الثمن الباهظ للسقوط في حفر أبو غريب.. 13 مليون دينار لاستعادة”الخطوة الأولى”

حفر عميقة تبتلع أمان العابرين في أبو غريب، مخلفة كسوراً وإصابات وغيابات عن مقاعد الدراسة..

نبأ التميمينبأ التميمي | 24 أيلول 2026

في ليلة من ليالي تشرين الثاني 2024، لم يكن رياض عبد الله (أبو طيبة) يعلم أن عودته من صيدلية الحي إلى ورشته في منطقة “واحد حزيران”، بقضاء أبو غريب غربي بغداد، ستنتهي بكسور تلازمه طويلاً. 

فقدَ الرجل الأربعيني توازنه عند موضع عمل لم يكتمل بعد، فسقط في “حفرة أنبوب” تُركت مفتوحة لأيام، لتنكسر ساقه وتتضرر فقراته الصدرية وكتفه. 

يصف أبو طيبة المشهد بمرارة: “الحفرة كانت ممتدة من الطول للطول، ولم يطمّوها أو يعيدوا الشارع كما كان”، مشيراً إلى أن الموقع ظل فخاً مشرعاً للأعطال والآلام. 

لم يكن سقوطه مجرد تعثر عابر، بل كان سقوطاً في “فخ” خلا من أي علامات تحذيرية أو أشرطة تمنع الاقتراب. غير أنه آثر الصمت، فلم يكن جسده المكسور يقوى على مراجعة الدوائر، ما جعله عاجزاً عن إعالة أسرته، بعدما استنزفت التحاليل الطبية وحدها قرابة أربعة ملايين دينار من مدخراته. وفي أربيل، لاح له بريق أمل في العودة إلى المشي، بعد أن عُرض عليه إجراء عمل جراحي يستغرق خمس ساعات، لكن ثمن هذا الأمل يبلغ 13 مليون دينار، وهو مبلغ يفوق قدرته بكثير. 

ويرى أبو طيبة أن حال الطريق قبل “مشروع المجاري” كان أفضل وأكثر أماناً، حيث كان التبليط القديم والمبادرات الذاتية لتصريف المياه تمنح السكان طمأنينة سلبها منهم مشروع كان يجب أن يخدمهم. 

مخاطر المشاريع تلاحق الناس. 

ولم تكن حادثة أبي طيبة منفصلة، بل هي امتداد ليوميات القلق في أبو غريب. ففي صيف 2025، كانت نبأ (28 عاماً) تمشي برفقة عمتها في حي الشهداء، فانزلقت قدم العمة في بالوعة كبيرة غاصت فيها ساقاها. 

تقول نبأ: “كنا نعرف بوجود الحفر، لكن الظلام غيّبها عنا، والحمد لله أن المنهولة لم تكن عميقة أو بداخلها أسياخ حديدية”. 

المعرفة المسبقة لم تكن كافية لتفادي الخطر، تماماً كما جرى مع شاب عشريني وثّق سقوطه، قبل أن ينسحب ذووه من التغطية الصحفية، مكتفين بقبول الاعتذار واعتبار ما جرى “قضاء وقدراً”. 

غير أن سلامة العواقب ليست مضمونة في كل مرة، ففي حادثة أخرى، اضطرت فرق الدفاع المدني إلى التدخل لإنقاذ شاب سقط في حفرة مجارٍ مفتوحة بعدما اخترق سيخ حديدي جسده، ونُقل إثر ذلك إلى المستشفى لتلقي العلاج.  

هذه الوقائع ليست شأناً محلياً في أبو غريب وحده، بل هي جزء من نزيف وطني يرافق مشاريع الصرف الصحي. فمن فجيعة طفلين في بغداد ابتلعتهما فتحة مجارٍ قريبة من موقع عمل، إلى انهيار حفريات أودى بحياة عامل في ديالى، وصولاً إلى اختناق عاملين بغازات المجاري في العاصمة، تتكرر الفواجع في سياقات متعددة، لتؤكد أن المخاطر الملازمة لفترات التنفيذ باتت تطارد السكان والعمال على حد سواء، تحت غطاء مشاريع البنى التحتية. 

اختبار الحفر والأوجاع 

تأتي هذه القصص المشرعة على الخطر في وقت يعمل فيه قضاء أبو غريب، منذ مطلع نيسان 2024، على تنفيذ مشروع الصرف الصحي وتصريف الأمطار، وهو جزء من حزمة مشاريع “القرض الصيني” الحكومية الهادفة إلى معالجة اختناقات البنى التحتية. 

المشروع الذي حُددت مدته بـ1250 يوماً يتقدم عبر مراحل متداخلة زمانياً ومكانياً، ما جعل أثره حاضراً في تفاصيل العبور واستخدام الشارع اليومي داخل القضاء. 

بعد قرابة عامين على انطلاق الأعمال، تشير المعطيات الهندسية الميدانية إلى أن نسبة الإنجاز تجاوزت منتصف الطريق، مسجلة تقدماً يقارب الخمسة بالمئة فوق النسبة المخططة للمرحلة الأولى. غير أن هذا المؤشر الرقمي، على الرغم من بريقه في التقارير الرسمية، لا يعكس طبيعة المرحلة الحرجة التي بلغها العمل، إذ تركز ما تم إنجازه في مناطق طرفية أقل زحاماً، بينما ما زالت أعمال الحفر تنهش الشوارع السكنية المكتظة، تاركة خلفها فجوات تتقاطع مع حياة الناس. 

ولا تقتصر المعضلة على إنشاء شبكات جديدة، بل تشمل رفع منظومات قديمة متهالكة داخل نسيج عمراني قائم تتقاطع فيه الأنابيب مع مداخل المنازل. 

ويضع البنك الدولي هذا التحدي ضمن سياق وطني مؤرّق، إذ تُظهر مؤشرات عام 2022 أن نحو 47.23 بالمئة من سكان العراق ما زالوا يفتقرون إلى خدمات صرف صحي مدارة بأمان. 

وفي انتظار ردم هذه الفجوة الوطنية، يبقى سكان أبو غريب يختبرون المشروع ميدانياً عبر الحفر والأوجاع، بعيداً عما توثقه الجداول الورقية. 

سكان أبو غريب يختبرون مشروع المجاري عبر الحفر والأوجاع. 

يضع مهندس مقيم في المشروع، طلب عدم كشف هويته، هذه الحالات ضمن سياق فني بحت، موضحاً أن التعامل مع البالوعات لا يتم بصورة فورية، بل يمر بسلسلة مراحل تمتد لسبعة أيام أو أكثر. تبدأ الرحلة بالحفر والحدل، ثم وضع الجلمود وطبقة “السبيس”، وصولاً إلى تنفيذ القاعدة الخرسانية ورفع الجدران وفحص الصلابة. ويؤكد أن استعجال أي مرحلة من هذه المراحل قد ينعكس سلباً على جودة التنفيذ ويسبب مشاكل في الاستقرار المستقبلي. 

أما عدم استواء الشوارع، فيرجعه الناشط المدني يعقوب العصفور إلى تداخل الحفريات مع المرور المستمر. 

وبحسب العصفور، يتم قطع الشوارع بالتنسيق مع دائرة المرور بأسلوب “القطع الجزئي”؛ لضمان انسيابية الحركة في الشرايين الحيوية. 

ويتم ردم الحفر ردماً أولياً بعد كل مرحلة لتسهيل المرور، غير أن السطح يبقى غير مستو؛ لأن المقطع يخضع لتدخلات متتابعة قبل الوصول إلى الإكساء النهائي. 

وبذلك، فإن “وعورة الطريق” لا ترتبط بالإهمال، بل بطبيعة التنفيذ المرحلي، الذي يقتضي إعادة فتح المقطع أكثر من مرة لاستكمال الخدمات كافة. وتؤكد الشركات المنفذة التزامها بإرجاع الطرق إلى وضعها السابق عند انتهاء المشروع. 

في المحصلة، لا تبدو حالات السقوط خللاً منفرداً أو نمطاً متكرراً بقدر ما تظهر كمؤشرات متناثرة لمرحلة انتقالية، يتقاطع فيها العمل الإنشائي مع الاستخدام اليومي للفضاء العام. 

ومع غياب بيانات رسمية تجمع هذه الوقائع ضمن إطار واحد لسلامة المجتمع، تبقى قراءتها معتمدة على الشهادات الفردية والتغطيات المحلية المحدودة. 

طين يقطع الأوصال 

مع تبدل المواسم، لم تعد آثار المشروع محصورة بالحركة الفردية، بل طالت الإيقاع اليومي للأحياء، ولا سيما خلال موسم الأمطار الذي سجل هطول 137.7 ملم في أبو غريب عام 2025. 

فالأرضيات غير المستقرة تتحول مع المطر إلى مساحات طينية تعيق الوصول إلى الأسواق والمدارس والمستشفيات، وهي مواقع يُفترض أن تبقى في متناول السكان. 

في مدرسة بمنطقة “واحد آذار”، تصف المعلمة هيام صابر أثر المطر على الحضور المدرسي، فمن بين 350 طالباً، لا يصل سوى 50 في الأيام الماطرة، وغالباً ما يصلون بثياب موحلة بعد تعرضهم للانزلاق، وهو واقع تراه هيام يترك أثراً نفسياً يفوق الأثر التعليمي. 

وبموازاة ذلك، تضاعفت كلفة التنقل، إذ يوضح مصطفى محمد، من منطقة “المنسية”، أن أجرة “التكتك” قفزت من 1500 إلى 3000 دينار بسبب وعورة المسارات. 

وإلى جانب طين الشتاء، تبرز معاناة من نوع آخر في الصيف، إذ يوضح مصطفى أن الغبار المتصاعد من “تلال الأتربة” المتروكة حول مواقع الحفر بات يفرض إقامة جبرية على المصابين بالربو والأمراض التنفسية، إذ يجدون أنفسهم محاصرين داخل منازلهم، عاجزين عن التنفس في بيئة تحولت شوارعها إلى مصادر دائمة للتلوث الغباري جراء الأعمال الإنشائية المستمرة. 

غبار أتربة المشروع يخنق المصابين بالأمراض التنفسية في أبو غريب. 

ولم يتوقف الأمر عند كلفة النقل والغبار، بل امتد لشلل الخدمات الأساسية، إذ حُرمت منطقة مصطفى من الكهرباء لأربعة أيام، بعد عطل محوّلة امتنعت فرق الصيانة عن الوصول إليها خشية أن “تعصى السيارة بالطين”. 

وترافق زخات المطر شكاوى من غرق الأحياء وتجمع المياه وكسر الأنابيب، وهي حالات يراها الأهالي جزءاً من “مرحلة انتقالية قاسية”. 

ويقر عمر فخري الدليمي، مدير دائرة مجاري أبو غريب، بتلقي بلاغات يومية مستمرة، مؤكداً أن الفرق تعمل بلا انقطاع، لكن اتساع القضاء يجعل الاستجابة الشاملة صعبة. 

ويشير الدليمي إلى أن الإمكانات تبقى محدودة، فالدائرة لا تمتلك سوى خمس “حوضيات” و”صاروخيتين” لسحب المياه ومعالجة الكسور، وهي معدات لا تلبي حجم الحاجة الفعلية. 

ويخلص الدليمي إلى أن نقص التمويل حال دون زيادة التخصيصات والمعدات، ما جعل الدائرة تعمل حالياً ضمن “الحدود الدنيا” المتاحة. 

ضرر “متوقع“ 

داخل غرفة إدارة المشروع، تُدار الأعمال من منظور مختلف، حيث يُنظر إليها بوصفها مساراً طويل الأمد يمتد حتى نهاية عام 2027. 

يوضح غسان الصبار، المدير التنفيذي وممثل الشركات المنفذة، أن المشروع انطلق في السابع من آذار 2024، بتعاون ثلاث شركات هي العراق الحر، وأرض الهدى، والاحتفاد للمقاولات، ليشمل 28 حياً على مرحلتين، تبدأ الأولى من منطقة الزيتون حتى جسر “أبو منيصير” ومناطق الديوان وخرنابات الشمالية، وصولاً في الثانية إلى الطريق القديم وأحياء الصديق وعرب جلوب. 

ويبيّن الصبار لجُمّار أن العمل يتضمن إنشاء منظومة متكاملة، تشمل تسع محطات لرفع مياه الصرف الصحي، وتسعاً أخرى لتصريف الأمطار، تدار عبر وحدة معالجة مركزية. 

ووفقاً له، تجاوزت نسب الإنجاز بعد 21 شهراً من العمل حاجز الـ57 بالمئة، متخطية النسبة المخططة البالغة 52 بالمئة، ما يشير إلى تقدم زمني نسبي. 

وعن معاناة السكان، يرى الصبار أن واقع الطرق غير المعبدة أصلاً في أبو غريب جعل أثر الأعمال أكثر حضوراً، مؤكداً أن الشارع يخضع لتدخلات متتابعة تبدأ بالشبكات وتنتهي بالبالوعات، وهو ما يجعل تضرر الطرق “أمراً متوقعاً”، ولا سيما في مواسم الأمطار. 

مهندسو المشروع يعدون الأضرار “أمراً متوقعاً”. 

وفيما يخص الحفريات العميقة، يوضح الصبار أن بعض محطات الرفع تتطلب الحفر لأعماق تصل في ذروتها إلى 11 متراً، وهي أعمال تُنفذ على مراحل، مع وجود كادر متخصص يتابع إجراءات السلامة بالتنسيق مع الجهات الأمنية والمرور. 

ويختم حديثه بالتأكيد على أن هذا المشروع “الثقيل” سيظهر أثره الصحي والبيئي الملموس بعد اكتماله، بوصفه عملية تراكمية لا تقاس نتائجها في منتصف الطريق. 

وبين الحفريات المفتوحة وروايات السقوط، وبين الطرق الموحلة وأرقام الإنجاز، تتشكل صورة المشروع في أبو غريب باعتباره تجربة تعاش قبل أن تقاس، فهو يحمل وعوداً بعيدة المدى، لكنه في حاضره اليومي يُختبر عبر تفاصيل متعثرة، من طريق أطول وكلفة أعلى إلى غياب طالب عن مدرسته. 

وفي ظل غياب التقارير المرحلية المفصلة تكون هذه اليوميات هي الوسيط الأساسي لفهم التماس بين العمل الهندسي وحياة الناس، وبين ما يُخطط له على الورق وما يُختبر فعلياً على الأرض.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

ناشطة وكاتبة من مواليد بغداد عام 1998، مهتمة بالتحليل النفسي والاجتماعي، وتسليط الضوء على قضايا المرأة والتربية في المجتمع.
بمشاركة