إعادة تشكيل القضاء

جُمّارجُمّار | 30 حزيران 2025

أعلن مجلس القضاء الأعلى، يوم الأحد 29 حزيران، إحالة رئيس المحكمة الاتحادية العليا القاضي جاسم العميري إلى التقاعد لـ”أسباب صحية”، بعد اجتماع عقدته اللجنة القضائية المنصوص عليها في قانون المحكمة الاتحادية. وجرى في الاجتماع ذاته ترشيح القاضي منذر إبراهيم حسين، نائب رئيس محكمة التمييز الاتحادية، لرئاسة المحكمة الاتحادية، مع رفع الطلب إلى رئاسة الجمهورية لإصدار مرسوم التعيين. 

تأتي هذه التغييرات في لحظة حساسة، تعيش فيها المؤسسة القضائية أزمة داخلية، كشفت عنها استقالات جماعية وخلافات غير مسبوقة بين المحكمتين الأعلى في البلاد: المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول خلفيات القرار، واحتمالات أن يكون تتويجاً لتحول أوسع داخل المنظومة القضائية العراقية. 

وتعود القصة إلى قبل أسبوع واحد فقط، عندما قدّم ستة من أعضاء المحكمة الاتحادية العليا وثلاثة قضاة احتياط استقالاتهم بشكل جماعي، في خطوة اعتُبرت مؤشراً واضحاً على احتقان داخلي غير مسبوق في تاريخ المحكمة. وذكرت مصادر أن تلك الاستقالات جاءت احتجاجاً على ما وصفته بتدخلات سياسية، إضافة إلى “ضغوط متزايدة” من محكمة التمييز الاتحادية. 

في خضم ذلك، كشفت المصادر ذاتها أن رئيس المحكمة الاتحادية المستقيل، القاضي جاسم العميري، حاول طرح مبادرة سياسية لحل الأزمة من خلال دعوة ائتلاف “إدارة الدولة” للتدخل، وهو ما قوبل بالرفض من رئاسة الجمهورية، ثم برفض ثانٍ من رئيس البرلمان محمود المشهداني.  

ما يلفت الانتباه هو أن القاضي المرشح لخلافة العميري، منذر إبراهيم حسين، يشغل حالياً منصب نائب رئيس محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الهيئة الجزائية فيها، كما أنه عضو احتياط في المحكمة الاتحادية. وهو ما يعني عملياً أن المحكمة التي كانت على خلاف مع المحكمة الاتحادية، ستتولى الآن قيادتها من الداخل، من خلال ترشيح أحد مسؤوليها إلى رئاستها. 

هذا التطور يفتح الباب أمام قراءات متعددة، أبرزها احتمال أن يكون النفوذ المؤسسي لمحكمة التمييز -ومجلس القضاء الأعلى- قد تمدد فعلياً إلى داخل المحكمة الاتحادية العليا، وهو ما قد يعيد تشكيل ملامح العلاقة بين القضاء الدستوري والمؤسسة القضائية التقليدية، التي ينظر إليها كثيرون على أنها باتت أكثر ارتباطاً بالبنية السياسية الحاكمة. 

ويُخشى أن تكون الخطوة الحالية بداية لمرحلة جديدة تفقد فيها المحكمة الاتحادية دورها كمراقب أعلى على دستورية التشريعات والإجراءات، لصالح تحوّلها إلى ذراع قانوني ضمن بنية السلطة التنفيذية – القضائية المترابطة. 

لم يكن القاضي جاسم محمد العميري، الذي تولّى رئاسة المحكمة الاتحادية في مرحلة مفصلية بعد انتخابات 2021، بعيداً عن الشبهات أو التأويلات السياسية. فعلى الرغم من أنه لم يظهر كلاعب مباشر في الساحة السياسية، إلا أن قرارات المحكمة التي صدرت خلال ولايته أثارت جدلاً واسعاً، خاصة فيما يتعلّق بتفسير الكتلة الأكبر، وإقصاء نواب من البرلمان، وتثبيت تفسيرات دستورية تخدم قوى نافذة داخل الإطار الحاكم. 

ورغم ذلك، لم يكن العميري على وفاق دائم مع المؤسسة القضائية التقليدية، خاصة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي بدا في الأشهر الأخيرة وكأنه يقود عملية إعادة تموضع كبرى في هيكل القضاء العراقي، كان من بينها إبعاد العميري تدريجياً، وصولاً إلى لحظة الاستقالة -الإحالة التي نُفّذت بأكثر الطرق دبلوماسية. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media