الناطق باسم المساكين.. سيرة كاظم إسماعيل الكاطع 

ولد في صرائف بغداد وفقد والده في فيضان، فكبر يتيماً على وقع مراثي والدته.. هنا سيرة كاظم إسماعيل الكاطع، الشاعر الناطق باسم الفقراء والمساكين في العراق..

علي كرم الخليفةعلي كرم الخليفة | 25 حزيران 2026

وُلد في صرائف بغداد وفقد والده في فيضان عام 1954، فكبر يتيماً على وقع المراثي التي كانت والدته ترددها لزوجها الراحل. تلك الأبيات التي ملأت طفولته كانت بوابته الأولى إلى عالم الشعر، قبل أن يصبح لاحقاًمن أشهر شعراء المنبر الحسيني في العراق، ويُعرف بلقب “الجبل” حتى رحيله عام 2012. 

هذا هو كاظم إسماعيل الكاطع الذي وُلد عام 1950، في صرائف السدة الشرقية من العاصمة بغداد، لأسرة فقيرة تعود جذورها إلى محافظة ميسان. بعد أن توفي والده، تكفلت أمه برعاية العائلة من خلال صنع التنانير الطينية وبيعها، واشتغل بدوره وهو طفل ببيع الباقلاء صباحاً والدراسة في المراحل المسائية، إلى أن تخرج من كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية، من الجامعة المستنصرية. 

البرد سِمَة بارزة في حياتي؛ لأني عشتُ طفولة فقيرة، بائسة، يتيمة، وبقيت ترافقني نعاوي أمي على أبي. كنت كلما سمعتها تنعى أشعر برجفة تسري في جسدي: (كلبي مثل حبة الشلب... ومكشره وما بيها لب.. ما شايفه اليكره يحب)”. 

كان الكاطع يغور لعباً في عالم كرة القدم، ولم يتخيل يوماً ما أنه سيكتب الشعر لاحقاً، حتى أُجهض أول الأحلام بزواج الفتاة التي كان يحبها. كانت تلك التجربة نقطة التحول التي دفعته إلى كتابة الشعر، فكتب أول قصيدة له وهو في عمر الـ17 بعنوان “انتهينا”. لكن القصيدة التي جاءت بعدها جعلته في الصف الأول من ركب الشعراء الشعبيين، وهي قصيدة “رسالة أم” التي كتبها عام 1967، على لسان أم تخاطب ابنها السجين السياسي في سجن نقرة السلمان. 

ولما انتشرت القصيدة انتشاراً واسعاً اتُّهم الكاطع بأن القصيدة ليست من كتابته، ونُسبت إلى الشاعر مظفر النواب؛ لما فيها من قوة شعرية وطابع سياسي وصور لافتة تفوق عمره. 
ويعود ذلك إلى التقارب بين روحية قصيدة الكاطع وقصيدة مظفر النواب “البراءة”؛ إذ يتجلى التشابه بينهما في أن القصيدتين كانتا على لسان حال أم تزور ابنها السجين السياسي، فضلاً عن التشابه في المكان، وهو نقرةالسلمان. 

اخترتُ الشعر الشعبي لأنه يخاطب عامة الناس، ولأنني انتميتُ إلى حركة سياسية تُعنى بالفقراء”. 

سرعان ما شقّ الكاطع مجرىً خاصاً له في نهر الشعر، وبدأ يتردد على مقهى أبو جاسم “القيثارة” في مدينة الثورة، حيث كان يجتمع في ذلك المقهى العديد من الشعراء ومنهم عريان السيد خلف، وذياب كزار، وشاكر السماوي. وأصدر ديوانه الأول عام 1968 بعنوان “قصائد دامعة” بالاشتراك مع الشاعر كريم راضي العماري. في عمر العشرين ربيعاً، وتحديداً عام 1970، طبع ديوانه الثاني “شمس بالليل”، فاستدعاه ناظم كزار، مدير الأمن العام آنذاك، الذي أطفأ “سيجارته” التي كان يدخنها بجلد الكاطع، بعد أن أصر على التمسك بمبادئه وانتمائه اليساري المتمثل في الحزب الشيوعي العراقي. 

بعد تخرجه عام 1974 من الكلية بتقدير جيد جداً، عُيّن مدرساً في ثانوية وليد نجم قطاع 22 في مدينة الثورة ببغداد، ودرَّس فيها لمدة ثلاثة أشهر، ثم صدر قرار “تبعيث المدرسين”، أي “من لم يكن بعثياً فلا يستمر في التدريس”، فنُقل على إثره إلى معمل إسمنت السماوة، لكنّه سرعان ما سافر إلى الكويت، حيث درّس أبناء وزير المالية الكويتي آنذاك، عبد العزيز الدعيس. 

كنت في تماس حقيقي مع الموت منذ الطفولة وحياة الاعتقالات والمشاركات في جبهات القتال… وبالتالي الشاعر حياته ليست ملكاً له وإنما ملك الوطن والناس”. 

الحرب في قصائد الكاطع 

“رجعت الستاره ابحرگه عالشباج 

ورثيت الورد وبجيت… من شفت النده فوك المدافع طاح” 

كانت انعكاسات الحرب الإيرانية-العراقية واضحة في قصائد الكاطع، فقد سيق إلى الجبهة بصفة جندي سائق، وهناك كان شاهداً على أحداث الحرب والمعارك والجبهات التي تعج بجثث القتلى والمصابين، تلك الحرب تركت في نفسه الرعب والخوف بعدما تعرض لهجوم في القاطع الأوسط في منطقة جلولاء، فهرع هارباً إلى نهر، وكان وقتها في أشد العطش، لكنه نسي شرب الماء خوفاً على حياته: 

“إنه الخواف يا دنيا، وحال المبتلي حالي 

 أعبر على نهر عطشان، والمي مو على بالي” 

أصدر الكاطع عدة دواوين بلغ مجموعها 11 ديواناً، منها “قصائد دامعة”، و”جنة نحلم”، و”للعيد أبو هلالين”، و”شمس بالليل”، و”عرس دجلة”، و”نورس حزين”، وغيرها. لكن الأهم من بين هذه الدواوين كان ديوان “نعش النهر” عام 1999؛ لما تضمنه من قصائد “ملغمة”، كما وصفها الشاعر نفسه، وجاء إصدارها في فترة وفاة القيم والمبادئ، وهي فترة الحصار. لذلك أُحيل الديوان من قبل الرقابة -بعد أن بقي تحت الفحص لستة أشهر- إلى مجلس تحقيقي لا علاقة له بالشعر، ولم ير النور إلا في عام 2001، حيث مثل ذروة التجربة الشعرية؛ لما احتواه من قصائد وُصفت بأنها أعظم ما كتبه الشاعر. كما صدرت المجموعة الشعرية الكاملة قبل وفاته بسنة واحدة. 

تَرجم ديوانه “جنة نحلم” إلى الفرنسية الفنان فوزي العائدي مع الشاعر سعدي يوسف عام 1974. بالإضافة إلى ذلك، تُرجمت قصائده إلى الإنكليزية والروسية والألمانية؛ لما تتسم به أشعاره من أسلوب رشيق يركز على الحالة الشاعرية ويتخفف من أعباء اللغة.  

فاز بالجائزة الأولى في مهرجان جرش الدولي، الذي كان بمشاركة الشاعر محمود درويش، وسميح القاسم، وعدد من شعراء العالم العربي. كما فاز بالجائزة الأولى في مهرجان قطر للشعر الدولي. وشارك في مهرجانات وفعاليات شعرية عدة في تونس، والإمارات، والبحرين، وعُمان، ودول أخرى. 

” أنا أختار من الحياة اليومية أبيات شعري، لذلك تجد قصائدي واقعية المضمون، كلها من تجاربي وحياة الناس”. 

 
ما يميّز قصائده هو الحبكة القصصية والمشهد السينمائي داخل النص الشعري، وكأنه فيلم شعري يتدفق بالصور الشعرية والاستعارات. فضلاً عن ذلك برع في الكثير من قصائد الرثاء، وأشهرها رثاء زوجته ورفقاء دربه، وابنه الصغير حيدر الذي توفي وهو لم يتجاوز الـ14 عاماً، وبقي سبب وفاته مجهولاً. بقيت ذكرى حيدر عالقة في ذهنه وظلّت تطارده طوال حياته، مما اضطره إلى بيع بيته الذي يقابل باب مدرسة حيدر؛ لأن كل طالب يخرج منها كان يذكره بولده الذي توارى في المجهول:  


“بده العام الدراسي وبدت الهموم 
وبيتي عالمدارس بابه صاير 
نسيت وداعتك جيت أشتري هدوم 
الك ومحضر أقلام ودفاتر  
مو تسمع قيام وليش ما تكوم 
ومر اسمك ولا من كال حاضر” 
“أنا ما زلت ما مرتاح… وسأبقى” 

لم يذق الكاطع طعم الطمأنينة في حياته؛ لذا بقي يعيش الاضطرابات والأحزان. لم تترك له الانكسارات شيئاً مستقيماً، بعد أن فقد من يحب، وفقد تاج العافية حينما تعرض لجلطة دماغية ألمّت به، وأُصيب إثرها بشلل في يده اليمنى. توفي يوم 25 حزيران عام 2012، بعد صراع مع مرض القلب، في مستشفى الكاظمية، وأُقيمت مراسم تشييعه في المسرح الوطني وسط بغداد.  1 تعتمد هذه المادة على مقابلات مصوّرة مع الشاعر تناولت سيرته الشخصية وتجربته الشعرية، واستُخرجت منها المعلومات والاقتباسات الواردة في النص، وهي كالتالي: 
 
 
https://youtu.be/MPqZOs8wi48?si=KabvXcClnWubQk5c 
 
https://youtu.be/9jeh9VB__N4?si=xWdvhVY0fKF80_r2 
 
https://youtube.com/shorts/3X2tVGV7ycM?si=uvwCH89EDOb0WPgJ 

بعض الأغاني التي كتبها

“يصبرني”، غناء أحمد نعمة

“يا فاتني”، غناء سامي كمال

“موال اللي مضيع ذهب”، سعدون جابر 

“أريد أبجي على صدرك”، غناء كاظم الساهر

“انتهينا”، غناء ولحن عبادي العماري، وغناء ولحن عوض دوخي  

“يالكاع ترابج كافوري”، غناء علي عبد الله

“الفرح جنحانة عشرة”، غناء قحطان العطار، وهي أول أغنية للعطار

“قطار العمر” أو “محسوبة من العمر”، غناء محمد السامر 

“سألت الناس”، “تغطيت”، “بعدك تحن”، “نصبر نصبر”، “ممشانة سوه”، “يبنيه دنيا غروب” …الخ غناء كريم منصور

صورة للشاعر وهو يقرأ في مهرجان جرش بالتعاون مع مؤسسة عبد الحميد شومان. 
عريان السيد خلف مع الشاعر. 

“آه يا الكلك تناقض.. خدك وكلبك عجايب
صوره مو طبق الأصل
خدك بلون الوفر ليلة ضباب
وكلبك بلون الكحل”



“والتماثيل اتحرك

وعلى طعنات السيوف الحجر يضحك

وعلى الما يسوه تطيج الروس جملة والشوارب تنفتل

والطيور أملثمه اباب الحدايق بينهن ثارات ودموم وفصل”

عريان السيد خلف مع الشاعر. 

“منهو بحالنه إحنه المساكين … إحنه المحد النه المدري منين 
خلصنه عمرنا بالمحطات … سفر وبيوتنه سطوح الفراكين 
تمنينه نموت بغير تعذيب …. وعلى المذبح يطغنه صارله سنين 
يوصلنه السره ويتأجل الموت … يم اركابنه وتعمه السجاجين 
يوصلنه السره ويتأجل الموت … ويم اركابنه وتعمه السجاجين”

رياض أحمد سعدون جابر مع الكاطع في الجامعة المستنصرية. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

شاعر يكتب بالعامية والفصحى، حاصل على بكالوريوس الهندسة الكيمياوية من الجامعة التكنولوجية، تركز كتاباته على القضايا الاجتماعية والثقافية، ويهتم بالكتابة عن الموسيقى والغناء والتشكيل والفلكلور في العراق.