التاريخ البديل للحشيش في العراق.. من فقه المجالس إلى سردية الخطر الصهيوني 

يتتبع هذا المقال تحوّل صورة الحشيش في العراق من مادة في الفقه والأدب إلى رمزٍ سياسي في الخطابات الاستشراقية والصهيونية، وكيف أُعيد تدوير هذه الصورة، واستُخدمت النبتة نفسها في سياقات مختلفة عبر التاريخ.

موسى الشديديموسى الشديدي | 14 تموز 2026

يشرح فراس سواح في كتابه “لغز عشتار” ارتباط نبات الحشيش بالطقوس الوثنية القديمة حول العالم، إذ يرى أن “المخدر يهب المريد مركبة سحرية تجتاز به تخوم الصحو نحو العوالم المقدسة، فيحرره من كثافة المادة وشروط الواقع ليضعه على مشارف الإلهي وتخوم الحرية، في بارقة مؤقتة هي قبس من ملكوت آخر” 1 فراس سواح، لغز عشتار، (دمشق: دار علاء الدين، 1985)، ص254. .  

في هذا المقال أتتبع التاريخ الاجتماعي والسياسي للحشيش في العراق، وكيف جرى وصم العراق به في الأدبيات المملوكية، ثم دور الاستعمار في ربط الحشيش بالإسلام والشرق. وقد انعكس هذا الربط لاحقاً في السردية الصهيونية الناشئة، حيث ظهر الحشيش أحياناً بوصفه جزءاً من صورة الإرهابي الفلسطيني المهرّب له، أو في صورة المجرم القادم من الشرق، مثل اليهودي العراقي في بعض هذه السرديات. 

الحشيش القديم في العراق 

عرف العراق الحشيش في التاريخ الإسلامي قبل مصر، وتشهد الوثائق الأدبية والتاريخية على انتشاره بين بعض نخب بغداد. يذكر تقي الدين الدمشقي أن نقيب نقباء بغداد، قطب الدين الحسن العلوي (ت. 645هـ/1245م) كان يحب أكل الحشيشة معجونة بالعسل، فأهدى قاضي البصرة إليه منها “لعلمه بميل النقيب إليها وإيثاره لها على الخمر، لتحليلها عنده وخفّة مؤونتها وعظم شأنها وطيب نشوتها”. وقد عُجنت بالشهد، فلما أكلها استلذّها ونظم فيها أبياتاً يصفها ويشكر القاضي على هديته، والأبيات:  2 تقي الدين البدري الدمشقي، راحة الأرواح في الحشيش والراح، ت. ودراسة دانيلو مارينو، ص20. راجع مخطوطة الكتاب التي بحوزة المكتبة الوطنية الفرنسية التي تعود لعام 1792، تاريخ نشرها رقمياً 21/11/2016، https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/btv1b110029989/f2.item .

وقال البرهانيّ إبراهيم بن أسعد الإربليّ المعروف بالنشّابيّ، (ت. 632هـ/ 1234م) شاعر الخليفة المستنصر بالله العباسي، مدافعاً عن الحشيشة معدداً ما تتفوق به على الخمر صحياً واجتماعياً ودينياً:  3 تقي الدين البدري الدمشقي، راحة الأرواح في الحشيش والراح، ص21.

وقال الشاعر صفي الدين الحلي (ت. 752هـ/1349م) في تفضيل الحشيش على الخمر:  4  خليل الصفدي، الوافي بالوفيات، ت. أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2000) ج18، ص311.  5 الصفدي، الوافي بالوفيات، ج18، ص311. 

يقول الطبيب غابريل نحاس في مقاله “الحشيش في الإسلام” إن الحاكم بأمر الله أصدر في عام 1000 للميلاد مرسوماً يحرّم بيع الكحول في جميع أنحاء سوريا ومصر،  لكنه لم يُحرّم القنب. 6 GABRIEL G. NAHAS, HASHISH IN ISLAM 9TH TO 18TH CENTURY, Bulletin of the N.Y. Academy of Medicine 1982 December, 58(9), pp. 814-831.  

الحشيش كخطر عراقي 

الحشيش طوال العصر الأيوبي وبدايات العصر المملوكي لم يُعد خطراً سياسياً، بل سمحت الدولة بزراعته وبيعه وفرضت عليه الضرائب. عام 1192م اغتال  الإسماعيليون النزاريون المرشح لعرش مملكة القدس الصليبية في صُور، وهو ما أثار رعب الصليبيين.  

ومن هنا صاغ المؤرخ الألماني آرنولد أوف لوبك (ت. 1211م) روايته الشهيرة عنهم، إذ كتب: “سوف أحكى الآن أشياء عن هذا الشيخ، ما قد يبدو غريباً، ولكن أكد صحته لي شهود عدول، لقد استطاع هذا الشيخ بطرقه السحرية أن يغرى قومه بأن يعبدوه ولا يقتنعوا بإله سواه، وأغواهم بطريقة غريبة مستخدماً الآمال والوعود بالمسرات والبهجة الخالدة حتى جعلهم يفضلون الموت على الحياة، إن إيماءة منه كافية لأن تجعل الكثيرين منهم يقفزون من فوق الأسوار المرتفعة فتدق أعناقهم وتتحطم جماجمهم ويموتون ميتة بائسة… والشيخ يقدم لهم بنفسه خناجر مخصصة لهذه المهمة (اغتيال الصليبيين)، ثم يخدرهم على نحو يجعلهم ينغمرون في حالة من الوجد والابتهاج الغامر ونسيان أي شيء آخر، ويعرض عليهم بسحره أحلاماً خيالية ومسرات وبهجات كبيرة ـأو بالأحرى مبهرجة زائفةـ ويعدهم بأن هذه الأشياء ستكون خالصة لهم جزاء لهم”. هكذا ربط الصليبيون بين المخدر الشرقي وهذه المقاومة الإسلامية ضدهم.  

تحول أكل الحشيش لاحقاً إلى تهمة سياسية محليّة بعد دخول التتار الإسلام، إذ انتفى بذلك أحد مبررات المماليك في مصر والشام للحرب ضدهم بوصفهم “كفاراً”. عندها  بدأت صياغة الحشيش في الخطاب المملوكي بوصفه خطراً سياسياً قادماً من العراق وخراسان، مرتبطاً بالتتار وأهل تلك البلاد. 

يقول الشيخ السلفي ابن تيمية (ت. 723هـ/1328م)، الموالي للمماليك، في سياق تحريمه للحشيش: “إنها كانت شرّاً دخل على بلاد العجم حين استولى على من فيها التتار،  ثم انتقلت إلى بغداد وقد علم ما جرى على أهلها من قبيح الأثر” 7 7 الزركشي، زهر العريش في تحريم الحشيش، (القاهرة: دار الوفاء، 1990) ص91 . وقد كان ابن تيمية من أوائل من حاربوا الحشيش، موظفاً تحريمه في مواجهة خصوم المماليك السياسيين في بغداد. غير أن الطبيب غابريل نحاس ينفي ذلك قائلاً: “لا يوجد دليل يُذكر على هذا الادعاء، إذ إن استهلاك الحشيش سبق الغزوات المغولية بسنوات عديدة”. 

ويذكر المقريزي، مؤرخ المماليك، أن “سلطان بغداد أحمد بن أويس (ت. 813هـ/1410م) قدم إلى القاهرة فاراً من تيمورلنك سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فتظاهر  أصحابه بأكلها” 8 لمقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،(بيروت: دار الكتب العلمية، 1998) ج3، ص230.   . كما يروي قصة أخرى عن شخص من “ملاحدة العجم” قدم إلى القاهرة وصنع الحشيشة بعسل، خلط فيها عدة أجزاء مجففة، “فشاع أكلها وفشا في كثير من الناس مدة أعوام” 9 المقريزي، الخطط، ج3، ص231.  . وهي روايات تنسب انتشار الحشيش إلى جهة خارجية معادية. 

ومع ذلك لم يكن الموقف الفقهي موحداً. فقد ميّز أبو العباس القرافي المالكي (ت. 684هـ/1285م) في قواعده بين المرقد والمسكر، معتبراً الحشيش مرقداً كالبنج لا مسكراً كالخمر، وعدّه مفسداً لا محرماً 10 الزركشي، زهر العريش في تحريم الحشيش.  . وبعد أن حرّم الزركشي استخدام الحشيش وبيعه عاد فأجازه للأغراض الطبية قائلاً: “يجوز بيع اليسير منها… لأنها تنفع من الأدوية  كالسقمونيا والأفيون بشرط أن يكون يسيراً”. وذهب الشيخ الصوفي ابن الصاحب إلى أبعد من ذلك معترضاً على تحريمها بقوله:  11 يوسف بن تغرى بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، (القاهرة: دار الكتاب - وزارة الثقافة، د.ت.) ج7، ص380

ويصف المقريزي حال الحشيش في زمنه سنة 815هـ قائلاً: “شاع التجاهر بالشجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين” 12  المقريزي، الخطط، ج3، ص231. . وهو وصف يدعم فكرة أن الخطاب المناهض للحشيش كان يُوظف سياسياً أكثر مما كان يعكس واقعاً مطبقاً على الأرض. 

الاستعمار الكاره للحشيش والإسلام 

في البداية، أدهش تأثير الحشيش الطبي بعض الأوساط الأوروبية. ففي أواخر القرن الثامن عشر، روى الرحالة الفرنسي سونيني في كتابه “رحلات في مصر” (1790)  انتشار تعاطي العرب للمشروبات المصنوعة من نبات القنب، وكتب: “أُلقي بالعرب في حالة من السُكر المُمتع، حالة من التأمل تُلهم البهجة وأحياناً أحلاماً سارة. هذا النوع من سكون العقل، هذا النوع من سكون الروح، لا يُشبه النشوة التي تُسببها الخمر أو المشروبات الكحولية القوية، واللغة الفرنسية لا تُقدم مصطلحات تُعبّر عنها. يُطلق  العرب اسم (كِيف) على هذا الفراغ الذهني الشهواني، هذا النوع من الغيبوبة الساحرة” 13  GABRIEL G. NAHAS, HASHISH IN ISLAM 9TH TO 18TH CENTURY, p. 822. 

في منتصف القرن التاسع عشر، أجرى عدد من الكُتّاب والفنانين الفرنسيين تجارب على الحشيش في باريس، من بينهم تيوفيل غوتييه وشارل بودلير وأوجين ديلاكروا  وألكسندر دوماس. وقد سمع هؤلاء عن هذا المخدر من جنود فرنسيين كانوا متمركزين في شمال إفريقيا، كما كان وصفه حاضراً في حكايات ألف ليلة وليلة. كانت هذه  النخبة الفنية مفتونة بالتجارب الروحانية وبعالم الأحلام، وبفكرة تجاوز الواقع عبر تدخين الحشيش أو تناوله. وقد أطلقوا على تجمعهم اسم “نادي الحشيش“، ونشروا تقارير متعددة عن جلساتهم، بعضها إيجابي وبعضها نقدي. 

كما درس أطباء غربيون إمكانات الحشيش الطبية. فقد كان عالم الأوبئة الفرنسي لويس أوبير روش، المقيم في مصر منذ عام 1830، يبحث عن علاج للتيفوئيد والطاعون الدبلي، وكان يعتقد أن هذه الأمراض تصيب الجهاز العصبي وتنتشر في ظروف غير صحية، وأن الحشيش قد يساعد في الوقاية منها. وبرر ذلك بقوله: “إذا كان لهذا النبات خواص مُسكّرة فلا بد أن يكون له تأثير طبي على الجهاز العصبي”. وكان يعمل في مستشفى بالقاهرة ويزوّد المرضى والأطباء والباحثين المهتمين بالقنب على شكل  معجنات. 

وقدّم الطبيب والصيدلي الأيرلندي ويليام بروك أوشونيسي، الذي عمل في البنغال البريطانية، ورقة بحثية إلى الجمعية الطبية والفيزيائية في كلكتا عام 1839، عرض فيها  نتائج تجاربه حول تأثير الحشيش الطبي على مرضى مستشفى كلكتا. وأشار إلى أن جرعة منه أحدثت استجابات جسدية لافتة في ما وصفه بـ”تلك الحالة العصبية الأكثر  غرابة على الإطلاق”، وهي التخشب، حيث يتحول المريض إلى ما يشبه التمثال الشمعي، غافلاً لمدة ساعة عن جميع المحفزات الخارجية. 

وكان الأطباء المسلمون قد أشاروا إلى بعض هذه الاستخدامات قبل ذلك بقرون. فقد ذكر الطبيب الرازي (865–925م) في كتابه “المنصوري” أن الحشيش قد يفيد في علاج الصرع. ويروي ابن مكي قصة علاج ظهير الدين محمد بن إسماعيل بن الوكيل، وهو من كبار بيوت بغداد  في العصر العباسي، إذ أصابته نوبات صرع شديدة حتى عضّ إحدى أصابعه فقطعها. وبعد أن عجز الأطباء عن علاجه مدة ستة أشهر تناول الحشيش فهدأت نوباته وعاد  إلى وعيه، ولم تُعرف لشفائه علة غير ذلك 14  تقي الدين البدري الدمشقي، راحة الأرواح، ص22

لكن مع دخول الخطاب الطبي الغربي إلى البلاد المسلمة ظهرت محاولات لربط الحشيش بالجنون الشرقي. ففي دراسته المعنونة “في الطب المصري” وصف الطبيب  والمستشرق الإيطالي بروسبيرو ألبيني تأثير الحشيش في مصر قائلاً: “بعد ساعة يُظهر من تناوله جنونه، ويبقون في حالة نشوة طويلة ويستمتعون بأحلامهم المبهجة. هذا  المخدر مفضل لدى عامة الناس لسعره المعقول” 15 GABRIEL G. NAHAS, HASHISH IN ISLAM pp. 814-831.  . وقد صاغ هذا الوصف صورة عن اختلالٍ يُنسب إلى الآخر الشرقي، في مقابل تصور ذاتي عن التوازن والعقلانية  الغربية. 

ويقول المستشرق جيمس ريموند ويلستد في كتابه “رحلتي إلى بغداد”، متحدثاً عن أهل بغداد بين عامي 1816 و1830: “في داخل حرمهم يعلنون صراحة أنهم يعكفون  على تعاطي الملذات المحرمة، كتناول الخمر والعكوف على الفسوق، ذلك أن الحشيش والأفيون يؤلفان بعض وسائل السكر الطبيعية لديهم” 16 جيمس ريموند ويلستد، رحلتي إلى بغداد في عهد الوالي داود باشا، ت. سليم التكريتي، (بغداد، دار إحياء التراث العربي، 1984) ص91. 

وفي مصر، قبل ذلك بسنوات قليلة، حدث أول احتكاك واسع بين الغرب الحديث وتعاطي الحشيش لدى المسلمين أثناء غزو نابليون لمصر عام 1798. وقد بلغ هذا التفاعل ذروته عندما جُرّم استخدام الحشيش بين القوات الفرنسية في تشرين الأول 1800. فقد نص المرسوم الذي أصدره الجنرال جاك فرانسوا مينو على أن الحشيش يؤدي إلى “فقدان مستخدميه العقل والوقوع في هذيان عنيف، مما يدفعهم غالباً  إلى ارتكاب تجاوزات من جميع الأنواع”. ويبدو أن هذا الحظر لم يكن صحياً فقط، بل كان أيضاً محاولة لفرض نظام أخلاقي جديد يتوافق مع سلطة الاحتلال ومع بعض  اتجاهات النخبة الدينية المحلية. 

عام 1836 نشر المستشرق البريطاني إدوارد وليام لين كتابه “عادات المصريين المحدثين”، وخصّص فيه فصلاً للحشيش، كتب فيه بنبرة استهجان واضحة عن تدخين  المسلمين له. يقول لاين إن هذه العادة “انتقلت إلى مصر منذ نحو ستة قرون، أي قبل منتصف القرن الثالث عشر تقريباً، فأولع بها على وجه الخصوص أفراد من الطبقات  الدنيا، غير أن كثيراً من رجال الأدب والدين، ومن الفقراء أيضاً، استسلموا لإغرائها وأيدوا جوازها للمسلمين” 17 إدوارد وليام لين، عادات المصريين المحدثين، ت. عرلي طاهر نور، (بيروت: مكتبة الجامعة الأمريكية، 1950) ص249

يتقاطع خطاب لين هنا مع الرأي الذي طرحه ابن تيمية من قبل، والقائل إن الحشيش محرّم في الإسلام ودخيل على المجتمعات الإسلامية، جاء من مناطق بعيدة وغامضة  في الشرق، ولا سيما من جهة العراق. ويضيف لين إلى ذلك رواية عن الإسماعيليين النزاريين، إذ يذكر أنهم استخدموا “العقاقير المخدرة والمنومة بهدف إفقاد أعدائهم  الوعي”. وبهذا يعيد إنتاج السردية الصليبية القديمة عن “الحشاشين”، لكنه يقلبها جزئياً: فبدلاً من تصويرهم جماعة تخدّر نفسها للدخول في نشوة قبل تنفيذ الاغتيالات،  تصبح المخدرات في روايته وسيلة لتخدير الآخر وإفقاده وعيه تمهيداً لقتله. وفي هذا السياق يستخدم مصطلح “الفدائية” 18 يطلق عليهم ابن بطوطة الاسم نفسه.  لوصفهم. 

وفي السياق الاستشراقي نفسه، كتب غوستاف لوبون (ت. 1931) في كتابه “حضارة العرب” عن الحشيش بوصفه علامة على انحطاط الشرق، قائلاً إن “الحشيش، وهو  مادة مسكرة، من أهم وسائل اللهو والتسلية لدى أمم الشرق منذ قرون”، مضيفاً أن “الفلاح الشرقي الحقير يصبح حين يتعاطاه سعيداً حيناً”. كما يشير إلى أنه يباع من  القاهرة إلى القسطنطينية على هيئة معجون أو حلوى أو مربّى 19 غوستاف لوبون، حضارة العرب، (القاهرة: هنداوي، 2012) ص382.  . في هذا الخطاب يتحول الحشيش إلى رمز للجنون والفسق والكسل، وهي صفات تُلصَق بالشرق والإسلام في  الأدبيات الاستشراقية. 

بعد سقوط الدولة العثمانية ونهاية الحرب العالمية الأولى، تأسست عصبة الأمم عام 1920، وظهر نظام الانتداب الأوروبي في المشرق العربي بذريعة إعداد هذه المناطق  للاستقلال. وبذلك خضعت مناطق واسعة من الشرق الأوسط -بما فيها العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن- لإدارة بريطانية أو فرنسية مباشرة. 

في العراق الملكي استمر تداول الحشيش في بعض المقاهي، خاصة في البصرة وكربلاء، كما يذكر علي جودت الأيوبي في مذكراته، حيث استمرت الدولة في جباية  الضرائب عليه. لكن سلطات الاحتلال البريطاني كانت قد منعت استيراده أو بيعه أو زراعته دون موافقة رسمية منذ عام 1918، بقرار وقّعه قائد الحملة البريطانية ويليام رين مارشال

وفي العام التالي أنشأت عصبة الأمم اللجنة الاستشارية لتجارة الأفيون والمواد الخطرة الأخرى؛ بهدف تنسيق المعلومات الدولية حول تجارة المخدرات ومراقبة عمليات  التهريب. ثم أُضيف الحشيش (القنب الهندي) عام 1925 إلى قائمة المواد الخطرة ضمن اتفاقية الأفيون الدولية التي أقرتها العصبة، ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ عام 1928.  وبذلك جرى حظر تصدير الحشيش وتجريم المتاجرين به، وتحويلهم قانونياً إلى مهربين غير شرعيين للمواد المخدرة 20 P. Knepper, International Crime in the Twentieth Century: The League of Nations Era, 1919-1939 (London: Palgrave, 2011); W. McAllister, Drug Diplomacy in the Twentieth Century: An Interna- tional History (London: Routledge, 2000); L. Kozma, ‘The League of Nations and the Debate over Cannabis Prohibition’, History Compass, Vol.8 (2010), pp.1-10; J. Mills, Cannabis Britannica: Empire, Trade, and Prohibition, 1800-1928 (Oxford: Oxford University Press, 2003). 

وفي عام 1939 ذكر الدكتور جول بوكيه، عضو اللجنة الفرعية للقنب في العصبة، تفسيراً ثقافياً لتعاطي الحشيش في العالم الإسلامي، قائلاً إن تحريم الأئمة ومراسيم  الحكام عبر القرون “ذهبت كلها سدى”؛ لأن المسلمين -بحسب تعبيره- يظلون مولعين بهذا المخدر بسبب عقليتهم الخاصة. وفي هذا التصور يصبح رجال الدين المسلمون جزءاً من منظومة الضبط التي حاول الاستعمار استخدامها للحد من  تعاطي الحشيش. 

كما زعم بوكيه أن القنب يزيد الإثارة الجنسية لدى الشرقيين ويؤدي إلى جنون عنيف، ويسبب الكسل والانفلات الاجتماعي. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الأوروبيين  في شمال إفريقيا الذين جربوا القنب لم تظهر عليهم هذه التأثيرات، مفسراً ذلك بما سماه “حساسية عرقية” أو “مسألة تقبل عرقية” 21 League of Nations Archives (hereafter LNA), OAC, box 4930, dossier 6043, document 36534, Subcommittee on Cannabis; report presented by Dr. J. Bouquet, April 12, 1939, 90. . وهكذا جرى تصوير الحشيش كظاهرة مرتبطة بأجساد الشرقيين وثقافتهم، في إطار خطاب عنصري يربط بين الإسلام والعنف والانحلال. 

وفي عام 1937 جرّمت الولايات المتحدة تعاطي القنب، وشنّت حملة إعلامية واسعة أصبحت لاحقاً من أشهر الحملات الدعائية في تاريخ تشريعات الماريجوانا. فقد نشر  هاري أنسلينغر، رئيس مكتب المخدرات الفيدرالي، مقالاً في مجلة The American Magazine بعنوان “قاتل الشباب“، كتب فيه أنه لا أحد يعرف ما إذا كان الشخص الذي يدخن سيجارة الماريجوانا سيصبح “فيلسوفاً، أو حالماً في جنة موسيقية، أو مجنوناً فاقد العقل، أو قاتلاً”. كان الهدف الواضح من هذه  الحملة إثارة الخوف من مستخدمي الحشيش، الذين كان معظمهم في الخطاب الإعلامي من غير البيض، وبالتالي تبرير سياسات القمع العنصري. 

وفي ثلاثينيات القرن العشرين أُنتجت أفلام دعائية عدة غذّت هذه الهستيريا، من أشهرها فيلم “ماريجوانا” عام 1936، و”قاتل الشباب” عام 1937، المستوحى من مقال أنسلينغر. رسخت هذه الأعمال فكرة أن الحشيش يسبب الجنون والعنف، حتى أصبح يُعرف في الدعاية الأمريكية باسم “عشبة الشيطان”. وصعّد أنسلينغر لهجته أكثر حين قال إن الماريجوانا “مخدر إدماني يؤدي إلى الجنون والإجرام والموت”، في خطاب يشبه كثيراً اللغة التي استخدمتها النصوص  الاستشراقية عن الشرق والمسلمين. 

ملصق “ماريجوانا” عام 1936، و”قاتل الشباب” عام 1937، المصدر: الكاتب. 

الحشيش المعادي للصهيونية 

متناغماً مع الخطاب الأمريكي العنصري الكاره للحشيش، استحضر الخطاب الصهيوني المبكر السردية الصليبية حول “الحشاشين المجانين”، وربطها بالفلسطينيين  وبالعرب عموماً. ففي افتتاحية نُشرت عام 1938 في صحيفة دافار اليومية العبرية، في ذروة الثورة العربية الفلسطينية (1936–1939) التي تُعدّ أهم تمرد مناهض للاستعمار في المشرق العربي خلال فترة ما بين الحربين، طُرح الحشيش بوصفه أحد أسباب هذا التمرد. وبعد الإشارة إلى الإسماعيلية كتب صاحب الافتتاحية: 

“إن الاشتباكات الدموية التي وقعت عام 1936 واستمرارَها دليلٌ قاطع على الصلة الوثيقة بين العصابات العربية والحشيش في البلاد، بعد كل ما ذكرناه عن الحشيشيين لا شك لديّ في هذه الصلة… فبينما يأتي نصف العصابات في البلاد من الخارج (شرق الأردن، وسوريا، ومصر، والعراق)، فإن النصف المتبقي هم من أهل الحشيش  وما شابهه من المخدرات المسكرة” 22 D. Zismann, “The Country’s Gangs and Hashish,” Davar, March 30, 1938.

ويمضي الكاتب في تفسيره لطبيعة هذا الارتباط، فيزعم أن الحشيش يثير العنف ويحرر متعاطيه من القيود الأخلاقية والاجتماعية. فهو، بحسب النص، “يولّد سلوكاً غاضباً يمكن أن يصل بسهولة إلى عدوان وحشي لا يعرف الخوف”. ويضيف أن مدخن الحشيش “يميل بسهولة إلى الغضب الشديد أو القتل ببرودة قلب ملحوظة؛ لأن الحشيش  يصعق عقله، ويُضعف أو يُدمّر إدراكه للواقع، ويُحيّد موانعه الطبيعية والاجتماعية”. 

بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين استمرت هذه السردية بأشكال مختلفة. ففي عام 1953 قال أحد ضباط الشرطة الإسرائيليين: “مع أن تعاطي المخدرات كان دائماً محدوداً في بلدنا، إلا أنه يجب أن نضع في اعتبارنا أنه منذ الهجرة الجماعية لليهود من الدول العربية ازداد الاستهلاك. من السهل تفسير هذه الظاهرة: فكل هجرة إلى دولتنا جلبت معها أساليب الحياة  والعادات والتقاليد السائدة في بلدان المهاجرين الأصلية، بما في ذلك عادة تعاطي المخدرات الخطيرة” 23  ISA, L-17/2278, First Inspector Yehuda Kaufman, Second Report on Dangerous Drugs, February 12, 1953.  ، ويعيد هذا التصور إنتاج الفكرة نفسها: الحشيش عادة شرقية  جاءت مع المهاجرين من البلدان العربية، فلا يمكن للجسد الأبيض المتسلح بالاستنارة والعلم أن يتأثر بهذا المخدر الحقير! 

واستمرت التحذيرات الرسمية من الحشيش باعتباره خطراً داخلياً يهدد المجتمع الإسرائيلي. ففي عام 1956 قال أحد رجال الشرطة: “ما لدينا هنا هو خطر وطني، خطر  رهيب… إذا لم يُتخذ إجراء للقضاء على هذا الوباء الرهيب فستصبح إسرائيل في غضون عشر سنوات مصراً ثانية” 24 Cited in Yitzhak White, ‘The Government Is Distributing Dangerous Drugs to Every Addict’, Yedioth Ahronoth, June 29, 1956. 

كما أكدت دراسة استقصائية نُشرت عام 1966 حول مرتكبي جرائم المخدرات في إسرائيل، كتبها عالمان إسرائيليان في علم الجريمة، أن “تدخين المخدرات، وخاصةً  الحشيش والأفيون، يعد ممارسة شائعة نسبياً في دول الشرق الأوسط، وخاصة في تركيا وبلاد فارس ومصر والعراق، ويمكن الافتراض أن هناك عدداً كبيراً نسبياً من  الأشخاص الذين جلبوا هذه العادة معهم من بلدانهم الأصلية25“. 

وبعد أن طمأنت صحيفة هاتزوف اليومية، المرتبطة بالصهيونية الدينية، قراءها بأن “استخدام المخدرات المسكرة يقتصر في الوقت الحالي على اليهود من أصل شرقي”،  لفتت في الوقت نفسه الانتباه إلى “بعض الأماكن” حيث “بدأ الجيران يحذون حذوهم”. وأشار التقرير تحديداً إلى مدينة كريات شمونة الشمالية، التي كانت مخيماً مؤقتاً قبل  أن تتحول إلى مجلس محلي عام 1953، حيث “تعلم اليهود الرومانيون… عقيدة تدخين الحشيش من اليهود الشرقيين، فأصبحوا خبراء فيه، ونقلوا العدوى للآخرين أيضاً 26 Adler, ‘War on Intoxicating Drugs’, Hatzofe, November 8, 1954.  ”. وهكذا صار الحشيش يُصوَّر بوصفه مرضاً معدياً ووباءً شرقياً إرهابياً، أشبه ما يكون بسلاح بيولوجي ينبغي تجريد العدو منه. 

وفي مداهمة للشرطة عام 1963 لمقهى في حيفا كان يقدم الحشيش لزبائنه، تساءل مراسل مرافق عن “الفئات العرقية التي ينتمي إليها الزبائن: ربعهم تقريباً من العرب”،  بينما كان 60 بالمئة منهم “مهاجرين من العراق وتركيا”. ويكشف هذا النوع من التقارير عن ميل واضح لربط الحشيش بالعرب وبالمهاجرين القادمين من الشرق الأوسط، ولا سيما العراقيين 27 Yitzhak White, ‘Drug Dealers Sold Hashish to Minors from an Institution Near Tiv`on’, Yedioth Ahronoth, February 3, 1963.  

عام 1954 شنت الشرطة الصهيونية حملة اعتقالات واسعة ضد زارعي الحشيش للاستخدام الشخصي. وذكر كاتب في صحيفة الهميشمار اليومية العبرية، بعد التذكير  بأتباع حسن الصباح الإسماعيلية: “هذه الطائفة من المريدين والقتلة المرعبين الذين كان مرشدهم وقائدهم يرسلهم لتنفيذ أوامره… تحت تأثير مخدر الحشيش”. وزعم أن  مزارعي الحشيش من اليهود المهجّرين من المجتمعات العربية كانوا مسؤولين عن “جريمة قتل مروعة” لطفل، وقعت في معسكر عبور بالقرب من تل أبيب، وهو معسكر كان يضم يهوداً من أصول عراقية على وجه التحديد. واختتم مقاله محذّراً بحزن من أنه “في الأماكن التي ينمو فيها الحشيش… سينمو أيضاً شاب متوحش” 28 Kokhva, ‘On “Successes” in Hashish Growing’, Al Hamishmar, September1, 1954.  

أما في العراق خلال تلك السنوات، فقدمت الصحافة المحلية إشارات متفرقة إلى المخدرات. إذ انتقدت جريدة الاستقلال عام 1933 الحكومة العراقية لعدم منع زراعة  الحشيش رغم تجريم تعاطيه، ونشرت خبراً عن القبض على مواطن من الكاظمية يدعى حسن طالب بتهمة تهريب الأفيون، وفي العام نفسه نشرت خبراً عن مداهمة منزل مهرب مخدرات. بينما نشرت جريدة الأحرار خبراً مشابهاً في كركوك عام 1947، وجريدة الجبل خبراً آخر في البصرة عام 1953.  29 حمد عبود سعد الساعدي، الأساس القانوني لتصدي حكومات العهد الملكي في العراق للمخدرات 1921 – 1958 دراسة تاريخية، (بغداد: مجملة مداد الآداب، العدد 28) ص1127. 

لاحقاً تطورت السياسات العقابية في العراق لتصل إلى عقوبة الإعدام في بعض القضايا المرتبطة بالمخدرات خلال حكم صدام حسين، كما يشير السياسي العراقي فائق  الشيخ علي في انتقاداته للحكومات بعد عام 2003. كما وجه اتهامات إلى “أحزاب شيعية ومليشيات مسلحة” بزراعة الحشيش في مزارع جنوب العراق، في استعادة ضمنية لأسطورة الحشاشين. 

المفارقة أن الخطاب الذي شَيطَن الحشيش في الشرق تغيّر لاحقاً داخل إسرائيل نفسها. ففي عام 2022 أعلنت إسرائيل مشروعاً في صحراء النقب لبناء مدينة متخصصة  في إنتاج الحشيش الطبي. وهكذا أصبحت تل أبيب، التي كان خطابها الرسمي ينظر إلى الحشيش بوصفه خطراً شرقياً، واحدة من الدول التي تتباهى بتوسيع استخدامه  الطبي لتكون عاصمة “القنب الطبي”. 

في المقابل، اتجهت السياسات العراقية المعاصرة إلى تشديد العقوبات على تجار ومتعاطي المخدرات.  

صورة الحشيش 

استمر تصوير العراق والعراقيين عبر التاريخ في سياق سرديات تربطهم بالحشيش، واتخذت هذه الوصمة أشكالاً مختلفة عبر الزمن. والمثير للاهتمام هو التناغم بين  الخطاب الصليبي القديم ثم الخطاب الفقهي المملوكي ثم الخطاب الاستشراقي الاستعماري اللاحق له، وكأن الخطاب الاستعماري الحديث بُني على عناصر كانت موجودة مسبقاً في خطاب ابن تيمية وأتباعه، المتأثر بدوره بالسردية الصليبية حول الإسماعيلية النزارية. 

وهذا يبيّن أن وصم العراق باستدخال الحشيش لم يكن مجرد توصيف اجتماعي، بل مشروعاً سلطوياً سابقاً للحداثة، أعاد الاستعمار الأوروبي تدويره لاحقاً، واستفاد منه  الخطاب الصهيوني في بناء هويته الاستعمارية، كما استفادت منه الأنظمة المحلية في سياسات الضبط والقمع، ما يجعل محاولة تحرير الثقافة الإسلامية من الاستعمار، أو  تفكيك الهوية الاستعمارية، أمراً بالغ الصعوبة من دون تفكيك العناصر الأصولية التكفيرية التي مهدت له وأصبحت إحدى طبقاته التاريخية. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب وباحث مختص في دراسة الشهوة بعدسة إسلامية معادية للاستعمار، ولد في بغداد وصدر له خمس كتب حول الشهوة والفن والتاريخ، كما شارك في إعداد وتحرير العديد من المشاريع الفنية والثقافية والسينمائية منذ 2016، نشرت مقالاته في منصات عدة.
بمشاركة