بعد شهرين من انتقادات رئيس الوزراء علي الزيدي، تلقى ديوان الرقابة المالية توبيخاً أشد داخل مجلس النواب، إذ وصف رئيس المجلس هيبت الحلبوسي تقرير الديوان لعام 2025 بأنه “محبط”، واتهمه بالمحاباة والمجاملات، فيما تحدث نواب عن بطء أعماله، ونقص أرقام الهدر، وعدم تسمية المتورطين في الفساد.
يحق للحكومة والبرلمان مساءلة الديوان عن أدائه. فبعض الشركات العامة، وفق ما أعلنه الزيدي، لم تخضع للتدقيق منذ أكثر من خمس سنوات، كما أن اتساع الفساد وتشابك التعاقدات الحكومية يفرضان تطوير أدوات الرقابة وتسريع عملها وتوفير الموظفين والخبرات التي تحتاج إليها.
لكن الهجوم الجاري يتجاهل طبيعة عمل الديوان وحجم ما ينتجه. فالتقرير السنوي الذي ناقشه البرلمان ليس مجمل أعماله، وإنما خلاصة لأكثر من 7950 تقريراً رقابياً، تتجاوز 70 ألف صفحة وتضم مئات آلاف الملاحظات، بحسب رئيس الديوان.
وينبغي البحث عن التفاصيل في التقارير الأصلية التي تسلّمت الجهات المعنية نسخاً منها، وبينها تقارير سابقة عن شركات النفط العامة، نشرت دائرة البحوث النيابية خلاصات لبعضها على موقع مجلس النواب. وتضمنت أعمال الديوان، خلال السنوات الماضية، مخالفات في البطاقة التموينية والبطاقة الوطنية والجوازات والعقود الحكومية والإنفاق العام وشركات النفط والحرائق المتكررة وغيرها من الملفات.
وتنص المادة 103 من الدستور على ارتباط ديوان الرقابة المالية بمجلس النواب، ويُلزم قانونه بإرسال التقارير الرقابية إليه، ويمنح النواب ولجانهم حق طلب المعلومات والتحقيقات والتقارير الإضافية. كما أن تعيين رئيس الديوان يحتاج إلى موافقة الأغلبية المطلقة في المجلس، وهذا كله لا يجعل ديوان الرقابة المالية جهة بعيدة عن البرلمان.
والحال هذه، يتحمل البرلمان مسؤولية مباشرة عن متابعة ما يصله من تقارير، واستدعاء الوزراء والمسؤولين الواردة أسماؤهم فيها، ومراقبة تنفيذ توصيات الديوان. أما الاكتفاء بتوبيخ المؤسسة الرقابية بعد سنوات من تسلّم تقاريرها، فيحوّل جلسة المحاسبة إلى مشهد سياسي لا يكشف مصير المخالفات ولا يحدد الجهات التي عطلت معالجتها.
وتزداد مسؤولية مجلس النواب بسبب القيود المفروضة على نشر الوثائق. فقانون الديوان يسمح له بنشر ما يراه ضرورياً من تقاريره بموافقة البرلمان. وبذلك يبقى جانب كبير من العمل الرقابي محصوراً بين الديوان والجهات التنفيذية والنيابية، بينما لا يصل إلى المواطنين والصحفيين والباحثين إلا جزء محدود منه.
وإذا كان هناك سعيٌ حقاً لتطوير ديوان الرقابة المالية ومحاسبته على التقصير والبطء، فذلك يجب أن يبدأ بفحص آلاف التقارير التي أنجزها، والكشف عن الجهات التي تجاهلت ملاحظاته، ونشرها أمام الرأي العام. فالمشكلة العراقية لم تكن دائماً في غياب من يكتشف الفساد فحسب، بل في بقاء ما اكتُشف داخل الكتب الرسمية، ثم تكراره تحت أنظار مؤسسات تسلمت التحذيرات ولم تتخذ ما يكفي لمنعه.