عند السابعة صباحاً، لا تفتح تقى عبد الرحيم باب صفها في إحدى مدارس بغداد فحسب، بل تفتح فوهة بركان من الزحام، تسكنه أجساد 40 تلميذاً في غرفة ضيقة.
بعد 14 عاماً من الخدمة، تبتسم تقى ابتسامة تخفي خلفها حبالاً صوتية أتعبها الالتهاب، وحقيبة مثقلة بالدفاتر، لا تنوء بحمل الورق فقط، بل بثقل الديون وفواتير الإيجار التي تلاحقها.
في هذا الزحام، تضيع معادلتها التي تؤمن بها: “كل تلميذ هو مشروع إنسان” وسط ضجيج الاكتظاظ، حيث تتحول الحصة من رحلة لبناء العقول إلى سباق محموم ضد 45 دقيقة لا تكفي حتى لضبط إيقاع الصف.
هذا الاستنزاف اليومي لم يكتفِ بنهش طاقة المعلم الجسدية عبر عدوى الإنفلونزا وأمراض المهنة، بل امتد لينخر استقراره النفسي في ظل رواتب توصف بأنها “الأضعف”، تتبخر قبل أن تكتمل دورة الأسبوع الأول من الشهر.
وبينما تقف تقى أمام تلاميذها كمنارة للعلوم، تظل عيناها ترقبان ميزانية مخنوقة، حيث يستهلك الإيجار والكهرباء ما تبقى من كرامة الراتب، ويتحول المعلم من مربٍ ومحفز إلى مُلقن مرهق يبحث في المساء عن “دروس خصوصية” ليرمم ثقوب حياته.
هذا التآكل الشامل ليس حكراً على مدارس العاصمة، بل هو امتداد لخرائط إنهاك تبسط ظلالها على بقية المدن.

في نينوى، يمسك وليد بممسحة السبورة ليطمس أرقام درس الرياضيات، لكنه يعجز عن طمس معادلة حياته التي لا تقبل القسمة على الواقع، ليلتقي في الخندق ذاته مع مأساة تقى في بغداد.
بـ37 عاماً من العمر وعشر سنوات من الخدمة، يواجه المعلم المحرقة المدرسية ذاتها. صفوف يتجاوز عدد طلبتها الـ40، وحصص تلتهم أوقاتها طقوس “ضبط الصف”، قبل أن يبدأ الشرح النظري المفرغ من أي وسائل توضيحية.
ولا يتوقف نزيف الجهد عند جرس الانصراف، فالأعباء الإدارية والتحضير اليومي ومراجعة الدفاتر متطلبات تلاحق وليد كظله إلى المنزل، لتسرق ما تبقى من وقته الشخصي المخصص لعائلته، تماماً كما تسرق من تقى عافيتها.
وعلى الرغم من سنوات العطاء، يقف راتبه البالغ 900 ألف دينار عاجزاً أمام غول الغلاء والالتزامات، ما دفعه مرغماً إلى الجمع بين الدوام الحكومي والتدريس الخصوصي في المعاهد التعليمية لتأمين ثمن الكفاف.
“المعلم إذا لم يكن مرتاحاً مادياً سيتعب أكثر داخل الصف”. كما يقول وليد لجمّار.
إنه لا يبحث عن رفاهية أو امتيازات بقدر ما يبحث عن حياة كريمة، تمنحه القدرة على التركيز في مهنته بدلاً من تشتيت ذهنه بين خنادق المعيشة.
أرقام لا تسعف
تحت سقف هذه المأساة المعيشية التي يتقاسمها وليد وتقى، يقف القانون صامتاً بأرقام جافة لا تبني حياة، لتتحول الأزمة من مجرد شكوى فردية إلى بنية قانونية مأزومة.
وفقاً لقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008، يُعيَّن المعلم الحاصل على شهادة البكالوريوس في الدرجة السابعة براتب أساسي يبلغ 296 ألف دينار في المرتبة الأولى، فيما يُعيَّن حامل شهادة الدبلوم في الدرجة الثامنة براتب أساسي قدره 260 ألف دينار فقط، من دون احتساب العلاوات والمخصصات.
ومع أن المعلم يتدرج وظيفياً عبر مراتب سنوية وفق نظام العلاوات والترقيات المعمول به والساري على بقية موظفي الدولة، فإن هذه الملاحة القانونية تظل بطيئة في مواجهة أمواج التضخم.
وبحسب شهادات معلمين في المدارس الحكومية، يبدأ الراتب الفعلي للمعلم الجديد شهرياً غالباً من نحو 550 إلى 650 ألف دينار، فيما يتراوح لدى متوسطي الخدمة بين 800 ألف ومليون دينار، وقد يتجاوز ذلك لدى أصحاب الخدمة الطويلة تبعاً لسنوات الخدمة والمؤهل العلمي.
ويرى المعلمون أن هذه الرواتب، على تفاوتها، لا تتناسب مطلقاً مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
هذا الفارق الشاسع بين الأرقام الرسمية ومتطلبات الواقع يحول السلم الوظيفي إلى حبر على ورق، ويجعل من التدرج السنوي مجرد ترقيع لا يسمن ولا يغني من جوع.
فالمعلم الذي يقضي نصف عمره في الخدمة ليلامس راتبه عتبة المليون دينار، يجد نفسه في مواجهة إيجارات وفواتير ماء وكهرباء تلتهم هذا الرقم في أيام معدودات، ما يجعل السلم القانوني عاجزاً عن حماية كرامة المربي، ويترك المنظومة التعليمية بأكملها معلقة على حافة العوز والاضطراب المعيشي المستمر.

وأمام عجز السلم الحكومي وضيق ذات اليد، لم يجد بعض المعلمين ملاذاً سوى الارتماء في أحضان القطاع الخاص، لتبدأ رحلة الجمع بين وظيفتين أو الهجرة نحو المدارس الأهلية بحثاً عن دخل إضافي يرمم فجوات المعيشة.
غير أن هذا المهرب لم يكن سوى فخ آخر، إذ تشير التقارير الصحفية المحلية إلى أن رواتب معلمي المدارس الأهلية، في كثير من الحالات، تكون أقل من نظيرتها في المدارس الحكومية، وتتراوح غالباً بين 250 ألفاً و400 ألف دينار شهرياً، من دون مخصصات أو ضمانات وظيفية واضحة.
وتتضح معالم هذه المفارقة في شهادة مدرّسة بمدارس القطاع الأهلي، فضلت عدم ذكر اسمها، حيث تدرّس طالبات في المرحلة الإعدادية بواقع 25 حصة أسبوعياً، وعلى الرغم من أن عدد الطالبات في الصف لا يتجاوز 25 طالبة، ما يوفر بيئة تعليمية أكثر هدوءاً واستقراراً مقارنة بالمدارس الحكومية المكتظة، فإن هذا الهدوء البصري يقابله اضطراب مالي.
تؤكد المدرّسة أن الرواتب تبقى متدنية وتتراوح بين 200 و400 ألف دينار شهرياً بحسب المدرسة وعدد الطلبة، لافتة إلى أن الضمان الاجتماعي متاح لكنه يبقى اختيارياً للموظفين.
هذا التباين الهيكلي بين هدوء البيئة وضآلة العائد المادي يضع المعلم في المدارس الأهلية تحت رحمة شروط العمل القاسية، فالأمان الوظيفي يظل معلقاً برغبة الإدارات، والضمانات التي تكفل مستقبلاً كريماً تبدو كامتيازات بعيدة المنال بدلاً من أن تكون حقوقاً أساسية، ما يثبت أن الاستثمار في التعليم الخاص، في كثير من الأحيان، يزدهر على حساب الكوادر التدريسية، ويجعل من البحث عن بديل مالي رحلة مستنزفة، تدور في حلقة مفرغة بين قطاع عام شحيح الرواتب وقطاع خاص يسلب الحقوق.
غضب في الشوارع
الصمت إزاء الانسداد المالي المطبق بين القطاعين الحكومي والأهلي لم يدم طويلاً، إذ تحول الضغط المتراكم بدلاً من الصبر إلى لغة غضب في الشوارع، لتبدأ منذ نيسان 2025 موجة احتجاجات وإضرابات واسعة النطاق اجتاحت بغداد ومحافظات عدة.
ولم تكن هذه التظاهرات مجرد حراك عابر، بل كانت انتفاضة كرامة طالب فيها المعلمون بتحسين الرواتب، وانتظام صرف المستحقات، وحسم ملف التعيينات، وإنهاء ما يصفونه بالتهميش المتعمد لدورهم التربوي في بناء المجتمع.
وأسفر هذا الحراك الميداني الضاغط عن فتح قنوات حوار ساخنة بين الحكومة ونقابة المعلمين، حيث سارعت وزارة التربية إلى إعلان دعمها لمطالب تحسين الوضع المعيشي للكوادر التربوية، فيما أكدت وزارة المالية أنها تدرس التعديلات المتعلقة بالمخصصات والحقوق المالية.
إلا أن الفترة اللاحقة شهدت تصاعداً جديداً في حدة الاحتجاجات، على خلفية طعن قانوني قدمته وزارة المالية بتعديلات قانون وزارة التربية، قبل أن تتراجع الوزارة مجبرة عن طعنها، تحت وطأة الضغط الميداني الكثيف والاعتراضات النيابية الواسعة التي وقفت مع المعلم.
وعلى الرغم من هذا التراجع التكتيكي لوزارة المالية في منتصف 2025، والمضي بإجراءات الصرف نظرياً، ما يزال الجدل التحريري والمالي قائماً حول آليات التنفيذ، إذ لم تُنفّذ الزيادات المالية فعلياً حتى اليوم.
وبات ملف الحقوق معلقاً في دهاليز البيروقراطية، ورُبط تنفيذه بإدراجه ضمن الموازنات المقبلة، ولا سيما موازنة عام 2026، ما أبقى القضية برمتها تتأرجح بين إقرار قانوني على الورق وعدم تطبيق ملموس في جيوب المعلمين، الذين يواصلون مطالباتهم بالإسراع في التنفيذ من دون جدوى.

وفي هذا السياق المتأزم، برز صوت نقابة المعلمين العراقيين كخط دفاع أخير، حيث وقف نقيب المعلمين عدي العيساوي في وجه التسويف الحكومي، معلناً في تصريحات إعلامية رفض النقابة القاطع للطعن الذي قدمته وزارة المالية بشأن قانون التعديل.
وشدد العيساوي على أن هذه الإجراءات والمماطلات تمس حقوق المعلمين بشكل مباشر، مؤكداً استمرار النقابة في الدفاع عن المخصصات المهنية والحقوق المالية للكوادر التربوية، بوصفها حقوقاً مشروعة ولا تقبل المساومة؛ لتحسين أوضاعهم المعيشية المتردية.
لكن الأزمة ما زالت في مكانها، إذ تشير تصريحات النقيب الحديثة، التي نقلتها جريدة الصباح، إلى أن تنفيذ هذه المطالب والزيادات المالية ما يزال قيد الانتظار، ومرتبطاً بإدراجها ضمن موازنة عام 2026 الحالية، لافتاً إلى أن التأخير في تطبيقها يعود إلى عدم تضمينها في موازنة العام السابق على الرغم من إقرارها قانونياً.
هذا الملف العالق بين الإقرار والتنفيذ الفعلي يعكس خللاً بنيوياً أعمق حذر منه تقرير البنك الدولي لعام 2025، الذي أكد أن الأنظمة التعليمية التي تعاني من تدني أجور المعلمين تواجه ضعفاً حاداً في التحصيل الدراسي، وارتفاعاً في معدلات التسرب الوظيفي.
ويتطابق هذا النمط التحذيري الدولي مع الشهادات الميدانية في المدارس العراقية، حيث يدفع ضعف الرواتب وغياب الحوافز المادية أعداداً متزايدة من المعلمين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، أو التفكير جدياً في ترك مهنة الأنبياء كلياً.
وعلى الرغم من تأكيدات كريم السيد، المتحدث باسم وزارة التربية، أن تحسين الوضع المعيشي للمعلم يمثل ركيزة أساسية لرفع جودة التعليم، وأن الوزارة تدعم كل مفاصل الجوانب المالية، فإن هذه الوعود تظل حبراً على ورق الموازنات بانتظار تسييلها الفعلي، في وقت يستمر فيه النزيف المهني وتراجع الدافعية التدريسية داخل الصفوف.
مسرح الاستنزاف
إذا كانت الرواتب هي العصب المحرك لقلق المعلم فإن البنية التحتية المتهالكة هي المسرح اليومي لاستنزافه، إذ تتجاوز الأزمة حدود السياسة المالية لتصطدم بجدار الإحصائيات الصادمة.
وفقاً لما أشار إليه السيد، فإن عدد الطلبة في العراق يبلغ نحو 13 مليون طالب وطالبة، يقابلهم ما يقارب 40 ألف مدرسة فقط، تعاني نسبة كبيرة منها من القدم والحاجة الماسة إلى إعادة التأهيل، ما يكشف عن هوة سحيقة بين النمو السكاني والقدرة الاستيعابية للمدارس.
هذا التفاوت الهائل بين أعداد الطلبة والمنشآت التعليمية ينعكس مباشرة على كثافة الصفوف، ويدفع العديد من المدارس مجبرة إلى اعتماد نظام الدوام الثنائي أو الثلاثي لتغطية الحاجة المتزايدة.
وفي هذا الصدد، ترى أنغام سعد القيسي، مديرة مدرسة في بغداد، أن هذا الدوام المتعدد لم يعد حلاً مؤقتاً لمعالجة الاكتظاظ، بل تحوّل إلى عامل يضر بجودة التعليم على المدى البعيد، واصفة إياه بأنه “نخر في جسد العملية التربوية” يُفقد التعليم قيمته البنائية.
وتوضح القيسي لجمّار أن تقليص زمن الحصص وإلغاء الأنشطة المدرسية حوّل المدرسة من بيئة متكاملة لبناء شخصية الطالب إلى مكان يقتصر على دخول الطلبة وخروجهم بسرعة فائقة، ما يدفع المعلم إلى التركيز على التلقين التقليدي تحت ضغط الوقت الخانق، ويحدّ من فرص التفاعل والتعلم الحقيقي داخل الصف.
وتؤكد أن تشغيل الأبنية المدرسية بأضعاف طاقتها الاستيعابية يسهم في تسريع تدهور البنية التحتية، ويضاعف الأعباء الإدارية والخدمية، ليتحول يوم المعلم إلى ماراثون مستمر لإدارة الأزمة بدلاً من إدارة المعرفة.

وتغرز أزمة الاكتظاظ والدوام المتعدد مخالبها في عمق الاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة والأهالي على حد سواء، إذ يؤدي تغير أوقات الدوام المستمر وتقليص ساعاته إلى تشتت ذهني وضعف حاد في الاستيعاب لدى التلاميذ.
هذا التراجع المعرفي يضاعف الأعباء على العائلات، التي تجد نفسها مضطرة لتعويض النقص المدرسي عبر الدروس الخصوصية، فتتحمل كلفها ويتحمل المجتمع كلفة غياب التخطيط الحكومي، وينعكس الخلل البنيوي مباشرة على جودة التعليم وهيبته.
وفي قلب هذا الحطام التربوي، تروي نور الخفاجي (33 عاماً)، معلمة لغة عربية في بغداد، تفاصيل معركتها اليومية.
تدرّس الخفاجي في صفوف يتراوح عدد طلابها بين 40 و45 طالباً، ما يجعل وقت الحصة يُستهلك بالكامل في محاولات “ضبط الصف” وشرح الأساسيات، من دون أي متسع للأسئلة أو التفاعل الفردي.
وتصف الخفاجي هذا الواقع بأنه “يضاعف مستوى الإرهاق، خاصة في ظل نقص الوسائل التعليمية ووجود طلاب يحتاجون إلى متابعة فردية” لا يسمح بها الوقت المخنوق.
ولا تنتهي أعباء الخفاجي بجرس الانصراف، فالالتزامات تمتد خارج أسوار المدرسة عبر متابعة الطلبة افتراضياً عبر قنوات تلغرام، إلى جانب التحضير اليومي المستنزِف، وهو جهد يجري باجتهاد شخصي من دون تنظيم رسمي أو تقدير.
وتضطر الخفاجي في المساء إلى إعطاء الدروس الخصوصية لتغطية أسعار الإيجارات وغلاء المعيشة، إذ ترى بيقين أن المعلم يحتاج أولاً إلى بيئة مستقرة؛ “لأن الاستقرار هو الأساس في نجاح العملية التعليمية”، كما تقول لجمّار.
حرمان من التطوير المهني
الضغط المهني المستمر والاكتظاظ اليومي لا يقفان عند حدود التعب الجسدي، بل ينخران بعمق في البنية النفسية للمعلم، وهو ما يفككه المتخصص النفسي حسام صالح.
يقول صالح لجمّار إن الإنهاك المتراكم ينعكس مباشرة على أداء المعلم داخل الصف، مؤدياً إلى تراجع تركيزه وصبره وقدرته على التخطيط وإدارة الوقت.
ومع تزايد هذا العبء، يجد المعلم نفسه مضطراً إلى التخلي عن الطرق التفاعلية واللجوء إلى أساليب تدريس سريعة وجامدة، ما يضعف المناخ التعليمي العام ويفرغه من محتواه الإنساني.
ويشير إلى أن الحالة النفسية المتوترة للمربي لا تبقى حبيسة نفسه، بل تنتقل كعدوى صامتة إلى سلوك الطلبة وانضباطهم، فحين يكون المعلم مجهداً يزداد تشتت التلاميذ وتضعف دافعيتهم للتعلم، ما يخلق بيئة تعليمية مشحونة بالتوتر.
وتؤكد د. زينب علي، الطبيبة النفسية والمرشدة التربوية، هذا الواقع العلمي، مبينة أن الإنهاك المتواصل يرفع هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يضع جسم المعلم في حالة تأهب ويقظة مستمرة تقود في نهاية المطاف إلى ما يُعرف بـ”الاحتراق الوظيفي”.
وتحذر علي من هذا الاحتراق الذي قد يدفع بعض المعلمين أحياناً من دون قصد إلى استخدام أساليب لفظية قاسية أو سلوكيات غير تربوية؛ بحثاً عن نتائج سريعة وضبط فوري، وهي آلية نفسية تُعرف بـ”الإزاحة” (displacement)، حيث يُسقِط الفرد ضغوطه وانفعالاته المتراكمة على من هم أقل قدرة على الرد كالتلاميذ الصغار.
وتشدد على أن علاج هذه الظواهر السلوكية الخطيرة لا ينفع معه التوجيه النظري، بل يتطلب حلولاً جذرية تبدأ بتأهيل مهني عملي، وتقليل حقيقي لأعداد الطلبة داخل الصفوف، وتوفير بيئة مدرسية داعمة تحفظ كرامة الجميع.
وتكتمل أزمات المعلم العراقي حين تصطدم بالموازنات الرسمية، حيث تعاني السياسات التعليمية من خلل تمويلي هيكلي.

وعلى الرغم من ارتفاع إنفاق وزارة التربية خلال عام 2025، إذ قفز الإنفاق الفعلي من 5.9 تريليونات دينار في حزيران إلى نحو 8.85 تريليونات دينار في أيلول، فإن جداول وزارة المالية تكشف أن هذه الأموال تذهب للنفقات التشغيلية والرواتب والمصاريف الإدارية اليومية، مقابل إنفاق استثماري محدود جداً لا يكاد يُذكر لبناء المدارس وتجهيزها.
هذا العجز الإنشائي دفع الوزارة إلى اعتراف صريح على لسان المتحدث باسمها بحاجة البلاد إلى نحو ثمانية آلاف مدرسة لسد الفجوة، مبيناً أن الحلول تسير عبر مشاريع جديدة مثل مشروع “إيدوب” التابع لصندوق العراق للتنمية لبناء 600 مدرسة كمرحلة أولى، والذي أُطلق عام 2024 بعد إقراره في 2023، وما زال تنفيذه مستمراً بشكل تدريجي لا يواكب الانفجار السكاني.
ويمتد هذا الفقر الاستثماري بظلاله ليحرم المعلم من حقه في التطوير المهني والتدريب الكافي، فالدورات المقدمة للكوادر التدريسية توصف ميدانياً بأنها لا تواكب فلسفة تحديث المناهج وتُعقد خلال الدوام الرسمي، ما يربك الخطط الدراسية.
وتشير تقى إلى أن المعلم مستبعد تماماً من عملية إعداد وتطوير المحتوى الدراسي، معقبة بمرارة: “بعد 14 عاماً من الخدمة، من حقي أن يكون لي رأي في مفردات المنهج”. وهو ما تؤيده الخفاجي التي ترى أن التحديث يتحول إلى عبء بغياب الإشراك الحقيقي.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التربية أنها تمتلك مراكز تدريبية في جميع المحافظات، وأنها نفذت خططها التدريبية للعام الماضي بنسبة تفوق المستهدف بـ300 بالمئة لاستيعاب الملاكات وتحديث المناهج، غير أن هذا التطوير النظري يظل عبئاً إضافياً على كاهل المعلم ما لم يقترن بصلاحيات أوسع للإدارات المدرسية، التي تفتقر إلى المرونة في معالجة الاكتظاظ بسبب مركزية القرارات ونظام الترقيات القائم على الأقدمية لا الكفاءة.
خطر نقص الكوادر
ولا تتوقف حدود الأزمة عند نقص الجدران والأسقف أو غياب التدريب، بل تمتد لتضرب عصب الملاكات البشرية، فبينما يرتفع نمو السكان بتسارع مخيف، حصلت وزارة التربية على أعداد محدودة للغاية لا تسد الحاجة الفعلية، ضمن الـ50 ألف درجة وظيفية التي أُقرت في الموازنة الأخيرة.
هذا العجز البشري يضع مستقبل التعليم أمام خطر حقيقي حذر منه تقرير استراتيجية التعليم في العراق (2022–2031)، الذي أكد حاجة البلاد الماسة إلى عشرات الآلاف من المعلمين الجدد، ولا سيما في الاختصاصات العلمية.
ويرجع التربوي كاظم عليوي هذا التشخيص إلى أبعاد تخطيطية أعمق، إذ يرى أن أزمة الاكتظاظ تتطلب رؤية تربوية بعيدة المدى تعالج الخلل الفادح في توزيع الأبنية والملاكات، منبهاً إلى أن العملية التربوية ترتكز على مثلث حاسم: “المنهج، الطالب، المعلم”، ومحاولة إسناد هذا المثلث من دون منح المعلم استقراراً معيشياً هي محاولة بائسة، تعمّق أزمة الثقة بالمنظومة التعليمية وبقدرة الإدارات التي تحوّل دورها إلى إدارة ضغط يومي بدلاً من معالجة الجذور.
وفي نهاية المطاف، تعود الدائرة إلى نقطة بدئها عند السابعة صباحاً، وحين تدق الساعة معلنة انتهاء الدوام، تغادر تقى عبد الرحيم صفها المدرسي بجسد منهك وعقل مثقل، بعد ساعات طويلة من ملاحقة أعداد التلاميذ الفائضة في زمن مخنوق.
لا تطالب تقى بأكثر من بيئة لائقة بتلاميذها، وصف غير مكتظ، وراتب يحمي كرامتها الإنسانية من غول الديون والإيجارات.