لم تكن الأرقام التي تتراقص على شاشة جهاز مراقبة العلامات الحيوية مجرد مؤشرات طبية بالنسبة لي، بل كانت أشبه بعدٍّ تنازلي للحظات لا أريد أن أصل إليها.
كان صوت الأجهزة يملأ ردهة الإنعاش الجراحي، بينما وُضع جهاز التنفس اليدوي بالقرب من رأس والدي التسعيني الحاج حميد حدود، وإلى جانبه جهاز الصدمات الكهربائية (DC). في مشهد لم يترك مساحة لأي شعور بالاطمئنان حاولت أن أتمسك بأي بصيص أمل، فسألت إحدى الممرضات عن حالته، لكنها نظرت إلى الشاشة ثم إليّ وقالت بلهجة يغلب عليها الأسى: “تره الحجي كلش تعبان… والأرقام مو مطمئنة”.
لم يكن وجودي في ردهة الإنعاش من أجل الاطمئنان عليه فقط، بل كنت أحمل قائمة بالأدوية التي طلبها الأطباء، وهي ثماني “أمبولات” من رافعات الضغط، كان علينا شراؤها من خارج مستشفى الناصرية التعليمي الحكومي لأنها غير متوفرة فيه، رغم أن هذا الجناح يستقبل المرضى الأكثر خطورة، أولئك الذين قد تتوقف قلوبهم في أي لحظة. ولم تقتصر المعاناة على نقص الأدوية، فبعض الفحوصات المختبرية، منها: تحاليل الكالسيوم والبوتاسيوم وكلوريد الصوديم والـICA وCRP Titer التي تتراوح كلفها ما بين 30 و35 ألف دينار، كان علينا إجراؤها خارج المستشفى أيضاً، في سباق مع الوقت لإنقاذ حياة مريض يصارع الموت.

خرجت من الردهة مثقلاً بما رأيته، وأرسلت رسالة إلى أخي الأكبر عبر تطبيق “واتساب”، أخبرته فيها أن الأرقام التي شاهدتها وكلمات الممرضة لا تبشر بخير. جاءني رده سريعاً: “أتوقع أن تسوء الحالة”، وعندها اتصلت ببقية إخوتي وطلبت منهم الحضور إلى المستشفى.
في يوم 27 أيار 2026 عند الساعة الخامسة فجراً، جلسنا جميعاً في القاعة المقابلة لردهات الإنعاش حيث يتجمع ذوو المرضى في صمت ثقيل، وهنا في هذا المكان لا تُنادى الأسماء من داخل ردهة الإنعاش إلا لثلاثة أسباب: دواء غير متوفر، أو تحليل عاجل، أو خبر يخشاه الجميع.
لم تمضِ دقائق حتى دوّى النداء: “مَنْ مع الحاج حميد؟” نهضنا جميعاً، لكنني سبقتهم، وكان ابن أخي أقرب إلى الباب، إلا أنني طلبت منه أن يعود، وقلت له “أنا أذهب”.
كل خطوة نحو ردهة الإنعاش كانت أثقل من التي قبلها، وما إن وصلت إلى الممر المؤدي إليها حتى طلب مني أحد الموظفين إبراز بطاقتي الوطنية، في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يعد يتعلق بدواء أو تحليل.
وقبل أن ينطق أحد بكلمة، وقعت عيناي على سرير موضوع بمحاذاة الجدار، غُطي جسد من يرقد عليه بملاءة بيضاء، بينما بدا طرف الشرشف الملون الذي اعتاد والدي استخدامه ظاهراً من الأسفل، لم أحتج إلى أن أقترب كثيراً.
التفتُّ إلى موظف أمن المستشفى الذي كان يقف بجانبي وسألته بصوت متردد: “هذا… والدي؟” خفض رأسه قليلاً ثم أجاب بصوت خافت: “البقية بحياتك”.
في لحظة واحدة تحولت كل الأصوات من حولي إلى صمت. تقدّم بعض الممرضين لتعزيتي، ثم طلبوا مني البطاقة الوطنية لإكمال الإجراءات الإدارية، فيما توليت بنفسي دفع السرير الذي حمل جثمان والدي باتجاه دائرة الطب العدلي لاستخراج شهادة الوفاة.
كان أكثر ما أثار استغرابي في تلك اللحظات أن إدارة المستشفى لم تخصص أحداً لإعادة السرير المتحرك إلى ردهة الإنعاش، فطُلب من ذوي المتوفى القيام بذلك بعد انتهاء الإجراءات، وكأن الحزن الذي يثقل القلوب لا يكفي.
وبعد أن أنجزنا ورقة شهادة الوفاة وأحضرنا الصندوق الخشبي والمسمى بـ”التابوت” لنقل الجثمان، أوكلت إلى ابني وخاله مهمة إعادة السرير إلى مكانه، بينما كنت أودع أبي الذي كان الركن الأهم في حياتنا.

انتهت الرحلة الأخيرة لوالدي بعد أكثر من 90 عاماً من العمر، وثلاثة عقود قضاها مرتدياً بزته العسكرية، أعقبتها سنوات طويلة وهو يخوض معارك أخرى مع المرض بعيداً عن ساحات القتال.
بعد أيام من انتهاء مراسم العزاء، جلست أقلّب ملفه الطبي وأوامر تقاعده وتقارير إصاباته القديمة. للمرة الأولى لم أنظر إليها بوصفها أوراق والدي، بل بوصفها وثائق رجل أمضى أكثر من 30 عاماً في خدمة الجيش العراقي، عندها راودني سؤال ما زال يتكرر في رأسي: هل انتهت رحلة هذا المقاتل عند باب المستشفى، أم إن هناك آلاف الرجال يعيشون المصير ذاته؟
هذا الرجل الريفي، الحاج حميد حدود، الذي حُددت مواليده تقديرياً بعام 1937، وهو أكبر في السن من ذلك، عاش طفولته في الريف وغادر قريته للمرة الأولى في خمسينيات القرن الماضي.
الرحلة التي بدأها ستكون أطول بكثير من رحلة القطار الذي أقلّه من الناصرية إلى الديوانية عام 1956، حين بلغ السن القانونية للتطوع في الجيش العراقي، ليبدأ مسيرة امتدت أكثر من ثلاثة عقود، قضاها متنقلاً بين الثكنات العسكرية وجبهات القتال، قبل أن يجد نفسه في شيخوخته يخوض معركة مختلفة، معركة المرض والإهمال.

كان والدي يروي عن يوم تطوّعه كأنه حدث بالأمس. يتذكّر وقوفه قرب دائرة التجنيد في الناصرية، ثم نقله مع متطوعين آخرين إلى محطة القطار، ومنها إلى مركز التدريب في الديوانية.
لم يكن ما في جيبه يكفي لإتمام الرحلة، وبينما كان يفكّر في وسيلة للوصول، صادف أحد أقاربه المسنّين، فأقرضه نصف دينار. بذلك المبلغ الصغير بدأ طريقاً عسكرياً امتدّ أكثر من 30 عاماً.
بدأ تدريباته في مركز تدريب الديوانية، ثم تنقّل بين الحلة وبغداد والحبانية، شأنه شأن آلاف الجنود الذين كانت تنقلاتهم تتغير تبعاً للمتغيرات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدها العراق آنذاك. ومع كل تغيير في السلطة كانت تتبدل مواقع الوحدات العسكرية، ويبقى الجندي ملزماً بتنفيذ أوامر قيادته أياً كانت.
في سبعينيات القرن الماضي، أُرسل مع وحدات من الجيش العراقي إلى سوريا عقب تصاعد المواجهات مع الكيان الإسرائيلي، وحتى سنواته الأخيرة ظل يتذكر تلك الرحلة الطويلة، ويحدثنا عن المسافة بين بغداد ودمشق التي بلغت نحو ألف كيلومتر بحسب العداد المثبت في المدرعة العسكرية التي أقلتهم.
أمضى هو وزملاؤه أسابيع على الأراضي السورية قبل أن يعودوا إلى العراق، دون أن يعلموا أن حرباً أطول وأكثر قسوة كانت بانتظارهم.
ومع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، وجد نفسه على جبهات القتال الممتدة من البصرة جنوباً إلى السليمانية شمالاً، حيث أصبحت النجاة من الموت حدثاً يومياً. كان يقول إن أكثر المعارك قسوة كانت في الفاو ونهر جاسم، حيث كانت الأفواج تدخل المعركة فلا يعود منها في كثير من الأحيان سوى اسم الفوج في السجلات العسكرية، بعد أن يتوزع جنوده بين قتيل وأسير ومفقود وجريح.

خلال سنوات الحرب أُصيب مرتين، الأولى بشظية قذيفة هاون استقرت في قدمه، والثانية بانفجار رمانة يدوية قربه تسبب بتمزق في طبلة أذنه، ليلازمه ضعف السمع حتى نهاية حياته.
ورغم الإصابات، واصل أداء واجبه العسكري حتى صدر قرار إحالته إلى التقاعد قبل انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية بأسبوعين تقريباً؛ بسبب بلوغه السن القانونية. يتذكر أنه كان عائداً من وحدته العسكرية في البصرة على متن سيارته الـ”كراون” الزرقاء عندما سمع عبر المذياع البيان الذي أعلن انتهاء الحرب، بعد ثماني سنوات من القتال.
كان يرى أن مرحلة جديدة بدأت أخيراً، وكان يخطط لأن يأخذ قسطاً من الراحة بضعة أشهر، ثم يسافر إلى دول الخليج ليتعرف على مجتمعاتها وثقافاتها، وهي رحلة طالما حلم بها. لكن الأحلام تأجلت مرة أخرى، فبعد أقل من عامين اندلعت حرب الكويت، ودخل العراق مرحلة الحصار الاقتصادي، لتبدأ معركة جديدة من نوع آخر، معركة البحث عن لقمة العيش.

كان والدي يتقاضى راتباً تقاعدياً لم يتجاوز آنذاك 200 دينار، ولم يكن كافياً لإعالة أسرتنا، فاضطر إلى العمل ببيع التمور والأعلاف.
استمر سنوات في هذه المهنة، حتى تكبد خسائر كبيرة مع انهيار الأسواق فيما عُرف آنذاك بـ”نزلة الأسعار” في التسعينيات. وبعد سقوط النظام عام 2003 تقلص نشاطه التجاري تدريجياً، إلى أن اضطر إلى ترك العمل نهائياً، معتمداً على راتبه التقاعدي المحدود، بينما كنا، نحن أبناؤه، قد بدأنا بالاعتماد على وظائف حكومية متوسطة لتأمين احتياجات الأسرة.
لكن السنوات التي أمضاها في ساحات القتال تركت آثاراً لم تقتصر على الإصابات القديمة، إذ بدأت الأمراض المزمنة تتوالى، مثل مشكلات في الجهاز الهضمي وأمراض القلب ثم داء السكري. وفي عام 2017 خضع لعملية جراحية معقدة استُؤصل خلالها جزء من المعدة والبنكرياس والمرارة وأجزاء من الأمعاء، لتتحول مراجعات المستشفيات والعلاجات إلى جزء من حياته اليومية.

ورغم خدمته الطويلة في الجيش العراقي، لم يحصل على برنامج صحي خاص بالمحاربين القدامى أو متابعة طبية دورية تتناسب مع طبيعة الخدمة التي قضاها، إذ اقتصر ما حصل عليه على بطاقة خاصة بالأمراض المزمنة تتيح له استلام أدوية للسكري، بينما بقيت بقية الفحوصات والعلاجات والعمليات الجراحية والاستشارات الطبية تُجرى على نفقته الخاصة أو بدعم من أسرته.
كانت العائلة هي شبكة الأمان الوحيدة. تكفلنا، نحن أبناؤه، بمرافقته إلى المستشفيات وتأمين علاجه ورعايته اليومية، إلا أننا رغم حرصنا لسنا من العاملين في المجال الصحي، ولم يكن بمقدورنا تعويض غياب منظومة رعاية متخصصة للمقاتلين المتقاعدين.
ومع كل انتكاسة صحية كان يعود إلى المستشفى، لتتكرر الأسئلة نفسها حول واقع الرعاية المقدمة لمن أفنوا سنوات عمرهم في الخدمة العسكرية.

في سنواته الأخيرة، كان يقضي معظم نهاره جالساً على كرسيه البلاستيكي بجانب سريره، إما أن يتابع القنوات الإخبارية وإما أن يطلب مني أن أناوله ألبوم صوره القديمة. كان يقلّب صفحاته ببطء وكأنه يستعيد عمراً كاملاً من صورة إلى أخرى، ولم تكن تلك الصور مجرد ذكريات، بل كانت بوابة يعود عبرها إلى سنوات خدمته العسكرية.
لكل صورة حكاية، ولكل وجه رافقه في الخدمة قصة حاضرة في ذاكرته. كان يحدثني عن أيام التدريب، وعن المعسكرات التي خدم فيها. كان يومه يبدأ قبل أن تستيقظ المدينة عند الرابعة فجراً، ينهض من نومه ليستعد للتدريب الذي يبدأ في الخامسة في مكان كان يُعرف بساحة العرضات. في ليالي الشتاء كان البرد قاسياً، لكن موعد التدريب لا يتغير، إذ يقفون في الساحة يتدربون ويتحملون قسوة الطقس؛ لأنهم كانوا يؤمنون أن هذه التدريبات لا تصنع منهم جنوداً فحسب، بل تصنع منهم رجالاً قادرين على مواجهة الصعاب.
ولم يكن ذلك المشهد عابراً في حياته العسكرية، فقد تكرر معه لاحقاً عندما أصبح نائب ضابط، وأصبح مسؤولاً عن تدريب الجنود والإشراف عليهم في أحد معسكرات محافظة ديالى، ثم تكرر الأمر نفسه بعد انتقاله إلى محافظة القادسية.
تغير موقعه من متدرب يقاوم برد الفجر إلى مدرب يقف أمام الجنود، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً، وهو أن التدريب يبدأ مبكراً والبرد لا يُعد عذراً وقسوة الميدان جزء من صناعة الجندي.
ويتحدث عن الليالي التي لم يكن يكتفي خلالها بأداء واجبه العسكري، بل يقضي ساعات راحته في إصلاح مبنى داخل المعسكر أو زراعة حديقته أو تحسين مدخله، مؤمناً بأن خدمة المكان لا تقل أهمية عن أداء الواجب العسكري نفسه. ثم يتوقف قليلاً، وينظر إلى إحدى صوره مرتدياً بزته العسكرية، قبل أن يقول: “ارتبطت روحي بالعسكرية ارتباطاً كبيراً، فهي التي صنعت شخصيتي، ومنحتني القوة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار”.
لم يكن والدي الوحيد الذي عاد من الحروب مثقلاً بالإصابات والأمراض، فالعراق، الذي خاض حروباً امتدت لعقود، يضم آلاف المقاتلين المتقاعدين الذين يحملون آثار تلك المعارك في أجسادهم، وكثير منهم تجاوزوا الـ70 والـ80 من العمر، ويواجهون اليوم أمراض القلب والسكري والسرطان ومضاعفات الإصابات القديمة، بينما لا توجد منظومة صحية متخصصة تتابع أوضاعهم كما هو معمول به في عدد من دول العالم.

على النقيض من ذلك، تمتلك العديد من الدول أنظمة متخصصة لرعاية المحاربين القدامى. ففي الولايات المتحدة تتولى وزارة شؤون المحاربين القدامى (U.S. Department of Veterans Affairs) إدارة واحدة من أكبر المنظومات الصحية في البلاد، وتقدم خدمات العلاج، وإعادة التأهيل، والرعاية النفسية، والعلاج المنزلي، وبرامج الأمراض المزمنة لملايين العسكريين السابقين.
وفي المملكة المتحدة تقدم هيئة الخدمات الصحية الوطنية بالتعاون مع وزارة الدفاع برامج علاجية متخصصة لقدامى المحاربين، تشمل علاج اضطرابات ما بعد الصدمة والإصابات المزمنة. فيما توفر كندا عبر وزارة شؤون المحاربين القدامى خدمات الرعاية الصحية طويلة الأمد، والدعم النفسي، والتأهيل، وإعادة الاندماج في المجتمع.
وذكر رئيس هيئة التقاعد الوطنية الأسبق، أحمد عبد الجليل الساعدي، في تصريح صحفي سابق، أن عدد المتقاعدين في العراق من العسكريين والمدنيين عام 2003 كان يناهز 450 ألف متقاعد، قبل أن يشهد هذا العدد ارتفاعاً كبيراً خلال السنوات اللاحقة.
وفي محافظة ذي قار بيّن مدير مديرية التقاعد، أحمد الزيدي، أن قانون التقاعد النافذ لا يتضمن نظاماً للضمان الصحي يوفر رعاية صحية للمتقاعدين بعد انتهاء خدمتهم الوظيفية، مشيراً إلى أن دور مديريات التقاعد يقتصر على تنظيم ملفات المتقاعدين وصرف استحقاقاتهم التقاعدية.
عندما دفعت سرير والدي نحو الطب العدلي كنت أظن أن رحلته انتهت، لكن الحقيقة أن تلك اللحظة كانت بداية رحلة أخرى.. رحلة البحث عن إجابة لسؤال ظل يرافقني: لماذا يُترك آلاف الرجال الذين حملوا السلاح دفاعاً عن العراق ليواجهوا آخر معاركهم وحدهم داخل المستشفيات؟