ليست كل منظومة الفساد موضع استهداف في العراق. هذه هي الفكرة التي بدأت تتشكل مع الأيام الأولى للحملة التي أعلنتها حكومة علي الزيدي بوصفها “صولة على الفساد”. فما تكشفه الإجراءات لا يوحي بمحاولة لتفكيك البنية التي أنتجت الفساد خلال العقدين الماضيين، بقدر ما يوحي باستهداف جزء منها، فيما تبقى أجزاء أخرى خارج دائرة المساءلة.
فالفساد في العراق لم يكن يوماً مجرد رشوة يتقاضاها موظف، أو عقد يزوّره مدير عام، أو تلاعب بالمناقصات من قبل مسؤول متوسط، فهذه ليست سوى الحلقة الأخيرة في منظومة تبدأ من العمولات الكبرى، وصفقات البنى التحتية، والمشاريع التي تبتلع مليارات الدولارات، ثم تمتد إلى شبكات النفوذ التي توفر الحماية السياسية والإدارية. ولذلك فإن الفعل الحقيقي لا يتعلق بعدد أوامر القبض، بل بالمستوى الذي تصل إليه المساءلة.
وتركّز حملة حكومة الزيدي، التي وُصفت بـ”صولة الفجر”، على المستويات التنفيذية والسياسية المتوسطة، فيما بقيت الشخصيات التي ارتبطت أسماؤها، على مدى سنوات، بملفات فساد كبرى خارج دائرة التحقيق المعلنة، رغم أن كثيراً من تلك الملفات أصبح جزءاً من النقاش العام، وتناولته وسائل الإعلام مراراً.
وجاء الإفراج عن النائب السابق محمد الصيهود بكفالة صحية بعد أقل من يومين على اعتقاله، ليضع الحملة أمام أول اختبار يتعلق بمعاييرها. فالقضية لا تتعلق بحق أي متهم في الضمانات القانونية، وإنما بقدرة الدولة على إقناع العراقيين بأن هذه الضمانات تطبق على الجميع بالمعايير نفسها، وأن النفوذ السياسي لا ينتج استثناءات. وكلما غابت التفسيرات اتسعت مساحة الشك.
ولهذا، فإن الخطر لا يكمن في أن تفشل الحملة، وإنما في أن تنجح ضمن حدود معينة، عندما تفضي إلى إقصاء بعض اللاعبين، أو إعادة توزيع النفوذ، أو أن تفرض قواعد أكثر صرامة داخل المنظومة نفسها، من دون أن تمس الآليات التي جعلت الفساد ممكناً طوال العقدين الماضيين.
فليست كل أنواع الفساد تهدد النظام السياسي بالقدر نفسه. هناك فساد يقوم على الاستيلاء المنظم على المال العام عبر شبكات النفوذ، وهناك فساد ينشأ عندما تنهار الضوابط داخل هذه الشبكات أو تتعارض مصالحها. وإذا اقتصرت المواجهة على النوع الثاني، فيما بقيت البنية التي تنتج النوع الأول بمنأى عن المساءلة، فإن الحملة لن تنتهي إلى تفكيك منظومة الفساد، وإنما إلى إعادة ضبطها.
والحال هذه، فإن المعيار الحقيقي لأي حملة على الفساد في العراق لا يمكن قياسه بقدرتها على اعتقال عدد أكبر من المتهمين، وإنما بقدرتها على الوصول إلى مراكز القوة التي صنعت هذه المنظومة وحمتها واستفادت منها، مهما كانت مواقعها السياسية. وحتى يحدث ذلك، سيظل من المبكر اعتبار ما يجري حرباً على الفساد، لأن الحملة، إذا توقفت عند هذا السقف، لن تعني نهاية الفساد، بل انتقاله من الفوضى إلى القواعد.