“لا تطلقوا التماسيح في دجلة”.. عن حاجة العراقيين إلى “البط” والدولة

يكشف إطلاق البط في الأنهار العراقية قصة أكبر عن علاقة العراقيين بالطبيعة والتطوع، وحدود المبادرات الفردية، وغياب الدولة عن أخطر أزمات البلاد..

حسين فاضلحسين فاضل | 3 حزيران 2026

تحوّل إطلاق طيور البط على ضفاف نهر دجلة، خلال أيام قليلة، إلى حمى اجتماعية واسعة. بدأت المبادرة من مقاطع مصوّرة لناشطين يطلقون طيوراً مائية في النهر، ثم لحقتها حملات مشابهة لإطلاق الأسماك والسلاحف في الأنهار والجداول، في محاولة رمزية لإعادة الحياة إلى مياه عراقية أنهكها الجفاف والتلوث والصيد الجائر.

وهذه المبادرات، في جوهرها، لا تبدو فعلاً عدائياً متعمَّداً ضد الطبيعة، بقدر ما هي تعبير عن شوق عراقي لرؤية الأسماك تتحرك في دجلة والفرات كما ينبغي أن يكونا، وأن تطفو الطيور على سطحهما، وألا تبدو الضفاف مثل مجارٍ مهملة. إنها محاولة لتخيّل النهر حياً مرة أخرى، حتى لو جاءت بطريقة ارتجالية.

لكن الطبيعة، التي تواجه واحدة من أكبر أزمات العراق المعاصرة، لا يمكن ترميمها بالنوايا وحدها.

بط وأسماك وسلاحف

بدأت الحملة بعد إعلان ناشط عراقي إطلاق 262 زوجاً من البط، إضافة إلى 25 ألف سمكة كارب، قبل أن تنتقل الفكرة إلى محافظات ومناطق أخرى، بمشاركة نشطاء وأفراد وجهات محلية مختلفة. وسرعان ما ظهر وجه ثانٍ رافق الحملة، تمثل في صيد بعض المراهقين للبط بعد إطلاقه، ونفوق أعداد منه، وتزايد الجدل حول قدرة البط الداجن، القادم من المزارع والأسواق، على البقاء في بيئة نهرية مفتوحة.

وبالتدريج بدأ النقد يظهر أيضاً. فإطلاق كائن حي في النهر ليس فعلاً جمالياً فقط، ولا يمكن اختزاله في صورة لطيفة أو مقطع مصور يثير التعاطف، إنه تدخل مباشر في نظام بيئي هش، يحتاج إلى معرفة بنوع الكائن ومصدره وقدرته على التكيف وتأثيره المحتمل على البيئة المحيطة. وقد رصدت فرق وزارة البيئة نفوق أعداد من البط، مشيرة إلى أن الطيور التي أُطلقت ليست من الأنواع البرية المحلية، بل من البط الداجن المعتاد على الغذاء والرعاية البشرية، بما يجعله أقل قدرة على البحث عن غذائه أو حماية نفسه في الطبيعة.

لكن هذا، على أي حال، لا يعني إدانة المتطوعين. على العكس، فإن وجود عراقيين مستعدين لإنفاق وقتهم ومالهم وجهدهم في حملات بيئية هو مكسب نادر في بلد تآكلت فيه الثقة العامة، وضعفت فيه فكرة العمل الجماعي خارج السياسة والزبائنية. كثير من الدول تنفق ميزانيات كبيرة لبناء ثقافة التطوع، بينما تظهر في العراق، بين وقت وآخر، طاقة اجتماعية خام يمكن أن تصبح أساساً لحركة بيئية حقيقية.

غير أن هذه الطاقة نفسها قد تتحول إلى ضرر حين تُترك بلا تدريب أو إشراف أو خطة.

المجتمع يسبق الدولة

ربما لا تكشف قصة البط شيئاً عن البط نفسه بقدر ما تكشفه عن العلاقة بين العراقيين والدولة. فالمشكلة ليست في وجود متطوعين متحمسين، بل في غياب جهة قادرة على تحويل هذا الحماس إلى مشروع مستدام.

يشتري الناس البط أو الأسماك ويطلقونها بحسن نية، فيما تغيب الجهة القادرة على الإجابة عن أسئلة بسيطة: أي أنواع يمكن إطلاقها؟ وأين؟ وما أثر ذلك على البيئة المحلية؟ ومن يراقب النتائج؟ وكيف يمكن تحويل هذه المبادرات من حدث عابر إلى جزء من خطة لإحياء الأنهار وحماية التنوع الحيوي؟

في دول كثيرة، لا يُترك هذا النوع من المبادرات للاجتهادات الفردية. فإعادة إحياء الأنهار والحياة البرية تتم عبر برامج طويلة الأمد، تشارك فيها المؤسسات البيئية والجامعات والمتطوعون معاً. أما في العراق، فيبدو أن المجتمع يسبق الدولة مرة أخرى، إذ يندفع الناس إلى الفعل، وبعدها يبدأ الجدل حول ما إذا كان هذا الفعل مفيداً أم ضاراً.

ولعل وزارة البيئة نفسها تقدم مثالاً على هذا الارتباك. فقد رحبت بدايةً بالمبادرات التي تهدف إلى دعم الحياة البرية ونشر الثقافة البيئية، ثم عادت لاحقاً لتحذر من آثار بعض عمليات الإطلاق غير المدروسة، بعد ظهور آراء من مختصين وملاحظات ميدانية حول نفوق الطيور، ومحدودية قدرتها على التكيف، وإمكانية تأثيرها على البيئة الأصلية. 

والأمر هنا لا يتعلق بالتناقض بقدر ما يتعلق بغياب إطار واضح للعمل وإدارة مثل هذه المبادرات. فلو كانت هناك برامج رسمية وفعالة للتطوع البيئي، ودلائل إرشادية معلنة، وآليات تنسيق مع الناشطين، لما تحولت المبادرة إلى ساحة تجارب مفتوحة، ولما اضطر الناس إلى اكتشاف الأخطاء بعد وقوعها.

وربما يفسر هذا أيضاً السرعة التي انتشرت بها المبادرة. فالعراقيون لا يعيشون أزمة بيئية مجردة تُقاس بالأرقام والتقارير، بل يشاهدون يومياً الأنهار وهي تنحسر، والأشجار وهي تختفي، والطيور التي كانت مألوفة في طفولتهم وهي تصبح أكثر ندرة. ولذلك لم يكن إطلاق البط مجرد نشاط تطوعي، بل محاولة رمزية لاستعادة مشهد مفقود.

لكن العراق، الفتي بسكانه، مليء بأفراد مستعدين للعمل والتطوع والمشاركة في الشأن العام، لكنه يفتقر في المقابل إلى المؤسسات القادرة على استيعاب هذه الطاقات وتوجيهها. ويزداد الأمر تعقيداً مع محدودية التمويل، وضعف التدريب، والقيود الأمنية والسياسية والفكرية التي تواجه التنظيمات المدنية والبيئية، ما يجعل كثيراً من المبادرات معتمدة على الحماسة الفردية أكثر من اعتمادها على خطط مستدامة.

ولهذا تتحول مبادرات كثيرة إلى موجات قصيرة العمر، تنجح في لفت الانتباه، لكنها تعجز عن إحداث أثر طويل المدى. ومع غياب التخطيط والمتابعة، تصبح عرضة للسخرية أيضاً، كما حدث مع النكات التي انتشرت سريعاً حول إطلاق التماسيح والحيوانات البرية الأخرى “أسوة بالبط” في المياه العراقية. 

والسخرية في الظروف الارتجالية وغير العلمية تصبح ممكنة. فحين تغيب الخطة والإدارة والمتابعة تصبح النوايا الحسنة وحدها غير كافية، وتتحول المبادرات إلى تجارب مفتوحة على النتائج كافة.

والحال هذه، لا ينبغي النظر إلى قصة البط الذي أُطلق في أنهار العراق بوصفها قصة عن البط فقط، بل بوصفها قصة عن مجتمع يريد أن يفعل شيئاً لمواجهة تراجع البيئة من حوله، وعن دولة لم تجد بعد الطريقة المناسبة لتحويل هذا الاستعداد إلى عمل مستدام. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر
editor@jummar.media

بقلم

كاتب عراقي