شهد العراق في الآونة الأخيرة صدور قرارات قضائية عديدة نقلت حضانة الأطفال من الأمهات إلى الآباء فور بلوغ الطفل سن السابعة، استناداً إلى تفسير قانوني يجعل العمر معياراً حاسماً في تقرير الحضانة. وترافقت هذه القرارات مع تداول واسع لصور ووثائق قضائية، إلى جانب مقاطع مصوّرة تُظهر أطفالاً في حالات انهيار وبكاء وهم يُنتزعون قسراً من أمهاتهم لتنفيذ قرارات النقل. هذه المشاهد أعادت فتح نقاش قانوني وإنساني أوسع: هل يكفي بلوغ الطفل سناً محددة لحسم مسألة معقدة تمس استقراره النفسي.
تتناول هذه المقالة ثلاث إشكاليات أساسية في مقاربة الحضانة داخل المنظومة القانونية العراقية: أولاً، مدى صلاحية اعتماد العمر وحده معياراً فاصلاً لنقل الحضانة. ثانياً، غياب مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى” بوصفه معياراً مركزياً في حسم النزاع. ثالثاً، إشكالية اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمصير الطفل من دون الاستماع إلى رأيه أو مراعاة رغبته.
معيار العمر ونوع جنس الوالد والحضانة التلقائية
بينما تقوم الاتفاقيات الدولية وتشريعات الحضانة في العديد من الدول على مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى”، بوصفه الأساس الحاكم لأي قرار يتعلق بمصير الطفل، تنطلق المدونة الجعفرية من مقاربة مختلفة، تُعرِّف الحضانة بوصفها حقاً متنازعاً عليه بين الأم والأب، أكثر من كونها حقاً أصيلاً للطفل نفسه. وفي هذا الإطار، تعتمد المدونة معيارين رئيسيين في تقرير الحضانة ونقلها: عمر الطفل، وجنس الوالد صاحب الحق في الحضانة، أماً كان أم أباً.

وتنص المادة 81 من المدونة الجعفرية المعدّلة لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 على أن “حضانة الولد وتربيته وما يتعلق بها من مصلحةِ حفظه ورعايته تكون في مدة الرضاع -وهي حولان كاملان- من حق الأم، وتبقى لها إلى أن يبلغ الولد سبع سنوات، ذكراً كان أو أنثى، ثم تكون الحضانة للأب إلى آخر مدتها”. وبموجب هذا النص، يصبح بلوغ الطفل سن السابعة نقطة فاصلة تُنقل عندها الحضانة تلقائياً إلى الأب، بصرف النظر عن طبيعة علاقة الطفل بمحيطه الأسري أو حالته النفسية أو الاجتماعية. كما تُسقِط الأم حقها في الحضانة قبل ذلك إذا تزوجت بعد الطلاق، ما يعني أن انتقال الحضانة قد يحدث حتى قبل بلوغ الطفل هذه السن.
ولا تقف الإشكالية عند هذا الحد، إذ تؤكد قرارات الهيئة الموسعة للمجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي، ومنها القرار رقم 106، أن حق الطفل في اختيار الجهة التي يرغب في العيش معها لا يُعترف به إلا عند بلوغه سن الـ18. وهذا يعني عملياً أن الطفل قد يقضي سنوات طفولته ومراهقته كلها من دون أن يُؤخذ رأيه في قرار يمس حياته اليومية، واستقراره النفسي، وعلاقته بالأشخاص الأقرب إليه.
إن اعتماد “العمر” معياراً فاصلاً في تقرير الحضانة لا يجيب عن السؤال الأهم: ما البيئة الأنسب للطفل؟ فبلوغ سن معينة لا يكشف بالضرورة عن مدى قدرة الحاضن أو الحاضنة على تلبية احتياجاته النفسية والاجتماعية والتربوية، كما تشير لمى كرامة في مقالتها “الطفل، العنصر المغيّب في قضية الحضانة”. المشكلة هنا أن القانون يتعامل مع الطفل بوصفه حالة تُنقل إدارياً عند بلوغ سنه رقماً معيناً، لا بوصفه فرداً له احتياجات متغيرة وعلاقات مستقرة ومحيط تشكّل عبر سنوات.
فما الذي يتغير جذرياً في حياة طفل بمجرد عبوره هذا الحد العمري؟ إذا كان بحاجة إلى أمه ورعايتها واستقراره معها في اليوم الأخير من سن السابعة، فما الذي يجعل هذا الاحتياج يختفي فجأة في اليوم التالي؟ وإذا كانت الأم صالحة للحضانة قبل يوم واحد من بلوغ الطفل هذا العمر، فكيف تصبح غير مناسبة تلقائياً بعده؟ هذه المقاربة تفترض تحولاً آلياً في احتياجات الطفل، وهو افتراض لا يستند إلى منطق تربوي أو نفسي واضح.
الأثر العملي لهذا المعيار قد يكون قاسياً. فالطفل لا يُنقل فقط من منزل إلى آخر، بل قد يُقتلع من شبكة حياته اليومية بأكملها: من أمه التي عاش معها سنواته الأولى، من إخوته الذين قد يبقون معها إذا كانوا أصغر سناً، من مدرسته، من أصدقائه، ومن الإيقاع اليومي الذي اعتاده. وليس كل ذلك بسبب ثبوت تقصير من الأم أو عدم أهليتها، بل لأن الطفل بلغ العمر الذي حدده النص القانوني.
في المقابل، لا تنطلق فلسفة “مصلحة الطفل الفضلى” من فكرة الحقوق المتنافسة بين الأبوين، بل من مسؤولياتهما تجاه الطفل. السؤال المركزي هنا ليس: من الأحق؟ بل: ما الذي يحقق الاستقرار والنمو الأفضل للطفل؟ ومن هذا المنطلق، لا تصبح الحضانة مجرد إقامة مع أحد الوالدين، بل ترتبط أيضاً بضمان حق الطفل في إقامة علاقة مستقرة مع الطرف الآخر، عبر ترتيبات مشاهدة أو تواصل واضحة تحميها الدولة والقانون، بحيث لا تتحول الخلافات بين الأبوين إلى أداة لمعاقبة الطفل أو حرمانه من أحدهما.

غياب هذا المنظور يفتح الباب أمام أشكال من الاستغلال والابتزاز في نزاعات الحضانة، حيث يمكن تحويل الطفل إلى ورقة ضغط بين الطرفين. وقد ظهرت نماذج من هذا النوع في شهادات متداولة، بينها حالة قالت فيها إحدى الأمهات إن والد الطفل طالبها بمبلغ 35 مليون دينار مقابل السماح لها بالتحدث إلى طفلها. هنا لا يعود النزاع قانونياً فحسب، بل يتحول إلى مساحة يمكن أن يُستخدم فيها الطفل كوسيلة تفاوض، بدلاً من أن يكون هو الطرف الذي يفترض أن يحظى بالحماية أولاً.
غياب مبدأ مصلحة الطفل الفضلى
تكمن إحدى أبرز الإشكاليات في أن المدونة الجعفرية لا تتبنى صراحة مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى” بوصفه المعيار الحاكم في القرارات المتعلقة بالحضانة، رغم أن هذا المبدأ يُعد من الركائز الأساسية في القانون الدولي الخاص بحقوق الطفل. فالمادة الثالثة من اتفاقية حقوق الطفل تنص بوضوح على أنه “في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو المحاكم، أو السلطات الإدارية، أو الهيئات التشريعية، يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى”.
وغياب هذا يعكس اختلافاً جوهرياً في فلسفة النظر إلى الطفل نفسه. فحين يُنظر إلى الحضانة باعتبارها نزاعاً بين والدين على حق قانوني، يتراجع الطفل إلى الهامش بوصفه موضوعاً للقرار لا مركزاً له. أما حين تكون “مصلحة الطفل الفضلى” هي المبدأ الناظم، فإن نقطة الانطلاق تتغير من سؤال الأحقية بالحضانة إلى القرار الذي يضمن للطفل حياة أكثر استقراراً وأمناً وتوازناً.
ويشمل هذا المفهوم طيفاً واسعاً من الاعتبارات، من حماية الطفل من الإهمال أو سوء المعاملة أو الأذى الجسدي، إلى ضمان أمنه من المخاطر الخارجية، بما فيها الاستغلال أو العنف أو البيئات غير المستقرة. كما يتضمن الحفاظ على علاقة صحية ومتوازنة مع كلا الوالدين، ومراعاة مشاعر الطفل ورغباته، وتقييم احتياجاته الجسدية والعاطفية والتعليمية، فضلاً عن تقدير الأثر النفسي والاجتماعي لأي تغيير جذري في ظروف حياته.
لهذا السبب، تقوم قوانين الحضانة والمشاهدة في عدد كبير من الأنظمة القانونية الحديثة على هذا المبدأ، بوصفه الإطار المرجعي الأساسي لحسم النزاعات الأسرية المتعلقة بالأطفال. وفي هذه القوانين لا تُحسم الحضانة بقاعدة عمرية جامدة أو بحق تلقائي لأحد الأبوين، بل عبر تقييم كل حالة على حدة، انطلاقاً من سؤال واحد: ما الذي يخدم الطفل فعلاً؟
التمييز الجندري في إسقاط حضانة الأم
تكشف أحكام الحضانة في المدونة الجعفرية عن مقاربة لا تكتفي بتغييب مصلحة الطفل الفضلى، بل تُنتِج أيضاً تمييزاً واضحاً بين الأم والأب في معايير الأهلية للحضانة. فحين يُربط تقرير الحضانة بجنس الوالد، لا باحتياجات الطفل الفعلية أو جودة الرعاية المقدّمة له، يتحول القرار من تقييم مصلحة الطفل إلى توزيع مسبق للأدوار على أساس تصورات نمطية عن الأبوة والأمومة.
فالمادة 81 تحدد سقف حضانة الأم بسبع سنوات، بغض النظر عن ظروف الطفل أو حاجاته الخاصة، فيما تنص المادة 83 على سقوط حضانة الأم إذا تزوجت من رجل آخر، حتى لو لم يثبت أن هذا الزواج أضر بالطفل أو مسّ استقراره. في المقابل، لا يواجه الأب القيد ذاته؛ إذ لا يسقط حقه في الحضانة بسبب زواجه، سواء تزوج مرة أو أكثر، وسواء كان الزواج دائماً أو مؤقتاً. هذه المفارقة القانونية تطرح سؤالاً مباشراً: لماذا يُعامل زواج الأم بوصفه عاملاً يُفقدها أهليتها للحضانة، بينما لا يُنظر إلى زواج الأب بالطريقة نفسها؟
ويمثل هذا تحولاً عن المقاربة التي تبناها قانون الأحوال الشخصية رقم 188، ولا سيما المادة 57، التي لم تعتبر زواج الأم سبباً تلقائياً لنزع الحضانة، ما دام ذلك لا يؤثر في مصلحة الطفل، مع إمكان تقديم ضمانات تتعلق ببيئة الرعاية الجديدة. أما في الصياغة الحالية، فيبدو الزواج أقرب إلى سبب عقابي يُستخدم ضد الأم، لا معياراً مرتبطاً بتقييم فعلي لرفاه الطفل.
هذا التفاوت لا يعبّر فقط عن اختلاف قانوني، بل عن تصور اجتماعي غير متكافئ للأدوار الأسرية؛ إذ تُعامل الأم التي تختار الزواج بعد الطلاق كما لو أنها قدّمت حياتها الشخصية على مصلحة أطفالها، بينما لا يخضع الأب للحكم الأخلاقي نفسه. بعض الخطابات المدافعة عن هذا التوجه تُصرّح بذلك علناً، عبر اعتبار القيود المفروضة على الأم “ضبطاً” لسلوكها الشخصي، وهو ما يكشف أن المسألة لا تتعلق دائماً برعاية الطفل بقدر ما ترتبط بضبط خيارات النساء الاجتماعية والشخصية.
وحتى حين يُطرح مفهوم “مصلحة الطفل”، فإنه يُفسَّر أحياناً من خلال تصورات اجتماعية ضيقة، تفترض تلقائياً أن موقع الأب هو البديل الطبيعي بعد سن معينة، من دون فحص واقعي لطبيعة الرعاية اليومية ومن يقوم بها فعلياً. فالحصول على الحضانة قانونياً لا يعني بالضرورة تولي الرعاية اليومية المباشرة. إن نقل الحضانة إلى الأب بمجرد بلوغ الطفل سن السابعة، أو حتى قبل ذلك في بعض الحالات، لا يعني بالضرورة أن الأب نفسه سيتولى الرعاية اليومية المباشرة، فالحضانة القانونية شيء، والعمل الرعائي اليومي شيء آخر.
وتُظهر الإحصاءات المتعلقة بتوزيع العمل الرعائي أن النساء يتحملن النصيب الأكبر من الرعاية غير مدفوعة الأجر داخل الأسر. وتشير بيانات دولية إلى أن النساء يؤدين أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر بمعدل يفوق الرجال بنحو 4.7 مرات. وفي مثال إقليمي قريب، تُظهر بيانات من مصر أن النساء يقضين نحو ست ساعات يومياً في الأعمال المنزلية والرعائية، مقابل ساعة و40 دقيقة للرجال. لا تهدف هذه الأرقام إلى المقارنة الحرفية مع الحالة العراقية، لكنها تكشف نمطاً اجتماعياً واسعاً في المنطقة، يتمثل في أن الرعاية اليومية للأطفال تقع غالباً على عاتق النساء.
ومن ثم، فإن نقل الحضانة إلى الأب لا يعني بالضرورة انتقالها إلى أبٍ يتولى بنفسه تفاصيل الرعاية اليومية، بل قد يعني عملياً انتقال الرعاية من الأم إلى امرأة أخرى داخل الأسرة الممتدة، كزوجة الأب أو الجدة أو الأخت. وهذا يثير سؤالاً جوهرياً: إذا كان الهدف هو مصلحة الطفل واستقراره، فهل يجري تقييم من سيقوم فعلياً بالرعاية، أم أن القرار يُحسم على أساس الصفة القانونية وحدها؟
وقد أثارت هذه التعديلات اعتراضات علنية بين أمهات اعتبرن أن النصوص الجديدة تهدد استقرار أطفالهن، خصوصاً مع الجدل بشأن الأثر الرجعي وسن التخيير. وشهدت بغداد خلال نيسان 2026 وقفات احتجاجية، طالبت بإعادة النظر في التعديلات انطلاقاً من فكرة أساسية: أن الحضانة ليست امتيازاً قانونياً يُمنح لأحد الوالدين، بل قرار يفترض أن يُبنى على مصلحة الطفل أولاً.
هل يجب أن يكون للطفل رأي مسموع في قضية حضانته؟
يبقى سؤال أساسي غائباً عن هذا النقاش كله: أين الطفل نفسه من القرارات التي تعيد رسم حياته؟ فإذا كانت الحضانة تحدد أين سيعيش الطفل، ومع من سيقضي أيامه، ومن سيتولى رعايته اليومية، وما إذا كان سيغادر منزله ومدرسته وإخوته وبيئته التي اعتادها، فهل يمكن اتخاذ كل هذه القرارات من دون أن يكون لصوته مكان؟ وهل يملك الطفل حق التعبير عن رغبته؟ وهل تُوفَّر له قنوات آمنة ومناسبة تتيح له إيصال صوته إلى الجهات القضائية أو القانونية بعيداً عن ضغوط الأبوين أو نزاعاتهما؟

القانون الدولي يميل بوضوح إلى الاعتراف بهذا الحق. فالمادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل تؤسس لمبدأ جوهري هو “مشاركة الطفل” في القرارات التي تمسه، سواء داخل الأسرة أو في المسائل الإدارية والقضائية. وتنص المادة على أن للأطفال الحق في التعبير عن آرائهم بحرية في جميع المسائل التي تؤثر عليهم، مع إيلاء هذه الآراء الاعتبار الواجب بما يتناسب مع سن الطفل ونضجه. كما تؤكد، بصورة أكثر تحديداً، ضرورة إتاحة الفرصة للطفل والاستماع إليه في أي إجراءات قضائية أو إدارية تمسه، سواء بشكل مباشر أو من خلال ممثل أو جهة مناسبة، وبما ينسجم مع القواعد القانونية الوطنية.
هذه المقاربة لا تعني تحميل الطفل عبء اتخاذ القرار النهائي، ولا وضعه في مواجهة مباشرة مع أحد والديه، بل تعني الاعتراف بأنه ليس موضوعاً صامتاً في نزاع قانوني بين بالغين، بل شخص يتأثر مباشرة بنتائج هذا القرار، ومن حقه أن يُؤخذ صوته في الاعتبار. فثمة فارق كبير بين أن يُجبر الطفل على الاختيار تحت الضغط، وبين أن يُمنح مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، ومخاوفه، واحتياجاته، ضمن آلية قانونية مهنية تحميه.
مقارنة مع التجارب الأوروبية
في العديد من الأنظمة القانونية الأوروبية، لا يُنظر إلى الطفل بوصفه طرفاً صامتاً في نزاع الحضانة، بل باعتباره شخصاً يجب الاستماع إليه عند اتخاذ القرارات التي تمس حياته اليومية ومستقبله. ويأتي ذلك ضمن مقاربة أوسع تجعل “مصلحة الطفل الفضلى” المبدأ الحاكم، لا مجرد الحقوق المتنافسة بين الوالدين.
في السويد، يُعد حق الطفل في أن يُستمع إليه مبدأ أساسياً في القضايا الأسرية، بوصفه جزءاً من حماية حقوقه وضمان مراعاة احتياجاته الفعلية.
وفي ألمانيا، لا يُستبعد صوت الطفل من إجراءات الحضانة، بل يُؤخذ رأيه في الاعتبار وفق سنه ونضجه، مع منح رأيه وزناً أكبر كلما تقدم في العمر، فيما يمكن للمحكمة الاستماع إليه حتى في مراحل عمرية صغيرة بمساعدة مختصين؛ لضمان أن يتم ذلك بطريقة تحمي الطفل من الضغط أو التأثير المباشر.
أما في بريطانيا، فتشمل الإجراءات المتعلقة بالإقامة والحضانة تقييماً واضحاً لرغبات الطفل ومشاعره، بوصفها عنصراً من عناصر القرار القضائي، وليس مجرد تفصيل هامشي.
وفي فرنسا، يُلزِم القانون القاضيَ بأخذ مشاعر الطفل القادر على التمييز بعين الاعتبار عند الفصل في كيفية ممارسة السلطة الأبوية، مع ترك تقدير قدرة الطفل على التمييز لكل حالة على حدة، بحسب العمر والنضج والظروف الخاصة بالقضية.
ما تكشفه هذه التجارب هو أن الاستماع إلى الطفل لا يُفهم باعتباره تقويضاً لسلطة الوالدين أو تحميل الطفل مسؤولية الحسم، بل باعتباره جزءاً من الحماية القانونية نفسها. فالفكرة ليست أن يقرر الطفل وحده، بل ألّا يُتخذ قرارٌ مصيري بشأن حياته من دون أن يكون لصوته أي حضور.
مصلحة الطفل وتجاوز الأم
بناءً على ما تقدّم، يتضح أن المدونة تنطلق من تصور للحضانة بوصفها حقاً للأبوين، أكثر من كونها ترتيبات قانونية تهدف إلى حماية الطفل. فقد اعتمدت معيار العمر أساساً في تحديد الحضانة ونقلها، فيما لم تمنح رأي الطفل وإرادته مكانة واضحة في القرارات المتعلقة بمكان إقامته وحياته اليومية. كما اعتبرت الوضع الاجتماعي للأم، ولا سيما زواجها بعد الطلاق، عاملاً حاسماً في نقل الحضانة، من دون اشتراط تقييم واضح لما إذا كان هذا التغيير يحقق مصلحة الطفل أو يسبب له ضرراً.
وفي هذا الإطار، تبدو “رغبة الطفل” عنصراً غائباً عن المقاربة القانونية، رغم أن القرارات المتعلقة بالحضانة تمس بشكل مباشر استقراره النفسي والاجتماعي، وعلاقاته مع الوالدين والإخوة والمحيط الذي نشأ فيه. فالتعامل مع الحضانة بوصفها نزاعاً قانونياً بين الأبوين، بدلاً من اعتبارها آلية لحماية الطفل، يؤدي عملياً إلى تهميش صوته وإبعاد مصلحته الفعلية عن مركز القرار.
وتشير المعايير الدولية إلى أهمية إشراك الطفل، بما يتناسب مع عمره ونضجه، في القرارات التي تؤثر في حياته، مع مراعاة علاقته بكل من الوالدين، وارتباطه بإخوته، ومدرسته، وبيئته الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن إدماج مبدأ مصلحة الطفل الفضلى، وتوفير آليات قانونية للاستماع إلى رأيه، ومراعاة استقراره النفسي والاجتماعي، تمثل عناصر أساسية في أي مقاربة تسعى إلى بناء نظام حضانة أكثر عدالة وإنسانية.