حظر تجول تصنعه المدن العراقية.. عن إبعاد ذوي الإعاقة من العلاج والعمل والتعليم

خلّفت الحروب ملايين العراقيين المصابين بإعاقات مختلفة، ثم أكملت المدن عزلهم عن الحياة... يتتبع المقال كيف تحوّلت الأرصفة والمباني ووسائل النقل إلى حواجز، وكيف تدير الدولة "الإقصاء" بدلاً من إزالته..

ياسمين محسنياسمين محسن | 8 أيلول 2026

تفرض مدن العراق على نحو أربعة ملايين شخص من الفئات ذات الإعاقة حظراً غير معلن. فالأرصفة المرتفعة والمتهالكة، والشوارع المقطوعة بالتجاوزات، ووسائل النقل والمباني العامة غير المهيأة، تجعل خروج هذه الفئة من المنزل معركة يومية. وفي شهر آب، حين تتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية وتخلو الطرق من الظلال والاستراحات، تصبح هذه المعركة أشد خطراً وكلفة. 

لا يعود إقصاء هذه الفئة هنا إلى الإعاقة نفسها، بل إلى مدن صُممت كما لو أن هذه الفئة غير موجودة. فالقوانين العراقية تكفل لهم حقوقاً في العمل والوصول إلى الخدمات والمشاركة في الحياة العامة، لكن هذه الحقوق تتوقف عند عتبة المنزل، وبعدها أمام رصيف لا يمكن اجتيازه، أو دائرة حكومية بلا منحدر، أو وسيلة نقل يتعذر استخدامها. 

وبين الحقوق التي تقرّها القوانين والمدينة التي تمنع ممارستها، تبقى الأموال المخصصة للتمكين عالقة في الإجراءات الحكومية، فلا تتحول إلى ممر آمن أو رصيف مؤهل أو فضاء عام متاح للجميع. لذلك لا تتعلق المشكلة بنقص الأموال وحده، بل بطريقة إدارتها وإنفاقها، وبنظام عمراني يواصل إنتاج العزلة بدلاً من إزالتها. 

العمارة الطاردة 

تتجلى خطورة الخلل البنيوي في التخطيط العمراني العراقي عند مقارنة واقع المدن بحجم الفئة التي تستبعدها. فالعراق يضم أعداداً كبيرة من الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة، خلّفتها عقود من الحروب والصراعات والإرهاب، إلى جانب الألغام ومخلفات القتال وتدهور الخدمات الصحية والبيئية. 

وكما أخفقت الدولة في الوقاية من أسباب الإصابة والإعاقة، أخفقت أيضاً في إحصاء الأعداد، إذ لا يزال العراق يفتقر إلى رقم وطني دقيق ومتكامل يحدد أعداد المصابين والمصابات وأنواع الإعاقة والاحتياجات. وتتفاوت التقديرات المنشورة تفاوتاً كبيراً، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 15 بالمئة من السكان يعاني شكلاً من أشكال الإعاقة، من دون وجود قاعدة بيانات وطنية تسمح بتحديد العدد الحقيقي أو توزيع الخدمات على أساسه. 

بيد أن نتائج المسح الوطني التي أعلنتها وزارة التخطيط في كانون الأول 2025، توفّر بعض المؤشرات عن أوضاع هذه الفئة. وقد شمل المسح 4,665 شخصاً من 3,815 أسرة في المحافظات الـ18، شكّل الذكور 59.4 بالمئة والإناث 40.6 بالمئة. وتصدّرت الإعاقة الحركية أنواع الإعاقة المسجلة بنسبة 51.2 بالمئة، فيما أشار 32.78 بالمئة من المشمولين والمشمولات في المسح إلى الحاجة إلى عيادات طوارئ قريبة من المسكن، و22 بالمئة إلى الحاجة إلى وسائل نقل مدرسية ومرافق تعليمية مناسبة. 

أجساد دفعت ثمن الصراع 

لا يمكن فصل هذه الأرقام عن التحولات السياسية والأمنية التي مرّ بها العراق منذ احتلاله عام 2003. فقد عرّضت سنوات العنف والنزاعات المسلحة نحو مليون ونصف مليون مدني لإصابات بدرجات مختلفة، وفق تقديرات منشورة عام 2010، وفقد بضعة آلاف منهم طرفاً واحداً أو أكثر. ثم خلّفت الحرب ضد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017 موجة أخرى من الإصابات، لم تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية؛ بسبب استمرار وجود الألغام والمتفجرات ومخلفات الحرب في المدن والمناطق المحررة شمالي البلاد وغربيها. 

وقدّرت تقارير أن هذه المخلفات كانت تضيف نحو 50 شخصاً شهرياً إلى الفئات ذات الإعاقة في تلك المناطق، وبينهم أطفال ونساء. وهذا يعني أن البيئة التي خلّفت الإصابات لم تقتصر على ساحات القتال وحدها، فالطرق والأحياء والأراضي التي لم تُطهّر بالكامل استمرت في إنتاج إعاقات جديدة بعد توقف المعارك. 

وفي تشرين الأول 2019، أضاف قمع الاحتجاجات موجة أخرى من الإعاقات. فقد أسفرت التظاهرات وما رافقها من إطلاق نار واستخدام للقنابل عن قرابة 25 ألف إصابة، منها نحو خمسة آلاف تسببت بإعاقات دائمة، شملت بتر الأطراف والإعاقات الحركية والشلل.  

ومع أن هذه الأحداث عطّلت قدرة آلاف الشباب على الحركة والعمل وممارسة الحياة السابقة، فقد بقيت الاستجابة الحكومية محصورة في الغالب بمعالجات مالية أو تقاعدية محدودة، ولم يمتد التعويض إلى تمكين المصابين والمصابات من استعادة الاستقلالية، عبر تأهيل المدن ووسائل النقل وأماكن العمل والخدمات الضرورية بعد الإصابة. 

تأهيل يصعب الوصول إليه 

تكشف محدودية خدمات التأهيل عن فجوة أخرى بين حجم الحاجة والاستجابة الحكومية. فوفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، يحتاج أكثر من 600 ألف شخص في العراق إلى خدمات إعادة التأهيل الجسدي، بينهم نحو 200 ألف بحاجة إلى أطراف صناعية أو أجهزة تقويمية. وفي مقابل هذه الحاجة، تشير الأرقام المنشورة إلى وجود 16 مركزاً للتأهيل و124 مركزاً للرعاية، ما يثير أسئلة عن قدرة المنظومة القائمة على استيعاب الأعداد، ولا سيما في المناطق التي عانت لسنوات من الحرب والنزوح والدمار. 

ولا تُقاس الأزمة بعدد المراكز وحده، بل بانتشارها الجغرافي وإمكانية الوصول إليها ونوعية الخدمات التي تقدمها. فوجود مركز للتأهيل داخل مدينة لا يعني أن شخصاً ذا إعاقة يقيم في منطقة نائية يستطيع بلوغه، في ظل ضعف وسائل النقل العام، وارتفاع كلفة التنقل، وغياب المركبات والمحطات المجهزة، فضلاً عن الطرق والمباني غير المؤهلة. 

وهكذا تصبح الرحلة إلى مركز التأهيل امتداداً للعائق الذي يُفترض بالمركز معالجته، فالشخص يحتاج إلى الخدمة كي يستعيد جزءاً من استقلاليته، لكنه يواجه مدينة غير مهيأة تمنعه من الوصول إليها، وتتداخل بذلك محدودية خدمات التأهيل مع البيئة العمرانية الطاردة، لتشكّلا حلقة أخرى في سلسلة العوائق التي تحد من حركة ومشاركة الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة في المجتمع. 

تكشف هذه الوقائع أن موقع الخدمة ووسيلة الوصول إليها جزء من الخدمة نفسها، لا تفصيل هندسي منفصل عنها.  

عمران جديد يهمّش ذوي الإعاقة  

لا تقتصر أزمة الفئات ذات الإعاقة على مدن قديمة ورثت تخطيطاً لا يراعي احتياجاتها، بل تتجدد مع الطفرة العمرانية والمشاريع التي نفذتها الحكومات المتعاقبة. فقد تجاوز عدد المشاريع المتلكئة أو التي شاب تنفيذها الفساد وسوء الإدارة ألفي مشروع، في مؤشر على خلل أوسع في التخطيط والتنفيذ والرقابة على الإنفاق العام. 

ولا يتعلق هذا الخلل بالمشاريع المتوقفة وحدها، إذ جرى تسلّم وافتتاح مبانٍ حكومية ومدارس ومرافق خدمية أُنجزت بالفعل، من دون تدقيق هندسي معلن يثبت مطابقتها لمعايير الوصول الشامل. وبذلك لا تقتصر الدولة على ترك المدن القديمة من دون تأهيل، بل تنفق الأموال على منشآت جديدة تعيد إنتاج العوائق نفسها، من مداخل ودرجات يصعب اجتيازها إلى غياب المنحدرات والمصاعد والمرافق الملائمة. 

ويظهر قصور السياسة الحكومية أيضاً في اختزال الحقوق العمرانية والاجتماعية للفئات ذات الإعاقة بتوزيع قطع من الأراضي السكنية، قد تكون بعيدة أو غير مزودة بالبنية التحتية والخدمات، بدلاً من بناء بيئة دامجة تتيح الوصول إلى النقل والعمل والتعليم والرعاية الصحية والحياة العامة. 

وينسحب الخلل نفسه على قرار تخصيص 10 بالمئة من الوحدات السكنية في المجمعات الاستثمارية الحديثة لتلك الفئات. لكن تخصيص هذه الوحدات لا يضمن، حتى عند تنفيذه، سكناً دامجاً ما لم تخضع الوحدات والمجمعات لمعايير تصميم واضحة، وترتبط بممرات ومرافق ووسائل نقل مهيأة. فالمطلوب ليس وحدة يستطيع الشخص ذو الإعاقة الإقامة داخلها فحسب، بل مكاناً يستطيع مغادرته والتحرك منه إلى أرجاء المدينة باستقلالية، وإلا تحول القرار إلى استيفاء عددي يعيد إنتاج العزل داخل المجمعات الجديدة. 

التشريع والتمكين وتعزيز النموذج الرعائي 

يكفل قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013 حقوقاً متعددة، من بينها تخصيص ما لا يقل عن خمسة بالمئة من وظائف المؤسسات الحكومية، وثلاثة بالمئة من وظائف القطاع الخاص للأشخاص ذوي وذوات الإعاقة. لكن هذه الحصص بقيت إلى حد كبير معطلة، ولم تحقق أي من الوزارات النسبة القانونية، فيما تغيب الإحصاءات الحكومية الدقيقة التي تبين معدلات تشغيل ذوي وذوات الإعاقة، ومدى التزام المؤسسات العامة والخاصة بتوظيفهم. 

ولم تُفعّل الدولة أيضاً أدوات المحاسبة التي أقرها القانون، ومن بينها فرض غرامة قدرها 500 ألف دينار على صاحب العمل الذي يمتنع عن تطبيق حصة التوظيف. وبذلك بقي مئات الآلاف من ذوي وذوات الإعاقة خارج سوق العمل، رغم أن القانون لا يقدم التشغيل بوصفه منحة أو مساعدة اجتماعية، بل حقاً ملزماً لمؤسسات الدولة وأصحاب العمل. 

وحتى في الحالات المحدودة التي يحصل فيها الشخص ذو الإعاقة على وظيفة، يصطدم ببيئة عمل غير مؤهلة عمرانياً ولوجستياً. فقد يكون المبنى بلا منحدر أو مصعد ملائم، أو يتعذر الوصول إليه بوسائل النقل العامة، أو تخلو مرافقه وتجهيزاته من متطلبات الاستخدام الميسر. ولا تنتهي المشكلة إذاً عند الحصول على الوظيفة، بل تمتد إلى القدرة على الحضور والاستمرار والتطور المهني. 

ويحول هذا العزل غير المعلن دون تحقيق الاستقلال المالي، ويعيد الفئات ذات الإعاقة إلى دائرة الاعتماد على المعونات الاجتماعية المحدودة أو المساعدات الأسرية، بدلاً من دمجها في سوق العمل والدورة الاقتصادية للبلاد. فالقانون يخصص الوظائف، لكن المدينة قد تمنع من الوصول إليها، وبيئة العمل قد تجعل الاحتفاظ بها عبئاً يومياً يصعب تحمله. 

وفي هذا الواقع، لا تعود الإعاقة وحدها سبباً في تقييد المشاركة، بل تصبح العوائق التي تنتجها المدينة والإدارة والمؤسسات جزءاً منها. 

تُنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفية ومدققة حقائق متخصصة في الشأن السياسي وقضايا المرأة، عملت مع عدة وكالات وصحف محلية