدخل خزينة الدولة أساساً”. 

مقاطعة واسعة  

حين حاولت الوزارة تبرير جباية المبلغ ببيان رسمي صدر في 27 أيلول 2025، استندت فيه إلى القانون رقم 25 لسنة 2016 الخاص بالتعليم الأهلي، والقانون رقم 22 لسنة 2024 المحدد لضوابط التعليم الحكومي الخاص (الموازي)، جاء الرد القانوني حاسماً، إذ يوضح الخبير القانوني سيف الربيعي أن “هذه القوانين تخص أجور الدراسة في كليات محددة، ولا علاقة لها بفرض رسوم خدمات إضافية على التعليم المجاني. المادة 34 من الدستور حاسمة وصريحة، والدستور يعلو في الهرم القانوني على كل القوانين والتعليمات ولا يمكن الالتفاف عليه”. 

هذا البذخ الرقمي يقابله واقع خدمي مترد تلخصه الطالبة نور (اسم مستعار) في الجامعة المستنصرية، بقولها: “إن كلياتنا تفتقر إلى أبسط الاحتياجات الأساسية، من قاعات مناسبة أو حتى دورات مياه نظيفة وصالحة للاستخدام. واقعنا الخدمي يبدو وكأنه متوقف في التسعينيات، بينما نتحدث في الإعلام عن تحول رقمي يسبق العالم! كان الأجدر بالوزارة تفعيل المواقع الجامعية والبريد الإلكتروني المتوفر بدلاً من هدر هذه الأموال على منصة معطلة”. 

وتحول الرفض الطلابي إلى مقاطعة عملية واسعة، فمن بين مليون ونصف مليون طالب وطالبة في الجامعات الحكومية والأهلية لم يسجل في المنصة سوى 680 ألفاً، على الرغم من كل أساليب الإجبار والتهديد بالحرمان من الامتحانات. 

وفي حال تسجيل الطلبة كافة، فإن عائدات المنصة ستصل إلى 99 مليار دينار سنوياً، علماً أن ديوان الرقابة المالية أكد أن المبالغ المستحصلة حتى 31 كانون الثاني 2026 بلغت نحو 44 مليار دينار، جُبيت من دون تقديم أي خدمات تذكر على أرض الواقع. 

ومنح ديوان الرقابة المالية وزارة التعليم مهلة 90 يوماً لإشعار دائرة التحقيق والمتابعة بنتائج تدقيق العقد، ملوحاً بإحالة الملف كاملاً إلى اللجنة المتخصصة في البرلمان. 

ولم يتأخر التحرك البرلماني، إذ وجه حيدر محمد المطيري، عضو لجنة التعليم النيابية، كتاباً رسمياً في الرابع من نيسان 2026، سجل فيه ملاحظات صريحة على المنصة واستقطاع مبلغ 66 ألف دينار، مؤكداً أن الخدمات الموعودة ما زالت حبراً على ورق ولا يجوز استيفاء الرسوم مقابلها، ومطالباً بإعادة النظر في المبالغ المفروضة. 

ولم تتخذ الوزارة أي إجراء حقيقي لمراجعة الاتفاقية على الرغم من وضوح هذه التقارير والمخاطبات. 

قلق من التراخي 

لا تقف الأزمة عند حدود الهدر المالي، بل تتعداها إلى تهديد أمني بالغ الحساسية يتعلق بخصوصية بيانات الطلبة في بلد يعاني من هشاشة الحماية الرقمية. 

شهد عام 2023 تسريباً لقواعد بيانات البطاقة التموينية للمواطنين وإتاحتها مجاناً على تطبيق تلغرام قبل إلقاء القبض على المتهمين، ثم تداولت منصات التواصل بيع بيانات العراقيين في مواقع مشبوهة بمبالغ زهيدة قاربت 1200 دولار، أي ما يعادل 30 ديناراً لبيانات المواطن الواحد. 

وعلى الرغم من صدور بيان رسمي من وزارة التخطيط في 14 نيسان من العام ذاته لنفي التسريب فإن المخاوف بقيت قائمة. 

هذا التراخي يثير قلقاً داخل الجامعات، فاختراق منصات التعليم يفتح الباب لتزوير الدرجات وسرقة السجلات الشخصية وابتزاز المؤسسة التعليمية بكاملها. 

وحين توجهنا بأسئلة رسمية إلى وزارة التعليم لمعرفة مستوى جاهزية منظومتها وقدرتها على حماية البيانات، رفضت الإجابة والحديث عن ملف الأمن السيبراني؛ مبررة ذلك بعدم تعيين متحدث رسمي باسمها حتى الآن. 

ويبدو الواقع التقني أكثر هشاشة، إذ كشف مبرمجون ومتخصصون في الأمن السيبراني ثغرات واضحة في مواقع جامعية بارزة تحفّظوا على نشر تفاصيلها. 

يقول (م.ع)، المتخصص في الأمن الرقمي: “اكتشفنا ثغرات واضحة في موقع إحدى الجامعات وأبلغنا إدارتها بالأمر، لكن معظم الجامعات ترفض فحص مواقعها، ما يترك الثغرات مفتوحة من دون معالجة”. 

ويبين أن “المشكلة الحقيقية ليست في واجهة الموقع، بل في قواعد البيانات وأنظمة تسجيل الدخول وصلاحيات الوصول، فالمناهج الجامعية تُدرّس أساسيات بدائية في الأمن السيبراني لا تؤهل الطالب لحماية الأنظمة، والأستاذ نفسه يفتقر إلى الخبرة الميدانية، ما يولد فجوة بين وعي الطالب وإهمال المؤسسة”. 

الرقم المحير 

في الوقت الذي عقدت فيه الوزارة اجتماعاً مع مبعوثي منظمة “اليونسكو” في 28 حزيران من هذا العام؛ لبحث سبل تطوير التعاون المشترك، تجاهلت المبادئ الأساسية التي وضعتها اليونسكو في وثيقتها لعام 2023 حول حوكمة المنصات الرقمية وحرية التعبير، وعلى رأسها مبدأ “الشفافية”، فتطبيق “هيبك” يغيّب تماماً آليات التقييم العلني من جانب الطلبة، ولا يوفر سياسة خصوصية واضحة تحمي بياناتهم. 

ويبقى مبلغ الـ66 ألف دينار رقماً محيراً لا مبرر له حتى عند مقارنته بدول الجوار. ففي تركيا تبلغ رسوم المنصة في جامعة الأناضول الضخمة نحو 240 ليرة تركية (ما يعادل 6500 دينار عراقي)، على الرغم من أن التعليم هناك ليس مجانياً بالكامل. وفي إيران، تتكفل الحكومة بتكاليف المنصات في الجامعات الحكومية. أما في دول الخليج كالسعودية وقطر والكويت فالمنصات الجامعية متاحة بالمجان من دون استقطاع أي فلس. 

وعلى الرغم من تصريحات الوزير السابق نعيم العبودي في لقاء اعتبر فيه الرسوم أمراً طبيعياً ومعمولاً به في دول الجوار، فإن التقصي يثبت خلاف ذلك، باستثناء الأردن التي تفرض ما يقارب 27 ألف دينار عراقي، وهو رقم يظل أقل بكثير مما فُرض على الطالب العراقي. 

هذا التراجع في الخدمات يكشف خللاً إدارياً عميقاً، إذ يقول رئيس أسبق لإحدى كليات بغداد: “استطعنا قبل إطلاق “هيبك” إنشاء نظام رقمي مجاني يلبي حاجتنا داخل الكلية، وكان يُفترض بالوزارة التهيئة والتأهيل قبل فرض أي نظام جديد. المشكلة أن الأساتذة تحولوا إلى مجرد موظفين ينفذون الأوامر بدلاً من التفرغ للبحث العلمي، وهذا ما دفعني لمغادرة العمل الأكاديمي”. 

وعلى الرغم من دفاع الوزير السابق عن المنصة، واعتباره أن الانتقادات تصدر عن جهات تفتقر إلى المعلومات، فإن الرفض انطلق من الطلبة أنفسهم الذين عايشوا التجربة. 

فمع بداية العام الدراسي 2026–2027، بدأ طلبة جامعة بغداد احتجاجاً على أجور تطبيق “هيبك”، قبل أن تتسع الحملة إلى جامعات أخرى، بينها الكوفة والمستنصرية، عبر الإضراب عن الدفع وجمع التواقيع وتنظيم الوقفات. 

جانب من حملة تواقيع طلاب الجامعة المستنصرية، مصدر الصورة: الكاتب.

وفي كلية الفنون الجميلة ببغداد، احتج طلبة على اشتراط تسديد الأجور لمباشرتهم بالدوام. ويقول علي، أحد المشاركين: “إحنة مو ضد التطور بالتعليم، لكن يجب أن تكون الأمور أكثر وضوحاً للطالب”، مطالباً بتوضيح أوجه إنفاق الأموال المستوفاة، ومن هي الجهة المستفيدة. 

وفي الرابع من تشرين الأول، نظم الطلبة وقفة أمام وزارة التعليم العالي ببغداد، بالتزامن مع احتجاجات في الكوفة والديوانية وذي قار وبابل والبصرة، وطالبوا بإتاحة التطبيق مجاناً، وإعادة الأموال المستوفاة من الطلبة والخريجين خلال الأعوام السابقة، وتفعيله بما يسهم في تطوير العملية التعليمية. 

ورغم مضايقات يقول طلبة إنهم واجهوها من إدارات جامعية، استمرت الحملة إلكترونياً وميدانياً، بمشاركة اتحاد الطلبة العام. ويقول سكرتير الاتحاد، أيوب عبد الحسين، إن الرسوم الإضافية ترهق الطلبة وتقلص مجانية التعليم، مؤكداً استمرار الحملة بالتنسيق مع ممثلي الجامعات والطلبة. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب وصحفي، وطالب في الجامعة المستنصرية، كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية.
بمشاركة