التاريخ منطقةً رمادية 

حيـدر سعيـد

05 تموز 2024

هل يحتاج العراقيون إلى أن يفهموا تاريخَهم وتاريخ بلدهم، كما يحتاجه من ليسوا من أبناء البلد، من أبناء المنطقة، الذين يريدون أن يفهموا تاريخَ بلد مركزي في منطقتهم، ومشتبك بتاريخها بقوة؟ هل يرى العراقيون تاريخَ بلدهم معقّداً وبحاجة إلى قدر من التبسيط؟

تقديم عن هذا النص: في العطش إلى التاريخ 

كان مفاجئاً (ومذهلاً بالنسبة لي) حجمُ الاهتمام الذي حظي به حوار أسهمتُ به في بودكاست “بدون ورق”، وبُثّ في شهر أيار 2024، ولا سيما بين المتابعات والمتابعين العراقيين. 

المنصةُ كويتية، ليس فقط لأنها تنتج أعمالهَا وتطلقها من الكويت، وليس فقط لأن من يديرها صحفيان كويتيان، هما الصديقان فيصل عبد الرحمن العقل ومنيرة الشريفي، بل كذلك لأنها تنطلق من هموم ومرجعيات كويتية. 

من هنا، كانت الغايةُ الأساسية من هذا الحوار تقديم تاريخ العراق لجمهور كويتي، بل -أوسع من ذلك- جمهور عربي، حيثما تستطيع المنصةُ أن تصل إليه. كانت الغايةُ الأساسية هي المساعدة أو الإسهام في طموح عربي لفهم العراق المعاصر وتاريخه، ولا سيما السياسي منه. 

ولذلك، كان العنوان الذي اختاره الصديقان منتجا المنصة (العراق بين التعقيد والتبسيط) يتضمن، بوضوح، هذه الرغبةَ في الحاجة إلى تعريف: تبسيط ما يبدو معقّداً لجمهور من الخارج. 

ولكن ما حصل (وهذا انطباع لا يقوم على مسح) أن الجمهور العراقي هو أكثر من اهتم بهذا الحوار. يعكس ذلك حجمُ ما وصل إليّ من ردود أفعال، أسعدني بلا شك. ولكن ما أثار استغرابي هو هذا بالضبط: أن يهتم العراقيون أكثر من غيرهم بهذا الحوار، بخلاف ما كان مخطّطًا له في الأساس. هل يحتاج العراقيون إلى أن يفهموا تاريخَهم وتاريخ بلدهم، كما يحتاجه من ليسوا من أبناء البلد، من أبناء المنطقة، الذين يريدون أن يفهموا تاريخَ بلد مركزي في منطقتهم، ومشتبك بتاريخها بقوة؟ هل يرى العراقيون تاريخَ بلدهم معقّداً وبحاجة إلى قدر من التبسيط؟ 

أظن أن هذا الاهتمام نفسَه بحاجة إلى وقفة، إلى فهم، ودراسة حتى، فإن لم يكن ما قُدّم في هذا الحوار تأريخاً مدرسياً، أي تأريخاً مصوغاً بطريقة مبسّطة، غرضُها التلقين، بل لقد عرضتُ فهمي لهذا التاريخ، الذي يستند إلى تجربة شخصية في قراءته ومعرفته، تجنبت الأطرَ الشائعة، لتغوص في المصادر الأولية والوثائق، وتعيد تركيبَ التاريخ -من ثم- بحسب ما تتيحه هذه المصادر، فإن السؤال عن الاهتمام بالحوار لا ينبغي أن يقف عند حاجة الجمهور إلى المعرفة، بل ينبغي أن يكون هدفه التبصر بمدى علاقتنا، شعباً ومجتمعاً ومواطنين، بتاريخنا، كيف ننظر إلى هذا التاريخ؟ وكيف نستعمله؟ ماذا يعني لكينونتنا السياسية والاجتماعية؟ وما موقعُه من تكويننا الثقافي والسياسي؟ هل نعتقد أن جذور مشكلاتنا اليوم تكمن في هذا التاريخ؟ كيف ننظر إلى السرديات التأريخية الرائجة؟ ما قيمتها بالنسبة لنا؟ وما التأريخ الذي نطمح إليه؟ 

مقابلة الزملاء في بودكاست بدون ورق مع د.حيدر سعيد في حزيران 2024. 

التأريخ: من يد الدولة إلى يد الجماعة 

أركّز، دائماً، على نشوء الدولة الحديثة في منطقتنا بوصفه حدثاً مفصلياً. والدولةُ الحديثة ليست مجرد سلطة مركزية ورثت وصادرت السلطات الاجتماعية التقليدية، وليست مجرد قائد للتغيير الاجتماعي والاقتصادي، بل هي كانت الفاعلَ الثقافي الأهم. وإذا كنا نتحدث عن التاريخ، فإن الدولة هي مَن تولى سردَه وتركيب روايته، كما تولت صناعةَ الأمة نفسها، في العمليات التي يصطلح عليها في العلوم الاجتماعية “بناء الأمة Nation Building”. ولذلك، تعدّ دراساتُ القومية بناءَ الذاكرة الجماعية للأمة عنصراً أساسياً من عناصر تكوينها، أي إن عمليات بناء الأمة كان يجب أن يرافقها، بالضرورة، بناء سرديات تأريخية، تكون محتوى الذاكرة الجماعية للأمة الناشئة. 

ولا يخلو هذا التأريخ القومي (كأي تأريخ بالأحرى) من عناصر حذف وإبراز، ومساحات توكيد وتهوين، ولغة ثناء وسلب، وما إلى ذلك مما يدور في هذه الدائرة، غير أن وظيفتَه القومية، التي ترتبط بنيوياً بعمليات بناء الأمة، تجعله فوق سؤال الموضوعية دائماً (إن كان بالإمكان عدّ أي تأريخ موضوعياً). 

وفي كل الأحوال، ما يهمني، هنا، ليس تحديد قيمة السرديات التأريخية للأمم (وهذا أمر فُرغ منه نظرياً)، بل تحديد مَن يتولى سرد التاريخ. 

كانت الدولةُ، ممثلةً بمؤسساتها، و”أجهزتها الإيديولوجية” (بمصطلح الفيلسوف الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير1(، ونخبها، هي هذا السارد، في زمان كان فضاءُ الخطاب فيه محتكراً. غير أن ما بدأ يحصل، مع تراجع دور الدولة في منطقتنا (ومنها العراق)، منذ نحو أربعة عقود تقريباً، هو صعود “جماعات” تنافس الدولةَ في سرد التاريخ وتزاحمُها عليه. 

أضع كلمة “جماعات” بين قوسين صغيرين، للتشديد عليها، فالانتقالُ الحاصل والخروج عن الدولة لم يحدث على وفق ثنائية (الدولة/ الفرد)، بل على وفق ثنائية (الدولة/ الجماعة)، في سياق الانتقال العام الذي حصل (في منطقة المشرق العربي في أقل التقديرات) من إطار الدولة الأمة إلى الإطار الجماعوي Communitarian، أي الإطار الذي لا تعبّر فيه الدولةُ عن أمة منسجمة، بل عن جماعات، أو هويات إثنية متعددة. 

ولم يحدث الانتقال من إطار الدولة الأمة في سياق دولة قوية، قرّرت أن تنقل إطارَها الاجتماعي من الأمة إلى تركيبة من المجموعات الإثنية (ولا أدري ان كان هذا قد حصل في حالة ما في التاريخ)، بل حصل الانتقال في سياق انهيار للدولة. ومن ثم، لم تكن “الجماعةُ” بديلاً من “الأمة”، كما يبدو، بل كانت – بمعنى ما – بديلاً من “الدولة” نفسها. ولا أقصد، هنا، تحوّل هذه الجماعات، أو عودتها إلى أن تؤدي دور التنظيم الاجتماعي، بل أقصد أنها باتت -مع ضعف الدولة- تتولى صلاحياتٍ كانت هذه الأخيرةُ تحتكرها. وقد يشمل هذا قطاعاتٍ، منها الأمن، والثقافة، والاقتصاد، وما إلى ذلك. ولا ينفي هذا الدورَ الصاعد للجماعات ما تحاوله أحياناً من “رسمنة Officialization” لدورها، أي إضفاء صفة الدولة عليه، ذلك أن فاعليتها في هذه القطاعات تظل محكومةً بالمنطق الجماعوي، لا منطق الأمة أو الدولة، أو الدولة والأمة معاً. 

وكذلك، لا يمكن عدّ صعود الجماعات انتقالاً بجزء من صلاحيات الدولة إلى “مجتمع مدني”، ذلك أن الأخير تكوين حديث، يتقاطع مع المنطق الجماعوي الذي يعيد ابتكارَ الجماعات التقليدية، ولا يمكن عدّه “مجتمعاً أهلياً” تقليدياً، لأن صعود الجماعات يتحرك على وفق طموح الاستحواذ على الدولة وفضائها، ليحل محلها (على نحو ما تقدّم)، ولا يريد أن يبقى خارجها، مستقلاً عنها، وموازياً لها. 

التأريخ مادةً للاستهلاك 

كفّت الدولة، إذن، عن احتكار فضاء الخطاب، بسبب ما تقدّم من ضعفها. ولا يمكننا، هنا، إغفالُ عامل آخر في ذلك، شديد الأهمية، وهو نشوء الفضاء الافتراضي الحر، الذي يُفضي – بالضرورة – إلى كسر احتكار الدولة لفضاء الخطاب ودمقرطته. هذا الفضاء لم يكن موجوداً في سياق الدولة القوية السالفة، وهو الآن عنصر أساسي وحيوي في أية ديمقراطية ليبرالية، ولا سيما تلك الناشئة خارج سياق الديمقراطيات الغربية العريقة. 

الجماعةُ الإثنية التي نتحدث عنها كيان مجرد (أو متخيّل، إذا أردنا أن نستعمل لغة بندكت أندرسون)، كما الأمة نفسها. وإذا كنت أقول إن الجماعة باتت تنافس الدولةَ في سرد التاريخ وصلاحيات أخرى، فإن المعني – هنا – نخبها، أي النخب التي تزعم تمثيلَ هذه الجماعات والحديث باسمها، مفترضةً (أو مدعيةً) أن خطابها هو ما تؤمن به الجماعة (المجرّدة، المتخيّلة)، وأنه يستمد من إيمان الجماعة ويعكسه. وفي الحقيقة، قد تكون الجماعةُ (أو أفرادُها، أو أفراد منها، كثروا أو قلّوا) هي التي تأخذ خطاباتِ نخبها عقيدةً لها، وليس العكس. 

تسرد هذه النخبُ التاريخَ مستنداً إلى موقع الهوية الإثنية منه، ظفراً أو مأساة. ويشيع هذا التأريخ (بالهمزة) “النخبوي” بين أفراد الجماعة، أو كتلة كبيرة منها، بوصفه “التاريخ” (من دون همزة) الفعلي، ما يعتنقونه من فهم لحوادث التاريخ. 

وفي كل الأحوال، ومهما كانت العلاقةُ بين النخب وقواعدها الاجتماعية معقدةً وإشكاليةً نظرياً، فإنه بغير فهم مركزية دور النخبة الجماعوية في سرد التاريخ، لا معنى للقول: إن الجماعة تسرد، وتعتقد، و.. و.. و… 

التأريخ الذي أقصده، هنا، هو – بالدرجة الأولى – التأريخ الذي يُقدَّم للجمهور العام (عبر المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام، والخطاب السياسي، والكتب الشعبية)، ليستهلكه ويتداوله، ويستعمل المادةَ التي يتضمّنها في بناء تصوراته عن تاريخ البلاد والجماعة، ثم ليعيد -هو بدوره- تقديمَه عبر ما يملك من وسائط، وليضمّنه بشكل صميم في ديناميكيته السياسية. 

تستعمل الأدبياتُ الأكاديمية لهذا النمط من التأريخ مصطلح “التأريخ العام”، ومقابلُه الإنكليزي “Public History”، وليس “General History” (الذي يُستعمَل مرادفاً لـ “التأريخ العالمي Global History”، أو في الإشارة إلى تأريخ منطقة واسعة من العالم، يتجاوز التواريخ المحلية أو الوطنية، كأن نقول: تأريخ آسيا العام، أو تأريخ أفريقيا العام، أو سوى ذلك). 

هناك اجتهادات واختلافات في تعريف “التأريخ العام”، وتعيين حدوده، ومَن منتِجُه، وطبيعة علاقته بالتأريخ الأكاديمي، وما إلى ذلك2. وبغض النظر عن مدى الاتفاق على هذه المسائل التعريفية، أستعملُ هذا المصطلحَ، هنا، بالمعنى العام الذي تستعمله الأدبياتُ المختصة، وهو: التأريخ الذي يخرج من الأطر الأكاديمية، ويتجه إلى الجمهور العام، الذي يستعمله في مجالات شتى، منها عمليات بناء الذاكرة الجماعية، التي تتولاها المناهجُ الدراسية، والمتاحف، ووسائل الإعلام، وسواها3

يركّز هذا النص على “التأريخ العام”، بالتعريف الذي تقدّم، وأضيف إليه – استناداً إلى ما تفيده المادةُ التي أدرسها – تاريخَ الجماعات Histories of Ethnic Groups، الذي يجري إعداده (أو تعدّه النخبةُ الجماعوية في الأغلب) في سياقات نزاعية، ليجري تداوله واستعماله في هذه النزاعات. وبحسب متابعتي، لم تهتم الجهودُ الأكاديمية عن “التأريخ العام”، بما يكفي، بهذه المادة بوصفها جزءاً أساسياً من تعريفه. 

ومن ثم، لا يهتم هذا النصُّ بالتاريخ كما حصل (بالقدر الذي نستطيع أن نظفر فيه على تاريخٍ كما حصل)، ولا بالتمثل الشعبي للتاريخ، على نحو ما ظهر في اتجاهات الهستوريوغرافيا النقدية العالمية (هوارد زن، أو مدرسة التأريخ الشفوي، أو سواهما)، ولا التأريخ المحترفProfessional    (أو المُمَهْنَن، كما بات يفضل عدد من الأصدقاء المؤرخين)، أي التأريخ الذي يخضع إلى الحد الأدنى من القواعد المنهجية الأكاديمية للكتابة التأريخية، سواء مارسه مختصون بحقل الدراسات التأريخية، أو من حقول مجاورة داخل العلوم الاجتماعية والإنسانية تتعاطى مع المادة التاريخية، من قبيل الأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والعلوم السياسية، والتأريخ الأدبي، وسواها. وبالتأكيد، ليس ثمة ادعاء بأن هذا النمط من التأريخ يتمتع بالموضوعية الكاملة والمطلقة، فمجردُ التشديد على مفردات دون غيرها، أو مساحات أو موضوعات للدراسة دون غيرها، هو نوع من تدخل “الذاتي” في “الموضوعي”. 

وفي كل الأحوال، ظل هذا التأريخُ (ويظل) حبيسَ المؤسسة الأكاديمية، بقدر كبير. من هنا، لا يشمل كلامي هذا الكتاباتِ الأكاديمية العراقية في حقل التأريخ، الذي هو -بحسب ما أقدّر- أكثر حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية نضجاً في العراق، ولا سيما لدى جيل الرواد المؤسسين، الذين قدّموا أعمالاً مفصلية شديدة الأهمية، وإن كنت لا أنفي ارتباطَ هذه الأعمال الأكاديمية بقدر ما- بنزعات وتوجهات سياسية، أو انخراطها -في بعض الأحيان- في صناعة السرديات الجماعية، أو الذاكرة إن شئت، وتداخلَه بتأريخ الجمهور العام، أو استعمال مواد منه في إطار هذا التأريخ، أو حتى ظهور أعمال تأريخية أكاديمية تنطلق من توجهات تأريخ الجمهور العام، وينخرط واضعوها من مؤرخين ومشتغلين في العلوم الاجتماعية في صناعة التأريخ النزاعي. وقد حاولت في مقال سابق أن أكشف شيئاً من هذا4. وفي النهاية، ليس الإطار الأكاديمي هو الفيصل في التمييز بين نوعي التأريخ هذين، بل درجة الالتزام بقواعد التأريخ. غير أنه يمكن القول إن “التأريخ المحترف” ظل أقل انسياقاً وراء السرديات النزاعية المسيّسة، بسبب اضطراره إلى البقاء قريباً من القواعد المنهجية السالفة. 

مضمون التأريخ الجماعوي 

تسرد الجماعةُ التاريخَ (أو نسختَها منه)، إذن، ليكون في مواجهة نسخة الدولة. ومع ذلك، تضع الجماعةُ تأريخَها في إطار الترتيبات المؤسساتية للدولة ذات الإطار الجماعوي، متى ما احتاجت هذه الدولةُ إلى مادة التاريخ، أو في الفضاء العام، الذي بات -في شطر غير قليل منه- جماعوياً متقاسماً. 

وفي الحالتين (فضاء الدولة وأجهزتها، أو الفضاء العام خارجها)، يتسم التأريخُ المسرود في أطر جماعوية بطابع تنافسي، أو نزاعي إن صح التعبير، ذلك أن سرديات الجماعة تنافس سرديات الجماعات الأخرى، والجماعاتُ كلُّها تسعى لأن توظّف سردياتها وتستعملها في سياق تحديد المواقع السياسية وتراتبياتها، في دولة باتت تُعرّف بأنها “جماعوية”، أو تتشكل من تجميع هويات إثنية عدة. 

ومن ثم، أصبح التاريخُ أداةً في النزاع. 

وفي تقديري، أن فهم وظيفة التأريخ في الأطر الجماعوية، وما تضفي عليه هذه السياقاتُ من طابع تنافسي نزاعي، مهم جداً لفهم مضمون التأريخ، الذي تتحكم هذه التنافسيةُ في صناعته وفي كيفية تشكيله وسرده. 

يسبغ هذا الطابعُ التنافسي للتأريخ سبعَ سمات على مضمونه، تستتبع كلُّ واحدة منها الأخرى التالية لها: 

  • أنه نسقي Systematic، بمعنى أنه يتعامل مع حوادث متفرقة في التاريخ من جهة أن هناك خيطاً ناظماً يجمعها، 
  • وهذه النسقية اختزالية Reductionist، تردّ تنوعاتِ التاريخ كلَّها إلى منطق واحد، وأصل واحد، ومصدر واحد، 
  • وهاتان السمتان (النسقية والاختزالية) هما وليدتا تصور جوهرانيEssentialist  لاتاريخي anachronic للنزاع. وتشكل هذه الجوهرانيةُ اللاتاريخية واحدةً من السمات الأساسية لمضمون التأريخ التنافسي، 
  • ويستتبع هذا أن يخضع التأريخُ لعملية “تبئير Focalization”، بمعنى التركيز على نقطة، أو مفردة، أو بضع مفردات فيه، لتكون المصدرَ الذي يدور عليه التاريخ كلُّه، وفي الوقت نفسه، يجري نسيان (بل قل: طمس) مساحات جمة في هذا التاريخ، 
  • ويجري إضفاء الاتساقCohesion  (بالمعنى المستعمل في لسانيات الخطاب) على وقائع التاريخ المنتقاة والمضاء عليها بشكل فائق Highlighted  هذه، بما يجعل منها نصّاً متماسكاً، وذلك عبر خطاب تأويلي، أو جُمَل Sentences، تبدو كأنها تحليل لهذا التاريخ، 
  • وبالأحرى، هذا التحليل هو بمنزلة “العِبْرة Lesson”، التي يمكن (بل ينبغي) استخلاصها من التاريخ. وهذه “العبرة” ليست مجرد حكمة، أو موعظة، أو درس مشتق من الماضي، فهذا السياقُ كلُّه يصيّر “العبرةَ” المستخلصة من التاريخ خطاباً سياسياً محضاً، 
  • وستفضي هذه العناصر (نزاعية التأريخ، ونسقيته واتساقيته، وجوهرانيته ولاتاريخيته، واختزاليته وتبئيره، وطابعه العِبَري)، إلى العنصر المهم الآخر، وهو أن التأريخ سيخضع إلى ما يشبه “الغائيّة الأخلاقية Moral Teleology”، إذ سيُكتَب على وفق منظور ثنائي، بمنطق (الخير والشر)، (الضحية والجلاد)، (الأبيض والأسود)، وهو منظور يفرضه التعاملُ مع التأريخ بأنه أداة في سجال سياسي، ويعرضه ساردُه، أيًّا كان، بأنه “أخلاقي”، غايتُه الانتصاف من أزمات فيه، ولكنه -في جوهره- هيمني Hegemonic، بما أن التأريخ تصيّر أداةً للسلطة، والسيطرة، والتحكم. 

عُقَد الماضي وعُقد الحاضر والرحلة بينهما 

في الغالب، تؤسس نزاعاتٌ راهنة لعمليات عودة إلى التاريخ، تستهدف صناعةَ مادة تأريخية يجري تعاطيها وتداولها في هذه النزاعات. وهذا هو التأريخ الاستهلاكي الذي أتحدث عنه. 

تعمل هذه العودةُ على إعادة كتابة التاريخ بأثر رجعي، انطلاقاً من (أو من منظور) نزاعات الحاضر، ويرافقها -دائماً- تصوّر (لاتاريخي، بالضرورة) بأن ثمة صلة بين نزاعات الماضي ونزاعات الحاضر، وأن الثانية هي امتداد مباشر للأولى. ومن ثم، ينبني فهمٌ لنزاعات الحاضر بأنها نزاعات تاريخية، جذورُها في التاريخ، وما الحاضرُ إلا التمظهر الأخير للجوهر النزاعي الأبدي، هكذا، بنزع السياقات المعاصرة، وافتراض أن الفاعل التاريخيّ أزلي، هو نفسه، يعمل عبر القرون والعقود، عبر التاريخ كله وحقبه الطويلة. 

وقد تكون هذه العودةُ (اللاتاريخية) للتاريخ جزءاً من ثقافة عامة، تربط التاريخَ كله بأصل عِلّي Causality  واحد، إلا إنها لا تخلو -في غير قليل من الأحيان- من قصدية واعية، ومسيّسة، تجعل من تجذير كهذا إطاراً للتعبئة العامة، إذ يُحشد الناس في إطار مساواة بين أحداث تاريخيّة متناثرة ومتباعدة في أزمانها، لتبدو كلُّها تنطلق من مصدر واحد، وتتجه إلى غاية واحدة. 

وهكذا، تنشأ علاقة متبادلة بين أزمات الحاضر وعُقَده، وعُقَد الماضي (على نحو ما صاغها التأريخ الراهن. وهذا لا ينفي أن بعض هذه “العقد” كان أزمات تاريخية بالفعل)، فتتحول الأطرُ التي يوضع فيها التاريخ، لا فقط إلى دروس في فهم التاريخ الوطني (وهذا مهم بحد ذاته)، بل أطر لفهم الحاضر ونزاعاته. 

في سنة 1983، وفي ذروة الحرب العراقية الإيرانية، أصدرت مؤسسة رسمية عراقية كتاباً حمل عنوان الصراع العراقي الفارسي، أسهم فيه عدد من المؤرخين العراقيين البارزين، وكان يسعى لأن يستعرض مراحلَ هذه الصراع، منذ بضعة آلاف من السنوات ما قبل الميلاد، وصولاً إلى اللحظة الراهنة. وقد تصدرت الكتابَ مقولة قصيرة لصدام حسين تلخّص هذه “الفلسفة” في التعامل مع التأريخ: “عندما نُواجه بالعدوان، فمن حقنا أن نرجع إلى التأريخ لكي نجد تفسيراً لأسباب العدوان”5، ما يعني -على وفق وجهة النظر هذه- أن التاريخ هو الذي يفسّر نزاعات الحاضر، بل إن هذه النزاعات لا يمكن تفسيرها إلا من خلال التاريخ. هذه “الفلسفة”، التي قادت الكتابةَ التأريخية المحترفة، صاغتها السلطة. وإذا كان هذا الكتاب أنجزه مؤرخون محترفون فإن السلطة هي التي جنّدتهم لبناء معرفة تأريخية تستند إلى هذه “الفلسفة”، وتقترب من التأريخ العام، النزاعي، والمجرد المنزوع من السياقات التاريخية، حتى وإن كان بعض هؤلاء المؤرخين يميل إيديولوجياً إلى توجه السلطة، فإنه أسهم -بضغط السلطة ودفعها- في إنتاج تأريخ أكاديمي بروح التأريخ العام6

وفي آذار 2005، كنت أرافق سينمائياً عراقياً صديقاً، كان يعمل على فيلم وثائقي، جزء من مادته عن النجف، مدينتي. وقد تصادف تصويرُ أجزاء من الفيلم، قرب ضريح الإمام علي، مع تشييع حاشد ومهيب، لمعلم من مدينة الحلة القريبة، كان ضحيةَ تفجير ضخم في المدينة قبل ذلك بأيام، نفّذه انتحاري أجنبي، مستهدفاً مستشفى مدنياً. هذا التشييع المهيب نظّمه طلابُ هذا المعلم، ذي المكانة في نفوسهم وفي مجتمعه، وكانوا يخاطبون الإمام علي، بما معناه: “انظر يا علي، لا يزال ابن ملجم [قاتل الإمام علي] يقتلنا”. 

كان الهتاف يستحق، في تقديري، وقفةً جدية، فما الذي جعل هؤلاء الشباب والطلبة يتصورون أن التفجير، الذي حصل سنة 2005، هو امتداد للحادثة التي وقعت سنة 40 للهجرة (661 للميلاد)؟ 

لم يكن يسيراً لي (من الناحية النظرية، في الأقل) فهمُ هذا المعنى، فأنا نشأتُ في تكوين معرفي تمرّن على وضع الأحداث التاريخية في سياقاتها، وفهم علاقاتها ومفاعيلها من خلال هذا التسييق contextualization، ولم تكن تخدعه المعاني التاريخية التي تُضفى على نزاعات الحاضر، لتعطيها شحنةً من القدسية، أو القيمة، أو المَفْهَمَة التي تتجاوز سياقَها الحاضر، بما يسمح بحشد وتعبئة واسعين حولها. كان هذا التكوينُ المعرفي يتعامل مع أي نزعة لاتاريخية، تجرّد الأحداثَ من سياقاتها، وتجعلها تسبح في فضاء مجرد، مطلق absolute، بأنها تعبير عن نزعة إيديولوجية سياسية. 

لا أفترض أن بالإمكان الوصول إلى تأريخ شفاف، يصف الوقائعَ كما هي، كما أن الوقائع نفسها (من حيث هي وقائع) ليست مادة مجردة، بل تقع اللغةُ والمعنى والفهم والرموز في قلبها. ودائماً ما تُضمَّن أحداثُ التاريخ، في لحظة الحدث نفسه وبالتزامن معه، معانيَ (ومعاني مقابلة) توجّهها في اتجاه ما. ومن ثم، تكون الواقعةُ التاريخية نفسُها، بما هي، مادةً سائلةً للتأويل، وتأويلُها ليس بَعْدِيّاً فقط. 

مثلاً، تتعامل جمهرة من الدراسات الأكاديمية، فضلاً عن الأدبيات الاستعمارية البريطانية الرسمية، مع ما يُعرف في التأريخ الوطني العراقي بـ “ثورة العشرين” على الاحتلال البريطاني، بأنها مجرد تمرد عشائري واحتجاجات مرتبطة بسياقات ذات طابع مادي واقتصادي مصلحي. ولكن، حين تقرأ أرشيفَ الثورة ووثائقها، ترى أن توصيفها بأنها حركة قومية استقلالية مناهضة للاستعمار، لم يأت من زمان لاحق، ولم يُسبَغ عليها بأثر رجعي، بل إن وثائقها نفسها، وهي وثائق كثيرة ومتعددة، كانت تصفها بهذا الوصف في لحظة الحدث المادي نفسه. القيمة والمعنى اكتسبهما الحدثُ المادي في لحظته نفسها، ولم يكونا بَعْديّين. وتكمن مشكلةُ الدراسات الأكاديمية السالفة والأدبيات الاستعمارية البريطانية في أنها تقصر “الثورة” (التمرد بلغتها) على العمل العنفي، ولا تستطع أن ترى اللغةَ/ الخطابَ/ المعنى/ الرموز/ القيمة جزءاً من الحدث التاريخيّ، حتى وإن كان مزامناً للعمل العنفي ومرتبطاً به. وإن كان بعض عنفُ الثورة (أو حتى بعض احتجاجاتها غير العنفية) ناشئاً من سياقات مادية، لا ترتبط -بالضرورة- بالمعنى الذي أُسبغ عليها، فإن الحركة الثورية -في لحظتها نفسها- تدمج كمّاً غير قليل من الأحداث التاريخية في معناها العام، وتعيد تعريفَه بأنه جزء منها ومن روحها. 

هكذا الثورات دائماً في التاريخ، ليس كلُّ جانبها العُنفي خالصاً للمعنى العام للثورة. 

وقائعُ التاريخ، إذن، ليست أحداثاً مجرّدة، وتأويلُها ليس فعلاً بَعْدياً دائماً، ذلك أن “موجِّهات تأويلها وقراءتها” (بلغة النظرية الأدبية) تقع في قلبها، بما أنها محمّلة باللغة والمعاني والرموز. ومن قلبها، أيضاً، قد تتولد تأويلات متباينة. 

ومع ذلك، لا ينبغي لسيولة الواقعة التاريخية وإمكانيات تأويلها في كل مرة تُكتَب فيها، أن تفضي بنا إلى الخلط بين التأريخ الإيديولوجي، والتأريخ الذي يلتزم بالحدود الدنيا من قواعد التوثيق وعرض الأحداث المنهجية، كما تواضع عليها حقلُ الدراسات التأريخية، عبر مراجعة نقدية طويلة ومستمرة. وحتى إن كان بالإمكان تسييس الأخير وتوجيهه، فإنه في نوع Genre  آخر مختلف عن التأريخ الإيديولوجي. 

وفي الخلاصة، يستمد العملُ في الحاضر زخمَه من “عُقَد” الماضي، على نحو ما جرت بلورتها وصياغتها. وسيكون جزءاً مهماً من هذا المسعى ما تسبغه العودةُ إلى التاريخ من “شرعية أخلاقية” على ما يمكن أن يفضي إليه النزاعُ الراهن من هيمنة. 

تاريخ رمادي، خارج الثنائيات وفوقها 

كنتُ، كغيري من العراقيات والعراقيين، أستهلك تأريخاً من هذا النوع، في المدرسة الوطنية التي نشأتُ فيها في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، والتي لم تكن تقدّم سرديات الدولة للتاريخ، بل سرديات حزب إيديولوجي يحكم هذه الدولة. 

نعم، الدولةُ ليست محايدة دائماً، حيث ينبغي لها أن تكون كذلك معيارياً، وهي مؤدلجة، في كثير من الأحيان، غير أن التأريخ الذي كانت تعرضه المدرسةُ الوطنية في العراق لم يكن تأريخاً وطنياً، بقدر ما هو تأريخ إيديولوجي، مصوغ من العدسة الإيديولوجية للحزب الحاكم. وبسبب هذا المنظور الإيديولوجي، كانت مساحات واسعة من هذا التأريخ محذوفةً ومعمى عليها. ومن ثم، لم يساعد “التأريخُ الوطني”، الذي قدّمته هذه المدرسةُ، المواطناتِ والمواطنين العراقيين على أن يعرفوا تاريخ بلدهم، بل جعلهم -في مفارقة مأساوية- يجهلونه، فلم يفهموا من العهد الملكي إلا أنه “بائد”، ولا من حقبة ثورة 1958 إلا أنها “انحرفت عن أهدافها”، وهكذا. كل ذلك كان يطابق إيديولوجيا الحزب الحاكم، الذي يلقّن من التاريخ فقراتٍ يختارها، وبالفهم والصياغة الإيديولوجية التي يعتنقها. 

وحين انتقل التأريخُ من يد الدولة إلى يد الجماعة ومنصّاتها، تنحى التأريخُ الوطني، ليصبح فئوياً، انقسامياً، هذا فضلاً عن أنه لم يتحرر من سطوة الإيديولوجيا، بل انتقل إلى إيديولوجيا نقيضة لإيديولوجيا البعث السالفة. 

والآن، يتداول العراقيون، عبر الوسائط التي يستعملها الجمهورُ العام، التأريخَ الاستهلاكي الذي تستند مادتُه الأساسية إلى السرديات التي تستعمل التأريخَ أداةً نزاعية، تستهدف تحقيقَ مكانة ما، سلطة، أو هيمنة، أو تفوق، أو غلبة. هذه الوسائط تقدّم التأريخَ (الذي وصفتُه آنفاً)، التنافسي، النزاعي، النسقي، الاختزالي، الجوهراني، الثنائي المنطق، تأريخ نحن وهم، تأريخ بياضنا وسوادهم، التأريخ الذي لا يمكن -بحال- أن يكون موضوعياً (بالقدر الأدنى من المعايير الموضوعية)، ولا نقدياً، حتى وإن كان جزء من مادته مطابقاً للقواعد المنهجية للتأريخ المحترف، غير أن هذا الجزء يذوب في كمّ التأريخ الاستهلاكي، فلا يكون بالإمكان تمييزه حينئذ. 

من هنا، سيبدو مثيراً أي تأريخ يُقدّم للجمهور العام عبر واحدة من هذه الوسائط، ويحاول عصيانَ الفهم النزاعي للتاريخ، وتحديه، وتجاوز سمات مضمونه، وتأسيس قراءة نقدية بديلة، لا تتخندق في مساحات الأبيض والأسود، بل تعمل على المناطق الرمادية. حينها، سيبدو هذا التأريخ كأنه “التأريخُ” للمرة الأولى، كأنه “تاريخنا” الذي نكتشفه الآن ولم نعرفه سابقاً، حيث يتعطل الخيطُ الناظم للنسقية، وتتعطل الجوهرانية اللاتاريخية، وتتعطل الاختزالية، بكشف السياقات الثرّة للتاريخ، ويظهر المنسي والمسكوت عنه فيه، ويتعطل منطقُ الخير والشر، والأسود والأبيض، ليبدأ التاريخ الذي نكتشفه الآن، منطقةً رمادية، يتداخل فيها “الأبيض” و”الأسود”، ويتفاعلان، ولا يلتزم كل منهما بحدود خاصة فاصلة، حيث إن هذه الحدود مجرد أسطورة.  

رماديةُ التاريخ فلسفةً فيه 

لا يمكن أن نفصل في فواعل التاريخ، إذن، بين فاعل إيجابي، خيّر، أبيض، مشرق، بشكل مطلق، وفاعل سلبي، أسود، بشكل مطلق. وافتراضُ أن التاريخ محكوم بمنطق ثنائي هو افتراض فوق تاريخي، أسطوري، و – أكثر من ذلك – هو افتراض مسيّس، مبني في لحظة لاحقة من التاريخ، ومسحوب عليه. 

ما نتصوره فاعلًا أبيض، وما نتصوره فاعلًا أسودَ، يتفاعلان ويتداخلان في صناعة التاريخ، من دون غائية قيمية، وإنما تُضفى القيمةُ، ويصنع البياضُ والسواد في وقت لاحق. وعلى وجه الدقة، وحيث أن هذا التصنيف الثنائي مسحوب على التاريخ من لحظة نزاعية لاحقة، لا يمكننا إذن الافتراض بأن ثمة فاعلاً أبيض أو أسود في التاريخ، على وجه الحقيقة. 

في الغالب، لا يحدث التاريخُ، في لحظته، من خلال هذا التموقع الثنائي، وإن إعادة تركيبه على وفق مصفوفة ثنائية هي نتاج تأويل نزاعي لاحق، ومسيّس، وإيديولوجي. 

لا أنفي أنه قد تكون ثمة ثنائيات واضحة في اللحظة التاريخية نفسها، ربما يكون بعضُها ناتجًا من حالة هوية قومية سياسية مكتملة وواضحة الحدود، تواجه قوة خارجية كبيرة (كما في الحالة الاستعمارية، على سبيل المثال)، فتكون الثنائية حاضرةً في لحظة الحدث التاريخي، إلا إنه ليس معلوماً لنا كم من التاريخ حدث استناداً إلى ثنائية واضحة مثل هذه، وما نسبتُه. 

ومع ذلك، أزعم أنه حتى في الحالات الشبيهة بالحالة الاستعمارية، لا يبدو -بشكل واضح لا لبس فيه- أن التاريخ يحرّكه منطق ثنائي، إلا حين تُصاغ هذه الثنائية خطابياً في وقت لاحق. وفي أحيان كثيرة، تعمل الصياغةُ التأريخية لهذه الثنائية على تجذيرها أبعد من حدود الواقعة التاريخية. 

بدءاً من كتاب الثقافة والإمبريالية (1993)، وتأسيساً على دراسة الحالة الاستعمارية، قدّم إدوارد سعيد مفهومَ “الطباقية Contrapuntalism”، ليكونَ أداةً منهجية لقراءة التاريخ والثقافة. وقد أخذ المصطلحَ من الأدبيات الموسيقية، التي تستعمل “الطباقيةَ” في الإشارة إلى لحن أو ميلودي، يقوم على جمع خطين (أو صوتين)، أو أكثر، لكل منهما إيقاعه المستقل، ولكنهما يجتمعان في اللحن على نحو هارموني. وقد وظّف سعيد هذا المفهوم، ليفترض أن التاريخ متعدد الخطوط والأصوات Polyphonic، متشابك ومتداخل Intertwined and Overlapping7، ولا يمكن قراءته بوصفه ذا منطق أحادي لفاعل واحد. 

وفي تقديري، أن الفكرة المبدئية التي يقترحها سعيد (أن التاريخ متداخل الفاعلين) فكرة مهمة، ولكنه يضعها في سياق ما تطور إليه نتاجُه النظري في دراسة عالم الاستعمار، ليقول إنه لا يمكن كتابة التاريخ من منطق أحادي، بوصفه تاريخ المستعمِر، بل إن التاريخ هو كالطباق الموسيقي، مخرجاتُه لا تنتج من فاعل الهيمنة فقط، بل الهيمنة ومقاومتها معاً: ينتج التاريخُ، أيضًا، من فعل المهمشين والمغيبين والمنسيين، في أدائهم المقاوم لفعل الهيمنة. 

أحاول، من خلال مفهوم “الرمادية”، أن أذهب أبعد من الرؤية الهيغلية التي يبقى سعيد داخلها، والتي يقود مفهومُ “الطباقية” إلى استنتاجها ضرورة: أن التاريخ هو مخرج تفاعل خطين أو صوتين. وإذا كان هذا تحتّمه قراءةُ التاريخ من منظور الواقعة الاستعمارية (وهو أمر شديد الأهمية، بلا ريب، وأسلّم به بالمطلق، وبأهميته – لا النظرية فقط – بل بوصفه مبدأ ينبغي أن يحكم عملَنا كمثقفين)، فإن قراءة التاريخ الداخلي (أو حتى التاريخ العام، خارج إطار الواقعة الاستعمارية، التي هي – في النهاية وعلى أهميتها – لحظة محددة في التاريخ) تفضي بنا إلى ضرورة البقاء قريبين من فكرة التاريخ بوصفه فضاء متداخل الفاعلين، من دون وضع هؤلاء في مواقع أو خنادق متقابلة. 

وفي الخلاصة، وإذا لم يكن ثمة فاعل أبيض أو أسود في التاريخ، على وجه الحقيقة، فلن يكون – إذن – ثمة تفاعل بين هذين الفاعلين المفترضين. 

ما أسعى إليه، هنا، هو دحض تصور أن التاريخ يصنعه منطق ثنائي، لفاعلين يسيران بالتوازي ولا يتقاطعان. وأداتي في هذا الدحض هو الحديث عن التفاعل والتقاطع المستمرين لفاعلي التاريخ. 

ومن ثم، لا تكون “الرماديةُ” سمةً فعلية للتاريخ، بقدر ما هي أطروحة لنقض فهمه بوصفه نزاعياً قائماً على منطق ثنائي. “الرمادية” هي شكل من أشكال التبسيط النقضي، أكثر من كونها حقيقة فعلية قائمة. 

الأمر الأخير الذي ينبغي أن أشير إليه، هنا، أنني حين أتحدث عن التاريخ بوصفه منطقة رمادية، لا أنطلق من نزعة توافقية سياسية، تروم – في الأساس وقبل أي شيء – التصالحَ على المسائل النزاعية في التاريخ، بل أنطلق من مسعى بناء فلسفة عامة للتاريخ، حتى وإن كانت مفهوم “الرمادية” وعرضه يبدوان مرتبطين ومتداخلين باعتبارات ذات صلة بالسياق العراقي الذي أكتب فيه. وبكلمة: إن الأفكار التي عرضتُها، آنفاً، لا تحرّكها الرغبةُ في بناء تصالح (أو توافق) مفتعل على التاريخ، ولا ينبغي للفكرة المعروضة بوصفها فلسفة عامة أن يختزلها وضعُها في سياق محدد، تُفهَم من خلاله. وفي الوقت نفسه، هذا لا يلغي أن السياق المحدّد يبقى حاضراً، فإذا كان المسعى هو صياغة مقولة نظرية عامة، فإنه لا يمكن حجب تفاعلها مع سياقها، أو إسقاطه، أو إلغائه، سواء من جهة كونه هو الذي بنى الإشكالية التي قادت إلى الفكرة، أو تحوّل هذه الأخيرة – في المقابل – إلى إطار لتفسير هذا السياق أولاً، كما غيره لاحقاً. 

وعلى هذا الجانب السياقي الأخير، ينبغي لي القول إنني أؤمن -بالتزامن- بضرورة الحوار متعدد الأطراف في المسائل النزاعية في التاريخ، تحت سقف من مسعى التفاهم، ووضع هذه النزاعات في حدودها، بوصفها دروساً تاريخيّة أليمة، لا ديمومة لها، ولا ينبغي لها أن تكون مولّداً لنزاعات راهنة، كما لا ينبغي أن تتأسس عليها امتيازات سياسية. 

خاتمة: تحرير التاريخ: عن “الحقوقي” فيه 

“إن صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان” 
ميلان كونديرا 

هل يقودنا مفهومُ “رمادية التاريخ” هذا إلى موقف عدمي، يصبح معه التاريخُ مجردَ أحداث ووقائع، من دون مضمون (أو استنتاج) حقوقي وإنساني نستنبطه منه؟ ماذا عن الدكتاتورية؟ والتهميش؟ والإبادات؟ وروح التسلط؟ والتطرف؟ والعنصرية؟ والاستعباد؟ و . .؟ و. .؟ و. .؟ 

كنت قد انتهيتُ، ما قبل هذه الخاتمة، إلى أن هذه الأطروحة لا تنطلق من نزعة توافقية سياسية، بمعنى أنها لا تتعسف في قراءة التاريخ من أجل الرغبة في بناء تصالحات مفتعلة عليه، بل هي نوع من الفلسفة العامة، تسعى لأن تدحض ما يُفترض من طابع نزاعي فيه، لتثبت أن التاريخ – في جوهره – ذو طبيعة أخرى مغايرة. وفي الوقت نفسه (وطالما أن فكرة التسييق تشغلني دائماً)، لا يمكن لهذه الأطروحة أن تنفصل عن سياقها، وإن كنت أحرص على ألا يختزل السياقُ الفكرةَ ويحجبها. 

ومن ثم، سيكون لهذه الأطروحة وظيفة راهنة شديدة الأهمية، وهي مناهضة الاستعمال المسيّس للتأريخ، الذي يتخذه تُكَأَةً لمشروع هيمنة وامتياز سياسي وغلبة. 

هذا الدرس نستنبطه من قراءة سياق محدد. وأنا أفكّر، باستمرار، بإمكانية أن نشتق معرفةً عامة من تجربتنا الخاصة، ومن موقعنا في العالم. هذه هي الطريقة التي نمت بها المعرفةُ البشرية لتكون معرفةً عالمية، ولا مناص لنا من أن نخوضها، بوعي الموقع (موقعنا في العالم)، والهدف (إمكانية إنتاج معرفة ذات طابع كوني تستند إلى تجربة خاصة)، والأدوات (المعرفة النظرية كما وصل إليها العالم، الذي نحن جزء منه، لا ينفصل، ولا يمكن أن ينفصل، حتى وإن وعى خصوصيتَه). 

من هنا، ينبغي لنا دائماً (إذا افترضنا أننا مثقفون نقديون) أن نعود إلى التاريخ، بقدر ما تعود إليه مشاريع الهيمنة، لنبرهن -على عكس ما تسعى إليه هذه المشاريع- أن التاريخ ليس فيه بياض مطلق أو سواد مطلق، بل هو يتشكل بناء على التفاعل بين ما نتصوره كذلك. 

هذا هو، بالضبط، ما أظن أنه ينبغي لنا عمله. ولذلك، تتمتع أطروحة “الرمادية” براهنية ملحة. وفي الوقت نفسه، لا تنفي هذه الأطروحةُ والإيمانُ بها أزماتِ التاريخ الكثيرة والمستمرة، ما حدث فيه من فظائع، باسم الهوية، أو التفوق الإثني، ولكن – دائماً – باسم سلطة تقيم بنيانَها على هذه الفظائع، سواء فهمنا هذه الأزمات فهماً بنيوياً، بوصفها نتاجَ سياق موضوعي، أو بوصفها إرادات فاعلين. 

يتحرك العمل على هذه الأزمات بموازاة دحض إعادة فهم التاريخ بوصفه قائماً على منطق نزاعي، من دون أن ينفي أحدُ العملين الآخر. 

ينبغي أن يرافق عملياتِ الدحض، التي أتحدث عنها هنا، دفاع مستمر عما يحيط بالتسلط وتجاربه من ذاكرة، وأرشيف، ووثائق، وتاريخ، وشهادات، تسعى السلطاتُ إلى محوه. 

كلا العملين يناهض السلطةَ واستعمالاتها للتأريخ. 

والتاريخُ ورشة مفتوحة ومستمرة للعمل. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

تقديم عن هذا النص: في العطش إلى التاريخ 

كان مفاجئاً (ومذهلاً بالنسبة لي) حجمُ الاهتمام الذي حظي به حوار أسهمتُ به في بودكاست “بدون ورق”، وبُثّ في شهر أيار 2024، ولا سيما بين المتابعات والمتابعين العراقيين. 

المنصةُ كويتية، ليس فقط لأنها تنتج أعمالهَا وتطلقها من الكويت، وليس فقط لأن من يديرها صحفيان كويتيان، هما الصديقان فيصل عبد الرحمن العقل ومنيرة الشريفي، بل كذلك لأنها تنطلق من هموم ومرجعيات كويتية. 

من هنا، كانت الغايةُ الأساسية من هذا الحوار تقديم تاريخ العراق لجمهور كويتي، بل -أوسع من ذلك- جمهور عربي، حيثما تستطيع المنصةُ أن تصل إليه. كانت الغايةُ الأساسية هي المساعدة أو الإسهام في طموح عربي لفهم العراق المعاصر وتاريخه، ولا سيما السياسي منه. 

ولذلك، كان العنوان الذي اختاره الصديقان منتجا المنصة (العراق بين التعقيد والتبسيط) يتضمن، بوضوح، هذه الرغبةَ في الحاجة إلى تعريف: تبسيط ما يبدو معقّداً لجمهور من الخارج. 

ولكن ما حصل (وهذا انطباع لا يقوم على مسح) أن الجمهور العراقي هو أكثر من اهتم بهذا الحوار. يعكس ذلك حجمُ ما وصل إليّ من ردود أفعال، أسعدني بلا شك. ولكن ما أثار استغرابي هو هذا بالضبط: أن يهتم العراقيون أكثر من غيرهم بهذا الحوار، بخلاف ما كان مخطّطًا له في الأساس. هل يحتاج العراقيون إلى أن يفهموا تاريخَهم وتاريخ بلدهم، كما يحتاجه من ليسوا من أبناء البلد، من أبناء المنطقة، الذين يريدون أن يفهموا تاريخَ بلد مركزي في منطقتهم، ومشتبك بتاريخها بقوة؟ هل يرى العراقيون تاريخَ بلدهم معقّداً وبحاجة إلى قدر من التبسيط؟ 

أظن أن هذا الاهتمام نفسَه بحاجة إلى وقفة، إلى فهم، ودراسة حتى، فإن لم يكن ما قُدّم في هذا الحوار تأريخاً مدرسياً، أي تأريخاً مصوغاً بطريقة مبسّطة، غرضُها التلقين، بل لقد عرضتُ فهمي لهذا التاريخ، الذي يستند إلى تجربة شخصية في قراءته ومعرفته، تجنبت الأطرَ الشائعة، لتغوص في المصادر الأولية والوثائق، وتعيد تركيبَ التاريخ -من ثم- بحسب ما تتيحه هذه المصادر، فإن السؤال عن الاهتمام بالحوار لا ينبغي أن يقف عند حاجة الجمهور إلى المعرفة، بل ينبغي أن يكون هدفه التبصر بمدى علاقتنا، شعباً ومجتمعاً ومواطنين، بتاريخنا، كيف ننظر إلى هذا التاريخ؟ وكيف نستعمله؟ ماذا يعني لكينونتنا السياسية والاجتماعية؟ وما موقعُه من تكويننا الثقافي والسياسي؟ هل نعتقد أن جذور مشكلاتنا اليوم تكمن في هذا التاريخ؟ كيف ننظر إلى السرديات التأريخية الرائجة؟ ما قيمتها بالنسبة لنا؟ وما التأريخ الذي نطمح إليه؟ 

مقابلة الزملاء في بودكاست بدون ورق مع د.حيدر سعيد في حزيران 2024. 

التأريخ: من يد الدولة إلى يد الجماعة 

أركّز، دائماً، على نشوء الدولة الحديثة في منطقتنا بوصفه حدثاً مفصلياً. والدولةُ الحديثة ليست مجرد سلطة مركزية ورثت وصادرت السلطات الاجتماعية التقليدية، وليست مجرد قائد للتغيير الاجتماعي والاقتصادي، بل هي كانت الفاعلَ الثقافي الأهم. وإذا كنا نتحدث عن التاريخ، فإن الدولة هي مَن تولى سردَه وتركيب روايته، كما تولت صناعةَ الأمة نفسها، في العمليات التي يصطلح عليها في العلوم الاجتماعية “بناء الأمة Nation Building”. ولذلك، تعدّ دراساتُ القومية بناءَ الذاكرة الجماعية للأمة عنصراً أساسياً من عناصر تكوينها، أي إن عمليات بناء الأمة كان يجب أن يرافقها، بالضرورة، بناء سرديات تأريخية، تكون محتوى الذاكرة الجماعية للأمة الناشئة. 

ولا يخلو هذا التأريخ القومي (كأي تأريخ بالأحرى) من عناصر حذف وإبراز، ومساحات توكيد وتهوين، ولغة ثناء وسلب، وما إلى ذلك مما يدور في هذه الدائرة، غير أن وظيفتَه القومية، التي ترتبط بنيوياً بعمليات بناء الأمة، تجعله فوق سؤال الموضوعية دائماً (إن كان بالإمكان عدّ أي تأريخ موضوعياً). 

وفي كل الأحوال، ما يهمني، هنا، ليس تحديد قيمة السرديات التأريخية للأمم (وهذا أمر فُرغ منه نظرياً)، بل تحديد مَن يتولى سرد التاريخ. 

كانت الدولةُ، ممثلةً بمؤسساتها، و”أجهزتها الإيديولوجية” (بمصطلح الفيلسوف الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير1(، ونخبها، هي هذا السارد، في زمان كان فضاءُ الخطاب فيه محتكراً. غير أن ما بدأ يحصل، مع تراجع دور الدولة في منطقتنا (ومنها العراق)، منذ نحو أربعة عقود تقريباً، هو صعود “جماعات” تنافس الدولةَ في سرد التاريخ وتزاحمُها عليه. 

أضع كلمة “جماعات” بين قوسين صغيرين، للتشديد عليها، فالانتقالُ الحاصل والخروج عن الدولة لم يحدث على وفق ثنائية (الدولة/ الفرد)، بل على وفق ثنائية (الدولة/ الجماعة)، في سياق الانتقال العام الذي حصل (في منطقة المشرق العربي في أقل التقديرات) من إطار الدولة الأمة إلى الإطار الجماعوي Communitarian، أي الإطار الذي لا تعبّر فيه الدولةُ عن أمة منسجمة، بل عن جماعات، أو هويات إثنية متعددة. 

ولم يحدث الانتقال من إطار الدولة الأمة في سياق دولة قوية، قرّرت أن تنقل إطارَها الاجتماعي من الأمة إلى تركيبة من المجموعات الإثنية (ولا أدري ان كان هذا قد حصل في حالة ما في التاريخ)، بل حصل الانتقال في سياق انهيار للدولة. ومن ثم، لم تكن “الجماعةُ” بديلاً من “الأمة”، كما يبدو، بل كانت – بمعنى ما – بديلاً من “الدولة” نفسها. ولا أقصد، هنا، تحوّل هذه الجماعات، أو عودتها إلى أن تؤدي دور التنظيم الاجتماعي، بل أقصد أنها باتت -مع ضعف الدولة- تتولى صلاحياتٍ كانت هذه الأخيرةُ تحتكرها. وقد يشمل هذا قطاعاتٍ، منها الأمن، والثقافة، والاقتصاد، وما إلى ذلك. ولا ينفي هذا الدورَ الصاعد للجماعات ما تحاوله أحياناً من “رسمنة Officialization” لدورها، أي إضفاء صفة الدولة عليه، ذلك أن فاعليتها في هذه القطاعات تظل محكومةً بالمنطق الجماعوي، لا منطق الأمة أو الدولة، أو الدولة والأمة معاً. 

وكذلك، لا يمكن عدّ صعود الجماعات انتقالاً بجزء من صلاحيات الدولة إلى “مجتمع مدني”، ذلك أن الأخير تكوين حديث، يتقاطع مع المنطق الجماعوي الذي يعيد ابتكارَ الجماعات التقليدية، ولا يمكن عدّه “مجتمعاً أهلياً” تقليدياً، لأن صعود الجماعات يتحرك على وفق طموح الاستحواذ على الدولة وفضائها، ليحل محلها (على نحو ما تقدّم)، ولا يريد أن يبقى خارجها، مستقلاً عنها، وموازياً لها. 

التأريخ مادةً للاستهلاك 

كفّت الدولة، إذن، عن احتكار فضاء الخطاب، بسبب ما تقدّم من ضعفها. ولا يمكننا، هنا، إغفالُ عامل آخر في ذلك، شديد الأهمية، وهو نشوء الفضاء الافتراضي الحر، الذي يُفضي – بالضرورة – إلى كسر احتكار الدولة لفضاء الخطاب ودمقرطته. هذا الفضاء لم يكن موجوداً في سياق الدولة القوية السالفة، وهو الآن عنصر أساسي وحيوي في أية ديمقراطية ليبرالية، ولا سيما تلك الناشئة خارج سياق الديمقراطيات الغربية العريقة. 

الجماعةُ الإثنية التي نتحدث عنها كيان مجرد (أو متخيّل، إذا أردنا أن نستعمل لغة بندكت أندرسون)، كما الأمة نفسها. وإذا كنت أقول إن الجماعة باتت تنافس الدولةَ في سرد التاريخ وصلاحيات أخرى، فإن المعني – هنا – نخبها، أي النخب التي تزعم تمثيلَ هذه الجماعات والحديث باسمها، مفترضةً (أو مدعيةً) أن خطابها هو ما تؤمن به الجماعة (المجرّدة، المتخيّلة)، وأنه يستمد من إيمان الجماعة ويعكسه. وفي الحقيقة، قد تكون الجماعةُ (أو أفرادُها، أو أفراد منها، كثروا أو قلّوا) هي التي تأخذ خطاباتِ نخبها عقيدةً لها، وليس العكس. 

تسرد هذه النخبُ التاريخَ مستنداً إلى موقع الهوية الإثنية منه، ظفراً أو مأساة. ويشيع هذا التأريخ (بالهمزة) “النخبوي” بين أفراد الجماعة، أو كتلة كبيرة منها، بوصفه “التاريخ” (من دون همزة) الفعلي، ما يعتنقونه من فهم لحوادث التاريخ. 

وفي كل الأحوال، ومهما كانت العلاقةُ بين النخب وقواعدها الاجتماعية معقدةً وإشكاليةً نظرياً، فإنه بغير فهم مركزية دور النخبة الجماعوية في سرد التاريخ، لا معنى للقول: إن الجماعة تسرد، وتعتقد، و.. و.. و… 

التأريخ الذي أقصده، هنا، هو – بالدرجة الأولى – التأريخ الذي يُقدَّم للجمهور العام (عبر المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام، والخطاب السياسي، والكتب الشعبية)، ليستهلكه ويتداوله، ويستعمل المادةَ التي يتضمّنها في بناء تصوراته عن تاريخ البلاد والجماعة، ثم ليعيد -هو بدوره- تقديمَه عبر ما يملك من وسائط، وليضمّنه بشكل صميم في ديناميكيته السياسية. 

تستعمل الأدبياتُ الأكاديمية لهذا النمط من التأريخ مصطلح “التأريخ العام”، ومقابلُه الإنكليزي “Public History”، وليس “General History” (الذي يُستعمَل مرادفاً لـ “التأريخ العالمي Global History”، أو في الإشارة إلى تأريخ منطقة واسعة من العالم، يتجاوز التواريخ المحلية أو الوطنية، كأن نقول: تأريخ آسيا العام، أو تأريخ أفريقيا العام، أو سوى ذلك). 

هناك اجتهادات واختلافات في تعريف “التأريخ العام”، وتعيين حدوده، ومَن منتِجُه، وطبيعة علاقته بالتأريخ الأكاديمي، وما إلى ذلك2. وبغض النظر عن مدى الاتفاق على هذه المسائل التعريفية، أستعملُ هذا المصطلحَ، هنا، بالمعنى العام الذي تستعمله الأدبياتُ المختصة، وهو: التأريخ الذي يخرج من الأطر الأكاديمية، ويتجه إلى الجمهور العام، الذي يستعمله في مجالات شتى، منها عمليات بناء الذاكرة الجماعية، التي تتولاها المناهجُ الدراسية، والمتاحف، ووسائل الإعلام، وسواها3

يركّز هذا النص على “التأريخ العام”، بالتعريف الذي تقدّم، وأضيف إليه – استناداً إلى ما تفيده المادةُ التي أدرسها – تاريخَ الجماعات Histories of Ethnic Groups، الذي يجري إعداده (أو تعدّه النخبةُ الجماعوية في الأغلب) في سياقات نزاعية، ليجري تداوله واستعماله في هذه النزاعات. وبحسب متابعتي، لم تهتم الجهودُ الأكاديمية عن “التأريخ العام”، بما يكفي، بهذه المادة بوصفها جزءاً أساسياً من تعريفه. 

ومن ثم، لا يهتم هذا النصُّ بالتاريخ كما حصل (بالقدر الذي نستطيع أن نظفر فيه على تاريخٍ كما حصل)، ولا بالتمثل الشعبي للتاريخ، على نحو ما ظهر في اتجاهات الهستوريوغرافيا النقدية العالمية (هوارد زن، أو مدرسة التأريخ الشفوي، أو سواهما)، ولا التأريخ المحترفProfessional    (أو المُمَهْنَن، كما بات يفضل عدد من الأصدقاء المؤرخين)، أي التأريخ الذي يخضع إلى الحد الأدنى من القواعد المنهجية الأكاديمية للكتابة التأريخية، سواء مارسه مختصون بحقل الدراسات التأريخية، أو من حقول مجاورة داخل العلوم الاجتماعية والإنسانية تتعاطى مع المادة التاريخية، من قبيل الأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والعلوم السياسية، والتأريخ الأدبي، وسواها. وبالتأكيد، ليس ثمة ادعاء بأن هذا النمط من التأريخ يتمتع بالموضوعية الكاملة والمطلقة، فمجردُ التشديد على مفردات دون غيرها، أو مساحات أو موضوعات للدراسة دون غيرها، هو نوع من تدخل “الذاتي” في “الموضوعي”. 

وفي كل الأحوال، ظل هذا التأريخُ (ويظل) حبيسَ المؤسسة الأكاديمية، بقدر كبير. من هنا، لا يشمل كلامي هذا الكتاباتِ الأكاديمية العراقية في حقل التأريخ، الذي هو -بحسب ما أقدّر- أكثر حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية نضجاً في العراق، ولا سيما لدى جيل الرواد المؤسسين، الذين قدّموا أعمالاً مفصلية شديدة الأهمية، وإن كنت لا أنفي ارتباطَ هذه الأعمال الأكاديمية بقدر ما- بنزعات وتوجهات سياسية، أو انخراطها -في بعض الأحيان- في صناعة السرديات الجماعية، أو الذاكرة إن شئت، وتداخلَه بتأريخ الجمهور العام، أو استعمال مواد منه في إطار هذا التأريخ، أو حتى ظهور أعمال تأريخية أكاديمية تنطلق من توجهات تأريخ الجمهور العام، وينخرط واضعوها من مؤرخين ومشتغلين في العلوم الاجتماعية في صناعة التأريخ النزاعي. وقد حاولت في مقال سابق أن أكشف شيئاً من هذا4. وفي النهاية، ليس الإطار الأكاديمي هو الفيصل في التمييز بين نوعي التأريخ هذين، بل درجة الالتزام بقواعد التأريخ. غير أنه يمكن القول إن “التأريخ المحترف” ظل أقل انسياقاً وراء السرديات النزاعية المسيّسة، بسبب اضطراره إلى البقاء قريباً من القواعد المنهجية السالفة. 

مضمون التأريخ الجماعوي 

تسرد الجماعةُ التاريخَ (أو نسختَها منه)، إذن، ليكون في مواجهة نسخة الدولة. ومع ذلك، تضع الجماعةُ تأريخَها في إطار الترتيبات المؤسساتية للدولة ذات الإطار الجماعوي، متى ما احتاجت هذه الدولةُ إلى مادة التاريخ، أو في الفضاء العام، الذي بات -في شطر غير قليل منه- جماعوياً متقاسماً. 

وفي الحالتين (فضاء الدولة وأجهزتها، أو الفضاء العام خارجها)، يتسم التأريخُ المسرود في أطر جماعوية بطابع تنافسي، أو نزاعي إن صح التعبير، ذلك أن سرديات الجماعة تنافس سرديات الجماعات الأخرى، والجماعاتُ كلُّها تسعى لأن توظّف سردياتها وتستعملها في سياق تحديد المواقع السياسية وتراتبياتها، في دولة باتت تُعرّف بأنها “جماعوية”، أو تتشكل من تجميع هويات إثنية عدة. 

ومن ثم، أصبح التاريخُ أداةً في النزاع. 

وفي تقديري، أن فهم وظيفة التأريخ في الأطر الجماعوية، وما تضفي عليه هذه السياقاتُ من طابع تنافسي نزاعي، مهم جداً لفهم مضمون التأريخ، الذي تتحكم هذه التنافسيةُ في صناعته وفي كيفية تشكيله وسرده. 

يسبغ هذا الطابعُ التنافسي للتأريخ سبعَ سمات على مضمونه، تستتبع كلُّ واحدة منها الأخرى التالية لها: 

  • أنه نسقي Systematic، بمعنى أنه يتعامل مع حوادث متفرقة في التاريخ من جهة أن هناك خيطاً ناظماً يجمعها، 
  • وهذه النسقية اختزالية Reductionist، تردّ تنوعاتِ التاريخ كلَّها إلى منطق واحد، وأصل واحد، ومصدر واحد، 
  • وهاتان السمتان (النسقية والاختزالية) هما وليدتا تصور جوهرانيEssentialist  لاتاريخي anachronic للنزاع. وتشكل هذه الجوهرانيةُ اللاتاريخية واحدةً من السمات الأساسية لمضمون التأريخ التنافسي، 
  • ويستتبع هذا أن يخضع التأريخُ لعملية “تبئير Focalization”، بمعنى التركيز على نقطة، أو مفردة، أو بضع مفردات فيه، لتكون المصدرَ الذي يدور عليه التاريخ كلُّه، وفي الوقت نفسه، يجري نسيان (بل قل: طمس) مساحات جمة في هذا التاريخ، 
  • ويجري إضفاء الاتساقCohesion  (بالمعنى المستعمل في لسانيات الخطاب) على وقائع التاريخ المنتقاة والمضاء عليها بشكل فائق Highlighted  هذه، بما يجعل منها نصّاً متماسكاً، وذلك عبر خطاب تأويلي، أو جُمَل Sentences، تبدو كأنها تحليل لهذا التاريخ، 
  • وبالأحرى، هذا التحليل هو بمنزلة “العِبْرة Lesson”، التي يمكن (بل ينبغي) استخلاصها من التاريخ. وهذه “العبرة” ليست مجرد حكمة، أو موعظة، أو درس مشتق من الماضي، فهذا السياقُ كلُّه يصيّر “العبرةَ” المستخلصة من التاريخ خطاباً سياسياً محضاً، 
  • وستفضي هذه العناصر (نزاعية التأريخ، ونسقيته واتساقيته، وجوهرانيته ولاتاريخيته، واختزاليته وتبئيره، وطابعه العِبَري)، إلى العنصر المهم الآخر، وهو أن التأريخ سيخضع إلى ما يشبه “الغائيّة الأخلاقية Moral Teleology”، إذ سيُكتَب على وفق منظور ثنائي، بمنطق (الخير والشر)، (الضحية والجلاد)، (الأبيض والأسود)، وهو منظور يفرضه التعاملُ مع التأريخ بأنه أداة في سجال سياسي، ويعرضه ساردُه، أيًّا كان، بأنه “أخلاقي”، غايتُه الانتصاف من أزمات فيه، ولكنه -في جوهره- هيمني Hegemonic، بما أن التأريخ تصيّر أداةً للسلطة، والسيطرة، والتحكم. 

عُقَد الماضي وعُقد الحاضر والرحلة بينهما 

في الغالب، تؤسس نزاعاتٌ راهنة لعمليات عودة إلى التاريخ، تستهدف صناعةَ مادة تأريخية يجري تعاطيها وتداولها في هذه النزاعات. وهذا هو التأريخ الاستهلاكي الذي أتحدث عنه. 

تعمل هذه العودةُ على إعادة كتابة التاريخ بأثر رجعي، انطلاقاً من (أو من منظور) نزاعات الحاضر، ويرافقها -دائماً- تصوّر (لاتاريخي، بالضرورة) بأن ثمة صلة بين نزاعات الماضي ونزاعات الحاضر، وأن الثانية هي امتداد مباشر للأولى. ومن ثم، ينبني فهمٌ لنزاعات الحاضر بأنها نزاعات تاريخية، جذورُها في التاريخ، وما الحاضرُ إلا التمظهر الأخير للجوهر النزاعي الأبدي، هكذا، بنزع السياقات المعاصرة، وافتراض أن الفاعل التاريخيّ أزلي، هو نفسه، يعمل عبر القرون والعقود، عبر التاريخ كله وحقبه الطويلة. 

وقد تكون هذه العودةُ (اللاتاريخية) للتاريخ جزءاً من ثقافة عامة، تربط التاريخَ كله بأصل عِلّي Causality  واحد، إلا إنها لا تخلو -في غير قليل من الأحيان- من قصدية واعية، ومسيّسة، تجعل من تجذير كهذا إطاراً للتعبئة العامة، إذ يُحشد الناس في إطار مساواة بين أحداث تاريخيّة متناثرة ومتباعدة في أزمانها، لتبدو كلُّها تنطلق من مصدر واحد، وتتجه إلى غاية واحدة. 

وهكذا، تنشأ علاقة متبادلة بين أزمات الحاضر وعُقَده، وعُقَد الماضي (على نحو ما صاغها التأريخ الراهن. وهذا لا ينفي أن بعض هذه “العقد” كان أزمات تاريخية بالفعل)، فتتحول الأطرُ التي يوضع فيها التاريخ، لا فقط إلى دروس في فهم التاريخ الوطني (وهذا مهم بحد ذاته)، بل أطر لفهم الحاضر ونزاعاته. 

في سنة 1983، وفي ذروة الحرب العراقية الإيرانية، أصدرت مؤسسة رسمية عراقية كتاباً حمل عنوان الصراع العراقي الفارسي، أسهم فيه عدد من المؤرخين العراقيين البارزين، وكان يسعى لأن يستعرض مراحلَ هذه الصراع، منذ بضعة آلاف من السنوات ما قبل الميلاد، وصولاً إلى اللحظة الراهنة. وقد تصدرت الكتابَ مقولة قصيرة لصدام حسين تلخّص هذه “الفلسفة” في التعامل مع التأريخ: “عندما نُواجه بالعدوان، فمن حقنا أن نرجع إلى التأريخ لكي نجد تفسيراً لأسباب العدوان”5، ما يعني -على وفق وجهة النظر هذه- أن التاريخ هو الذي يفسّر نزاعات الحاضر، بل إن هذه النزاعات لا يمكن تفسيرها إلا من خلال التاريخ. هذه “الفلسفة”، التي قادت الكتابةَ التأريخية المحترفة، صاغتها السلطة. وإذا كان هذا الكتاب أنجزه مؤرخون محترفون فإن السلطة هي التي جنّدتهم لبناء معرفة تأريخية تستند إلى هذه “الفلسفة”، وتقترب من التأريخ العام، النزاعي، والمجرد المنزوع من السياقات التاريخية، حتى وإن كان بعض هؤلاء المؤرخين يميل إيديولوجياً إلى توجه السلطة، فإنه أسهم -بضغط السلطة ودفعها- في إنتاج تأريخ أكاديمي بروح التأريخ العام6

وفي آذار 2005، كنت أرافق سينمائياً عراقياً صديقاً، كان يعمل على فيلم وثائقي، جزء من مادته عن النجف، مدينتي. وقد تصادف تصويرُ أجزاء من الفيلم، قرب ضريح الإمام علي، مع تشييع حاشد ومهيب، لمعلم من مدينة الحلة القريبة، كان ضحيةَ تفجير ضخم في المدينة قبل ذلك بأيام، نفّذه انتحاري أجنبي، مستهدفاً مستشفى مدنياً. هذا التشييع المهيب نظّمه طلابُ هذا المعلم، ذي المكانة في نفوسهم وفي مجتمعه، وكانوا يخاطبون الإمام علي، بما معناه: “انظر يا علي، لا يزال ابن ملجم [قاتل الإمام علي] يقتلنا”. 

كان الهتاف يستحق، في تقديري، وقفةً جدية، فما الذي جعل هؤلاء الشباب والطلبة يتصورون أن التفجير، الذي حصل سنة 2005، هو امتداد للحادثة التي وقعت سنة 40 للهجرة (661 للميلاد)؟ 

لم يكن يسيراً لي (من الناحية النظرية، في الأقل) فهمُ هذا المعنى، فأنا نشأتُ في تكوين معرفي تمرّن على وضع الأحداث التاريخية في سياقاتها، وفهم علاقاتها ومفاعيلها من خلال هذا التسييق contextualization، ولم تكن تخدعه المعاني التاريخية التي تُضفى على نزاعات الحاضر، لتعطيها شحنةً من القدسية، أو القيمة، أو المَفْهَمَة التي تتجاوز سياقَها الحاضر، بما يسمح بحشد وتعبئة واسعين حولها. كان هذا التكوينُ المعرفي يتعامل مع أي نزعة لاتاريخية، تجرّد الأحداثَ من سياقاتها، وتجعلها تسبح في فضاء مجرد، مطلق absolute، بأنها تعبير عن نزعة إيديولوجية سياسية. 

لا أفترض أن بالإمكان الوصول إلى تأريخ شفاف، يصف الوقائعَ كما هي، كما أن الوقائع نفسها (من حيث هي وقائع) ليست مادة مجردة، بل تقع اللغةُ والمعنى والفهم والرموز في قلبها. ودائماً ما تُضمَّن أحداثُ التاريخ، في لحظة الحدث نفسه وبالتزامن معه، معانيَ (ومعاني مقابلة) توجّهها في اتجاه ما. ومن ثم، تكون الواقعةُ التاريخية نفسُها، بما هي، مادةً سائلةً للتأويل، وتأويلُها ليس بَعْدِيّاً فقط. 

مثلاً، تتعامل جمهرة من الدراسات الأكاديمية، فضلاً عن الأدبيات الاستعمارية البريطانية الرسمية، مع ما يُعرف في التأريخ الوطني العراقي بـ “ثورة العشرين” على الاحتلال البريطاني، بأنها مجرد تمرد عشائري واحتجاجات مرتبطة بسياقات ذات طابع مادي واقتصادي مصلحي. ولكن، حين تقرأ أرشيفَ الثورة ووثائقها، ترى أن توصيفها بأنها حركة قومية استقلالية مناهضة للاستعمار، لم يأت من زمان لاحق، ولم يُسبَغ عليها بأثر رجعي، بل إن وثائقها نفسها، وهي وثائق كثيرة ومتعددة، كانت تصفها بهذا الوصف في لحظة الحدث المادي نفسه. القيمة والمعنى اكتسبهما الحدثُ المادي في لحظته نفسها، ولم يكونا بَعْديّين. وتكمن مشكلةُ الدراسات الأكاديمية السالفة والأدبيات الاستعمارية البريطانية في أنها تقصر “الثورة” (التمرد بلغتها) على العمل العنفي، ولا تستطع أن ترى اللغةَ/ الخطابَ/ المعنى/ الرموز/ القيمة جزءاً من الحدث التاريخيّ، حتى وإن كان مزامناً للعمل العنفي ومرتبطاً به. وإن كان بعض عنفُ الثورة (أو حتى بعض احتجاجاتها غير العنفية) ناشئاً من سياقات مادية، لا ترتبط -بالضرورة- بالمعنى الذي أُسبغ عليها، فإن الحركة الثورية -في لحظتها نفسها- تدمج كمّاً غير قليل من الأحداث التاريخية في معناها العام، وتعيد تعريفَه بأنه جزء منها ومن روحها. 

هكذا الثورات دائماً في التاريخ، ليس كلُّ جانبها العُنفي خالصاً للمعنى العام للثورة. 

وقائعُ التاريخ، إذن، ليست أحداثاً مجرّدة، وتأويلُها ليس فعلاً بَعْدياً دائماً، ذلك أن “موجِّهات تأويلها وقراءتها” (بلغة النظرية الأدبية) تقع في قلبها، بما أنها محمّلة باللغة والمعاني والرموز. ومن قلبها، أيضاً، قد تتولد تأويلات متباينة. 

ومع ذلك، لا ينبغي لسيولة الواقعة التاريخية وإمكانيات تأويلها في كل مرة تُكتَب فيها، أن تفضي بنا إلى الخلط بين التأريخ الإيديولوجي، والتأريخ الذي يلتزم بالحدود الدنيا من قواعد التوثيق وعرض الأحداث المنهجية، كما تواضع عليها حقلُ الدراسات التأريخية، عبر مراجعة نقدية طويلة ومستمرة. وحتى إن كان بالإمكان تسييس الأخير وتوجيهه، فإنه في نوع Genre  آخر مختلف عن التأريخ الإيديولوجي. 

وفي الخلاصة، يستمد العملُ في الحاضر زخمَه من “عُقَد” الماضي، على نحو ما جرت بلورتها وصياغتها. وسيكون جزءاً مهماً من هذا المسعى ما تسبغه العودةُ إلى التاريخ من “شرعية أخلاقية” على ما يمكن أن يفضي إليه النزاعُ الراهن من هيمنة. 

تاريخ رمادي، خارج الثنائيات وفوقها 

كنتُ، كغيري من العراقيات والعراقيين، أستهلك تأريخاً من هذا النوع، في المدرسة الوطنية التي نشأتُ فيها في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، والتي لم تكن تقدّم سرديات الدولة للتاريخ، بل سرديات حزب إيديولوجي يحكم هذه الدولة. 

نعم، الدولةُ ليست محايدة دائماً، حيث ينبغي لها أن تكون كذلك معيارياً، وهي مؤدلجة، في كثير من الأحيان، غير أن التأريخ الذي كانت تعرضه المدرسةُ الوطنية في العراق لم يكن تأريخاً وطنياً، بقدر ما هو تأريخ إيديولوجي، مصوغ من العدسة الإيديولوجية للحزب الحاكم. وبسبب هذا المنظور الإيديولوجي، كانت مساحات واسعة من هذا التأريخ محذوفةً ومعمى عليها. ومن ثم، لم يساعد “التأريخُ الوطني”، الذي قدّمته هذه المدرسةُ، المواطناتِ والمواطنين العراقيين على أن يعرفوا تاريخ بلدهم، بل جعلهم -في مفارقة مأساوية- يجهلونه، فلم يفهموا من العهد الملكي إلا أنه “بائد”، ولا من حقبة ثورة 1958 إلا أنها “انحرفت عن أهدافها”، وهكذا. كل ذلك كان يطابق إيديولوجيا الحزب الحاكم، الذي يلقّن من التاريخ فقراتٍ يختارها، وبالفهم والصياغة الإيديولوجية التي يعتنقها. 

وحين انتقل التأريخُ من يد الدولة إلى يد الجماعة ومنصّاتها، تنحى التأريخُ الوطني، ليصبح فئوياً، انقسامياً، هذا فضلاً عن أنه لم يتحرر من سطوة الإيديولوجيا، بل انتقل إلى إيديولوجيا نقيضة لإيديولوجيا البعث السالفة. 

والآن، يتداول العراقيون، عبر الوسائط التي يستعملها الجمهورُ العام، التأريخَ الاستهلاكي الذي تستند مادتُه الأساسية إلى السرديات التي تستعمل التأريخَ أداةً نزاعية، تستهدف تحقيقَ مكانة ما، سلطة، أو هيمنة، أو تفوق، أو غلبة. هذه الوسائط تقدّم التأريخَ (الذي وصفتُه آنفاً)، التنافسي، النزاعي، النسقي، الاختزالي، الجوهراني، الثنائي المنطق، تأريخ نحن وهم، تأريخ بياضنا وسوادهم، التأريخ الذي لا يمكن -بحال- أن يكون موضوعياً (بالقدر الأدنى من المعايير الموضوعية)، ولا نقدياً، حتى وإن كان جزء من مادته مطابقاً للقواعد المنهجية للتأريخ المحترف، غير أن هذا الجزء يذوب في كمّ التأريخ الاستهلاكي، فلا يكون بالإمكان تمييزه حينئذ. 

من هنا، سيبدو مثيراً أي تأريخ يُقدّم للجمهور العام عبر واحدة من هذه الوسائط، ويحاول عصيانَ الفهم النزاعي للتاريخ، وتحديه، وتجاوز سمات مضمونه، وتأسيس قراءة نقدية بديلة، لا تتخندق في مساحات الأبيض والأسود، بل تعمل على المناطق الرمادية. حينها، سيبدو هذا التأريخ كأنه “التأريخُ” للمرة الأولى، كأنه “تاريخنا” الذي نكتشفه الآن ولم نعرفه سابقاً، حيث يتعطل الخيطُ الناظم للنسقية، وتتعطل الجوهرانية اللاتاريخية، وتتعطل الاختزالية، بكشف السياقات الثرّة للتاريخ، ويظهر المنسي والمسكوت عنه فيه، ويتعطل منطقُ الخير والشر، والأسود والأبيض، ليبدأ التاريخ الذي نكتشفه الآن، منطقةً رمادية، يتداخل فيها “الأبيض” و”الأسود”، ويتفاعلان، ولا يلتزم كل منهما بحدود خاصة فاصلة، حيث إن هذه الحدود مجرد أسطورة.  

رماديةُ التاريخ فلسفةً فيه 

لا يمكن أن نفصل في فواعل التاريخ، إذن، بين فاعل إيجابي، خيّر، أبيض، مشرق، بشكل مطلق، وفاعل سلبي، أسود، بشكل مطلق. وافتراضُ أن التاريخ محكوم بمنطق ثنائي هو افتراض فوق تاريخي، أسطوري، و – أكثر من ذلك – هو افتراض مسيّس، مبني في لحظة لاحقة من التاريخ، ومسحوب عليه. 

ما نتصوره فاعلًا أبيض، وما نتصوره فاعلًا أسودَ، يتفاعلان ويتداخلان في صناعة التاريخ، من دون غائية قيمية، وإنما تُضفى القيمةُ، ويصنع البياضُ والسواد في وقت لاحق. وعلى وجه الدقة، وحيث أن هذا التصنيف الثنائي مسحوب على التاريخ من لحظة نزاعية لاحقة، لا يمكننا إذن الافتراض بأن ثمة فاعلاً أبيض أو أسود في التاريخ، على وجه الحقيقة. 

في الغالب، لا يحدث التاريخُ، في لحظته، من خلال هذا التموقع الثنائي، وإن إعادة تركيبه على وفق مصفوفة ثنائية هي نتاج تأويل نزاعي لاحق، ومسيّس، وإيديولوجي. 

لا أنفي أنه قد تكون ثمة ثنائيات واضحة في اللحظة التاريخية نفسها، ربما يكون بعضُها ناتجًا من حالة هوية قومية سياسية مكتملة وواضحة الحدود، تواجه قوة خارجية كبيرة (كما في الحالة الاستعمارية، على سبيل المثال)، فتكون الثنائية حاضرةً في لحظة الحدث التاريخي، إلا إنه ليس معلوماً لنا كم من التاريخ حدث استناداً إلى ثنائية واضحة مثل هذه، وما نسبتُه. 

ومع ذلك، أزعم أنه حتى في الحالات الشبيهة بالحالة الاستعمارية، لا يبدو -بشكل واضح لا لبس فيه- أن التاريخ يحرّكه منطق ثنائي، إلا حين تُصاغ هذه الثنائية خطابياً في وقت لاحق. وفي أحيان كثيرة، تعمل الصياغةُ التأريخية لهذه الثنائية على تجذيرها أبعد من حدود الواقعة التاريخية. 

بدءاً من كتاب الثقافة والإمبريالية (1993)، وتأسيساً على دراسة الحالة الاستعمارية، قدّم إدوارد سعيد مفهومَ “الطباقية Contrapuntalism”، ليكونَ أداةً منهجية لقراءة التاريخ والثقافة. وقد أخذ المصطلحَ من الأدبيات الموسيقية، التي تستعمل “الطباقيةَ” في الإشارة إلى لحن أو ميلودي، يقوم على جمع خطين (أو صوتين)، أو أكثر، لكل منهما إيقاعه المستقل، ولكنهما يجتمعان في اللحن على نحو هارموني. وقد وظّف سعيد هذا المفهوم، ليفترض أن التاريخ متعدد الخطوط والأصوات Polyphonic، متشابك ومتداخل Intertwined and Overlapping7، ولا يمكن قراءته بوصفه ذا منطق أحادي لفاعل واحد. 

وفي تقديري، أن الفكرة المبدئية التي يقترحها سعيد (أن التاريخ متداخل الفاعلين) فكرة مهمة، ولكنه يضعها في سياق ما تطور إليه نتاجُه النظري في دراسة عالم الاستعمار، ليقول إنه لا يمكن كتابة التاريخ من منطق أحادي، بوصفه تاريخ المستعمِر، بل إن التاريخ هو كالطباق الموسيقي، مخرجاتُه لا تنتج من فاعل الهيمنة فقط، بل الهيمنة ومقاومتها معاً: ينتج التاريخُ، أيضًا، من فعل المهمشين والمغيبين والمنسيين، في أدائهم المقاوم لفعل الهيمنة. 

أحاول، من خلال مفهوم “الرمادية”، أن أذهب أبعد من الرؤية الهيغلية التي يبقى سعيد داخلها، والتي يقود مفهومُ “الطباقية” إلى استنتاجها ضرورة: أن التاريخ هو مخرج تفاعل خطين أو صوتين. وإذا كان هذا تحتّمه قراءةُ التاريخ من منظور الواقعة الاستعمارية (وهو أمر شديد الأهمية، بلا ريب، وأسلّم به بالمطلق، وبأهميته – لا النظرية فقط – بل بوصفه مبدأ ينبغي أن يحكم عملَنا كمثقفين)، فإن قراءة التاريخ الداخلي (أو حتى التاريخ العام، خارج إطار الواقعة الاستعمارية، التي هي – في النهاية وعلى أهميتها – لحظة محددة في التاريخ) تفضي بنا إلى ضرورة البقاء قريبين من فكرة التاريخ بوصفه فضاء متداخل الفاعلين، من دون وضع هؤلاء في مواقع أو خنادق متقابلة. 

وفي الخلاصة، وإذا لم يكن ثمة فاعل أبيض أو أسود في التاريخ، على وجه الحقيقة، فلن يكون – إذن – ثمة تفاعل بين هذين الفاعلين المفترضين. 

ما أسعى إليه، هنا، هو دحض تصور أن التاريخ يصنعه منطق ثنائي، لفاعلين يسيران بالتوازي ولا يتقاطعان. وأداتي في هذا الدحض هو الحديث عن التفاعل والتقاطع المستمرين لفاعلي التاريخ. 

ومن ثم، لا تكون “الرماديةُ” سمةً فعلية للتاريخ، بقدر ما هي أطروحة لنقض فهمه بوصفه نزاعياً قائماً على منطق ثنائي. “الرمادية” هي شكل من أشكال التبسيط النقضي، أكثر من كونها حقيقة فعلية قائمة. 

الأمر الأخير الذي ينبغي أن أشير إليه، هنا، أنني حين أتحدث عن التاريخ بوصفه منطقة رمادية، لا أنطلق من نزعة توافقية سياسية، تروم – في الأساس وقبل أي شيء – التصالحَ على المسائل النزاعية في التاريخ، بل أنطلق من مسعى بناء فلسفة عامة للتاريخ، حتى وإن كانت مفهوم “الرمادية” وعرضه يبدوان مرتبطين ومتداخلين باعتبارات ذات صلة بالسياق العراقي الذي أكتب فيه. وبكلمة: إن الأفكار التي عرضتُها، آنفاً، لا تحرّكها الرغبةُ في بناء تصالح (أو توافق) مفتعل على التاريخ، ولا ينبغي للفكرة المعروضة بوصفها فلسفة عامة أن يختزلها وضعُها في سياق محدد، تُفهَم من خلاله. وفي الوقت نفسه، هذا لا يلغي أن السياق المحدّد يبقى حاضراً، فإذا كان المسعى هو صياغة مقولة نظرية عامة، فإنه لا يمكن حجب تفاعلها مع سياقها، أو إسقاطه، أو إلغائه، سواء من جهة كونه هو الذي بنى الإشكالية التي قادت إلى الفكرة، أو تحوّل هذه الأخيرة – في المقابل – إلى إطار لتفسير هذا السياق أولاً، كما غيره لاحقاً. 

وعلى هذا الجانب السياقي الأخير، ينبغي لي القول إنني أؤمن -بالتزامن- بضرورة الحوار متعدد الأطراف في المسائل النزاعية في التاريخ، تحت سقف من مسعى التفاهم، ووضع هذه النزاعات في حدودها، بوصفها دروساً تاريخيّة أليمة، لا ديمومة لها، ولا ينبغي لها أن تكون مولّداً لنزاعات راهنة، كما لا ينبغي أن تتأسس عليها امتيازات سياسية. 

خاتمة: تحرير التاريخ: عن “الحقوقي” فيه 

“إن صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان” 
ميلان كونديرا 

هل يقودنا مفهومُ “رمادية التاريخ” هذا إلى موقف عدمي، يصبح معه التاريخُ مجردَ أحداث ووقائع، من دون مضمون (أو استنتاج) حقوقي وإنساني نستنبطه منه؟ ماذا عن الدكتاتورية؟ والتهميش؟ والإبادات؟ وروح التسلط؟ والتطرف؟ والعنصرية؟ والاستعباد؟ و . .؟ و. .؟ و. .؟ 

كنت قد انتهيتُ، ما قبل هذه الخاتمة، إلى أن هذه الأطروحة لا تنطلق من نزعة توافقية سياسية، بمعنى أنها لا تتعسف في قراءة التاريخ من أجل الرغبة في بناء تصالحات مفتعلة عليه، بل هي نوع من الفلسفة العامة، تسعى لأن تدحض ما يُفترض من طابع نزاعي فيه، لتثبت أن التاريخ – في جوهره – ذو طبيعة أخرى مغايرة. وفي الوقت نفسه (وطالما أن فكرة التسييق تشغلني دائماً)، لا يمكن لهذه الأطروحة أن تنفصل عن سياقها، وإن كنت أحرص على ألا يختزل السياقُ الفكرةَ ويحجبها. 

ومن ثم، سيكون لهذه الأطروحة وظيفة راهنة شديدة الأهمية، وهي مناهضة الاستعمال المسيّس للتأريخ، الذي يتخذه تُكَأَةً لمشروع هيمنة وامتياز سياسي وغلبة. 

هذا الدرس نستنبطه من قراءة سياق محدد. وأنا أفكّر، باستمرار، بإمكانية أن نشتق معرفةً عامة من تجربتنا الخاصة، ومن موقعنا في العالم. هذه هي الطريقة التي نمت بها المعرفةُ البشرية لتكون معرفةً عالمية، ولا مناص لنا من أن نخوضها، بوعي الموقع (موقعنا في العالم)، والهدف (إمكانية إنتاج معرفة ذات طابع كوني تستند إلى تجربة خاصة)، والأدوات (المعرفة النظرية كما وصل إليها العالم، الذي نحن جزء منه، لا ينفصل، ولا يمكن أن ينفصل، حتى وإن وعى خصوصيتَه). 

من هنا، ينبغي لنا دائماً (إذا افترضنا أننا مثقفون نقديون) أن نعود إلى التاريخ، بقدر ما تعود إليه مشاريع الهيمنة، لنبرهن -على عكس ما تسعى إليه هذه المشاريع- أن التاريخ ليس فيه بياض مطلق أو سواد مطلق، بل هو يتشكل بناء على التفاعل بين ما نتصوره كذلك. 

هذا هو، بالضبط، ما أظن أنه ينبغي لنا عمله. ولذلك، تتمتع أطروحة “الرمادية” براهنية ملحة. وفي الوقت نفسه، لا تنفي هذه الأطروحةُ والإيمانُ بها أزماتِ التاريخ الكثيرة والمستمرة، ما حدث فيه من فظائع، باسم الهوية، أو التفوق الإثني، ولكن – دائماً – باسم سلطة تقيم بنيانَها على هذه الفظائع، سواء فهمنا هذه الأزمات فهماً بنيوياً، بوصفها نتاجَ سياق موضوعي، أو بوصفها إرادات فاعلين. 

يتحرك العمل على هذه الأزمات بموازاة دحض إعادة فهم التاريخ بوصفه قائماً على منطق نزاعي، من دون أن ينفي أحدُ العملين الآخر. 

ينبغي أن يرافق عملياتِ الدحض، التي أتحدث عنها هنا، دفاع مستمر عما يحيط بالتسلط وتجاربه من ذاكرة، وأرشيف، ووثائق، وتاريخ، وشهادات، تسعى السلطاتُ إلى محوه. 

كلا العملين يناهض السلطةَ واستعمالاتها للتأريخ. 

والتاريخُ ورشة مفتوحة ومستمرة للعمل.