“نجم بلا مدرجات”.. حكاية اللاعب “المتجنب” عباس نادر   

كان عباس نادر أسطورة ملاعب مدينة الثورة، ولاعباً رأى فيه رفاقه نجماً ضاع على الكرة العراقية. أبعده خوفه من تنمّر الجماهير على جلده المختلف عن عشرات فرص الاحتراف، قبل أن تنهي الأخطاء الطبية علاقته باللعبة التي صنعت اسمه..

إيهاب شغيدلإيهاب شغيدل | 27 أيلول 2026

عام 2004 شهدت مدينة الثورة معارك ضارية بين القوات الأمريكية وجيش المهدي، الذراع العسكري للتيار الصدري. وبعد هدنة جاءت إثر وساطة سياسية في آب منالعام نفسه، بدأ الأمريكيون حملة تفتيش واسعة بحثاً عن السلاح. كانت الأرتال تطوّق أزقة وشوارع من قطاع 41، وكان دليلهم ملثماً عراقياً يدعى محلياً “العلاس” أو”الجاسوس”، يدل على بيوت المشتبه بهم. حين وصل إلى بيت عباس نادر، قال للجنود الأمريكيين: “ذول بيت نادر، منين لهم سلاح، ما عدهم غير الطوبة”. نجا البيتمن التفتيش. 

هناك نشأ عباس نادر، طفل مهووس بالكرة ومصاب بالخجل، يلعب في الوحل ولا يخلع بجامته حتى في الظهيرة الحارة، وهو يسدد الكرة نحو الجدار بحيث ترتد عائدةإليه، ظل يلعب وذراعاه  مغطاتان  حتى الرسغ.  

تقول جارته الأرملة وأختها اللتان أزعجتما الكرة التي لا تهدأ: “الجيران صايحة الغوث منه ومن طوبته”. لكنه، على أية حال، عباس نادر، هادئ، فارع الطول، نحيل، بسمرة بصرية جاء بها من جنوب العراق حيث تنحدر عائلته، التي توزعت بين أطراف العمارة وبدايات البصرة. تمركز القسم الأكبر من قبيلته، “البو محمد”، في ناحيةالعزير، لكن “بيت شميل”، عشيرته، يقطنون بقضاء الكحلاء. شح المياه وقسوة الإقطاع دفعاهما إلى النزوح نحو بغداد في العام 1958، ليسكنوا فيما بعد في مدينةالثورة، المدينة الحضرية التي وُزعت أراضيها مجاناً على النازحين من جنوب العراق، بمساحة 144 متراً مربعاً لكل دار. قُسمت إلى قطاعات تُعرف بالأرقام، تبدأ منرقم واحد وتنتهي عند 79، ثم أُضيف إليها لاحقاً قطاع صفر. حصل عبد الرحيم عباس، والده، على قطعة أرض في قطاع 41.  

تجري قوافل شهداء الحرب العراقية-الإيرانية، غير أن عباس نادر لا يتذكر من تلك الحرب سوى اللعب. لم يواظب على الدراسة، اضطر إلى تركها مبكراً، لم يعمل ولا يكاد يفعل شيئاً عدا الركل. يلعب بهدوء ولا يُسمع صوته إلا أثناء اللعب، يلعب داخل ذاته أو داخل الزقاق، حتى كاد الأمر يختلط، ذلك الابن الذي تحول إلى أسطورةشعبية في مدينة الثورة، ما إن تلمح اسمه حتى تتجمع حوله طبقة كثيفة من الحكايات والقصص، كأن الاسم لا يمر وحده، بل ترافقه وتسير معه قصة جيل من أبناء الثورةوجد في لعب الكرة حياة كاملة.  

ولد عباس نادر في اليوم الثاني من العام 1971. قبله أربع بنات وولدان وبعده بنت، الصبي الذي ولد تواً سيكون آخر الأولاد الذكور لنعومة شول وعبد الرحيم عباسبعد عبد وحسن. 

في سن السادسة، وبينما يضع برفقة الأولاد الآخرين الأحذية وحجارة لصناعة ملعب فوق الأسفلت، كان هناك عُرف يعرفه الجميع، أن الفريق الفائز هو فريق عباس. حافياً يطلب الكرة من الحارس، ويضعها في المرمى، ويعيد ذلك مراراً. 

العائلة رياضية، لعب أخواه حسن وعبد الكرة وألعاب الساحة والميدان، لكنه سرعان ما تفوق عليهما وذاع صيته بسرعة، فأصغرهم كان الأشد لفتاً للانتباه، وصل ذروةشهرته في مدينة الثورة في عقد التسعينيات، في يوم زواج أخيه الأكبر عام 1992، ضلت الطريقَ نساءٌ من العائلة جئن من أطراف مدينة البصرة، ولم يدلهن إلى البيتسوى شاب التقط الاسم من وصف واحد: “عدهم ولد يلعب طوبة اسمه عباس نادر”. عندها قال فوراً: “عباس نادر، اندليت”. هكذا صار الاسم عنواناً في مدينة يتيه فيهامن لم يكن منها.  

ولكي لا يتيه الناس في مدينة كبيرة تتشابه فيها الأزقة حد التطابق، اعتاد أبناء الثورة أن يضعوا دلائل أخرى للقطاعات. فهذا قطاع عبودة؛ لأن أكثر سكانه من قبيلةعبودة، وذاك قطاع الكاميرون؛ لأن أغلب سكنته من سمر البشرة. أما الرياضيون فلديهم تصنيفهم الخاص: 19 قطاع جبار حرج، و41 قطاع عباس نادر.    

ذلك المهاري و”المتقدم” الذي يقف أمام المدافعين، قوي البنية والذهن، ويلعب “البينيات” “جنه يكرز حب” بسهولة مدهشة للآخرين، المكروه من لاعبي الجوانب لعنايتهبالكرات من المنتصف، ولا يمرر لهم، بدأ حياته الرياضية مع فريق أبو رياض، الذي ضم في منتصف الثمانينيات عدداً من الأسماء، أبرزها كاظم أبو جودي الذي لعبللجوية والزوراء، وعماد بختر، ورياض مزهر، الذي لعب لاحقاً لنادي الجوية، وعباس عبيد، الذي يعد من أبرز لاعبي المنتخب العراقي في وسط الملعب خلال حقبةالتسعينيات، وربما أكثرهم شهرة.  

كان عباس نادر أصغر من بعض تلك الأسماء سناً، لكنه لم يكن أصغرهم تأثيراً في الملعب، هناك منذ البدايات، كان واضحاً أن شيئاً نادراً يحرك قدميه، تلتصق بهماالكرة، ثم تذهب إلى المكان المناسب حيث يريد، كما لو أنه وحده ولا أحد من الخصم موجود فوق الأرض، “عبالك عباس ما يشوف اللاعبين، يمرر وين ما يريد”. يمكنأخذ لقطة لمروره مع الكرة، لكن يصعب أخذ الكرة منه، هذا على الأرض، وحين ترتفع معه، نتأكد جيداً أن رأسه أقرب للكرة.   

كان أبو رياض، عباس جواد، يملك سيارة 18 راكباً، يجمع فيها الشبان ويأخذهم إلى مناطق نائية ومفتوحة ليدربهم على الـ”أوف سايد”. علمهم الوقوف، كل في مركزه، “طلَّعْ أجيال”. كان عطوفاً وحنوناً معهم، ويحبهم بأبوية دافئة، يحبهم، جمع منهم في نهاية الثمانينيات اشتراكاً بمبلغ زهيد كل خميس، وبعد أسابيع من ذلك اشترى لهم”سيت دريس أزرق وأبيض”، “دريس” سيكون علامة فارقة فيما بعد لفريقه، “دريس نص ردن”، سيجبر عباس نادر على كشف ذراعيه مرغماً في ذلك الزمن، كانالـ”دريس” نفسه حدثاً، وكانت الملابس الرياضية جزءاً من معنى الانتماء، “دريس” عاش مع الفريق قرابة ستة أعوام.  

لم يكن أبو رياض مجرد مدرب لهؤلاء الشبان، بل كان مربياً ممرراً للقيم، ومنبعاً للفكاهة، وخيطاً من السخرية يمر على حياتهم، كان كثير النسيان، وقد يصل به الأمرإلى نسيان مراكز لاعبيه وأسمائهم، ما يثير عاصفة من الضحك بعد أن يخطئ وهو يوزع تشكيلته التي لا تخلو من عباس نادر وعباس عبيد.   

الكابتن عباس نادر مع فريق أبو رياض في ساحة منطقة العبيدي، يُرجَّح أن الصورة تعود لبداية التسعينيات، المصدر: الكابتن حسن محمود. 

توفي أبو رياض في تشرين الأول سنة 2025، ومرور اسمه هذه الأيام لم يعد مضحكاً كما في السابق، بل يخلّف موجة من الصمت تنتهي بدمعة تقاوم النزول تارة، وتنزل بحياء تارة أخرى. حتى الذين بقوا يروون حكايته، يفعلون ذلك كما لو أنهم يستعيدون جزءاً من زمن كامل، يتذكره عباس نادر واضعاً يده خلف رأسه، ثم يمرريده كمشط على شعره الذي ما يزال يحتفظ بسواده، شريط حياته مع أبو رياض يمر، ولا أحد يمكنه الإمساك بتلك الصور التي تتداعى في ذهنه.  

نقله الرجل من الكرة على الأسفلت إلى الساحات الواسعة، 11 لاعباً في فريق واحد، تمرير وقطع وتمرين والتزام، وهناك بدأت تتكشف الموهبة، واختار مركزه فياللعب. هناك أيضاً بدأ بعقد صداقات ستبقى مستمرة حتى اللحظة، مع فريق أبي رياض تخلى عباس عن خجله، وترك بجامته للمرة الأولى عنوة، بعد طفولة وصبا لمتفارقه فيهما البجامة، طبيعة فريق الشبان ذلك والبطولات التي يشارك فيها لم تكن تسمح باللعب لمن لا يرتدي الـ”شورت” الرياضي، وقد وُعد عباس في البدء بالموافقةعلى اللعب بالملابس التي يريد، لكن “كنت مخرب شكل الفريق بالبجامة”.   

يتجمع الفريق عصراً، كان عباس قد ارتدى بجامته، ووصل برفقة عماد بختر، الذي بدا كأنه يخفي شيئاً ما، ابتسامة خفيفة، وتهامس خيم على الجو، ذكر أبو رياضأسماء اللاعبين الأساسيين، ومن بينهم عباس نادر، تراصف اللاعبون، واقتربوا من عباس من دون أن يفزعوه، أُحيط به من كل جانب، وبين شد وجذب نزعوا عنهبجامته، وأعطوه “شورتاً” رياضياً قصيراً ارتداه بسرعة، كان ذلك فخاً أعدَّه له الرفاق مسبقاً، ظهرت قدماه للمرة الأولى أمام الآخرين، أمام اللاعبين والخصم ومنحضر من الجمهور، قدمان تلونتا بالأبيض الفاقع نتيجة إصابته بمرض جلدي طالما منعه من ارتداء “الشورت”.  

بحياء مرر الكرة الأولى، كان ينظر ويعيد النظر إلى ساقه المكشوفة، ويتلفت إلى الآخرين، ويتفحص نظراتهم، تسلم كرة أخرى فقطعت شروده الذهني، توالت الكراتونسي عباس ساقه، وعاد إلى عادته القديمة في فرض الهيمنة على الساحة، انتهت تلك المباراة من دون أي تعليق كان يخشاه.  

لا يتذكر عباس الصدمة التي تسبب بها ذلك التغير اللوني، لكنه يتذكر أنه كان في الابتدائية حين بدأت ملامح الجلد تتغير، وليس صعباً تخيل ما يمكن أن يلقاه طفل قليلالكلام، شديد الحساسية، بجلد مغاير داخل مدرسة تضيق بالاختلاف، يقول مقتضباً: “كرهت المدرسة من صار بيا”. لا يفصح أكثر، ولا يسمي ما سمعه هناك، لكن أحدأفراد عائلته يربط بين تلك المرحلة وبين تركه الدراسة، في الساحة كان يعوض ما يخسره في الصف، ميزة أن يكون عادياً مثل بقية الأولاد. وما إن يثبت موهبته فياللعب ويسترجع شيئاً من ثقته بنفسه حتى يأتي الصف ليسلبه ذلك من جديد؛ بسبب ما كان يتعرض له من مضايقة بسبب جلده المختلف.  

هناك على الأرجح، بدأ يتشكل داخله خوف مبكر من أن يُرى مكشوفاً، أو أن يسمع عبارة جارحة في العلن، خوف سيكبر معه لاحقاً، ويجعله ينفر من كرة القدمالاحترافية، حيث لا تترك الجماهير أحداً بحاله خارج التقييم أو النقد. منذ ذلك الوقت صار الجسد نفسه حكايته: موضع هشاشة، ومصدر موهبة، وحدّاً بين تمريرة سحريةتحميه، ولون يخشى إظهاره.  

كشف عن جسده في الفرق الشعبية، في ساحة صغيرة في قطاع 41، فكانت النظرات وتعابير الآخرين من حوله أكثر أماناً مما كان يتوقع. هناك يعرفه الناس قبل أنيروا جلده، يعرفون عائلته، وسمعة البيت الرياضي، وصداقاته الوثيقة باللاعبين وبأغلب الجمهور، يأتون عصراً لمشاهدته لا لافتراسه، حتى خصومه كانوا يحبونه.موهبته وهدوء طبعه وشخصيته التي تميل إلى أن تسمع أكثر مما تتكلم، وتكتفي بالتحديق ولا تتدخل في ما لا يعنيها، كلها صنعت حوله ما يشبه طوق حماية، في تلكالساحات الصغيرة كان يستطيع أن يخفي ما لا يريد كشفه، وفي الفرق الشعبية لا أحد يسيء إلى اللاعبين، ولا أحد يشعر بانتماء مشحون بالغضب، فحين يخسر قطاعك، ليس عليك سوى أن تنتظر يومين لتبدأ بطولة جديدة.  

عباس نادر في نادي الصناعات الكهربائية، ملعب دهوك، المصدر: محمد عبد نادر. 

أما في دوري النخبة، فالشوط الواحد قد يقرر مصير موسم، وتمريرة واحدة قد تذهب بك خارج البطولة، فضلا عن طبيعة انتماء الجماهير إلى تلك الفرق بقبليةوعنجهية، وهي جماهير تنحدر من بيئات وثقافات متنوعة، ذلك ما يجعله يفكر في جمهور بالآلاف، لا يمكنه أن يسيطر على أفواه مفتوحة بالسِّباب طوال 90 دقيقة. “أني ما أتحمل غلط وفشار”. هناك، في الملاعب الواسعة، لا يمكن لأحد أن يقول: “عيب.. هذا ابن أبو عبد”.  

لا يخشى ذلك الطويل المهاري في وسط الملعب شيئاً بقدر ما يخشى صيحات الجماهير المتخيلة، لو أنه احترف كرة القدم، وهي تلتقط ألوان جسده وتحولها إلى أهازيج(كولات) وهتافات، بقي طويلاً يفكر في ذلك، حتى إنه أسرّ قبل عقدين إلى صديق: “إذا ألعب بالزوراء جماهير الجوية تطلع علي كولات، وإذا ألعب بالجوية جمهورالزوراء يطلع علي كولات”.  

هذا التصور لم يأتِ من فراغ وليس عشوائياً، عباس من دائمي الحضور في الملاعب الرياضية، ويعرف جيداً طبيعة الجماهير وقسوتها عند الخسارة وحماسها للتنكيلبالخصوم، ومعاناة اللاعبين، الجمهور الرياضي في الملاعب قاسٍ عند الخسارة وعند التنكيل بالخصوم، ولا يترك تفصيلة واحدة من تفاصيل لاعبي الخصم إلا ويحولهاإلى أهزوجة أو “كولة” أو هتاف، لم يرَ في المدرجات جمهوراً فحسب، بل قوة قادرة على قلب المباراة، خصم شرس لا يمكن التغلب عليه.   

حسام فوزي، أحد أشهر مهاجمي العراق في نهاية التسعينيات، كان يعاني من الصرع، ورغم أن علته ليست ظاهرة، فإن ذلك لم يمنع الجمهور من تأليف الهتافاتالمتنمرة: “حسام أبو الصرع”. لم يشأ عباس نادر أن يوضع في موقف كهذا، فرفض عشرات الفرص للعب في الدوري العراقي. “أني يمكن أكثر لاعب إجته فرص يلعببالدوري”، كان خجله يجعله يقطع وعوداً، لكنه سرعان ما يخلفها: “جنت أشرد… يجوني للبيت… أكلهم إي باجر يمكم… وأشرد ما أروح”. هكذا تحول الخوف منالسخرية إلى مهارة أخرى يتقنها: الاختفاء.  

في العام 1989، وبعد أن صار عمره 18 عاماً، سيق عباس لأداء الخدمة الإلزامية في جيش لا يمكن الهرب منه بسهولة، فأنقذته كرة القدم. في العادة كان الجيشالعراقي يُخضع الملتحقين الجدد ممن يملكون مواهب رياضية لاختبارات، ويمكن لبعضهم التفرغ للعب بدلاً من التدريبات العسكرية القاسية والعيش في المعسكر.   

بعد مجموعة اختبارات رياضية، وقع الاختيار على مجموعة صغيرة، وتقرر نقلها إلى بغداد، من وحدة التدريب العسكري في سنجار، كان عددهم 45 لاعباً، نقلوا فيباص أحمر يسمى محلياً “منشأة”، لاختبارهم الاختبار الأصعب في نادي الجيش. كان جميع من حوله من المجندين الجدد يبحثون عن واسطة للخلاص، لكنه بحثعن”تراكسوت” يمكّنه من تمرير ورمي الكرة بدقته المعهودة. بدأ الاختبار، بعد دقائق معدودة، نقله المدرب من فرق المختبَرين إلى نادي الجيش، الذي كان يضم لاعبينمن المنتخب الوطني العراقي، منهم هاشم خميس، وعند انتهاء حصة الاختبار قال المدرب: “الي أكله انطيني اسمك يعني مقبول، أول واحد إجه عليَّ كتله: عباس عبدالرحيم عباس”.  

يوزع الجيش عادة اللاعبين الجدد على فرقه الرياضية التي تنشط تحت مظلة وزارة الدفاع، فالتحق عباس بنادي الهندسة العسكرية، حاصلاً بذلك على خلاصه بهويةعسكرية كُتب فيها: “يسمح له النزول أثناء الدوام وبعد الدوام”، هوية كانت أحد أكبر أحلام الشباب. التحق بفريق عسكري كان يضم وقتها أسماء رياضية مشهورة، منهاأكرم عمانوئيل، وعباس الفاضل، وماجد علي نعمة، ونجاح ميخائيل، وحازم ياسر.   

كان اللعب للفرق العسكرية يعني الهرب من أهوال بلد مفتوح على الجبهات. كانت الكرة شكلاً من أشكال النجاة، لم تُنْجِ الكرة من مواليد 1971 في الأندية العسكريةسوى جنديين اثنين: عباس نادر، وشاب آخر التحق بفريق التموين والنقل العسكري. كان عباس وقتها من أصغر اللاعبين سناً، ولم يكن يتوقع أن ينجح وسط أسماء تنشطفي دوري الدرجة الأولى، ومنهم من مثّل المنتخب العراقي، لكنه اختصر موهبته ونجاحه دون الخوض في التفاصيل بعبارة: “الله وفقني كلش”.  

في فريق الهندسة العسكرية قابل هو ورفاقه نادي القوة الجوية، وهو من أبرز الأندية الجماهيرية. مرتين فاز فيهما الفريق العسكري بفضل مهارة عباس وحضورهاللافت، ما جعل الجوية في إصرار على استقدامه، وطلب المدرب العراقي الشهير عمو بابا الذي كان يدرب النادي وقتها جلبه.   

أرسل النادي لاعبه المخضرم ناطق هاشم إلى منزل عباس نادر بسيارته الحمراء “التك باب” موديل 86. تهرَّب عباس من العرض، فحاول هاشم إغراءه مادياً: “عباسوالله عقدك أزيد من عقدي بهواي”. كان ناطق يقول ذلك وهو في آخر موسم له في الجوية، وكان قائد الفريق وقتها، وحين شعر أن ذلك ليس مغرياً، أخذه في رحلة إلى”سلام”، رئيس رابطة النادي. حاول سلام وناطق إغراءه بالعرض بوصفه فرصة نادرة: أول لاعب في التاريخ تأتيه فرصة من الفرق الشعبية إلى نادٍ من الدرجة الأولىمن دون المرور بالفرق الثانوية والرديفة، بحياء وافق، واتفقا معه على أن يلتحق في الغد بتدريبات النادي، لكنه لم يذهب، كان المجد يطرق الباب، فيما هو يفتح قليلاً ثمينسحب إلى الداخل.  

لم تمر سوى أيام، وأثناء تدريبات الفريق العسكري في نادي الشباب الرياضي جاء مساعدا عمو بابا، سعدي توما وعباس لعيبي، وقالا للعميد الذي كان يشرف علىالفريق: “أبو زيدون كاعد بالسيارة، جايين على عباس”. فقال العميد: “هذا عباس كدامك، يريد يطلع خلي يطلع”. بخجله المعتاد وافق على مرافقتهما، خرج من بابالنادي ليجد في انتظاره عمو بابا بسيارة من نوع سوبر 86، ركب في الخلف من دون أن يعرف الوجهة، وصلت بهم السيارة أخيراً إلى منطقة زيونة وسط بغداد، نزلمَن في السيارة إلى منزل عمو بابا، هناك أُعطي حقيبة فيها تجهيز كامل يخص نادي القوة الجوية، كان كل شيء يجري كما لو أن الرجل يدفعه بيده إلى حياة أخرى، كانيتحدث عمو بابا معه طوال الوقت برفق، وحزم أيضاً، عن الشخصية وعن القوة وعن ضرورة تجاوز الخجل، حاول أثناء ذلك أن يستفزه ويحفزه في آن قائلاً له: “أكولاعبين مسوين كلشي ومتخجل وعادي تلعب منتخب”.   

تحدث إليه مراراً وتكراراً، مذكراً إياه كيف حورب هو نفسه، وكيف كتبت عنه الصحافة، وكان يكرر: “أني قوي… أريدك هيج”. عمو بابا لم يحاول أن يقنعه باللعبفحسب، بل كان يحاول أن يعلمه دروساً حياتية. 

بعد أن غادرت السيارة زيونة، اتجهت إلى مقر نادي الجوية، الذي كان وقتها يخوض مباراة ودية. عند دخول عباس، لم يشعر بالغربة بين لاعبي النادي؛ لأنه يعرفأغلبهم، وسبق أن قابلهم في الفرق الشعبية، بمن فيهم وليد ضهد، الذي مثّل المنتخب الوطني، وصادق سعدون، وعلي زغير. لم يلعب في تلك المباراة، وكانت فكرة عموبابا كما يصفها: “يجر رجلي، يدخلني بالجو، ويخليني أحب اللعب للجوية”. وأوصى عمو بابا سائق النادي بأن يضع اسمه في قائمة اللاعبين الذين ينقلهم إلى النادي، ثمجيء له بعقد من أجل توقيعه، كان خائفاً من توقيع العقد، معتقداً أنه يشبه “أمر الاعتقال أو إلقاء القبض”. وقّعه على مضض، لكن ذلك العقد كان يحتاج إلى حضوره فيالاتحاد العراقي لكرة القدم من أجل تصديقه، لم يذهب، ولم يصدق العقد، حتى الورقة هنا بدت له كما لو أنها فخ نهائي وليست فرصة.  

رافق عباس عمو بابا من التاسعة صباحاً حتى المساء في ذلك اليوم. وخلال عودته إلى المنزل، وجد أن خبر انضمامه إلى نادي الجوية قد شاع في الزقاق، استقبله أهلهوالجيران بالأهازيج والطبول والموسيقى، حشود تتوسطها أمه، في منطقة شعبية مثل الثورة حدث كهذا لا يمر من دون أن يصبح حكاية الناس. “وراها إجاني عليزغير، جان يلعب بقطر محترف، كلي تعال عبوسي، جايب هسة موديل هسة جبته وياي من قطر كالون رياضي وقانوني، كتله إي والله رحمة لوالديك”.   

يملك عباس ردوداً جاهزة ومسبقة لا تتغير، وحتى حين يحاول جاهداً تغييرها، أو إضافة تعبير جديد إليها، يقع في فخ التلعثم، يرتبك إذا تحدث إلى الغرباء بثلاث جملمتتالية، غير أن طلاقة لسانه تعاود الظهور حين يتحدث مع أصدقائه، لذلك قطع وعداً لنادي الجوية، لكنه كان يعرف في قرارة نفسه جيداً أنه لن يذهب في الغد. صحامتأخراً، وذهب إلى بيت أخته المتزوجة في مدينة الثورة بحجة الزيارة، وهي زيارة لا يفضلها كثيراً؛ لأنه لا يفضل الخروج من منزلهم،  لكنه اختار منزلاً يحميه منضغط السؤال الذي يحاصره طوال مدة ملاحقة النادي له.   

عباس الذي لا يعرف كيف يصوغ عبارة رفض صريحة اختبأ خلف جملته الأثيرة: “إي إن شاء الله”.  لكن في اليوم التالي: “كعدت الصبح، كلتلهم ما أروح”. رغم أنعباس نادر من مشجعي النادي محلياً ومن المواظبين على حضور مبارياته، فإنه لا يفضل اللعب لنادٍ تعلق به مذ كان طفلاً، مفضلاً البقاء مع جمهور، يراقب مباراةالجوية التي تخصه كمشجع ولا يستطيع أن يسهم فيها. بهذه البساطة انكسر المشهد كله: الأهازيج، والطبول، وأمل العائلة، ودهشة الزقاق، لم يحتج إلى طرد صريح كييغادر، كان يكفيه إنذار داخلي واحد ليتراجع وحده إلى آخر الملعب، كان يعرف طريقه إلى المرمى، لكن شيئاً فيه ظل يعيده كل مرة إلى خط الدفاع عن جسده، وعنحياته التي كان يظن أن الشهرة قد تعكر صفوها.  

صُدم أخوه أبو أحمد بهذا الرفض، وظل يلاحقه مدة طويلة، شهرين ونصف الشهر حاولت القوة الجوية معه، إضافة إلى ضغط أهله وجيرانه وأصدقائه، لكن كل ذلك لميقنعه، فظل يتخفى ويهرب، ويمارس هوايته المفضلة في الخفاء. صرخ أخوه مرة وسط المنزل: “لك هذا حظنا يخليك ترفض”. لم يكن أحد يرى ما يراه عباس، هم يرونأبواب النادي والمجد، وهو يرى ما قد ينتظره خلف الباب، العرض يهاجم من أكثر من جهة، فيما ظل عباس يتقن دفاعه الوحيد: الانسحاب، إنه مدافع شرس ينزلق،يركل كل شيء لحماية حياته.  

كان بيت نادر من تلك البيوت التي تعرفها المياه جيداً، كلما نزل المطر دخلته؛ لأنه صار “أنصى من الشارع”، ولأنه منذ أن وُزع في أواخر الخمسينيات لم ينله منالإعمار ما يكفي ليرفعه قليلاً عن الأسفلت، كان بيتاً قديماً واطئاً، تغمره مياه الأمطار فيطفو كل شتاء على الماء، وتعيش فيه عائلة لا تملك كثيراً خارج أملها بأبنائها، لذلك لم يكن عرض الجوية بالنسبة إلى أهل البيت مجرد فرصة كروية، بل منفذاً محتملاً لحياة أقل قسوة، وسط هذا كله، بدا عباس وهو يرفض ما لا يُرفض كأنه يزيدالبيت وطأة: منزل تدخله المياه، وولد يغلق بيده الباب الذي فتحه له الحظ.  

لم يكف نادي الجوية عن ملاحقته، فأرسل “سقراط العراق” جعفر عبد الحسين، في محاولة لثنيه وإقناعه، جلسا على الرصيف في شارع الداخل، جعفر الذي شاب شعرهمبكراً قرر أخيراً أن يتعاطف معه ويواسيه: “عباس أني أعذرك، أني هذا الشيب وما حامله”. لكن الرفض كان أعمق من الخجل وحده؛ ربما حماية، كان الخوف قد تسللإلى روحه، فترتفع مع كل محاولة راية حكم لا يكف عن إعلان الــ “أوفسايد” المحظور، ليوقف اللعبة ويعيد الكرة لخصمه اللدود، وخصمه جسده، خوفه، وهذا هو أقسى”أوفسايد” يمكن العيش معه.  

في فريق الهندسة العسكرية، تقابل مرة في مباراة ودية مع نادي الشرطة انتهت بالتعادل الإيجابي، لكن في الشوط الأول اكتشف أن خطة نادي الشرطة صارت قائمةعلى إيقاف تحركاته، وما إن انتهت المباراة حتى جاء المدرب كريم محمد علاوي ومساعده علي حسين ياسين وقالا له: “إحنا نريدك ويانا، بس مو بالشرطة، إحنا استلمناتدريب نادي الكرخ، نريدك أنت ووليد حمزة”. وليد حمزة أخبرهم أنه وقّع عقداً احترافياً مع الصليخ، قَبِل ذلك العقد عباس شفهياً: “إي إن شاء الله”، ثم تخلى عنه، التخليعن العقد بالنسبة له يشبه التخلي عن كرة “ميتة”، كما يُعبَّر عنها في كرة القدم قرب خط التماس.  

قسوة الجيش لم تنفع معها الموهبة، فما إن يخسر الفريق العسكري حتى يعاقب، والعقوبة تعني العودة إلى الوحدة العسكرية، كانت وحدته في سنجار شمال العراق، لذاكلما خسر فريقه كان يهرب من العسكرية، وبعد أن يتبدل مزاج الضابط أو العقيد المسؤول عن الفريق العسكري يرسل إلى عباس نادر للالتحاق بالنادي، لتُشطب مدةهروبه، وهكذا بقي خلف جدار شفاف وهش، قد يفصله هدف عن الهروب، حتى انتهت خدمته في العام 1994.  

في آذار 1991، اندلعت انتفاضة شعبية عقب حرب الخليج الثانية، هي الانتفاضة الشعبانية، التي بدأت من البصرة بعد انكسار الجيش العراقي، ثم تصاعدت لتشمل 14محافظة أخرى في وسط العراق وجنوبه، غير أن النظام العراقي تمكن عبر الطيران والحرس الجمهوري من إخمادها بالقوة المفرطة، قوة بلغت حد الشك في أي تجمعيتجاوز عشرة أفراد. لم تشمل الانتفاضة بغداد مباشرة، غير أن الجذر الجنوبي لأبناء الثورة جعلها من المناطق المرشحة للالتحاق بها، وهو ما حصل فعلاً، إذ تحركبعض الشبان في سوق مريدي وسط مدينة الثورة، وسرعان ما قمعتهم القوات الأمنية.  

وسط ذلك، كان عباس يجتاز فريقاً تلو آخر ليصعد بفريق قطاع 41 إلى نهائي بطولة للفرق الشعبية في مواجهة فريق قطاع 43. شهدت تلك المباراة حضوراً جماهيرياًغفيراً، وانتهت بخسارة 41. لكن نادر، حين عاد إلى المنزل حاملاً كأس أفضل لاعب في البطولة، كان محاطاً بالعديد من الشبان والصبيان من فريقه وجمهوره، ما دفعالقوات الأمنية إلى تطويقهم وإطلاق رصاصات طائشة لتفريقهم، كاد أن يُقتل، نجا من الموت، غير أن الموت كان يتحرك تجاه العائلة في مكان آخر.  

شملت الإجراءات التي استخدمها النظام لقمع المنتفضين قطع الاتصالات بين المدن، ما جعل الأخبار لا تكاد تصل من مدينة إلى أخرى، فضلاً عن التشديد الأمني علىالمسافرين بين المحافظات. وبينما كان عباس يعيد في رأسه مراراً كيفية خسارة النهائي، كانت رصاصة طائشة قد استقرت في رأس أخته في مدينة البصرة، أثناء وقوفهاعلى سطح منزلها لتجفيف الملابس. قُتلت الشابة التي كانت قد تزوجت منذ نحو عام ونصف، تاركة وراءها طفلاً عمره ستة أشهر، سيُقتل هو الآخر في انفجار سيارةمفخخة وسط بغداد عام 2020، خلال زيارة خاطفة إلى العاصمة.  

لم يصل خبر موت الأخت إلى العائلة في بغداد إلا بعد شهر من الحادث، عادة ما تصل الأخبار المفجعة على نحو مباغت، لكن ما وصل إلى بيت نادر، إلى نعومة شولوأبنائها، كان حزناً مؤجلاً ومشوّشاً، كان عبد أخوه في العمل، وكان حسن وعباس في الساحة، ثم تغير كل شيء من حولهم، صار العالم أبطأ، وصارت الأيام أثقل، هدففي مرمى روحه يعاد بالتصوير البطيء مراراً.  

عائلة تريد أن تودع ابنتها التي رحلت، لكنها رحلت بلا عويل ولا بكاء، هذا الحدث جعل عباس أكثر ميلاً إلى العزلة، وأقل مرحاً، بقي لمدة طويلة يحاول تفادي الكلام، قليلاً ما يدخل في حوارات مباشرة، يكتفي بما يعرفه عن كرة القدم، وهو ما عزز رغبته في البقاء ضمن إطار الفرق الشعبية؛ لأنه: “ما يوم أحد فشر عليَّ، ما يوم أحدغلط عليَّ أو على عائلتي، الجمهور عنده أسهل شيء يكول للاعب كس أختك”.   

الكابتن عباس نادر، نادي الصناعات الكهربائية، المصدر: محمد عبد نادر. 

لفت عباس انتباه المدربين، فما من مدرب درجة أولى أو ثانية شاهده إلا وأراد ضمه. نادي السلام، عبر مباريات ودية، طلب التوقيع معه، وكان وقتها مدربه ناظم شاكروحسين لعيبي، ورفض، حاول المدرب ثائر أحمد استمالته، لكن عباس تهرب منه بطريقة بدت مختلفة، بعد انتهاء الدوري العراقي، استقدم فريق الهندسة العسكرية ثائرأحمد ليقود الفريق مدة محدودة، فقَبِل بالعرض لعلاقته الطيبة مع العميد الذي كان يشرف على الفريق، وكعادة المدربين، وقع ثائر في حب مهارة نادر، كان وقتها مساعداًللمدرب أيوب أوديشو في نادي الطلبة “جلب بيا تجلب”، فقال له: “أني ركبتي تعبانة ومصاب”. ثائر أصر على أن يتكفل بعلاجه، ولم يقتنع بحجج عباس، فأرسل إليه سلام جعفر في محاولة لإقناعه باللعب للطلبة، واتفقا على أن يحضر في الغد إلى تمرين الفريق الأول “وهم جذبت عليهم”. ليصبح بذلك ربما لاعب كرة القدم الوحيدالذي يرفض أندية جماهيرية بوزن الطلبة والجوية، ويفضل البقاء في الظل، كانت الفرص تتكرر، فيما يكرر مرواغته لهم: “أكلهم إي وبعد ما أروح”.  

طوال حياته الرياضية، أخلص عباس للفرق الشعبية أيما إخلاص منذ بداية مشواره، لعب لقطاعي 19 و43 في البطولات التي لم يشارك فيها فريقه قطاع 41، الذيأسهم، في نهاية الثمانينيات، في تأهله إلى مباريات نهائية ضد فريق قطاع 43، الذي كان أكثر شهرة من فريقه، وأكبر من ناحية معدل الأعمال؛ كونه يضم شباناً أكبرفي السن، فضلاً عن أنه الفريق الذي كان يلعب فيه أخوه الأكبر حسن عبد الرحيم. بضغط من فريق قطاع 43، حاول حسن أن يمارس سلطة الأخ الأكبر على عباس، ويمنعه من لعب المباراة النهائية، ما أشعل شجاراً كبيراً بين الأخوين، لم يتراجع عباس، ورغم حضوره المباراة، فإن قطاع 43 انتصر في البطولة.   

الكابتن عباس نادر رفقة نادي الصناعات الكهربائية، المصدر: محمد عبد نادر. 

إنه شجار يتذكره عباس ويضحك، كما يتذكره الأخ الأكبر أبو أحمد، الذي كان جندياً عائداً من وحدته العسكرية ساعة اشتعاله: “انصدمت من الهوسة بالبيت، عبالي صارشي، طلع حسن ميريد عباس يلعب، يخافون منه”. اللاعب الذي يخشاه الخصوم، ويحاولون إيقافه بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، يقر: “ماكو لاعب بتاريخالعراق إجته فرص بكدي، كلها رفضتها”. هكذا روى عباس رفضه بخجل، ويتكرر خوفه كلما أعيد الحديث عن الرفض.   

في منتصف التسعينيات، جاء مدرب نادي بلد سليم ملاك رفقة رئيس النادي، ولم يكن يهدف إلى إقناعه بالعدول عن فكرة عدم تمثيل الأندية، لكنه بشكل عفوي عرضعليه اللعب للنادي، مع تأكيده أنه لم يتخيل منه موافقة: “عباس أني أدري بيك ما تلعب، أدري بيك تجذب عليَّ وما تلعب، بس اللعب ببلد هيج، بس تلعب اللعبة ترجعللبيت، والفلوس أنت الي تريدها”. كان الحصار قد هجم على الحياة العراقية، وضرب الطبقات الفقيرة والهشة التي ينتمي إليها عباس، لم تمر ثلاثة أيام حتى جاء ملاكمرة أخرى لاصطحابه إلى مدينة بلد الواقعة شرق محافظة صلاح الدين، أقنعه بأنها لعبة ودية، وليس فيها ما يخيفه. 

ذهب عباس معه إلى بلد، وصلا قبل بداية المباراة بساعات قليلة، وأظهر هناك قدراته كلها، ورغم أن بلد كانت تنشط في دوري الدرجة الثانية، فإن عباس لم يشعربالضغط، فالساحة ترابية، تشبه ساحات مدينة الثورة التي يبدع فيها، وعدد الجمهور محدود، ربما أقل من عدد جماهير المباريات الشعبية في ساحة قطاع 43 وساحةالجولان اللتين برزت فيهما موهبته.  

نزل في تلك المباراة الودية في الشوط الثاني، وقلب موازينها، هناك رُحب به أيما ترحيب، وأحبه الناس حتى قيل للمدرب سليم ملاك: “لا تجي إذا متجيب هذا الولدوياك”. أصبح أسطورتهم: “وهسه لو تسأل ببلد منو أحسن أحمد راضي لو عباس نادر، يكلولك عباس نادر”. ما تزال تربطه علاقات وثيقة بأهل تلك المدينة، وما يزالبعضهم يتواصل معه، نشط هناك مدة موسم كامل، هناك في ملعب أقل ضجيجاً استطاع أن يقترب من نسخته الممكنة.  

 الكابتن عباس نادر رفقة نادي بلد الرياضي، المصدر: محمد عبد نادر. 

ذلك ما حفز نادي كركوك للتحرك من أجل ضمه، بعد أن فهمت بعض الأوساط الرياضية أنه يرغب باللعب في الفرق التي لا تضع عليه ضغطاً، محدودة الجماهير والتيلا تملك جماهير. كان يدرب كركوك وقتها واثق أسود، الذي يعرف عباس جيداً حين كان مدرباً لنادي الحدود، الذي ينشط في دوري الفرق العسكرية. في مباراة ضدالهندسة العسكرية وضع أسود ثلاثة لاعبين لمراقبة عباس، مهمتهم الركض خلفه، ومع ذلك عجزوا عن إيقافه، وحين انتقل واثق لتدريب كركوك قرر، عبر “ناظمشاكر”، ليس اللاعب الدولي، بل لاعب نادي الجيش، أن يرسل عقداً لنادر فيه فراغان: توقيع عباس، والمبلغ المالي الذي يريده من أجل اللعب. وافق نادر على العرضلأنه كان حينها بلا عمل، ولأن النادي ينشط في الدرجة الثانية وليس ثمة جماهير.   

وما إن وافق على العقد قال له أسود: “عباس راح يطلعلك خوش مهاجم، ولد اسمه يونس محمود”. خطة لعب أسود كانت واضحة، قائمة على لاعبين، عباس نادر خلفالمهاجم يونس محمود، بثلاثة مدافعين، وخمسة لاعبين وسط. خلال نصف موسم “غلبنا الفرق كلها، أحط ليونس، وهو يكول”. في تلك الجملة ربما يظهر كل ما كانيمكن أن يكونه، وجد عباس ضالته في الفرق الصغيرة؛ لأنه عاطل عن العمل، و”ينطوني فلوس زينة”.  

آخر تجربة خاضها في دوري الدرجة الثانية كانت في نادي سميل في محافظة دهوك شمال العراق، أعطوه شقة فاخرة في فندق مع ثلاث وجبات طعام يومياً، ولم يتأخرراتبه هناك لمدة يوم واحد، حتى أجرة الذهاب والأياب من وإلى بغداد كانت تحسب له. كان ذلك في بداية الألفينات، في تلك الأجواء المريحة استطاع عباس أن يصعد معالنادي إلى دوري الدرجة الأولى، دون أن يتلقى الفريق أي خسارة ولا حتى تعادلاً، خاض تلك التجربة مع مجموعة من أبناء مدينة الثورة: سعد مهدي “علاء أبوالحدود”، ورحيم شاكر، في تلك السنوات بدأ جسده يعلن رفضه اللعب.  

“أدير وجهي هيج، ألكه المهاجم هو والكولجي”. قاطع كرات من طراز خاص، ماهر بالرأسيات ويستخدم رأسه بالكرة قدماً ثالثة، وذو رؤية واضحة للملعب، كل منقابله يجد صعوبة في قطع الكرة منه، هذه أهم ميزات عُرفت عنه. جيل كامل في كرة القدم العراقية يشعر أن ثمة قطعة ناقصة في منتخب التسعينيات، تلك القطعة كانتنادر، الذي يتجنب حتى الآن وسائل الإعلام، عُرضت عليه برامج لتحليل المباريات، وعُرض عليه الظهور على الشاشة مراراً، يرى نادر أن نشأت أكرم أحد أفضللاعبي كرة القدم في وسط الملعب، في المقابل، يقول نشأت: “عباس نادر واحد من أفضل اللاعبين بتاريخ العراق”.  

في عقد التسعينيات كان الناس يتبادلون الملابس، ولياليهم تنتهي بـ”الدومنة” وشرب الشاي. نضج الشاب الذي كان “يكشخ” في “القمصلة” العسكرية، من دون أن يملكثمن شراء ملابس، مع شبان آخرين، الغالبية منهم عاطلون عن العمل، أو جنود في الخدمة الإلزامية، وإن حصل وعثر أحدهم صدفة على عمل تكفل أحياناً بدفع ثمنالشاي والسجائر للآخرين. حين ضرب الحصار الاقتصادي العراق بين 1991 و2003، كانت مسارات الترفيه نادرة، خصوصاً في المناطق الشعبية التي ترضختاريخياً تحت ضغط الفقر أحياناً، وتكتفي بما يمرر الحياة لبعض الوقت، شح في الموارد، وملل يحيط بحياة خالية من الأفق، لذا لم يكن أمامهم سوى ابتكار أسلوب حياةيجعلها مقبولة وذات معنى، في تلك السنوات، لم تكن الكرة ترفاً، بل وسيلة لتحمّل اليوم. 

كان يوم هؤلاء الشبان ينقسم على ثلاث فترات لا تنفصل عن كرة القدم إلا قليلاً. صباحاً، من يعمل يذهب إلى عمله، ومن ينشط في الأندية العسكرية يذهب إلى وحدتهالرياضية، والجندي يذهب إلى وحدته. وفي الظهيرة ومنتصف اليوم، يكون الوقت للعب كرة القدم، أما في الأندية الرسمية فـ”عنده نادٍ”، أو في الفرق الشعبية. وفيالمساء، يتجمعون في ساحة العيادة الشعبية المقابلة لقطاع 42، حيث تكون الساحة الوحيدة المضاءة ليلاً، وفي الغالب كان قطاع 41 يلاعب بشكل شبه يومي قطاع 19، ويجمع كل فريق من لاعبيه اشتراك تلك اللعبة، الذي ينتهي ريعها إلى جيب كاظم عبود، صاحب “مأكولات الطلبة”، مقابل “الكباب والتكة والمعلاك”. 

“الطلبة” مطعم شهير في شارع الداخل، يتجمع فيه الشبان الرياضيون، وهناك يلاحقهم المراهنون، يتقصون منهم التخمينات حول مباريات الدوري العراقي، فالمراهنالذي لا يعرف بكرة القدم ليس أمامه سوى الرياضيين للحصول على معلومة تجعل رهانه رابحاً، ولملء حقول الرهان بشكل رابح كان المراهن يثق بتحليلات عباسنادر، وحسن محمود، وعلي ماضي، ومجيد الأحيرج، وعباس عبيد، شبان يُسخّرون وقتهم للضحك وكرة القدم.  

كانت “مأكولات الطلبة” مقراً لفريق أبو رياض وفريق علي موات، وهما من أشرس المنافسين لبعضهما، فحين تريد الخروج من أحدهما لن تلعب للآخر، لذلك كانالفريق الوحيد الذي لم يلعب له نادر هو فريق علي موات، حتى الولاءات الصغيرة هنا كانت حادة، كأن المدينة كلها تتوزع على شكل فرق، تتنافس وتقاتل ضد بعضها، في لعبة لم تؤرشَف، ولم يتبقَ منها سوى ذاكرة مشوشة وبعيدة.  

في ذلك الزمن العدمي والشحيح، كان فريق جبار حرج في قطاع 19 هو الأبرز في مدينة الثورة، لذا بدأ بتنظيم مباريات ضد المحافظات والأقضية والنواحي، لعباتترفيهية، ولم تكن تلك الـ”كوستر” تكتفي بفريق 19، بل كانت تشمل خيرة لاعبي مدينة الثورة، وقتها لا يهم إن كنت تلعب مع أبو رياض، أو ناجي الدلفي، أو قطاع 42أو 43. ذلك الباص الأزرق المخطط بالأبيض لا يتحرك في صبيحة كل جمعة من دون أن يكون على متنه أركان محمود، وعباس عبيد، وعباس نادر، وأحمد عبيد، وغيرهم من اللاعبين الذين مثّل العديد منهم المنتخب الوطني العراقي، كأن المدينة، مرة كل أسبوع، كانت ترسل أفضل ما عندها في “كوستر” واحدة.  

في إحدى تلك المباريات، في قضاء العزيزية شمال محافظة واسط، مرر الحارس الكرة إلى نادر، فمررها إلى حسن محمود، الذي أعادها إلى نادر ثانية، في مشهدعفوي لم يخطط له، استمرت هذه الـ”باصات” القصيرة حتى الوصول إلى شباك الخصم، “تقريبا راوغنا فريق العزيزية من الهدف للهدف، مناولات أني وياه”. قاطعينبذلك مسافة أكثر من 100 متر، استطاعا اجتياز فريق كامل، بمن فيهم الحارس، ليسجل ما يعتبره حسن “أجمل هدف في حياته”.  

مثل هذه الحكايات هي التي بقيت بعد كل هذا الوقت، وما بقي منها أيضاً صور يظهر فيها عباس في الوسط، مطأطئ الرأس في إحداها، وهو الوحيد الذي يشيح بنظرهعن الكاميرا في أخرى، وحتى الآن يتجنب عباس التقاط الصور. توفيت والدته في ليلة رأس السنة 2026، ولا يملك معها أي صورة، يقول محمد، ابن أخيه: “إحنابأعياد رأس السنة تنجمع العائلة كلها وخاصة من جانت بيبيتي موجودة، فكلنا ناخذ صور تذكارية، أتوسل بي أكله أريد صورة أني وياك وحسن وعبد، ما يقبل”.  

شعر أعضاء فريق الثورة الذي يجوب المدن مرة بالحرج. كان فريق محيرجة يدعوهم على الدوام، وقرر أن يرد الدعوات المتكررة، اشترك أعضاء الفريق في جمع ثمنالضيافة، التي تمثلت في حجز ملعب أصولي مقابل مبلغ من المال، إضافة إلى وجبة الطعام التي قُدمت في منزل ناجي الدلفي، لكن تلك الاشتراكات لم تغطِ تكاليفالمباراة كاملة، لذلك قرر الفريق أخيراً بيع “سيت الدريس” الأخضر الخاص به، لم يكن “سيت دريس” الفريق رفاهية أو شيئاً سهلاً الحصول عليه، فالـ”سيت” الواحديمكن أن يمر على أجسام الجميع في وقت تُسمح فيه الاستعارة، “دريس” فريق أبو رياض استعاره فريق 19 وفريق ناجي الدلفي وفريق 43 مراراً.  

تنافست هذه الفرق بشراسة، خلال تجمع الفرق ثمة منافسة شرسة بينها، بعد مرور أكثر من ربع قرن، ما يزال فريق 19 يتذكر الخسارة القاسية التي تعرض لها على يدفريق 43. كان فريق 19 يضم خيرة لاعبي الثورة، منهم هيثم كاظم، وأركان محمود، ومصطفى محمود، والتقى الفريقان في نهائي إحدى البطولات، وفي ظهيرةماطرة، وفي لعبة جماهيرية ما يزال حسن محمود يتذكرها بمرارة، استطاع عباس نادر أن يخطف الفوز لفريقه بهدف سجله تحت المطر، وقتها “كان الفوز على قطاع19 يعني الفوز على ريال مدريد”. والخسارة على ملعب 42، وتحت أنظار المدرب القدير والشهير جبار حرج، جعلت من عباس أسطورة في نظر زملائه وخصومهفي آن، لذلك يعده كثيرون خسارة للكرة العراقية؛ لأنه كان يحمل كل مواصفات النجم، بعض الأساطير لا يصنعها التلفزيون، بل تحفظها الذاكرة الشفوية وحدها.  

لم يكترث بحياة، لم يكن يملك سوى كرة القدم، تلك التي بدأت هي الأخرى تهرب منه، بقي نادر غير مكترث بحياته الخاصة، فلم يبحث عن عمل، وفي سنوات 2003 – 2005 تفاقمت إصابته في ركبته اليمنى، إصابة لم تعالج على نحو جيد، ومع ذلك استمر في اللعب، ذلك الضغط على ركبته جعله يشعر بصعوبة في المشي، كان يتوقفقليلاً ليعيد ركبته إلى مكانها الصحيح، فيما كان الرباط الصليبي على وشك أن ينقطع. من دون أن يخبر أحداً، قرر إجراء عملية جراحية.  

طلب من الصبي الوحيد في المنزل، “حمودي”، ابن أخيه، أن يرافقه في الغد، لم يكن حمودي يعرف الوجهة، التحق بهما صديق عباس المقرب “سمسم”، وذهب الثلاثةإلى عيادة طبية في مدينة الثورة. كان الألم يسيطر على جسده الذي ارتفعت حرارته، بقي طريح الفراش بعد العملية قرابة شهرين، والسخونة لا تغادره، التهب الجرح بعدالعملية الجراحية، ولم يكن أحد في المنزل يعرف ما الذي جرى، كانت الرعاية التي يحصل عليها تأتي بالمصادفة داخل البيت؛ لأنه لم يخبر أحداً بأنه يتألم، يتوجع، أو أنعمليته قد فشلت، بقي الخرّاج يسيطر على موضع الجراحة، وأثناء مراجعته أحد الأطباء، فضّل الأخير إجراء بتر للقدم، الرعب الذي عاشه من ذلك الاحتمال جعله يعيدالعملية مراراً، وبعد أربع محاولات جراحية لتفادي البتر وإعادة القدم إلى سابق عهدها ذهب أخيراً لإجراء عملية خارج البلاد، وهناك، وبضغط من عائلته، دخل للمرةالأولى في فضاء اجتماعي افتراضي، فحمّل تطبيق “واتساب”، لكنه حتى هناك لن يرد عليك إذا كنت غريباً.  

فشلت العملية التي أجراها خارج العراق أيضاً، والآن صار من الصعب عليه ثني قدمه التي طالما أمتعت الجمهور، وأخافت الخصوم، قدم سحرية كادت أن تُبتر، قدم لمتنصفها الأخطاء الطبية، ولم تمس الكرة منذ العام 2018، لكنها ما تزال تنتظر حلاً ما، “حتى بفرق الرواد فقدنا عباس”. والكبار في العمر والمتقاعدون لديهم فرقشعبية تسمى فرق الرواد، وبطولات تخصهم، لكن عباس غدا خارج ذلك أيضاً، وإن تمنى، “هسه حتى ما أكدر ألعب وي الرواد”.  

الكابتن عباس نادر مع نادي الصناعات الكهربائية، المصدر: محمد عبد نادر. 

كان من الصعب عليه قبول حياته من دون كرة قدم، وعموماً، لا يفضل أي تغيير يطرأ على حياته. عارض في البدء دخول الإنترنت إلى المنزل، يصعب عليه إضافةأناس جدد إلى حياته، ولم يتقبل بسهولة الكتابة عنه، حتى لو لاحقته ستة أشهر، فهو لا يتراجع إلا تحت وطأة الخجل. حين تدخل بيته فجأة، بالتنسيق مع عائلته، لايتحدث، كعادته، بأريحية مع الغرباء، ويجلس على الجانب البعيد، في الزاوية اليسرى، وبعد ثلاثة لقاءات مطولة، ابتسم عباس أخيراً، وأطلق دعابة، لكنك تحتاج إلىكثير من الحظ كي تعثر عليه “متصل الآن” في الهاتف. هو عموماً هادئ، لا يرغب بما يغير أوقاته المحددة سلفاً، ومقابلة أشخاص جدد تحتاج بالنسبة له إلى كثير منالطاقة والصبر.   

ويرجح الرياضي المنطوي الآن كفة يايا توريه على سيرجو بوسكيتس، ويفضل فيرون على لاعبي ارتكاز الجيل التسعيني، مواصفات لاعب الوسط لديه تنتمي إلىعصر كانت فيه كرة القدم مختلفة، ويقر بذلك: “لازم لاعب النص يبني ويفلش”. انتقلت كرة القدم من مبدأ القوة في التسعينيات إلى عصر السرعة، ولكل جيل طريقته فياللعب، لكنه يرى أن تركيبةً بين القوة والسرعة ممكنة، ويصف القوة في جيله: “قبل لو يكص رجلك ماكو إنذار”.  

يفكر في كرة القدم، رغم أنه لم يعد معنياً بها كثيراً مثلما كان في السابق. لديه تصورات ورؤى ويفضل أن يحتفظ بها، رؤى بعضها قاس، خصوصاً أن تقييمه منخفضإلى أبعد حد لما يحصل في الدوري العراقي، وحتى في المنتخب، يسخر من كرة القدم الحالية في الساحات الصغيرة “حتى ما أباوع دوري، شباوع وين أكو لاعبين”. يرى أن هناك فقراً في المواهب، مستشهداً بتجربة أكرم عمانوئيل، “جان عدنا خمس منتخبات، أكرم عمانوئيل لعب منتخب لعبتين مدري ثلاثة، وين يحطونه؟ بمكانأحمد راضي لو حسين سعيد؟ وهو أكرم”.  

بهذه العقلية الصلبة، وما إن شارفت مسيرته على الانتهاء، تواصلت معه بعض الفرق العسكرية لتدريبها. بعضهم يرى أنه يملك عقلاً تكتيكياً، ولديه أيضاً رؤية ونظرةفي اللاعبين، ويجيد تطوير المواهب، لكن يبدو أنه لا يفضل العمل في الأجواء الجماعية بحسب اعترافه الضمني، “خشمي يابس، ما أتحمل المجاملات”. رفض عروضالتدريب، فيما بعد أسهم في تأسيس نادي الصناعات الكهربائية، بعد أن كان مجرد نادي شركات. التدريب في نظره يحتاج إلى تملق ونسج علاقات مع الاتحاد، لذا لميقترب من العمل التدريبي.  

تركيبة صلبة، وحياة رياضية وصلت سن التقاعد، لا يملك مهنة أو حرفة غير كرة القدم، بات عاطلاً عن العمل، ويضيع وقته عند رأس الشارع، وبعد أن انتهى أمر”مأكولات الطلبة” وصار مطعماً عصرياً باسم “مطعم ليمونة”، تحول إلى الوجود في محل الأزياء الذي فتحه عماد بختر، وبختر اسم لا تمر سيرة عباس في كرة القدممن دونه، فهو رفيق دربه و”وتكه”.  

خلال الحرب الطائفية بين 2005 و2007 توقف نشاط فريق الثورة، وتوقف “باص” قطاع 19، وركن في المدينة، فيما تصاعدت متطلبات الحياة على شاب مهووسبالأناقة، شاب لا يكرر ملابسه إلا نادراً. سأله أحد معارفه في الوسط الرياضي، سيد جعفر، عن عمله وكيف يدبر أموره، كان عباس ممتعضاً من فرص التدريب التيصارت تأتيه، إذ لم يرغب يوماً في تلك المهنة.  

طلب منه جعفر “فايل” فاستغرب الطلب، هو المتجنب الذي لا يريد العمل، ولا يرغب في الالتحاق بمؤسسات الدولة، ولم يتقن سوى كرة القدم، فيما باتت قدمه شبهمعاقة، طمأنه جعفر: “عباس، تعيين على الكهرباء، دوام مريح، وحتى متشوف أحد”. أعطى فايله، والتحق بوزارة الكهرباء منذ العام 2006، براتب يكفي لسد حاجاتهالأساسية، ووفق سلم موظفي الدولة، عباس، الذي لم يكمل دراسته، في الحد الأدنى من حيث الراتب.  

استقر في تلك الوظيفة متخفياً خلفها، وظيفة تكفي لشراء علب السجائر، ودفع تكاليف التنقل بين أصدقائه، ودفع ثمن ما يعجبه من الملابس الرياضية. تعتقد عائلته أنتبذيره في شراء الملابس خطة لتجنب جمع مبلغ من المال يكفي لزواجه، لكن هذا التأويل قد لا يبدو صائباً، فهو منذ نهاية الثمانينيات عُرف باهتمامه المفرط بشراءالملابس. عباس الآن موظف في الكهرباء، ولم يعد مهووساً بمشاهدة كرة القدم.  

انطوائي، وغامض، ومحترم، تلك هي الصفات الثلاث الأكثر تكراراً على ألسنة من يعرفونه. في المقابل، كان في الملعب مراوغاً، ومحبوباً، ومخيفاً للخصوم، ولهكاريزما خاصة، لكنه أيضاً منكفئ، قد لا تبدو عليه ملامح الندم أو المرارة وهو يتجنب المجد، وقد لا يبدو مستاء.   

أحدث صورة للكابتن عباس نادر، المصدر: محمد عبد نادر. 

بعد عمر طويل، اعترف أنه كان مدركاً، منذ أول لحظة رفض، أنه سيندم، ندم على كل تلك الأمجاد المتخيلة الضائعة، يراها الآن بعد ربع قرن ويقول: “إي متندم، جا ماأدري بيها راح أندم”. كان الجميع من حوله يكرر كلمة ندم، حتى نحتت تلك الكلمة حياته، رغم أنه كان يملك جواباً ذهبياً ويسرّه لمن حوله؛ تجنباً لإيضاح السبب الأساسلرفض اللعب، كان يقول: “بسبب عدي؛ لأن إذا خسرنه يزينه صفر”، في إشارة إلى ما يتعرض له لاعبو المنتخب العراقي من عقوبات قاسية على يد عدي صدام حسين، منها حلق رؤوس اللاعبين بالكامل. اختفى عباس لعقود خلف هذه الإجابة، حصل على ما يريد، ركل المجد كما لو أنه كرة من البلاستك رخيصة، كما كان يفعل فيطفولته، ركلها بإتقان، وبقي حكاية في مدينة الثورة.   

حين تنظر إلى حركة يديه، إلى وجهه، إلى ما يمكن لمحه في عينيه، وهو يأخذ “باكيت جكاير الماستر الأبيض”، ويشعل سيجارته بهدوء، فلا تأتي النار، فيكرر، وتبتعدالسيجارة، ثم يعيد محاولته، ويسند ظهره إلى الأريكة قرب طاولة التلفاز، من دون أن يقترب من القهوة أمامه، يبدو كل شيء يدل على أن كلمة ندم هي التي تصوغ علاقته بالحياة، حياة لم يتزوج فيها، ومضى منها 65 عاماً، حياة تجنب فيها أصدقاء كثيرين، وحيوات ضاعت خلف جلد ملون بلون مختلف، حياة تسللت منه وهو يبرر:  تحت الجلد، ومبرر كل ذلك: “بيَّ حالة نفسية، أخاف ألعب”.  

  • أُنجزت هذه المادة كمشروع تخرج ضمن برنامج الزمالة في الأكاديمية البديلة للصحافة العربية، وهو برنامج تدريبي مكثّف على مدار عام كامل يُعنى بتعزيز الإبداع وتطوير التفكير النقدي لدى الصحفيين.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب وصحافي عراقي، يكتب في النقد والشؤون الثقافية والسياسية، وصدر له في الشعر ديوان "144 م²" عن دار الرافدين في بيروت.
بمشاركة