يثير النقاش المتزايد حول الأزمة التي شهدتها الكنيسة الكلدانية في أبرشية مار بطرس الرسول للكلدان الآشوريين في غرب الولايات المتحدة عام 2025، بعد نشر شكاوى تتعلق بالمطران السابق عمانؤيل شليطا، شملت اتهامات بارتياد بيوت دعارة في المكسيك، إلى جانب شبهات فساد مالي وإداري رفعتها الرعية إلى السلطات الدينية في الفاتيكان والسلطات المدنية الأمريكية، وانتهت باعتقاله واستقالة البطريرك لويس ساكو، أسئلة أوسع تتعلق بموقع الكنيسة داخل المجتمع المسيحي في العراق والشتات.
غير أن فهم هذا الموقع يتطلب الاعتراف أولاً بالدور الاجتماعي العميق والمتجذر الذي أدّته الكنيسة تاريخياً. فهي لم تكن مجرد مؤسسة روحية تؤدي الطقوس الدينية، بل شكّلت أيضاً إطاراً اجتماعياً حافظ على تماسك الجماعة في ظروف اتسمت غالباً بالهشاشة وعدم الاستقرار.
وخلال مراحل طويلة من تاريخ العراق الحديث، خصوصاً في سنوات الحروب والعقوبات الاقتصادية خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم بعد انهيار الدولة عام 2003، كان للكنائس دور محوري في توفير شبكات دعم اجتماعي للمجتمع المسيحي. فقد نظّمت مؤسسات كنسية في العراق وبلدان الشتات، مثل الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، برامج إغاثة ومساعدات إنسانية عبر لجان ومؤسسات مرتبطة بالإيبارشيات الكلدانية ومنظمات مثل “عنكاوا الإنسانية”. كما أسهمت في دعم العائلات الفقيرة ورعاية كبار السن وتنظيم أنشطة تعليمية وثقافية للشباب.
وفي أوقات الأزمات الكبرى، خصوصاً بعد موجات النزوح التي أعقبت اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة عام 2014، تحول العديد من الكنائس والأديرة إلى مراكز استقبال وإغاثة للنازحين، ما عزّز مكانتها بوصفها ملاذاً اجتماعياً في لحظات الانهيار.
إلى جانب ذلك، ساهمت الكنيسة في الحفاظ على الروابط الثقافية واللغوية داخل المجتمع. فالمدارس الكنسية والأنشطة الدينية والاجتماعية لم تكن مجرد تعبير عن التدين، بل ساعدت أيضاً في الحفاظ على قدر من الاستمرارية الثقافية والهوية الجماعية، في بيئة سياسية وثقافية مارست، في مراحل مختلفة، ضغوطاً باتجاه التهميش أو الإدماج القسري.
هذا الرصيد الاجتماعي منح الكنيسة مكانة خاصة داخل المجتمع المسيحي، وجعلها مرجعاً طبيعياً يلجأ إليه كثير من الناس في أوقات الأزمات. غير أن هذه المكانة نفسها منحتها أيضاً نفوذاً واسعاً داخل المجال العام، ما فتح الباب تدريجياً أمام انتقالها من موقع الرعاية الاجتماعية والروحية إلى موقع أكثر قرباً من التأثير السياسي.
لكن هذا الدور الاجتماعي الواسع لم يكن دائماً محصناً من الإشكالات. ففي بعض الحالات، أدى اعتماد المجتمع المتزايد على المؤسسة الكنسية إلى تركز القرار داخل فضاء ديني واحد، ما قلص المساحة المتاحة لظهور مؤسسات مدنية مستقلة أو قيادات اجتماعية خارج الإطار الكنسي. ومع الوقت، أصبح جزء من النشاط الاجتماعي مرتبطاً بالبنية الكنسية نفسها، بدلاً من أن يتطور ضمن مؤسسات مجتمع مدني مستقلة قادرة على العمل في المجال العام بعيداً عن المرجعية الدينية.

كما أثارت طبيعة العلاقة بين الكنيسة وبعض القوى السياسية، سواء في بغداد أو إقليم كردستان، تساؤلات لدى ناشطين ومراقبين حول مدى انعكاس هذه العلاقات على أولويات العمل الاجتماعي نفسه. فحين تتداخل شبكات الدعم الاجتماعي مع التحالفات السياسية يصبح من الصعب أحياناً الفصل بين العمل الرعوي والخطاب السياسي، وهو ما قد يضعف ثقة بعض فئات المجتمع التي تبحث عن تمثيل مدني أكثر استقلالية.
وفي بعض الحالات ارتبطت برامج الدعم أو إعادة الإعمار بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع قوى سياسية نافذة، فيما حاولت أحزاب مسيحية مرتبطة بفصائل مسلحة توظيف المؤسسات الدينية لتعزيز نفوذها داخل سهل نينوى، خصوصاً في ملفات إعادة الإعمار وعودة السكان بعد النزوح.
ويشير بعض المنتقدين إلى أن تركيز الخطاب الكنسي في كثير من الأحيان على الهوية الدينية الجامعة، رغم أهميته في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، ساهم بصورة غير مباشرة في تراجع النقاش حول الأبعاد القومية والثقافية للمجتمع الآشوري. وتبرز هذه الإشكالية في التحول التدريجي من تعريف الجماعة بوصفها جماعة قومية ذات تاريخ ولغة وهوية خاصة، إلى توصيفها باعتبارها جماعة دينية ضمن إطار “المسيحيين” بصورة عامة.
فالهوية الآشورية لا ترتبط بالدين وحده، بل تشمل اللغة السريانية (السورث)، والتاريخ المرتبط بحضارات بلاد النهرين، والعادات والثقافة والانتماء الجغرافي، إضافة إلى الوعي السياسي بوصف الآشوريين جماعة قومية لها حقوق ثقافية وسياسية. في المقابل، يميل الخطاب الكنسي، سواء في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أو كنيسة المشرق أو الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، إلى التركيز على الهوية المسيحية الجامعة أكثر من التركيز على البعد القومي.
ويرى منتقدون أن هذا التوجه قد يؤدي مع الوقت إلى تهميش النقاش القومي، عبر إعادة تعريف المجتمع باعتباره طائفة دينية أكثر من كونه جماعة قومية ذات سردية تاريخية خاصة. كما أن تعدد التسميات الكنسية والطائفية ينعكس بدوره على تشتت الهوية السياسية والقومية، ويخلق توتراً دائماً بين أولوية الانتماء الديني من جهة، والسعي للحفاظ على الهوية القومية والحقوق المرتبطة بها من جهة أخرى.
من الرعاية الروحية إلى التمثيل السياسي
عندما انهارت الدولة العراقية بعد عام 2003، وتفككت مؤسساتها الأمنية والاجتماعية، وجد المجتمع الآشوري/المسيحي نفسه أمام معضلة وجودية مزدوجة: كيف يحمي وجوده؟ وكيف يضمن تمثيله السياسي داخل نظام جديد يتشكل وسط العنف والفوضى والمحاصصة الطائفية؟
في تلك المرحلة بدا دور الكنيسة، وعلى رأسها الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، امتداداً لوظيفتها التقليدية بوصفها مؤسسة للحماية الروحية والدعم الاجتماعي والسقف الأخلاقي للجماعة. غير أن هذا الدور أخذ تدريجياً أبعاداً أوسع، خصوصاً في عهد البطريرك عمانؤيل الثالث دلّي، الذي تولى البطريركية عام 2003، ثم خلفه لويس روفائيل ساكو عام 2012.
ومع تصاعد الهجرة، واتساع موجات النزوح، وتراجع حضور القوى المدنية والقومية، تحولت الكنيسة إلى واحدة من أكثر المؤسسات تنظيماً وتأثيراً داخل المجتمع المسيحي. خطاب “المواطنة” الذي تبنّاه البطريرك ساكو، وحضوره المستمر في المحافل الدولية، وتصريحاته المتكررة بشأن قضايا الدولة والهوية والتمثيل، لم تعد تقتصر على الدفاع عن حقوق المسيحيين، بل بدأت تقترب أكثر من محاولة إعادة صياغة السياسة المسيحية نفسها داخل العراق.
ففي أكثر من مناسبة أعلنت البطريركية مواقف سياسية مباشرة، وانتقدت قوى وأحزاباً مسيحية بعينها، ودعمت مسارات وتحالفات محددة، ما دفع عدداً من المراقبين إلى النظر إليها بوصفها فاعلاً سياسياً يتجاوز الدور الروحي التقليدي.
التحول الأكثر وضوحاً جاء مع تأسيس “الرابطة الكلدانية العالمية” عام 2015، التي قُدّمت بوصفها إطاراً مدنياً واجتماعياً للكلدان، قبل أن يُنقل مقرها لاحقاً إلى عنكاوا في أربيل. ورغم تقديمها كمؤسسة مدنية، فإن ارتباطها بالبطريركية الكلدانية ظل واضحاً على مستوى الخطاب والقيادة والأهداف، خصوصاً أن غالبية أعضائها ينتمون إلى رعية الكنيسة الكلدانية نفسها.
وبالنسبة للمنتقدين، مثّلت الرابطة محاولة لبناء ذراع اجتماعية وسياسية مرتبطة بالمؤسسة الكنسية، تتحدث باسم “الكلدان” ضمن رؤية تقودها المرجعية الدينية، أكثر من كونها فضاءً قائماً على التعدد السياسي أو التمثيل الديمقراطي المستقل. وبهذا المعنى لم تعد الكنيسة مجرد داعم للتمثيل، بل أصبحت طرفاً مؤثراً في تشكيله وتحديد حدوده.
وفي تصريحات سابقة، تناول الكاردينال لويس ساكو أوضاع المسيحيين في العراق بوصفهم “كبش فداء” في صراعات الهوية والسلطة، محذراً من التغيير الديموغرافي في المناطق المسيحية، ومقدّماً في الوقت نفسه تصوراً لعراق مدني يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية. غير أن هذا الخطاب رغم طابعه الدفاعي حمل بعداً سياسياً واضحاً؛ لأنه تجاوز الإطار الروحي نحو التدخل المباشر في قضايا التمثيل والهوية والتحالفات داخل المجتمع المسيحي.
وتزامن هذا التحول مع تصاعد خطاب يدعو إلى توحيد المسيحيين تحت مظلة دينية جامعة، في مقابل تراجع دور الحركات القومية والمدنية التي ظهرت في مراحل سابقة، مثل الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)، أو الأحزاب التي تأسست بعد عام 2003، والتي حاولت تقديم تمثيل سياسي مستقل خارج الإطار الكنسي.
كيف بدأ إرث الدولة القومية وعهد البعث؟
لا يمكن فهم هذا التحول في دور الكنيسة خارج السياق البنيوي للدولة العراقية نفسها. فمنذ تأسيس الدولة الحديثة، وخصوصاً بعد مجازر سميل عام 1933، التي قاد خلالها الجيش العراقي حملة دامية ضد الآشوريين المطالبين بحقوق قومية، دخلت العلاقة بين الدولة والمجتمع الآشوري/المسيحي في مسار قائم على الاحتواء والتهميش أكثر من الاعتراف السياسي الحقيقي.
ومع ترسّخ الدولة القومية الأحادية، خصوصاً خلال حكم البعث، خضعت الجماعات غير العربية، ومنها الآشوريون، لسياسات هدفت إلى تقليص حضورها القومي وإعادة دمجها داخل هوية وطنية مركزية يغلب عليها الطابع العربي. وفي هذا السياق، جرى التعامل مع المسيحيين بوصفهم جماعة دينية أكثر من كونهم جماعة قومية تمتلك لغة وتاريخاً وهوية سياسية خاصة.
خلال تلك المرحلة اختارت الكنيسة، في كثير من الأحيان، التكيّف مع السلطة بوصفه وسيلة للحفاظ على الوجود وتجنب الصدام المباشر مع الدولة. وقد عزّز هذا التكيّف من مكانتها الاجتماعية داخل المجتمع المسيحي، لكنه ترافق أيضاً مع تراجع التمثيل السياسي والقومي المستقل. هذا الإرث عاد بقوة بعد عام 2003، حين انهارت مؤسسات الدولة، وبرزت الكنيسة مجدداً باعتبارها المؤسسة الأكثر تماسكاً وقدرة على إدارة شؤون الجماعة وسط الفوضى والانهيار الأمني.
وفي عهد البعث برزت شخصيات مسيحية داخل النظام، مثل طارق عزيز، الذي أصبح واحداً من أبرز وجوه السلطة وأكثرها قرباً من صدام حسين. وفي ظل سياسات التعريب التي اتبعها النظام، جرى الدفع تدريجياً باتجاه توصيف المسيحيين ضمن إطار ديني عام، بوصفهم “مسيحيين عرباً”، على حساب الهويات القومية الآشورية والسريانية.
كما انعكس ذلك على اللغة والمصطلحات المتداولة داخل المجتمع نفسه. فبعض المفردات المرتبطة تاريخياً بالهوية واللغة الآشورية/السريانية، مثل “سورايا” و”سورث”، جرى التعامل معها وتقديمها أحياناً بوصفها توصيفات دينية أو “لغة مسيحية”، بدلاً من الاعتراف بها باعتبارها جزءاً من هوية قومية وثقافية أوسع. ويرى منتقدون أن هذا التحول لم يكن لغوياً فقط، بل جزءاً من مسار سياسي وثقافي ساهم في إضعاف الوعي القومي لدى قطاعات من المجتمع، خصوصاً في المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة والموصل، حيث تراجعت اللغة السريانية تدريجياً بين الأجيال الجديدة.

وفي قلب هذا المسار برزت مسألة التسمية كأداة سياسية مرتبطة بالسلطة والتمثيل. فاعتماد توصيف “المسيحيين” باعتباره هوية جامعة، بدلاً من الاعتراف بالتعدد القومي داخل المجتمع، أعاد الجماعة إلى موقع الطائفة الدينية أكثر من كونها جماعة قومية ذات حقوق سياسية وثقافية. وكما يشير باحثون في شؤون الأقليات العراقية، من بينهم سعد سلوم1، فإن اختزال الجماعات داخل توصيفات طائفية يجعلها أكثر هشاشة، وأسهل احتواءً ضمن منطق الحماية السياسية، بدلاً من إدماجها ضمن مفهوم المواطنة المتساوية.
وبعد تأسيس إقليم كردستان وبرلمانه عام 1991، ثم بعد سقوط نظام البعث عام 2003، دخلت الكنيسة في علاقات أكثر تعقيداً مع القوى السياسية الكردية النافذة، بوصفها محاولة لبناء شبكة أمان في ظل ضعف الدولة المركزية وتصاعد العنف. غير أن هذه العلاقات أثارت في المقابل انتقادات داخل أوساط مسيحية وآشورية، رأت فيها نوعاً من إعادة توجيه التمثيل السياسي وربطه بالمصالح والتحالفات الإقليمية على حساب استقلالية القرار المجتمعي.
ومع الوقت تعمّق الانقسام داخل المجتمع المسيحي نفسه بين مرجعيات دينية وسياسية وقومية متنافسة، في وقت تراجعت فيه قدرة القوى المدنية والقومية على بناء تمثيل موحد ومستقل، خصوصاً في ملفات أساسية مثل إدارة سهل نينوى، واستعادة الأراضي، وضمان العودة الآمنة للنازحين.
وبهذا المعنى لم يعد ما يجري مجرد تداخل بين الدين والسياسة، بل صراعاً على احتكار المجال العام داخل جماعة هشّة تعيش بين الخوف من التلاشي، والحاجة إلى الحماية، والرغبة في الحفاظ على هوية تتجاوز التعريف الديني وحده.
ومن دون إعادة ترسيم واضحة للحدود بين الدور الروحي والقرار السياسي سيبقى المجتمع المسيحي عالقاً في معادلة معقدة: حماية بلا مواطنة، وتمثيل بلا مساءلة، في دولة لم تحسم بعد علاقتها بالتعدد والهويات غير المهيمنة داخلها.
التحالفات بعد 2003.. خطاب التعايش وملف التجاوزات
ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً ليس مجرد دخول الكنيسة إلى المجال السياسي، بل طبيعة التحالفات التي تشكّلت بعد عام 2003، خصوصاً داخل إقليم كردستان، حيث نشأت علاقات وثيقة بين قوى مسيحية وأحزاب كردية نافذة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي).
ومع تراجع نفوذ الدولة المركزية، وتحول الإقليم إلى مساحة أكثر استقراراً مقارنة ببقية مناطق العراق، أصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني مركز جذب للعديد من القوى والأحزاب المسيحية، سواء عبر التحالفات السياسية أو من خلال شبكات الدعم والحماية والتمثيل. وفي هذا السياق، برز ما عُرف بـ”التحالف المسيحي” بقيادة آنو عبدوكا، بوصفه إطاراً سياسياً يهدف إلى تمثيل المسيحيين في إقليم كردستان والعراق عموماً.
وضمّ هذا التحالف أحزاباً وكيانات متعددة، من بينها الحزب الديمقراطي الكلداني، وجرى تقديمه باعتباره محاولة لبناء تمثيل سياسي موحد للمسيحيين. غير أن قربه الواضح من الحزب الديمقراطي الكردستاني أثار تساؤلات داخل الأوساط المسيحية بشأن مدى استقلالية هذا التمثيل، وما إذا كان يعكس فعلاً مصالح المجتمع المسيحي، أم أنه بات جزءاً من شبكة تحالفات سياسية أوسع داخل الإقليم.
ولم تقتصر آثار هذه التحالفات على المستوى السياسي، بل انعكست أيضاً على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مناطق ذات أغلبية مسيحية، مثل عنكاوا وأجزاء من أربيل. فقد شهدت هذه المناطق خلال السنوات الماضية تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، رافقها توسع الأنشطة التجارية والترفيهية، وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، وتغيّر أنماط الحياة المحلية تغيراً أثار نقاشاً واسعاً داخل المجتمع نفسه.

ويرى بعض المراقبين أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة دفعت عدداً من العائلات المسيحية إلى بيع ممتلكاتها تدريجياً، وسط شعور متنامٍ بضعف الحماية القانونية والاقتصادية للأراضي والعقارات. ورغم غياب دراسات إحصائية شاملة توثق هذه التحولات توثيقاً دقيقاً، فإن النقاش حول مستقبل الوجود المسيحي في مناطق مثل عنكاوا لم يعد يقتصر على البعد الأمني أو الديني، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بأسئلة الاقتصاد والملكية والتغير الاجتماعي.
هذا التناقض بين خطاب التعايش والحماية الذي تتبناه الكنيسة وبعض القوى السياسية المسيحية، وبين استمرار المشكلات المرتبطة بالأراضي والتمثيل والضغوط الاقتصادية، خلق شعوراً لدى قطاعات من المسيحيين بأن الحماية المعلنة لم تُترجَم دائماً إلى ضمانات فعلية على الأرض.
وفي مناطق مثل وادي نهلة الذي يضم أكثر من عشر قرى آشورية، مثل كشكاوا وخليجاني وبلمت وغيرها، وهي مناطق زراعية مهمة كانت جزءاً من الموطن التاريخي والحضاري للآشوريين، وجزءاً من خط الدفاع الأول والامتداد الشمالي لأهم عواصمهم مثل نينوى وآشور، تحولت النزاعات على الأراضي إلى محور احتجاجات متكررة، بعد اتهامات بوجود تجاوزات على أراضٍ يملكها مسيحيون عبر سندات قانونية. كما أثارت هذه الملفات انتقادات منظمات حقوقية وناشطين رأوا أن قضايا الأرض والملكية لا تحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها التحالفات السياسية الكبرى.
ويعكس ذلك مفارقة واضحة داخل المشهد المسيحي بعد 2003، ففي الوقت الذي توسَّع فيه حضور الكنيسة والقوى المرتبطة بها داخل السياسة والتحالفات الإقليمية، بقيت قضايا أساسية، مثل حماية الأراضي والتمثيل المحلي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عالقة من دون حلول جذرية، ما عمّق شعور قطاعات من المسيحيين بأن تمثيلهم السياسي لا يزال يدور داخل شبكات التحالف أكثر من ارتباطه بحاجات المجتمع نفسه.
الهوية والسياسة بين الماضي والمستقبل
تتقاطع كل هذه التحولات عند نقطة مركزية واحدة تتلخص في إعادة تعريف الآشوريين داخل العراق من خلال مفهوم “الهوية المسيحية”، بوصفه الإطار الأكثر حضوراً في التمثيل والخطاب العام. فالتسمية هنا لا تبدو مجرد توصيف لغوي أو ديني، بل تتحول إلى أداة سياسية ترتبط بمن يمتلك حق التحدث باسم الجماعة، ومن يحدد أولوياتها، وكيف يعاد تعريف وجودها داخل الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق فإن تصاعد دور الكنيسة بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً في تمثيل المسيحيين، إلى جانب التحالفات السياسية التي تشكلت بعد 2003، خصوصاً داخل إقليم كردستان، ساهم في إضعاف قدرة التنظيمات المدنية والقومية الآشورية على إنتاج بدائل سياسية مستقلة، أو بناء خطاب تمثيلي خارج المظلة الدينية والتحالفات التقليدية.
ورغم أن هذه التحالفات تُقدَّم غالباً بوصفها جزءاً من محاولة توفير الحماية وضمان الحضور السياسي داخل نظام شديد الهشاشة، فإنها وضعت المجتمع المسيحي، في المقابل، داخل حالة متزايدة من الاعتماد على قوى سياسية وإقليمية أكبر منه، ما أثار مخاوف مرتبطة بقدرة هذا المجتمع على التفاوض بصورة مستقلة، سواء في بغداد أو في المناطق التاريخية ذات الغالبية المسيحية مثل سهل نينوى.
وفي ظل هذا الواقع، لم تتحول الدعوات المتكررة إلى “وحدة المسيحيين” ضمن الإطار الديني والسياسي إلى قوة تمثيلية قادرة على حماية الأرض، أو ضمان الحقوق، أو بناء حضور سياسي مؤثر داخل مؤسسات الدولة. كما أن غياب مشروع سياسي واضح ومستقل، بعيداً عن شبكات التحالف التقليدية، جعل صوت الجماعة أضعف أمام القوى الأكثر قدرة على إدارة التوازنات السياسية والإقليمية داخل العراق.
وفي الوقت الذي يواصل فيه قادة دينيون وسياسيون الحديث عن المواطنة والتعايش، تبقى الأسئلة الأساسية مرتبطة بمدى قدرة هذه الخطابات على التحول إلى ضمانات فعلية تتعلق بالأرض والحقوق والاستقرار الاجتماعي. فالنزاعات العقارية في سهل نينوى ووادي نهلة، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في عنكاوا، والجدل المستمر حول التمثيل السياسي، كلها تكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالوجود العددي للمسيحيين فقط، بل بطبيعة التمثيل نفسه، وحدود استقلاليته، وقدرته على الدفاع عن مصالح المجتمع بعيداً عن شبكات النفوذ والتحالفات الكبرى.
وفي المحصلة، لا يمكن فهم تحوّل الكنيسة في العراق بوصفه انتقالاً بسيطاً من المجال الروحي إلى المجال السياسي، بل باعتباره استجابة تاريخية لفراغ الدولة وتراجع مؤسسات الحماية بعد عام 2003. غير أن هذا التحول، رغم دوافعه الواقعية، أنتج إشكالية أعمق تتعلق بإعادة تعريف المجتمع المسيحي/الآشوري داخل أطر دينية وسياسية ضيقة، بدلاً من تطوير تمثيل مدني تعددي قادر على التفاوض داخل الدولة الحديثة.
كما تكشف هذه التجربة عن اختلال واضح في ميزان القوة داخل المجتمع نفسه، بين مؤسسة دينية تمتلك الشرعية الرمزية وشبكات العلاقات والدعم، وبين قوى قومية ومدنية تراجعت بفعل الانقسامات والتحالفات المتشابكة وضعف الإمكانات. وبهذا المعنى، لم يعد السؤال متعلقاً بمن يمثل المسيحيين فقط، بل بنوع الهوية السياسية التي يُراد إنتاجها: هل هي هوية تدار عبر منطق الحماية والوساطة الطائفية، أم هوية مواطنة تقوم على مؤسسات مدنية مستقلة وتعدد سياسي حقيقي؟
وتُظهر التجارب الميدانية في سهل نينوى وعنكاوا ومناطق النزاع على الأراضي أن الخطابات المتعلقة بالمواطنة والتعايش، مهما بدت متقدمة نظرياً، تبقى محدودة الأثر ما لم تتحول إلى سياسات قانونية وإدارية واضحة تحمي الأرض والحقوق والوجود الاجتماعي، وبدون ذلك يصبح التمثيل إطاراً رمزياً أكثر من كونه مشروعاً سياسياً فعلياً، ويظل المجتمع محكوماً بعلاقات النفوذ والحماية والتحالفات الخارجية.
وفي النهاية، يبدو مستقبل هذا المجتمع مرتبطاً بقدرته على إعادة التوازن بين الدور الروحي والدور السياسي، وبين الحاجة إلى الحماية وضرورة بناء تمثيل مستقل، وبين الهوية الدينية والانتماء المدني الأوسع. فإما أن يتطور التمثيل إلى صيغة مدنية تعددية تعيد الاعتبار للتنوع الداخلي والاستقلال السياسي، أو يستمر الانزياح نحو تمثيل مُؤمَّم، تدار فيه السياسة باسم الجماعة، لا من خلالها.