في زمن السرديات والحروب والعقائد الكبرى، يصبح كل شيء كبيراً إلى حدّ أن الإنسان نفسه يكاد يختفي وتختفي تجاربه الشخصية بين نشرات الأخبار، ويضيع اليومي في ضجيج السياسة، وتغدو الحياة الهامش الذي لا يلتفت إليه أحد.
هذه المادة محاولة لإعادة الاعتبار لتلك التجارب الفردية، الحسية، التي لا تُلتقط بالكاميرات، نستشعر فيها الشم، لا بوصفه حاسة بيولوجية فحسب، بل كجسر خفي يربط الإنسان بماضيه ومكانه، ويعيد رسم واقعه من منظور مختلف، وربما يعيد تشكيل الواقع بأنف منفتح على التجربة.
هي محاولة تتسع لتشمل أسئلة عن الذات، ليس بوصفها كائناً وظيفياً ضمن جسد اجتماعي فضفاض، بل حياة تشيد وتنسجم وتتفاعل، حياة تهيم وتستقطب، ويُعاد تدويرها أحياناً لتكريس غرور المركزيات المهيمنة، ولم يتبق للأفراد فيها سوى ذلك الطرف الذي يحاول تأطير التجربة بشيء من الفرادة، خارج الجغرافيا والتاريخ الرسميين، لإنتاج تاريخٍ موازٍ من المحكي، من ذاكرة الأفراد، من تجاوبهم مع العالم، مما لا يمكن تدوينه عبر المؤرخين المأخوذين بالأحداث الكبيرة.
من السرديات المكرسة… إلى الشخصي
تظهر حاسة الشم في الحكايات البشرية مثل الحواس الأخرى، وتأخذ أشكالاً متعددة. في حكاية يوسف، حيث تكون الرائحة بطلاً تراجيدياً، يسترد عبرها الأب يعقوب حاسة البصر.
نتيجة لفاعلية الشم، يأتي مرادفاً للبصيرة بمعناها الذي يتجاوز المشاهدة إلى معنى الرؤية: “اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً”. قد تكون هذه أشهر الحكايات البشرية التي تقدم الشم على غيره من الحواس.
في رواية العطر، يظهر الأنف بوصفه بطلاً مأساوياً، حين عاش في القرن الثامن عشر في فرنسا رجل يُدعى “جان باتيست غرونوي”، اسمه قد طواه النسيان، نقيض نوابغ أوغاد آخرين مثل دو ساد، وفوشيه، ونابليون. ليس لأنه أقل شهرة أو تعالياً منهم، وإنما لأن عبقريته وطموحه انحصرا في ميدان لا يخلّف وراءه أثراً في التاريخ، أي في ملكوت الروائح الزائل.
غرونوي هو بطل رواية “العطر” لباتريك زوسكيند، وُلد “ابن الحرام الذي ليست له رائحة” في عام 1738 قرب عربة السمك، وغطي بسرب من الذباب والأحشاء والرؤوس المقطوعة للسمك.

وُلد في مكان يعج بالروائح الكريهة، حيث الجثث، والعظام، والجبن، والعفن. كل ذلك أورثه أنفاً عبقرياً، ليصبح بذلك واحداً من أعظم صانعي العطور في عصره، وينتهي بطريقة مأساوية قرب المكان الذي وُلد فيه.
“بوسع البشر أن يغمضوا أعينهم أمام ما هو عظيم أو جميل، وأن يُغلقوا آذانهم أمام الألحان والكلام المعسول، ولكن ليس بوسعهم الهروب من العبق؛ لأنه شقيق الشهيق، معه يدخل إلى ذواتهم، ولا يستطيعون صده إن رغبوا بالبقاء على قيد الحياة. إنه يدخل إلى أعماقهم، إلى القلب مباشرة، حيث يتم الفصل الحاسم بين الميل إليه أو احتقاره، بين القرف منه أو الرغبة فيه، بين حبه أو كرهه”.
تحاول هذه السردية أن تعيد تشكيل علاقتي الشخصية بالرائحة، عبر الفعل الذي لا يمكن تفاديه، والحاسة التي لا يمكن إغلاقها بإحكام إلا لثوانٍ.
“أريد من أموت ما تنسى ريحتي”
لدى جداتي: دلية جلعة، نجيبة جلعة، وخيرية ميذوب، عادات غريبة. حين يقبّلننا، نحن الأحفاد، يضممنا بقوة إلى صدورهن، ويشممن رائحة الشعر مخلوطة برائحة التبغ، يبتغين رائحة شيء ما لا أعرفه بالضبط.
جمل أثيرة تقال بالتوازي مع ذلك الحضن، سمعتها كثيراً، وتكررها أغلب الجدات حين يقبلن شخصاً ما، طفلاً كان أو امرأة، أو رجلاً من أبناء أحبابهن، يقلن: “أفيش يا ريحة العزاز”، أو “بيك ريحة فلان/أهلي “. و”فلان” هنا هو أم أو أب الشخص الذي يتقلب في تلك الأيادي التي شاخت مع الزمن.
في عام 2004، انتقلنا من بيت الجد إلى منزل الأب. كنت أقضي عطلتي المدرسية عند جدتي دلية، بين ساعة وأخرى كانت تحضنني وتقول: “يا ريحة كريم”، كريم هو أبي، ابنها.
ليست جداتي وحدهن لهن هذا الطقس، فطومة عناد أيضاً لديها طقس ولو أنه مختلف قليلاً. رغم أنها توفيت في العام 2008، فإن حفيدها بارق لم ينسَ رائحتها، يعود ذلك لسلوك الجدة نفسها التي تريد ألّا تُنسى رائحتها، كانت تقبّل الحفيد من أنفه، تلك القبلة لطالما أثارت استغرابه، سألها مرة: “بيبي ليش تبوسيني من خشمي؟” بررت تلك القبلة برغبتها في الخلود: “يدة حتى من أموت ما تنسى ريحتي”.
ربما فطومة تدرك أن الجسد وتفاصيله تنسى بتلاحق الصور وتراكمها في الدماغ البشري، وأن الصوت يمكن أن يتداخل مع الأصوات الأخرى في الحياة، فهو معرض للضياع وسط الضجيج، غير أن الرائحة على العكس من ذلك، يمكن أن تذهب في منطقة تحفظها إلى الأبد. هذا الافتراض تؤكده البصلة الشمية لبارق التي ما تزال تحتفظ برائحة الجدة، وخزانة ملابسه ما يزال فيها فتات من قطع مسك صغيرة جداً من بقايا ما استخدمته فطومة، إضافة إلى “شياشي مال ريحة نالتها، وشيلة بيها ريحتها ولحد الآن بيها، رغم يجوز غيري ما يشتمها” كما يقول بارق.
توفيت آخر جداتي منذ نحو أشهر، نجيبة جلعة، أو “نجية” كما كنا نسميها. وعلى عكس غيرها من الجدات اللواتي توفين قبل عصر الهواتف الذكية، لدينا اليوم عشرات الصور والمقاطع المصورة معها.
لدي شخصياً تسجيلات صوت مطولة معها، عن حياتها في الريف، وعن مشاركتها في تظاهرات تسميها “ضربة رشيد عالي كيلاني”، فهي لا تعرف أنها ناشطة مدنية منذ عام 1948. عملتُ بكل اهتمام وشغف وبكامل حسي الصحفي والتوثيقي معها، وثقت وشومها، وسجلت صوتها، وشاركت معها لحظات كثيرة في العامين الأخيرين.
غير أنني مؤخراً أدركت أن هناك شيئاً عصياً على التوثيق والنقل: رائحتها. كيف يمكننا أرشفة رائحة إنسان؟ كيف نحفظ هذا الأثر؟ هل تكفي اللغة؟ هل تكفي الكتابة؟ أم علينا الاحتفاظ بزجاجة عطر؟ علبة قديمة؟ ما الذي يبقى من الرائحة؟
رائحة الهواء… رائحة الدجاج
في عقد التسعينيات، دفع العراقيون ضريبة اجتياح الكويت كاملة، حتى حُرم الإنسان من الخبز، فضلاً عن القصف العنيف الذي تعرضت له منشآت الطاقة وقتها، وكانت على رأسها محطات توليد الطاقة الكهربائية، ذلك ما جعلها نادرة المجيء، كما لو أنها حلم، حلم يمد تلك الطفولة بالنور والتلفاز والمروحة. بناء على ذلك استعاد الناس عادة قديمة خلال صيف العراق اللاهب، صار سطح المنزل غرفة نوم، حيث تتوزع المفارش والوسائد كل منها في مكانه.
تتوسط جدتي دلية سطح المنزل وعلى يسارها عمي، وعلى يمينها أمي ونحن، لكن قبل مغيب الشمس بقليل، كانت الجدة تكلف إحدى النسوة بـ”رش السطح”، أي ترطيبه بالمياه، السطح الذي كان من الطين في جزء منه، تفعل ذلك لكي تشم “رائحة الهواء”، كما تقول. بعد ذلك تصعد معها إبريق مياه أزرق “عادة يُنسى في الشمس حتى بهت لونه”، ترش به “تنور الطين” الذي بناه الحصار لتفادي شراء الغاز. ذلك الاختلاط بين الماء والطين صنع كل تصوراتي عن الرائحة، فضلاً عن رائحة الخبز، ولم يتعثر أنفي يوماً برائحة الطين دون أن تمر جدتي وتنورها ورائحة السطح، ولم تكن تكتفي بذلك، كانت تطرد رطوبة سور السطح بالمياه أيضاً، وهذا يمنح الهواء الطلق رائحة أثيرة.

شيدت دلية على سطح المنزل قناً للدجاج أيام الحصار، كانت تترقب البيض مثلما تفعل معنا نحن الصغار أحفادها، تجمع ما تيسر من البيض في انتظار التكاثر، وهي لا تختلف بذلك كثيراً عن جدتي “خيرية مجذوب” التي كانت تحب الدجاج والتكاثر، ولا تدري أيهما أقدم البيض أم الريش.
كانت وسائد خيرية مما يتركه الطير، ذلك ما يمنح سريرها رائحة لا تنسى. للدجاج روائح عديدة، فمن فضلاته إلى رائحة الشواء إلى رائحته على المائدة، ثمة سلسلة من الروائح تختلط وتتداخل، غير أن ذلك التداخل لا يختلط على أنوف الجدات ذوات الأصول الريفية، عبر الرائحة يعرفن الدجاجة إذا ما أصيب بفطريات أو بكتيريا، مرة سمعت جدتي تقول عندما ربّى أخي الصغير ديكاً: “هذا الديج بي ريحة، يمكن مريض”. من خلال ذلك الطائر يمكن معرفة الحاسة تلك ومدى فاعليتها لديهن.
في عوالم الدجاج والطين تلك يمكن استعادة ذاكرة الطفولة، بمرور تلك الأيام وقسوتها ثمة رائحة لا تزول، عادة أمرّ في الأزقة والطرق والمقاهي، أحاول أن أمسك رائحة مميزة للمكان، محاولاً أن أحفز ذاكرتي الشمية فيما بعد، لكن يبدو أن تحفيزها عنوة محاولة غير مجدية، فلم أفعل ذلك مع رائحة الجدات، مع تفاصيلهن المليئة بالروائح، التي تستعاد فجأة بين فترة وأخرى.
فلسفة الهواء… لا تعددية ثقافية
طالما لا يمكن فلسفة الهواء فهكذا الأمر مع الروائح التي ترتبط بعملية التنفس، حتى نكاد في أحيان كثيرة لا نعرف أنحن نتنفس أم نشم؟ مع كل شهيق رائحة، مع كل زفير رائحة، أحياناً نحب تحت تأثير الرائحة، “العالم ليس نغماً وعدداً”، ربما رائحة فحسب.
ما يميز حاسة الشم أنها أقرب الحواس إلى العاطفة والذاكرة، الروائح تنتقل من الأنف إلى البصلة الشمية مباشرة، وهي بذلك العملية الوحيدة التي يقوم بها الإنسان ولا تحتاج للمهاد كنقطة انتقال، والمهاد هو أحد أهم أجزاء الدماغ، ويعمل بمكانة “محطة مركزية” لجميع الإشارات الحسية تقريباً التي تدخل الدماغ، لذلك تثير الرائحة مشاعر وذكريات قوية، بفضل مسارها المباشر إلى المناطق المسؤولة عن العاطفة والذاكرة.
غير أن تلك العملية غير مسيطر عليها تكنولوجياً. عبر سلسلة طويلة من الفعاليات العقلية والشعورية طوّر الإنسان تقنيات لا يكاد يفلت منها شيء، معرضاً كافة أفعالنا وحتى حقائقنا النفسية للأرشفة، الأصوات، الإيماءات، الحركات، العين، الأقدام، الملابس، من الممكن تصوير الآخرين بينما هم يركضون أو يجلسون، عبر كبسة خفيفة على الهاتف أو الكاميرا. يمكن أيضاً حفظ أصواتهم ومخارج الحروف بعناية، يمكن من مقتنيات معينة إعادة تركيب حياة ما، غير أن العطر عصي حتى اللحظة على الحفظ والأرشفة تلك، ولا يمكن تدوينه، ولا يعاد تركيبه أو تشكليه، ليبقى حبيس الذاكرة فحسب. لذا؛ نحن نتذكر عبر الرائحة.

فضلاً عن ذلك تجتاز الرائحة التعددات الثقافية والجغرافية والبيئات المختلفة، تضعنا في صف واحد غالباً عند التمييز بين الطيب والكريه، لماذا نتفق حولها أغلب الأحيان؟ إلى أي حد تؤثر البيئة والتنشئة في خياراتنا الشمية؟
في دراسة أجراها الباحث آرتين أرشامين، شارك فيها 235 شخصاً من مجموعات سكانية متنوعة وبيئات مختلفة، تحت عنوان “الناس حول العالم يفضلون أنواع الروائح نفسها”، وجد أن “ما نفضله من روائح ليس مسألة ثقافة أو بيئة فقط، بل له أساس بيولوجي عالمي”، واستنتج أن 41 بالمئة من تفضيلات الروائح تفسرها الخصائص الجزيئية للروائح، بينما تفسر الثقافة والبيئة ستة بالمئة فقط من تفضيلات الروائح.
يخلص الباحث إلى أن “ما يجعلنا نحب أو نكره رائحة معينة يعتمد أساساً على البنية الكيميائية المكونة لها، وهو ما يجعل بعض الروائح تُعتبر طيبة في مختلف أنحاء العالم”، منها رائحة الخوخ، لكن على الرغم من أننا نتفق على الطيب، فإننا لا نتفق على شدة تعلقنا بهذه الرائحة أو تلك بناء على تجربتنا الإنسانية الفردية.
كل منا يعرف رائحة مدينته والناس حوله، نختلف في شدة الانجذاب بناء على تاريخنا الشخصي.
رائحة النسيان
لا تقتصر العلاقة بين الموتى والأحياء على التذكر فحسب، بل تشمل الخيانات التي يمارسها الأحياء لا إرادياً أثناء تدافعهم نحو المستقبل. لا أكاد أتذكر ملامح جدتي دلية، ومن غير المعقول أن أستعيد صوتها بعد عقد من الزمن، أتذكر عبارات هنا أو هناك لكن بأصوات مستعارة، ربما بصوتي، غير أن الدخول إلى عالمها قد يكون ممكناً عبر الحكايات، لكنني في الغالب كنت أستعيدها، أو أعيد تركيب وجودها عبر الرائحة، فما إن يهب الهواء برائحة الطين والمياه حتى تعود رائحتها.
الرائحة في الموروث الشعبي لأغلب الثقافات تشكل إحدى ركائز الندب على الغائبين، وهكذا الأمر في ثقافتنا الشعبية، حين يرجى من الغائب جسدياً أن يعود ولو رائحته.
وفي فن الرثاء والندب هناك الكثير من الإشارات على الاكتفاء برائحة الميت، وهو اكتفاء رمزي. مما تقوله النسوة في الرثاء الشعبي لمديح وتعداد مآثر الفقيدة إذا كانت أماً:
“أمي معدلة وحلوة محاجيها
ما كعدن ثلاثة وسولفن بيها
ابن عمها فراضة وجاب طاريها
بالديوان رفعت رأس واليها
ريحة هيل أمي يالتلاكيها
سبع سنين حزن أمي وما أجازيها”