لا تكمن خطورة بعض الظواهر الثقافية في حضورها الظاهر فحسب، وإنما في قدرتها على التخفي داخل اللغة والعادات والأمثال والقوانين والممارسات الاجتماعية، حتى تتحول إلى ما يشبه الحقيقة الطبيعية التي لا تحتاج إلى سؤال أو مساءلة.
ومن أبرز هذه الأنساق في الثقافتين العراقية والعربية النسق الفحولي الذي يجعل من جسد المرأة حاملاً لشرف الجماعة، ومن دمها وسيلة لإعادة الاعتبار إلى هذا الشرف حين يُعتقد أنه تعرّض للانتهاك. لتتحول المرأة إلى علامة ثقافية تختزل فيها الأسرة والعشيرة والقبيلة سمعتها ومكانتها، فإذا مسّت الشبهة جسدها عُدَّ ذلك مساساً بالجماعة كلها، وإذا أُريق دمها عُدَّ ذلك تطهيراً للعار.
يروي مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، واقعة ارتكبها “جيش المهدي”، الجناح المسلح للتيار الصدري، بحق امرأة خلال الاقتتال الطائفي، فقد حلق عناصر من الجيش شعر امرأة عقاباً لها بدعوى الزنا، ثم تبيّن لهم أن المرأة التي عاقبوها ليست المقصودة، وأنهم اشتبهوا في هويتها.
لا تكشف الرواية ما حلّ بالمرأة آنذاك أو بعد ذلك، ولا ما إذا كان المعتدون قد اعتذروا لها أو حوسبوا على فعلتهم. تنتهي القصة عند اكتشاف الخطأ، ويبقى مصير الضحية خارجها، كأن ما حدث لا يتعدى شعراً يمكن أن ينمو مجدداً، وربما يعود أفضل مما كان. غير أن حلق شعرها قسراً لم يكن تغييراً عابراً في مظهرها، بل فعلاً قصد إذلالها وتجريدها من صورتها عن نفسها أمام مجتمعها. قد ينمو الشعر، لكن من يعيد إلى المرأة اعتبارها؟ ومن يمحو صورتها التي لطختها أيدي الاشتباه والشبهات؟
جاء حلق الشعر في رواية الصدر بوصفه عقوبة، لكن لا أصل لهذه العقوبة في القانون أو الشريعة. فالقرآن ينص في سورة النور على الجلد عقوبةً للزنا: “الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة”، ولم يذكر حلق الشعر أو القتل، وإن كانت العقوبة الواردة في الآية عنيفة بدورها. فمن أين جاء حلق رأس المرأة؟ ومن أين جاء قتلها تحت مسمى “غسل العار”؟
تكشف العقوبة نفسها عن نسق ثقافي مضمر، فحلق الرأس ليس حداً شرعياً للزنا، وإنما ممارسة عقابية ابتكرها الفاعل الاجتماعي استناداً إلى تصوّر ثقافي عن جسد المرأة وكرامتها. وهكذا تنتقل العقوبة من المجال الشرعي إلى المجال العرفي، ومن النص الديني إلى النسق الاجتماعي، ثم تفرضها جماعة مسلحة نصّبت نفسها جهةً للتحقيق والإدانة والتنفيذ، من دون محاكمة أو بيّنة، حتى إنها أخطأت في هوية المرأة التي عاقبتها.

يمكن العثور على حضور لهذا النسق في الذاكرة الشعرية العربية، فالشعر لم يكن مجرد إنتاج جمالي، وإنما كان أحد أهم مستودعات الذاكرة الثقافية العربية، إلى جانب الدين والموروث الشعبي. ويمكن استدعاء المتنبي لضرب مثال على الطريقة التي تقترن بها مفردتا الشرف والدم في النص الشعري، ثم تنتقلان منه إلى التداول الاجتماعي.
نشأ أبو الطيب المتنبي في بيئة عربية كانت لقيم البداوة والفروسية مكانة مركزية فيها -وليس المقصود بذلك إطلاق توصيف سلبي على البداوة، وإنما فهم البيئة الثقافية التي تشكّل فيها شعره- وقيل إن المتنبي لم يتغزل بامرأة قط، وهي مبالغة لا يصعب دحضها، فالمرأة حاضرة في شعره، لكن حضورها محدود مقارنة بغزارة إنتاجه، ويأتي غالباً ضمن بناء شعري تهيمن عليه البطولة والفروسية والفخر.
ولا يعود استدعاء المتنبي هنا إلى شعره وحده، بل إلى المكانة التي احتلها شعره في الذاكرة العربية. فقد سرت أبياته مسرى الأمثال لما تتضمنه من حكم وعبارات مكثفة، وما زال الناس يتداولونها منفصلة عن القصائد والسياقات التي وردت فيها، ومن أشهرها قوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
|حتى يراق على جوانبه الدم
لا يتحدث البيت في سياقه الأصلي عن المرأة أو عمّا يسمّى “غسل العار”، ولذلك لا يصح تحميل المتنبي مسؤولية جرائم الشرف المعاصرة أو القول إن بيته أنتج هذه الظاهرة. لكن مقابلة الشرف بالدم تتيح للنص حين يُفصل عن سياقه وينتقل إلى التداول الشعبي أن يُستدعى لمنح العنف شرعية رمزية.
فالنسق المضمر لا يكمن في البيت وحده، بل في الثقافة التي تتلقاه وتعيد توظيفه. وحين يُربط شرف الأسرة أو العشيرة بجسد المرأة يصبح المساس بهذا الجسد عاراً يلحق بالجماعة، ويُقدَّم الدم ثمناً لمحو ذلك العار، عندها يتحول البيت الشعري المتداول إلى قاعدة ثقافية مختصرة، واضعاً الشرف قيمة، والدم ثمن حمايته.
خرقة الدم.. حين يتحول الجسد إلى وثيقة
في الموروث الشعبي العراقي، تقف الأم منتظرة خروج ابنها العريس في ليلة الدخلة حاملاً إليها قطعة قماش بيضاء، إما مزهواً بها كما لو أنه عائد من معركة، وإما ملوّحاً ببياضها علامةً على الاستسلام وانكسار الفحولة. فهذه الخرقة في المخيال الشعبي هي التي تقرر عفّة الزوجة وبطولة الزوج، فإذا تلطخت بالدم عُدّت المرأة عذراء وطاهرة، وإذا بقيت ناصعة عُدّ ذلك كارثة حلت بالعائلة.

يكشف هذا الموروث وجهاً آخر من اقتران الشرف بالدم. فالدم لا يعود سائلاً جسدياً، بل يتحول إلى لغة اجتماعية تقرر صلاح المرأة أو فسادها، فيما يصبح جسدها وثيقة تفحصها الجماعة وتصدر حكمها من خلالها، رغم أن النزف في أول علاقة جنسية لا يحدث لدى جميع النساء، ولا يصلح دليلاً على العذرية.
ومع أن العلاقة الجنسية تقوم على طرفين، يُعفى الرجل من تقديم أي دليل على ماضيه أو سلوكه، بينما يُطالَب جسد المرأة وحده بإثبات عفتها، ويتحول غياب الدم من احتمال جسدي طبيعي إلى قرينة اتهام قد تلاحقها وتهدد حياتها.
السلطة وترسيخ مفهوم “غسل العار“
أسهمت السلطة السياسية في ترسيخ مفهوم “غسل العار” في المجتمع العراقي، ولا سيما خلال “الحملة الإيمانية” التي أطلقها نظام صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، في وقت كان فيه العراق يعاني الحصار والفقر وصعود التيارات الدينية، التي أخذ النظام يشعر بخطرها ويحاول استيعاب خطابها.
وفي سياق الحملة، أعدمت أجهزة النظام نساء اتُّهمن بممارسة الدعارة، وقُطعت رؤوس بعضهن بذريعة “تنظيف المجتمع”. وفي الوقت نفسه، كانت السلطة تغضّ الطرف عن شبكات الدعارة في مناطق من بغداد، بينها البتاوين والكمالية. هكذا لم يكن الجسد الأنثوي موضع حماية، بل أداة توظفها السلطة بحسب حاجتها، إذ تعاقبه علناً لإظهار التديّن والانضباط الأخلاقي، وتتسامح مع استغلاله حين يجري تحت رقابتها أو بعيداً عن خطابها الرسمي.
ولم يقتصر تواطؤ السلطة مع النسق الفحولي على الممارسة السياسية، بل وجد له سنداً في القانون. فقد نصّت المادة 409 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبسها بالزنا، أو وجودها في فراش واحد مع شريكها، فقتلهما في الحال أو قتل أحدهما، أو اعتدى على أحدهما اعتداءً أفضى إلى الموت أو عاهة مستديمة”.

لا يشرّع النص ما يُسمى “غسل العار” صراحة، لكنه يمنح القاتل في هذه الحالة معاملة عقابية أخف من العقوبة المقررة للقتل في الظروف الأخرى، ويجعل غضب الرجل على سلوك زوجته أو إحدى قريباته سبباً لتخفيف مسؤوليته عن إزهاق حياتها. وبذلك لا يعود الشرف تصوراً اجتماعياً فحسب، بل يدخل القانون عاملاً مؤثراً في تقدير الجريمة وعقوبتها.
تكشف ممارسات الحملة الإيمانية والمادة 409، على اختلاف زمنهما وسياقهما، عن التقاء السلطة السياسية والقانونية والثقافية في إعادة إنتاج التصور نفسه حول جسد المرأة بوصفه موضع رقابة الجماعة، وشرف الرجل أو العائلة كمبرر لتخفيف المسؤولية عن العنف الواقع عليها.
يكتسب مفهوم “غسل العار”، والحال هذه، قوة تتجاوز العرف، حين يجد في خطاب السلطة ونصوص القانون ما يبرره ويحمي استمراره.
الاستشراق و“غسل العار“
بعد احتلال العراق عام 2003، أخذت الصحف والمجلات الغربية تنشر مواد واسعة عن قتل النساء تحت عنوان “جرائم الشرف في العراق”. ولم تكن الجرائم قد ظهرت فجأة مع الاحتلال، إذ كانت موجودة قبله وتحظى بتسامح اجتماعي وقانوني، لكن انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة والعشائرية والدينية جعلا النساء أكثر عرضة للعنف، ونقلا الظاهرة إلى واجهة التغطية الدولية.
في تموز 2004، نشرت مجلة “تايم” تحقيقاً بعنوان “نساء موسومات“، تحدّث عن تزايد قتل النساء على أيدي أقاربهن بعد الغزو، وقدّر عدد الضحايا منذ آذار 2003 بالمئات، استناداً إلى إفادات من الشرطة والمحاكم ومعهد الطب العدلي، مع إقراره بعدم وجود إحصاءات موثوقة.
ولم يكتفِ التحقيق بتقديم العنف بوصفه عادة عراقية، بل ربط تصاعده أيضاً بانهيار الأمن وانتشار السلاح وضعف الملاحقة القضائية بعد إسقاط النظام.

أما رقم 12 ألف امرأة قُتلن في إقليم كردستان بين عامي 1991 و2007، فلا يعود إلى إحصائية نشرتها “نيويورك تايمز”، بل إلى تقدير غير رسمي نُسب إلى آسو كمال، من شبكة “دعا لمناهضة العنف”، وتداولته لاحقاً وسائل إعلام ومراجع مختلفة. كما أن بعض الصيغ المتداولة للرقم تجمع بين النساء اللواتي قُتلن واللواتي دُفعن إلى الانتحار، ولذلك لا يصح تقديمه بوصفه إحصاءً موثقاً لضحايا القتل باسم الشرف وحده.
لا تكمن مشكلة التغطية الغربية في كشف هذه الجرائم، ولا في كونها تناولت واقعاً عراقياً كان ينبغي السكوت عنه، بل في اللغة والإطار اللَّذين توضع فيهما أحياناً. فحين يُقدَّم قتل النساء بوصفه تعبيراً ثابتاً عن “ثقافة” عراقية أو شرقية مغلقة، ويُفصل عن القانون والسلطة والحرب وانهيار الأمن، يتحول الضحايا إلى أدوات لرسم مجتمع همجي يحتاج إلى الإنقاذ، فيما يغيب دور الاحتلال نفسه في تفكيك الدولة وإطلاق قوى اجتماعية ومسلحة زادت من هشاشة النساء.
وتحمل تسميتا “جريمة شرف” و”غسل العار” مشكلة أخرى؛ فهما تنقلان لغة الجاني إلى وصف الجريمة، وتضعان الدافع في الواجهة بدلاً من الفعل نفسه.
لا يوجد شرف في الجريمة ولا عار يحتاج إلى الغسل، بل امرأة قُتلت، وقاتل منحته الجماعة مبرراً أخلاقياً، وقد يمنحه القانون عقوبة مخففة. لذلك فإن تكرار هذه المصطلحات من دون تفكيكها قد يجمّل جريمة القتل، ويعيد إنتاج المنطق الذي ارتُكبت باسمه، سواء صدر عن الإعلام المحلي أو الغربي.
وجرائم “غسل العار” ليست مجرد جريمة يرتكبها فرد ضد امرأة، وإنما نتاج شبكة معقدة من الأنساق الثقافية والقانونية والسياسية، التي تمنح الجسد الأنثوي وظيفة رمزية تتجاوز وجوده الإنساني، فتصبح المرأة حاملةً لشرف الجماعة، والدم أداةً للتطهير، والرجل حارساً للشرف، ويعاد تفسير القتل بوصفه دفاعاً عن قيمة اجتماعية. أما تفكيك هذه الشبكة فيبدأ بنزع الزينة اللغوية عن الجريمة وتسميتها باسمها: “قتل النساء”.
تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.