أواخر عام 1989، كان العمر يمضي بي في منعطف حاسم، حين التحق أقراني واحداً تلو الآخر بالخدمة العسكرية بعد إكمالهم الدراسة، بينما بقيت أنا خارج الصف، كأنني على رصيف آخر، أراقبهم وهم يبتعدون بثيابهم الزيتونية ووجوههم المتغيرة.
كان في نظراتهم شيء من الصرامة التي يفرضها الانضباط العسكري، وشيء آخر من الانكسار الذي يتركه الوداع القسري للبيت والأهل، وكلاهما يختلط بملامح اعتداد صامت. أما أنا فكنت مخالفاً للقانون، أعيش على الهامش، مهدَّداً بالمطاردة والاعتقال، وفي داخلي شعور ثقيل بأن كل يوم يمر يضيّق الدائرة من حولي.
مضت الشهور ببطء خانق، حتى حلّ منتصف آذار من عام 1990، يومها قررت أن أنهي هذا المأزق بقرار حاسم: الالتحاق بخدمة العلم. كانت الفكرة ثقيلة على القلب، لكنها بدت أهون من أن أظل مطارداً في الظل.
توجهت إلى دائرة التجنيد المعنية، وهناك تم إنجاز الإجراءات بسرعة غير مريحة، لأُرسَل مخفوراً إلى سرية انضباط قيادة القوة البحرية في البصرة، على أن أُسفَّر بعد ذلك إلى آمرية الانضباط العسكري العام في بغداد، ومنها إلى مركز تدريب المشاة في الغزلاني بمحافظة نينوى.
وصلت إلى سرية الانضباط، فأودعت التوقيف، وكان المكان بارداً وصامتاً إلا من أصوات متقطعة لجنود يتحركون في الممرات. بعد ساعات من الانتظار، قيل لي إن عليّ البقاء لما لا يقل عن شهر كامل، حتى يكتمل العدد المطلوب للتسفير. كان الخبر كصفعة على الوجه، شهر من الانتظار في التوقيف لمجرد أنني جئت في توقيت غير مناسب.
لكن الصدف لا تخلو من يد القدر، فقد دخل أحد معارفي إلى الموقف يبحث عن جندي آخر موقوف، ليفاجأ بي جالساً في الزاوية. استمع إلى قصتي بتعاطف، وقال بصوت حاسم إنه سيسعى لمساعدتي قدر ما يستطيع. وبعد نحو ساعتين، عاد وعلى وجهه علامات رضا، وأخبرني أنه حصل على موافقة آمر السرية بتسفيري صباح الغد برفقة منسوب للسرية متوجه إلى نينوى لقضاء إجازته، بدلاً من أن أنتظر شهراً كاملاً.
صباح اليوم التالي انطلقت الرحلة، كان الطريق طويلاً، والرحلة إلى نينوى أشبه بممر ممتد من التعب. وصلنا في صبيحة اليوم التالي إلى مركز تدريب المشاة في الغزلاني، حيث سلّمني المأمور وودعني المرافق متجهاً إلى بيته.

منذ اللحظة الأولى بدأ مشوار الخدمة العسكرية الإلزامية فعلياً. سلّمونا التجهيزات العسكرية غير القتالية، ثم ساقونا إلى صالون الحلاقة، حيث حُلقت رؤوسنا في طقس جماعي يشي بأن الحياة المدنية قد انتهت. بعد ذلك، دخلنا قاعات المنام، وكل منا يبحث عن مكان يضع فيه فراشه. ارتدينا ملابسنا العسكرية الجديدة، وبقينا في القاعات حتى المساء، حين دوّى صوت البوق يدعونا لأول مرة إلى ساحة العرضات.
اصطففنا في كراديس تحت إمرة أحد أمراء الفصائل من المدربين، وشهدنا أول تعداد مسائي في حياتنا، حيث تم انتداب بعض الجنود للحراسة الليلية. عدنا بعدها إلى القاعات، وقضينا الساعات الأولى في أحاديث ودية، قبل أن يثقل النوم جفوننا.
لكن النوم لم يكتمل، إذ دوّى صراخ في الممرات، وارتجّت الأبواب بطرق عنيف وأوامر صارمة بالخروج فوراً بكامل القيافة العسكرية إلى الساحة. ساد الهرج، والكل يركض لتجنب ضربة عصا أو خرطوم ماء في يد أحد المدربين. انتظمنا أخيراً، وبدأت التدريبات الليلية القصيرة، ثم أُعيد كل منا إلى قاعته، وهناك عرفنا أن ما جرى هو تدريب يسمى “الإزعاج الليلي”، هدفه اختبار سرعة استجابتنا.
وفي صباح اليوم التالي، وقفنا في ساحة العرضات لتلقي التدريبات الأولية: الاصطفاف، الاستعداد، الاستراحة، فتح النظام وضمّه، والمسير. كانت الشمس تضرب وجوهنا، والأرض تحت أقدامنا جافة قاسية، وما إن انتهت الفترة الصباحية حتى بدأنا نتسلل في البحث عن ثغرة في سياج المعسكر للخروج إلى مركز المدينة، نقتل الوقت في شوارعها وأسواقها، قبل أن نعود.
لكن هذه العادة لم تدم طويلاً، ففي صباح لاحق، فوجئنا بقرار نقل مجموعة منا -كنت بينهم- إلى مركز تدريب المدفعية في معسكر المسيّب بمحافظة بابل، حتى قبل أن نكمل الدورة التدريبية الأساسية.

تم نقلنا في حافلات قليلة العدد من معسكر الغزلاني إلى مركز تدريب المدفعية. وصلنا عند العصر، وفي صباح اليوم التالي وقفنا مجدداً في ساحة العرضات، لنشهد احتفالاً رمزياً في السابع من نيسان بمناسبة عيد تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي. انتهى الاحتفال، لكن لم يُسمح لنا بالمغادرة، إذ جاء ضابط برتبة عقيد، ومعه ملازم أول ونائب ضابط، ليعلن توزيعنا على الوحدات العسكرية الثابتة، كل عشرة جنود في وحدة.
حين جاء دوري، سُلّمت أنا وتسعة آخرون كتاب نقل إلى كتيبة مدفعية متوسطة عيار 155 ملم، تابعة لقيادة فرقة المشاة 28، ضمن الفيلق الثاني. حاولت، بحكم أنني من أبناء البصرة، أن أغيّر وجهة النقل إلى كتيبة المدفعية الساحلية هناك، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل.
غادرنا مركز التدريب فوراً، من دون أي تدريب على المدفعية أو حتى على السلاح الخفيف. توجهنا إلى وحدتنا الجديدة، في أطراف قضاء بدرة بمحافظة واسط، على الطريق الرابط بين بدرة وزرباطية. كانت الرحلة شاقة، امتدت حتى المساء، وحين وصلنا، استقبلنا مساعد آمر الكتيبة، ووزعنا على تشكيلات مختلفة: ثمانية منّا أُرسلوا إلى بطريات الكتيبة، أما أنا وزميل من قضاء الزبير بالبصرة فقد نُسبنا إلى مقر الكتيبة. هو أُلحق بالمشجب، وأنا أُلحقت بحضيرة سلاح مقاومة الطائرات، حيث لم يكن هناك سوى جندي واحد اسمه هشام، من بغداد.
استقبلني هشام بترحيب صادق، دلّني على مكان الحضيرة، وتركني أرتّب فراشي للنوم. بعد تعارف قصير، طلبت إذنه في أن أنام لأني كنت مرهقاً، فقال إنه سيغادر كي أرتاح، لكنه سأل إن كنت أرغب بأن يوقظني وقت السحور، إذ كنا في شهر رمضان. شكرته وأخبرته أنني سأكون ممتناً.
غادر هشام إلى أصدقائه، الذين اعتادوا السهر مساء، يتسامرون أو يلعبون لعبة “المحيبس” التراثية، أما أنا فقد غرقت في نوم عميق، حتى أيقظني قبيل السحور، وقد أعد وجبة لنا معاً، وبعد أن اغتسلت وجلسنا نأكل أخبرني بأنه سيتم نقلي من الحضيرة صباحاً؛ لأن “مسؤول القلم” حين علم أنني خريج طلب من المساعد أن يُلحقني بالقلم لسد النقص في الأفراد.
أول احتكاك
مع بزوغ شمس الصباح، جاءني الأمر بالتوجه إلى القلم. كان مسؤول القلم نائب ضابط من الدرجة الأولى، رجل يملك نظرة فاحصة وكلمات مقتضبة. طرح عليّ أسئلة سريعة، ثم أبلغني أن مهمتي ستكون تسجيل الصادر والوارد، بمساعدة جندي آخر يُدعى جعفر، سيتولى تعليمي تفاصيل العمل. كان جعفر ودوداً، يشرح بخبرة من اعتاد التعامل مع دفاتر وأختام ورسائل رسمية لا تنتهي.
لم تمض أيام كثيرة حتى دخلت في أول احتكاك حاد لي داخل المقر، إذ كان هناك معاون لمسؤول القلم، برتبة نائب ضابط درجة سادسة، يتسم بطباع استفزازية ويستخدم كلمات جارحة. في أحد الأيام، احتد النقاش بيننا على أمر بسيط، لكن سخونته تصاعدت بسرعة حتى بلغت حدّاً غير متوقع. فقدت أعصابي، وأمسكت بوعاء تبريد الماء (ترمز معدني) وضربته به. ساد الصمت للحظة، ثم انفجر المكان بحركة وهرج، ولم يمض وقت طويل حتى وقفت متهماً أمام مساعد آمر الكتيبة.
استمع المساعد إلى الطرفين، وبان له أن الحق معي، لكن حرصه على تجنب تفاقم الموقف دفعه إلى اقتراح التسوية: “اعتذر، وننهي الموضوع”. كان في الأمر شيء من الانكسار لكرامتي، إذ إن النائب ضابط هو المخطئ، لكنه في النهاية كان الحل العملي. قدمت الاعتذار، ثم طلبت من المساعد نقلي إلى مكان آخر، مبرراً أن بقائي في المقر قد يفضي إلى مشاجرة جديدة. وافق المساعد، وأصدر أمراً بنقلي إلى البطرية الثانية، على الرغم من أنني لم أكن أعرف موقعها.

أشار عليّ أحد الجنود أن أنتظر وصول سيارة الأرزاق القادمة من البطرية وألتحق بها. بعد ساعتين، ظهرت العجلة، وصعدت مع السائق بعد استئذانه، متوجهاً إلى البطرية الثانية، التي تبعد نحو 16 كم عن المقر، وتقع على سفح جبل زاكروس، في منطقة تُسمّى عين الجبل، تطل على الطريق الواصل بين منفذ مهران الحدودي وناحية زرباطية. الطريق إليها وعر، فرعي، محاط بحقول الألغام من الجانبين، ولا يزيد طوله عن كيلومتر واحد.
وصلنا أخيراً بسلام، كانت البطرية تحت إمرة ضابط برتبة ملازم أول من البصرة. فور نزولي من العجلة تسلل شعور بالغربة إلى صدري، الجنود في مواضعهم اتقاءً لحرّ الشمس، ومن جاء منهم لاستلام الأرزاق نظر إلي نظرة باردة، كأنني دخيل غير مرغوب فيه. دلّني السائق على مكتب القلم، فذهبت إليه، وقدمت كتاب نقلي لمسؤول القلم، وهو جالس إلى جوار مساعده. قرأ الكتاب، ثم قال: “انتظر في الخارج”.
انتظرت. مرّت ساعة، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى بلغ الانتظار خمس ساعات كاملة، وأنا جالس على الأرض قرب المكتب. لم يكلّف أحد نفسه أن يسألني حتى إن كنت شربت ماء. مع حلول المساء، خرج مسؤول القلم وهو يحمل حقيبة البريد اليومي، متوجهاً إلى آمر البطرية، وبعد دقائق، جاء جندي يطلبني للحضور إلى مكتب الآمر.
دخلت المكتب، وأديت التحية العسكرية، ثم عرّفت بنفسي. سألني الآمر عن سبب نقلي من مقر الكتيبة إلى البطرية الثانية، فقصصت عليه تفاصيل المشادة مع النائب ضابط بكل صراحة، من بدايتها إلى نهايتها. أبدى إعجابه بموقفي، بل أثنى على شجاعتي، خاصة حين عرف أن سبب الخلاف الحقيقي كان إساءة النائب ضابط لفظياً إلى البصرة وأهلها. من تلك اللحظة، نشأت بيني وبين آمر البطرية علاقة صداقة قائمة على الاحترام.
داخل الكويت
مرت الأيام، حتى جاء يوم 25 تموز 1990، حين نُقل آمر البطرية إلى كتيبة أخرى، وحلّ مكانه ضابط جديد من وحدة مختلفة. في صباح اليوم التالي لوصوله، استدعاني إلى مكتبه، وبدأ بتوبيخي بلهجة حادة ومن دون سبب واضح. لاحقاً، عرفت أن أحد الجنود المقربين من الضباط كان قد همس في أذنه بأني كنت مقرّباً من سلفه، وأحظى بإذن متكرر للذهاب إلى البصرة، وكأن الأمر كان رشوة. أراد الضابط الجديد أن يثبت أنه “حازم” ولا يتساهل، لكن الأيام كشفت عكس ذلك، كان رجلاً فاسداً يقبل الرشى بلا حرج.
في صباح الثاني من آب 1990، دوّى الخبر الذي هزّ المنطقة: غزو العراق للكويت. ساد شعور بالترقب والقلق، ولم تمض ساعات حتى صدرت لنا الأوامر بالتحرك. بدأنا على الفور بتحميل الأسلحة والعتاد والمؤن، وتهيئة المدافع للقطر. عند الخامسة صباحاً من الثالث من آب، تحركنا من موقعنا باتجاه قاطع مسؤولية جديد، على مشارف مدينة سفوان غرب البصرة. كانت حركة الرتل بطيئة، وتوقفنا مراراً لأسباب مختلفة، حتى وصلنا بعد ظهر الرابع من آب. باشرنا فوراً حفر المواضع وتحصينها بأكياس الرمل وتهيئة مواقع المدافع.
بعد نحو عشرة أيام، استدعاني آمر الفصيل، وهو ملازم، مع مجموعة صغيرة من الجنود. لم يخبرنا بوجهتنا، بل أمرنا بركوب شاحنة “أورال” عسكرية. لم تمض دقائق حتى عبرنا الحدود إلى الكويت، واتضح أن وجهتنا هي مزارع العبدلي، للبحث عن ألواح الحديد المموجة (چينكو) لاستخدامها في تسقيف بعض المواضع، لكننا وجدنا المزارع منهوبة وخاوية. قرر الآمر العودة، غير أن السائق اتجه يساراً نحو مدينة الكويت، لا نحو منفذ سفوان.

كان فينا شغف لرؤية الكويت، حتى لو كنا ندخلها بصفة غزاة. مررنا بمرتفعات المطلاع، ثم الجهراء، فالفروانية، قبل أن نعود باتجاه الحدود. شاهدنا نقاط التفتيش تملأ الشوارع، ومباني محروقة، ونفايات متراكمة، وسيارات محطمة أو محترقة. الحياة شبه متوقفة، والأسواق خاوية إلا من بسطات قليلة يديرها وافدون يبيعون بضائع منهوبة. أما الكويتيون الذين بقوا فكانوا يتجولون بحذر، وعيونهم تحمل نظرات شك وازدراء واضحة نحونا.
ما هي إلا أيام قليلة حتى صدرت الأوامر مجدداً، هذه المرة كانت بالتوغل أعمق داخل الأراضي الكويتية. تحركنا فوراً، قاطعين مسافة تبعد 29 كم تقريباً عن منفذ سفوان الحدودي، قبل أن ننعطف يساراً إلى طريق فرعي معبّد لنقطع مسافة أربعة كيلومترات، وصولاً إلى مفترق طرق، ثم اتجهنا يميناً ثلاثة كيلومترات أخرى، ثم تركنا الطريق المعبّد لنسلك درباً ترابياً وعراً، يمتد ثلاثة إلى أربعة كيلومترات، حتى بلغنا موضعنا الجديد.
كان المكان يتوسط المنطقة الواقعة بين الصابرية والروضتين، حيث تنتشر مشاريع نفطية ومواقع للطاقة الكهربائية، إضافة إلى آبار نفطية عديدة. ما إن ترجلنا حتى شرعنا بالحفر لتهيئة مواقع المدافع، وإعداد أماكن التحصين، وحفر مواضع الأفراد، وكل هذا وسط صمت يقطعه أحياناً صوت رياح حارة تحمل رائحة النفط.
لفت انتباهي وجود لوحات معدنية صغيرة مثبتة على أسيجة الـ”BRC” المحيطة بصمامات الآبار. اقتربت من إحداها بدافع الفضول، فرأيت اسم جندي أو ضابط صف مكتوباً مع اسم بديله. سألت، فعرفت أن هذه الآبار كانت جميعها مفخخة، وأن المسؤول عن تفجيرها في حال صدور الأوامر هو الجندي المذكور على اللوحة، أو بديله إن غاب. كانت المعلومة كفيلة بأن تحدث قشعريرة في جسدي، ففكرة أن هذه الأرض التي نقف عليها يمكن أن تنفجر تحت أقدامنا في لحظة لم تكن سهلة القبول.
بعد 15 يوماً تقريباً، وصل أمر جديد: التحرك نحو قاطع الفاو جنوبي البصرة. بدا أن القيادة العامة للقوات المسلحة تعتمد خطة تحريك مستمرة للوحدات من وإلى الكويت؛ بقصد إرباك قوات التحالف الدولي التي تستعد لتحرير الكويت. انطلقنا فوراً، وعند وصولنا إلى مشارف الفاو بدأنا بحفر مواضعنا وتحصينها، غير أن طبيعة الأرض الرخوة والمشبعة بالماء هناك جعلت العمل مضنياً وبطيئاً.
مدينتي في مرمى سلاحي
مرت أسابيع، حتى تراكمت الغيوم في السماء، واستشعرنا اقتراب المطر. غطّينا المدافع بأغطيتها الخاصة، وفرشنا النايلون الزراعي على سقوف مواضع الأفراد اتقاءً لتسرب المياه. كنت حينها على صداقة مع أفراد حضيرة المخابرة، واعتدت أن أزورهم لشرب الشاي. ذات مساء، وبعد أن فرغت من قدحي، جاءني أحدهم، واسمه صباح، واقترح أن نذهب معاً إلى مواضع قديمة تعود إلى الحرب العراقية–الإيرانية، التي انتهت قبل عامين، بحثاً عن ألواح خشبية نستعملها حطباً.
قبلت عرضه وتوجهنا إلى أقرب موضع. ما إن دخلناه حتى اصطدمنا بالمفاجأة الكبرى: رفات جندي عراقي، كانت بقايا عظامه مستلقية في صمت ثقيل، كأنها تنتظر من يعيد لها الاعتبار. لم نحتج إلى كثير من الكلام، قرر صباح العودة لإبلاغ آمر البطرية، الذي أبلغ بدوره آمر الكتيبة. صدر الأمر سريعاً: استخراج الرفات ونقله إلى مقر الكتيبة.
باشرنا العمل فوراً. أثناء النقل وجدنا في جيب قميص الجندي هويته العسكرية، التي تفتتت بمجرد لمسها، ووجدنا القلادة المعدنية التي تحمل اسمه ورتبته ومواليده وفصيلة دمه. ما إن وصلنا إلى المقر حتى اتصل آمر الكتيبة بقيادة الفرقة، ليصدروا الأمر بنقل الرفات إلى مركز تسليم الشهداء في البصرة، بجوار جسر الزبير. رافقنا ضابط برتبة ملازم لتسليم الرفات، وعدنا بعدها إلى البطرية، حيث كانت المفاجأة هذه المرة سارة: إجازة لمدة سبعة أيام، مكافأة على ما قمنا به.

انقضت الإجازة وعدت إلى الوحدة، فاستقبلني صباح بابتسامة ماكرة، مقترحاً أن نكرر التجربة. الفكرة بدت مغرية، فالإجازة في زمن الحرب كنز لا يُفرّط به. اتجهنا إلى المواضع القديمة، ندخل واحداً تلو الآخر، حتى وصلنا إلى موضع واسع نسبياً. دخلناه، فوجدنا رفات ثلاثة جنود: اثنين عراقيين، والثالث إيراني. خمّنت بصوت مسموع أن العراقيَّين دخلا على الإيراني وقتلاه، لكن تبادل إطلاق النار أودى بالجميع.
وقبل أن نستحصل الموافقات، ركض صباح عائداً إلى البطرية، وعاد بعد قليل ومعه ثلاثة جنود يحملون أكياساً فارغة. جمعنا الرفات ونقلناه إلى المقر. اتصل آمر البطرية بالكتيبة، التي أبلغت الفرقة، فجاء الرد هذه المرة مختلفاً: تسليم الرفات إلى مركز تسليم الشهداء، لكن مع إيداعنا السجن في مقر الكتيبة لمدة أسبوع، عقوبة على استخراج الرفات قبل استحصال الموافقات الرسمية. وهكذا، وجدت نفسي أنا وصباح والجنود الثلاثة الذين ساعدونا خلف القضبان، نحلم بإجازة جديدة، لكن الرياح جرت بعكس ما اشتهينا.
بعد أسبوع أُفرج عنا، وعدنا إلى “روتيننا” المعتاد، حتى جاء يوم 17 كانون الثاني 1991، حين انطلقت عملية “عاصفة الصحراء”. أسراب الطائرات المقاتلة لقوات التحالف كانت تخترق الأجواء العراقية من جهة الخليج، موجةً تلو أخرى، لتنفيذ ضربات جوية. كنا نختبئ في مواضع فقيرة التحصين، قلوبنا تدق بسرعة، وعيوننا معلقة بالسماء، ندرك تماماً أن مواضعنا لا يمكن أن تحمينا حتى من قذيفة هاون، فكيف بصاروخ جو–أرض؟
مرت الأيام ونحن نعيش في ظل الخوف والهلع، من دون أن نطلق قذيفة واحدة، إذ لم يشهد قاطع مسؤوليتنا أي عمليات برية حتى توقفت الحرب في 28 شباط 1991. شعرنا بفرحة غامرة لانتهاء القصف، لكن الفرح لم يدم. بعد يومين فقط، اندلع التمرد المسلح المعروف بـ”الانتفاضة الشعبانية” ضد النظام.
مع اندلاع الانتفاضة الشعبانية، تحولت الأجواء من فرحة الخلاص من القصف إلى حالة من التوتر المكثف. صدر لنا أمر عاجل بالتحرك شمالاً، إلى مشارف ناحية السيبة التابعة لقضاء أبي الخصيب جنوبي البصرة. تمركزنا على طول الطريق الاستراتيجي، مع توجيه المدافع نحو مدينة البصرة وقضاء أبي الخصيب وقضاء شط العرب.
وقفتُ خلف المدفع الموجَّه نحو مدينتي، وداخلي يعصف بمزيج من الغضب والحزن. تلك الأزقة التي كبرتُ فيها، والأسواق التي اعتدت سماع أصواتها، كانت في مرمى السلاح الذي أُجبرت على استخدامه. لم أستطع تجاهل الحقيقة: أي قذيفة تخرج من سبطانة هذا المدفع قد تقتل أهلي أو جيراني. في تلك اللحظة لم يعد الصمت خياراً.
قررت الهروب، ولو كلفني ذلك حياتي. كان عليّ اختيار التوقيت بعناية، فالمخاطرة في وضح النهار تعني القبض عليّ فوراً. وضعت خطتي على أن أتحرك فجراً، قبل أن يستيقظ أغلب الجنود، وحين تكون الحراسة أقل يقظة.
حل فجر اليوم التالي، وحين ارتفع أذان الفجر بدأت خطواتي على الطريق الترابي الممتد بعيداً عن الوحدة. كنت أسير وحدي، لا أسمع سوى صوت أنفاسي ونبضات قلبي. قطعت ما يقرب من 16 كم سيراً على الأقدام، حتى وصلت إلى ساحة سعد في وسط البصرة.
لكن الوصول إلى المدينة لم يكن نهاية المخاطرة. كنت ما أزال أرتدي الزي العسكري، والانتفاضة في أوجها، والناس يستهدفون أي جندي يظنونه موالياً للنظام. كنت أتنقل بين الشوارع والأزقة بحذر شديد، أغيّر اتجاهي باستمرار، وأتفادى التجمعات، حتى بلغت بيتي عند الظهر في الرابع من آذار 1991.
دخلت البيت وأغلقت الباب خلفي، وشعرت بثقل كبير يسقط عن كتفي. لم تكن تلك لحظة نصر بقدر ما كانت لحظة خلاص شخصي، كنت أدرك أن قراري سيجعلني ملاحقاً طيلة سنوات عديدة، لكنني كنت مستعداً لتحمل وزره. منذ ذلك اليوم، انتهت خدمتي العسكرية، ليس بكتاب تسريح، بل بقرار شخصي لا أندم عليه حتى الآن.