الملاية أمام الخوارزمية .. تحولات النواح من الجاهلية إلى “الأونلاين”

رحلة النواح النسائي في العراق، من المجالس السرية و"الگفّالات" إلى ملايات يحصدن آلاف المشاهدات، ويصلن بأصواتهن إلى رجال كانوا يُمنعون من حضور مجالسهن..

خليل بركاتخليل بركات | 31 تموز 2026

كنت جالساً مع صديق أقلّب مقاطع “الريلز” على هاتفي حين ظهرت أمامنا فجأة امرأة تؤدي إحدى “الردّات” الحسينية. كان المقطع مصوّراً بعناية، ترافقه هندسة صوتية واضحة، أما صاحبته فهي ملاية تُدعى نور الهدى المياحي. 

قادني الفضول إلى حسابها الشخصي، فوجدت عشرات المقاطع الأخرى المسجلة والمصوّرة بالطريقة نفسها، وهي تؤدي “ردّات” حسينية تحصد آلاف المشاهدات  والتعليقات، بين معجب بصوتها وأدائها، ورافض أو مستنكر لظهورها. 

لفتني أن هذا الصوت الذي يصل اليوم إلى الرجال والنساء عبر مقاطع مصوّرة ظلّ زمناً طويلاً محصوراً داخل مجالس العزاء النسائية. كانت الملاية تقود الندب واللطم وتقرأ قصائد الرثاء أمام النساء، فيما يُمنع الرجال من دخول المجلس أو سماع صوتها. 

استعاد صديقي وهو يشاهد المقطع موقفاً عاشه في طفولته، حين كان يرافق والدته إلى مجلس نسائي. قال: “أتذكر أنني كنت أرافق أمي عندما كنت طفلاً لأكثر من مرة،  لكن الملاية منعتني بعدها من حضور مجلسها لأنها اعتقدت أنني كبرت، ولا يجوز لي سماع صوتها. لكن كيف تحوّل النوح النسائي الآن إلى ملايين المشاهدات؟” 

تختصر هذه المفارقة تحولاً واسعاً شهدته الملاية في العراق. فالمرأة التي كانت تقود طقساً نسائياً مغلقاً، وتفتح بصوتها أبواب الحزن والبكاء، أصبحت اليوم صاحبة منبر  يصل إلى الرجال والنساء عبر مواقع التواصل، ويجاور عالم الشهرة بما فيه من تصوير وهندسة صوتية ومشاهدات وتعليقات. 

لكن ما الذي يقف خلف ذلك الصوت؟ ومن أين جاءت الملاية؟ وكيف تطور النوح من طقس نسائي تقوده الملاية إلى مؤسسة دينية واجتماعية قائمة بذاتها، قبل أن تصل الملاية إلى الفضاء الرقمي وتزاحم نجومه؟ 

من نائحات الجاهلية إلى الملاية 

يذكّرني طلوعُ الشمس صخراً 

وأذكره لكل غروب شمسِ 

ولولا كثرةُ الباكين حولي 

على إخوانهم لقتلت نفسي 

أم علي (40 عاماً)، وهو اسم مستعار لملاية من محافظة المثنى، تمارس الخطابة النسوية منذ أكثر من خمس سنوات، تستهل حديثها بهذين البيتين اللذين رثت فيهما الخنساء أخاها صخراً، بوصفهما مدخلاً إلى النواح على الفقد في الجاهلية.  

لكنها تُميِّز بين النواح بوصفه ممارسة بشرية قديمة، والملاية بوصفها حالة متخصصة ظهرت لاحقاً وكُرّست للعزاء الحسيني، واختلفت عن سائر الندّابات في أن دورها ديني حصراً. 

تقول أم علي: “يجب أن تقود الملاية مجلسها عبر توعية النساء بماهية الحزن والهدف منه، وتبين أن ثورة الحسين ليست لطماً ونياحاً فقط”، وتستدرك: “لا أعرف بالضبط إن كانت تعود إلى العصور القديمة أم لا، لكنني أعرف أن النياح كان موجوداً بين الإخوة، وأن السيدة زينب بدأت به، ونحن نكمل طريقها حباً بآل رسول الله”. 

أما كلمة “الملاية” فيرى رجل الدين الشيخ علي السماوي أنها نتاج تحوير لغوي مكتسب. ويوضح: “كلمة الملا في أصلها اللغوي مشتقة من المولى، وبما أنها تحورت في الشعبي إلى كلمة شعبية أصبحت الكلمة ملا، وهي مفردة تكاد تكون خارجة عن السياق اللغوي، لكن أصبح لها عنوان، وهي النائحة التي تجمع الملأ من أجل أن تستحث فيهم حالة النوح والبكاء، وهي عادة موجودة منذ الجاهلية واستمرت في الإسلام”. 

وفي الاستعارات الأدبية لم يقتصر النواح على البشر وحدهم، وفق السماوي، إذ حفلت مصادر اللغة بوصف الحمامة “الورقاء” بأنها تنوح لفراق أليفها. ويعكس هذا الوصف، بحسب رأيه، حاجة متأصلة في النفس إلى تفريغ أحزانها عبر الرثاء والصوت. 

كيف تدير الملاية الحزن؟ 

لا يقتصر دور الملاية على إنشاد قصيدة حزينة أمام مجموعة من النساء، بل تتولى إدارة مجلس له ترتيب ومراحل وإيقاع يتصاعد تدريجياً. 

يبدأ مجلس العزاء النسائي بـ”الطور القديم”، ثم ينتقل إلى النعي، قبل أن تقرأ الملاية آية قرآنية وتفسرها، وتربط مضمونها بواقعة كربلاء. بعد ذلك، تعود مرة أخرى إلى النعي، ثم تنتقل إلى “الفزّاعية” السريعة و”الميدان”، حيث تبدأ النساء باللطم. والفزّاعية هي الإيقاع السريع للطم. 

ولا تقتصر هذه الطريقة على مجالس العزاء الحسيني، إذ تمتد إلى الفواتح ومجالس المواساة المرتبطة بالوفيات الشخصية. تقول أم علي: “في الفواتح والمواسي الشخصية نربط دائماً حزن الموتى بمصاب الحسين، فنحن لا نبكي على أهلنا بمعزل عن تلك الواقعة”. 

تتحول واقعة كربلاء بهذه الطريقة إلى الإطار الذي تُقرأ داخله أحزان النساء وفجائعهن الشخصية، بينما تتولى الملاية وصل الفقد الخاص بالحزن الديني العام. 

لكل مدينة إيقاعها 

لا ترتدي الفاجعة في العراق رداءً واحداً، ولا تؤدى بالطريقة نفسها في جميع المدن. فلكل منطقة لهجتها ومزاجها الثقافي وإيقاعها الخاص في التعبير عن الحزن، كما أن لكل ملاية طريقتها المرتبطة بصوتها وحنجرتها. 

تقسم أم علي الأطوار بحسب مناطقها وتقول: “الطور النجفي هو الطور الثقيل والرزين، أما العمارة والسماوة فتعتمدان على الأطوار المحملة بالشجن الجنوبي الخالص المحمل بالحسرة والميدان. لكن السمة الغالبة على العزاء أن لكل ملاية طريقتها وإيقاع الحزن الذي يعكس حنجرتها”. 

أما قصائد الرثاء والمراثي فتقول أم علي إنها متاحة في مؤلفات كثيرة داخل المكتبات، لكنها تعتمد حصراً على قصائد شاعرات جنوبيات ترى أنهن يمتلكن حرارة الكلمة وقوة الوزن والحزن، ومن بينهن أم هجران العمايرجية، وأم ريام الركابي، وهديل المياحية، وأم زينب الكربلائية. 

ويحتاج أداء هذه الأطوار وإدارة المجلس إلى تحضير مستمر ونظام صارم للمحافظة على الصوت. تقول أم علي: “يجب أن تبتعد الملاية عن المياه الباردة وبعض الأكلات التي تؤثر في الصوت، ولا بد من استشارة الطبيب أو استخدام أشياء مثل زيت الزيتون، والابتعاد عن البرودة المباشرة مثل المكيفات وغيرها”. 

فالحنجرة ليست مجرد وسيلة للأداء، بل هي الأداة الأساسية التي تقود بها الملاية المجلس، وتنتقل بالحاضرات بين النعي والتفسير والفزّاعية والميدان.

 

مجالس سرية و”گفّالات” 

قبل عام 2003، وفي عهد نظام البعث، كان الرجال يُمنعون من إقامة مجالس العزاء الحسيني. وتتذكر بعض النساء المسنات أنهن كنّ يُقمن مجالس العزاء خلسة بسبب  المخاطر الأمنية، وفي الغالب من دون ملاية نتيجة قلة أعداد الملايات وصعوبة الوصول إليهن. 

كانت تتوسط النساء في تلك المجالس واحدة منهن تتميز بالصوت والشجن والحزن، وتكون شاعرة أو منشدة شعبية تمتلك موهبة الشعر والأداء الصوتي تُعرف بالـ”گفّالة”، فتتولى نظم أبيات من الدارمي أو الشعر، وتقود المجلس بدلاً من الملاية. 

وكانت النساء يجتمعن في بيت مختلف كل ليلة، أما في الليلة العاشرة من شهر محرم فكنّ يقمن بجولة تشمل جميع بيوت المنطقة أو القرية. 

وخلال الحديث معها، تذكرت إحدى النساء المسنات بيتاً من الدارمي كنّ يردّدنه في إحدى تلك الليالي الحزينة: 

العشمة تگول صعّدوني جبل عالي 

آني الحاربت ما طاح خيالي 

و”العشمة” في التراث الشعبي هي الفرس البيضاء، وترد في البيت استعارةً لفرس الحسين بعد استشهاده. 

تقول الحاجة أم حسين: “كانت الملاية موجودة آنذاك، لكن حضورها كان قليلاً جداً، وكان التواصل معها صعباً، كما كنّ معدودات جداً، لذلك كنا نعتمد على الشاعرات أو  الگفّالات في مجالس العزاء”. 

تلك المجالس انتقلت من بيت إلى آخر في تلك الفترة، وظل صوتها محصوراً في دائرة النساء الحاضرات. ثم جاء التحول الذي أخرج الصوت من المجلس المحلي إلى فضاء أوسع، وصولاً إلى التسجيلات الصوتية  ومواقع التواصل الاجتماعي. 

الصوت يخرج من المجلس 

ظهر خط فاصل في زمن التسجيلات ومواقع التواصل بين نوعين من القارئات: نوع اتجه إلى التسجيل والنشر وبناء حضور عبر المنصات الرقمية، ونوع آخر حافظ على محلية المجلس وخصوصيته النسائية بعيداً عن الأضواء. 

تنتمي أم علي إلى التصور الذي يجعل الصوت الطبيعي أساس قيمة المجلس. تقول: “المكبّر المباشر والصوت الطبيعي هما الأساس، من دون أي مؤثرات؛ لأن قيمة  المجلس تكمن في صدق الصوت الحقيقي”. 

ومع نشر التسجيلات على مواقع التواصل، لم يعد سماع صوت الملاية مقتصراً على النساء الحاضرات في المجلس، بل وصل إلى الرجال أيضاً. ورافق انتشارَ بعض  المقاطع جدلٌ في التعليقات بشأن ظهور الملاية وطريقة أدائها. 

يمثل الشيخ علي السماوي جانباً من الموقف الديني المتحفظ على هذا الظهور. فهو لا يعترض على وصول قراءة المرأة إلى الرجال من حيث المبدأ، لكنه يربط قبولها  بطريقة أدائها وصوتها. 

قال رجل الدين المعمم: “السوشيال ميديا والميديا كلها طغت في كل بيت وفي كل مكان. إذا كانت المرأة محتشمة ومحافظة على الحدود الشرعية فنحن لا نمانع، وإنما نحفزها، ويمكن لها  أن تبلّغ. ولا يعني ذلك أن المرأة تعطي المعلومة للنساء فقط، بل يمكن أن تقدمها للرجال أيضاً إذا كان الأمر بهذه الصورة. أما إذا كان في صوتها تطويح ومدّ وغناء فعند  ذلك لا يُقبل هذا شرعاً”. 

ويضيف السماوي: “إذا كانت تريد أن تبرز وتطش، على قول العراقيين، فهذا وإن كان ربما غير محرّم، لكنه لا يليق بالنساء اللاتي يكنّ في خدمة أهل البيت، وينبغي أن  يكنّ قدوة ومحتشمات في عطائهن وتوجهاتهن”، حسب تعبيره. 

يجيز السماوي للمرأة قراءة المقتل الحسيني أمام النساء والرجال إذا لم يكن أداؤها، بحسب وصفه، “مخالفاً للشرع أو مثيراً”، ولم يحمل “طرباً ومدّاً وتطويحاً”. 

تتحرك الملاية خارج الفضاءات المغلقة، تبعاً لهذا التصور، داخل حدود مرسومة، إذ يمكن لصوتها أن يعبر المجلس النسائي ويصل إلى الرجال، شرط أن يحتفظ بوظيفته الدينية وألا يتحول إلى أداء غنائي أو وسيلة للظهور والشهرة. 

مهنة تقوم على التوارث والموهبة 

على خلاف دول مجاورة مثل إيران، حيث تخضع “الملاية” أو القارئة لرقابة واختبارات حوزوية ودراسية، لا تزال المهنة في العراق تفتقر إلى تنظيم مؤسسي شامل. 

وتوضح أم علي أن معظم الملايات العراقيات اكتسبن المهنة بالتوارث، من خلال مجالس الأمهات والبيوت، أو على أيدي ملايات أقدم منهن، فيما امتهنتها أخريات اعتماداً على الموهبة والرغبة الشخصية. 

ويؤكد الشيخ علي السماوي أنه لا توجد حتى الآن “مؤسسة حصرية” تتولى تنظيم هذا العنوان، ولذلك تتفاوت قدرات الملايات بين امتلاك الصوت، والحصيلة العلمية، والجرأة على مواجهة الجمهور. 

ويشبه السماوي التحصيل العلمي بـ”العدّة” التي يحتاجها الصانع، إذ لا يليق، بحسب رأيه، بمن تتصدى لمنبر النساء أن تقدم معلومات فقهية أو تاريخية من دون أن تكون مؤهلة لذلك. 

ومع اتساع نشاط الملايات في العراق، بدأت المؤسسات الدينية بمحاولة تنظيم هذا القطاع، من خلال تخصيص مدارس ومعاهد دينية لهن، ودعوتهن إلى الالتحاق بها لتلقي العلوم الدينية وتطوير منهجية البلاغ والخطاب الحسيني. 

يقول السماوي: “توجد لدينا الآن مدارس مثل مدرسة البتول والمدرسة الحسينية المحسوبة على العتبات، وهي تقدم تعليماً حوزوياً وفقهياً يمثل ما يشبه العدّة للنساء”. 

ولا يعني ظهور هذه المدارس أن عمل الملايات أصبح منظماً، إذ لا تزال الخبرة تنتقل في الغالب داخل البيوت والمجالس، بينما تقتصر المدارس الدينية على تقديم دراسة فقهية وحوزوية لبعضهن، من دون وجود جهة تنظم المهنة. 

منبر ديني واجتماعي 

تقول أم علي إن النساء يؤدين الجزء الأكبر من أنشطة العزاء الحسيني في العراق، وتقدَّر نسبة مشاركتهن بما بين 60 و70 بالمئة، من دون وجود إحصاءات منشورة تؤكد هذا التقدير. 

ولا تحصر أم علي عمل الملاية في إدارة العزاء، إذ ترى أن الملاية التي تمتلك “معرفة دينية” يمكن أن تناقش قضايا مثل الانتحار والمخدرات والتفكك الأسري. وتحذر من أن غياب ما تسميه “الملاية الواعية” يترك النساء أمام “فوضى”، مشبهة دورها التوعوي والتربوي بدور الخطيب على المنبر الرجالي. 

ويتقاطع هذا التصور مع موقف الشيخ علي السماوي، الذي يدعو إلى تأهيل الملايات حوزوياً وثقافياً، ويرى أن ذلك ينعكس على وعي النساء، مشترطاً اقتران الحزن بما يصفه بـ”الفهم الديني السليم”. 

كما يدعو السماوي الخطباء المعممين والملايات إلى التفرغ لخدمة الدين والابتعاد عن الصراعات السياسية ومكاسب الشهرة.  

سماع الملاية الآن! 

تكشف روايات الملايات والنساء الأكبر سناً عن تغير كبير في طريقة إقامة المجالس النسائية. فبعدما كانت بعض النساء ينظمنها سراً، ويعتمدن على شاعرة أو “گفّالة” لعدم توفر الملايات، اتسع حضور الملاية لاحقاً، وظهرت مدارس دينية لتدريس بعض العلوم المرتبطة بالمنبر، ثم أتاحت مواقع التواصل تسجيل المجالس ونشرها خارج البيوت، وحتى تعليم الأطوار والنواح أحياناً. 

النشر الرقمي غيّر أيضاً جمهور الملاية. فالصوت الذي كان سماعه مقتصراً على النساء داخل المجلس أصبح متاحاً لمن لم يكن يستطيع سماعه من قبل، ومن بينهم صديقي الذي مُنع في طفولته من حضور المجلس بعدما رأت الملاية أنه صار بالغاً. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

صحفي عمل مراسلاً لوسائل إعلام محلية، ويغطّي شؤون محافظة المثنى.
بمشاركة