ألغت وزارة الخارجية الأميركية تأشيرة وزيرة المالية العراقية السابقة طيف سامي محمد الشكرجي، بعد إدراج اسمها على قائمة مراقبة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، في تحول لافت بموقف واشنطن من مسؤولة سبق أن كرّمتها عام 2022 بجائزة “المرأة الدولية للشجاعة”، وقدّمتها بوصفها إحدى أبرز الشخصيات العراقية في مواجهة الفساد المالي.
وأكد مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون العامة، ديلان جونسون، إلغاء تأشيرة سامي، وقال إنها لم تعد موجودة في الولايات المتحدة. لكن الخارجية الأميركية لم تكشف موعد إدراج اسمها على القائمة، ولا المعلومات الاستخبارية أو الأسباب المحددة التي بُني عليها القرار.
ويمثل الإدراج إجراءً أمنياً أميركياً لا حكماً قضائياً، كما أن واشنطن لم تعلن حتى الآن توجيه تهمة جنائية إلى سامي أو وجود إدانة قضائية بحقها. ومع ذلك، فتح القرار الباب أمام أسئلة تتعلق بعلاقتها بالنظام المالي الذي تتهمه أطراف أميركية منذ سنوات بتوفير منافذ لتمويل إيران والفصائل المسلحة المرتبطة بها في العراق.
وجاء التأكيد الأميركي بعد ساعات من نفي سامي ما تداوله الإعلام عن مغادرتها العراق أو إدراج اسمها على قائمة مراقبة الإرهاب. وقالت إنها موجودة داخل البلاد، ولم تُمنع من دخول الولايات المتحدة أثناء توليها وزارة المالية، ولم تتلقَّ استدعاءً قضائياً أو إخطاراً رسمياً بشأن اتهامات من هذا النوع.
لكن النفي لم يحسم الجدل، إذ لم توضح سامي ما إذا كانت قد تبلغت بإلغاء تأشيرتها بعد مغادرتها المنصب، فيما قالت الخارجية الأميركية إن قرار الإلغاء اتُّخذ بالفعل.
اتهامات بتمويل الفصائل
لم يظهر اسم طيف سامي في الجدل الأميركي بصورة مفاجئة. فقد سبق أن اتهمها عضوان جمهوريان في مجلس النواب الأميركي، هما جو ويلسون وغريغ ستيوبي، بأنها كانت “عاملاً رئيسياً في تمكين تمويل الإرهاب في العراق”، وطالبا إدارة الرئيس دونالد ترامب باتخاذ إجراءات وعقوبات بحقها.
وربط النائبان اتهاماتهما بطريقة عمل النظام المالي العراقي، وما قالا إنه استخدام مصارف وشخصيات عراقية في تحويل الدولار إلى إيران ووكلائها. غير أن الاتهامات المنشورة لم تقدم دليلاً علنياً يثبت وجود علاقة شخصية مباشرة بين سامي وقيادات الفصائل، كما لم تعلن الخارجية الأميركية ما إذا كان إدراجها على قائمة المراقبة قد استند إلى هذه الاتهامات تحديداً أم إلى معلومات أخرى غير معلنة.
وفي بغداد، يتصاعد حديث سياسي وإعلامي عن امتلاك سامي علاقات متشعبة مع قوى وفصائل نافذة مكّنتها من الاستمرار داخل أكثر مؤسسات الدولة حساسية. إلا أن هذا الحديث ما يزال بحاجة إلى وثائق وشهادات محددة تكشف طبيعة هذه العلاقات: هل كانت علاقات سياسية مباشرة، أم اتصالات فرضتها وظيفتها وإدارتها لملفات الموازنة والتمويل الحكومي، ومن ضمنها تخصيصات هيئة الحشد الشعبي؟
هذا التمييز أساسي، لأن إدارة الوزيرة لموازنات المؤسسات المرتبطة بالفصائل أو موافقتها على تخصيصاتها الرسمية لا تثبت، بمفردها، وجود علاقة خاصة أو اشتراك في تمويل غير مشروع. أما إثبات ذلك فيتطلب تتبع القرارات والتحويلات المالية والجهات المستفيدة منها، وربطها بأوامر أو تدخلات صادرة عنها.
من هي طيف سامي؟
طيف سامي محمد الشكرجي، امرأة عراقية من مواليد بغداد عام 1963. حصلت على بكالوريوس في الاقتصاد من كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد عام 1985، ثم نالت عام 1990 دبلوماً في التخطيط والتنمية من المعهد العربي للتخطيط في الكويت.
وفي التعريف المنشور على موقعها، كتبت الخارجية الأمريكية عن طيف سامي أنها “بدأت مسيرتها المهنية كمحللة موازنة عام 1985، وتدرجت في المناصب حتى وصلت إلى منصب نائب المدير العام لدائرة الموازنة عام 2005، ثم أصبحت المدير العام للدائرة”.
وظلت في موقعها حتى عام 2019، قبل أن تشغل منصب وكيلة وزارة المالية بين عامي 2019 و2022.
وفي 27 تشرين الأول 2022، أصبحت وزيرة للمالية في حكومة محمد شياع السوداني. وانتهت مهمتها الوزارية بعد تصويت مجلس النواب على فالح الساري وزيراً للمالية، لتغادر المنصب بعد أكثر من ثلاثة أعوام، لكنها كانت قد أمضت قبل ذلك أكثر من عقد في إدارة دائرة الموازنة، ما جعل تأثيرها في المالية العامة أقدم وأوسع من مدة توليها الوزارة.
وخلال صعودها الوظيفي، شغلت أو مثّلت العراق في عدد كبير من اللجان والمجالس والمؤسسات المالية، من بينها المجلس الوزاري للاقتصاد، والمجلس الوزاري للطاقة، ومجلس الأمن الوطني، والمجلس الأعلى لصندوق العراق للتنمية، فضلاً عن مواقع تمثيلية في البنك الدولي وصندوق أوبك للتنمية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية ومؤسسات مالية عربية ودولية أخرى.

واتسع حضور طيف سامي إلى ما وراء دائرة الموازنة ووزارة المالية، إذ شاركت، بحكم موقعها الوزاري، في المجلس الوزاري للاقتصاد والمجلس الوزاري للطاقة ومجلس الأمن الوطني، إلى جانب مجالس عليا معنية بصندوق العراق للتنمية والإعمار والاستثمار والإسكان وطريق التنمية وتنسيق المحافظات.
ومثّلت العراق بصفة “محافظ” في عدد من المؤسسات المالية الدولية والعربية، بينها البنك الدولي، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وصندوق أوبك للتنمية الدولية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، والهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات.
وسبق لسامي أن مثّلت العراق في مجلس إدارة شركة الخليج لدرفلة الألمنيوم “جارمكو”، كما أوردت سيرتها الرسمية توليها عضويات ومواقع أخرى في شركات وصناديق ولجان حكومية.
هذا التوسع في المواقع منحها نفوذاً استثنائياً في رسم الموازنة وإدارة الإنفاق الحكومي وعلاقات العراق مع المؤسسات المالية الدولية، وأكسبها لقباً شعبياً متداولاً هو “أم القاصة”، في إشارة إلى سيطرتها الطويلة على مفاتيح الخزينة العراقية.
صعود بلا حزب معلن
في نظام سياسي يقوم على المحاصصة وتقاسم المناصب بين الأحزاب، بدت سامي حالة مختلفة. فلم يُعرف عنها انتماء حزبي معلن، ومع ذلك استطاعت البقاء في صدارة وزارة المالية خلال حكومات متعاقبة واتجاهات سياسية متعارضة.
هذا البقاء الطويل صنع حولها روايتين متناقضتين. تقول الأولى إن خبرتها الفنية ومعرفتها بتفاصيل الموازنة جعلتا الاستغناء عنها صعباً، وإنها بنت نفوذها من داخل المؤسسة الحكومية، لا عبر حزب سياسي. أما الثانية فتعتقد أن الاستمرار في موقع بهذه الحساسية لا يمكن أن يتحقق بالكفاءة وحدها، وأن وراءها شبكة حماية داخلية وخارجية لم تكن ظاهرة للرأي العام.

وازداد الاعتقاد بوجود حماية أميركية لها في آذار 2022، عندما اختارتها وزارة الخارجية الأميركية واحدة من 12 امرأة لنيل جائزة “المرأة الدولية للشجاعة”. وقدّمتها الوزارة آنذاك بوصفها “قائدة في الخطوط الأمامية لمواجهة الممارسات الفاسدة”، وقالت إن لها دوراً مهماً في منع فساد الموازنة وردعه.
وأشاد وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن بدورها في وقف الرشاوى وكشف محاولات تضخيم قوائم الرواتب وإثراء مسؤولين فاسدين. ومن هنا ترسخت صورة “المرأة الحديدية” التي تواجه القوى النافذة وتحمي المال العام.
لكن الرواية الأميركية تغيرت جذرياً بعد أربعة أعوام. فالمسؤولة التي كُرّمت لشجاعتها في “مواجهة الفساد” أصبحت، في خطاب إدارة ترامب، شخصاً مدرجاً على قائمة مراقبة الإرهاب وممنوعاً من دخول الولايات المتحدة.
اتهامات مالية داخل العراق
بالتزامن مع القرار الأميركي، طالب وكيل وزارة المالية الأسبق مسعود حيدر بمحاكمة سامي أمام القضاء العراقي، ووصفها بأنها “أفشل وزير في الإدارة المالية في تاريخ الدولة العراقية”.
واتهم حيدر سامي بالتسبب في زيادة ديون العراق إلى أكثر من 200 تريليون دينار، وبهدر ما يزيد على 140 مليار دولار خلال مدة إدارتها للوزارة. وهذه الأرقام تمثل اتهامات صادرة عنه، ولم تُعرض معها وثائق تفصيلية تثبت مسؤوليتها الشخصية عنها، كما لم يصدر حكم قضائي يؤيدها.
ويثير تحميل سامي وحدها مسؤولية الديون والإنفاق إشكالية أخرى، لأن الموازنة العراقية لا تضعها وزارة المالية بصورة منفردة، بل تقرها الحكومة ويصوت عليها مجلس النواب، فيما تتوزع مسؤولية الصرف والاقتراض بين مؤسسات ووزارات وجهات متعددة. لكن موقع سامي الطويل في دائرة الموازنة ثم على رأس الوزارة يجعل قراراتها ودورها في إدارة هذه الأموال موضوعاً مشروعاً للمساءلة والتدقيق.
وبذلك، لم تعد قصة طيف سامي مجرد سيرة موظفة تكنوقراطية صعدت من درجة وظيفية متواضعة إلى إدارة خزينة البلاد. فقد تحولت إلى قصة عن النظام المالي العراقي نفسه: عن حدود استقلال الموظف الكبير، وعن شبكات النفوذ الحزبية والمسلحة، وعن علاقة المال العام بالسياسة، وعن الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها شخصية واحدة في الرواية الأميركية من “امرأة شجاعة” تواجه الفساد إلى اسم على قائمة مراقبة الإرهاب.
لكن الحلقة الأهم في هذه القصة ما تزال مفقودة: ما المعلومات التي دفعت واشنطن إلى هذا التحول؟ وهل يرتبط القرار بتحويلات مالية وصلت إلى فصائل مسلحة، أم بتحقيقات الفساد الجارية في العراق، أم بملفات أمنية لم يُكشف عنها بعد؟
وحتى إعلان هذه المعلومات أو ظهور أدلة قضائية، تبقى أمام الرأي العام روايتان متعارضتان: رواية عن امرأة إدارت موازنة البلاد، ورواية مسؤولة مكنت منظومة مالية استفادت منها قوى مسلحة.