"أمس غابة واليوم شقّة".. أصحاب نفوذ و"عمارات" يدمّرون غابات وجبال كردستان 

صلاح حسن بابان

30 حزيران 2024

بنايات من طوابق عالية تبنى على جثث أشجار وغابات في السليمانية.. لكن ما الحل في ظل الحاجة الملحة إلى السكن؟

“لقد حوّلوا الحديقة إلى مكعبات كونكريتية!” تقول سارة كريم (34 عاماً) بكثير من الأسى، وهي تشير إلى منطقة في مصيف سرجنار (5 كم غربي السليمانية) كانت حديقة عامة اعتادت على ارتيادها خلال فترة طفولتها، لكنها الآن مجمع سكني. 

“جلبت طفليّ الصغيرين معي لكي نتنزه هنا، الاثنان في الابتدائية، وظننت أن المكان باق كما هو في ذاكرتي، مليئا بالأشجار والناس الهاربين من المدينة إلى مكان يتنفسون فيه هواءً نقياً”، لكنها وجدت بدلاً من ذلك أبنية تتنافس في ارتفاعها. 

اشتهرت منطقة سرجنار كونها ملاذاً للعائلات القادمة إليها للتنزه سواءً من مدينة السليمانية أو حتى باقي المحافظات العراقية، واشتهرت حدائقها المترامية بكونها مسرحاً للاحتفالات الشعبية وأهمها عيد نوروز الذي يحلّ في ربيع كل عام. 

تلاحظ سارة أن سرجنار ليست وحدها التي فقدت مساحاتها الخُضْر، بل السليمانية بشكل عام، “فلن تجد سوى العمارات السكنية التي يصل ارتفاع بعضها إلى 30 طابقاً”. 

مجمعات سكنية في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

ملاحظة سارة، تنطبق على إقليم كردستان بنحو عام، وليس السليمانية فحسب. فقدت شهدت المحافظات الثلاث حركة عمرانية واسعة وانفتاحاً كبيراً باتجاه البناء السكني العمودي، بمنافسة شركات استثمارية أجنبية، تركية وإيرانية، بنت آلاف الوحدات السكنية بمواصفات وأسعار مختلفة. 

بناء بفئات متعدّدة 

خلال جولة مُعدّ التحقيق بين عدد من المجمعات السكنية العمودية في محافظات الاقليم الثلاث، وجد بأنها تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: الأولى منخفضة الكلفة، مخصصة لمحدودي الدخل وبأسعار تتراوح بين 45-60 ألف دولار أمريكي، وتفتقر هذه المشاريع بوجه عام إلى شروط ومعايير السلامة التي تحميها من الكوارث الطبيعية كالزلازل. 

أما الفئة الثانية فتمتاز بمواصفات متوسطة إلى عالية، وتبدأ أسعارها من 80 ألف دولار وصعوداً لتصل إلى 300 ألف دولار أمريكي، جزء منها يفتقد معايير السلامة العالمية وشروطها، بينما يكون القسم الآخر منها بمواصفات عالمية رصينة تراعي جميع شروط السلامة والحماية من الزلازل والكوارث الأخرى، وفقا لمتخصصين. 

كما وجد بأن هيئة الاستثمار في الإقليم تمنح بعضاً من مشاريع الإسكان تراخيص للبناء استناداً إلى قانون الاستثمار المعمول به في الإقليم، وأن عدد الوحدات السكنية التي بُنيت وفقاً لهذه الطريقة تقدر بأكثر من 220 ألف وحدة سكنية بمختلف الأشكال والمساحات.  

مجمعات سكنية قيد الانشاء في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

 في وقت تمنح دوائر البلدية أيضاً تراخيص بناء المشاريع لقسم آخر، إذ  تبلغ أعدادها أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، وهذا بحسب رئيس اتحاد مستثمري كردستان ياسين محمود رشيد، الذي يؤكد أيضاً إلى جانب ذلك وجود أكثر من 450 بناية تجارية كبيرة ومتوسطة وصغيرة بالإقليم. 

مساحات تنحسر 

مقابل تراخيص البناء، يشتكي الكثير من سكان إقليم كردستان المعروف بجمال طبيعته الجبلية من تقلص المساحات الخضراء، وانعكاسه المباشر على الصحة العامة. 

يقول أنور جبار (45 عاماً) من منطقة (رعايا) بالسليمانية، إن بيئة المدينة وهواءها كانا نقيين “ولم نسمع كما اليوم، بأمراض ضيق التنفس والتهاب الرئة والربو وغيرها”. 

كان أنور قد اشترى قبلها بقليل بـ145 ألف دينار(تقريباً 100 دولار) كيساً من الأدوية التي وصفها له طبيب مختص بالأمراض الصدرية، بعد أن شخص نوبات السعال التي يعاني منها بالتهاب رئوي حاد. 

ويُحمّل المجمعات السكنية والمشاريع الصناعية مسؤولية التلوث الحاصل في المياه والهواء، لأنهما كما يعتقد قد زحفتا على المساحات الخضراء فازدادت “الأمراض وتفشت الأوبئة” يقول بإصرار.  

بدأ رفض مشاريع الإعمار يجد صداه في المجتمع.  

ففي أيار 2024 أغضبت السلطاتُ المجتمعَ إثر أنباء تحدثت عن حفر واقتلاع شركة استثمارية لجزء واسع من سفح جبل (كويزه) بالسليمانية تمهيداً لبناء مجمع سكني عمودي هناك. 

وتفاقم السخط بنشوب حريق في أشجار (كويزه) خلال الشهر نفسه، ما عده البعض مفتعلاً من أجل تجريد المنطقة من غطائها النباتي واستغلال ذلك ببناء المزيد من المجمعات السكنية العمودية. 

وفق مصدر رسمي في حكومة السليمانية المحلية، طلب عدم الإشارة إلى اسمه، فأن تعبيد طريق واحد فقط لواحد من المجمعات السكنية بالقرب من جبل كويزه تسبب بقطع نحو ألف شجرة، من بينها أشجار معمرة.  

“تلك الأشجار كانت بمثابة رئة يتنفس بها سكان السليمانية هواءً نقياً”. 

تجاوز عدد الوحدات السكنية التي تم بناؤها بالقرب من جبل كويزه الألف وحدة، موزعة على عمارات وفلل ومنازل، وتبلغ المساحة الكليّة لهذه الأبنية نحو 190 ألف متر مربع، وفق المصدر. 

يضيف “بذريعة بناء مجمع آخر على مساحة 23 دونماً في المنطقة ذاتها، تم القضاء على مساحات كبيرة من حدائق ومزارع للمواطنين فضلاً عن اقتلاع أشجار من جذورها بعضها تجاوزت أعمارها أربعة عقود وأكثر”. 

يحاول المستثمرون في الوقت الراهن، بحسب المصدر، الحصول على رخص لبناء مجمعات سكنية أخرى في المنطقة ذاتها التي تعد رمزاً شعبياً في السليمانية. 

“هناك ضجة إعلامية وشعبية الآن بسبب المجمعات السكنية التي تنمو في محيط الجبل”.  

يقول هلو القزاز، مدير عام دائرة الدراسات والمعلومات في هيئة استثمار كردستان، بأن هنالك 69 مشروعاً سكنياً مجازاً في السليمانية من قبل هيئة الاستثمار، منها 47 مشروعاً قديماً مازالت قيد الإنشاء على مساحة كلية تبلغ 6515 دونماً، و22 مشروعاً جديداً حصلت على إجازة العمل والبناء في عام 2023. 

ويقول إن المشاريع الـ47 تتكون من “56 ألفاً و350 وحدة سكنية، اكتمل بناء 25414 منها، وهناك 3936 مازالت قيد الإنشاء”.  

ويؤكد القزاز “لم تُمنح إجازات العمل والبناء لهذه المشاريع إلا بعد تثبيت مساحات خضراء محددة فيها حسب المواصفات المطلوبة”، مشيراً إلى أنه “حسب المعلومات المتوفرة فإن أكثر من 13 بالمائة من مساحة السليمانية هي مساحات خضراء”. 

تكمن المشكلة بأن المجمعات السكنية والفلل تكون بالدرجة الأساس على الأراضي الزراعية، بحسب تشخيص معروف مجيد رئيس منظمة “آينده” لحماية البيئة. 

تسببت مشاريع الإسكان التجارية بقطع واقتلاع آلاف الأشجار وانخفاض مساحة الأراضي الزراعية في قرى وأرياف الإقليم ومنها السليمانية، وبشكل متكرر خلال السنوات المنصرمة. 

ووفقاً لرئيس المنظمة، فإن نحو مليون و500 دونم من مساحة الأراضي في كردستان تعرضت إلى مخاطر الحرائق والأعمال الأخرى المضرة بها، مشيراً إلى أن كردستان كانت في الخمسينيات من القرن المنصرم تمتلك نحو 5 ملايين دونم من الغابات والمراعي لكن الأرقام انخفضت إلى النصف تقريباً. 

استنزاف الخزين المائي 

الأضرار البيئية الناجمة عن مشاريع بناء المجمعات السكنية العمودية المزدهرة منذ أكثر من عقدين في الإقليم على المياه “تسببت بإنخفاض مناسيبها بنحو لافت”، يضع رمضان محمد، الخبير في السياسات المائية، أثراً آخر للمشاريع السكنية التجارية.  

ويقول محمد إن “التوسع العمراني الذي يحصل حالياً دون تخطيط علمي يؤثر بنحو كبير على المياه الجوفية وتغذيتها ويؤدي إلى قلة الخزين الجوفي للمنطقة وهذا يؤدي إلى الجفاف وانخفاض مناسيب الأنهر الموسمية، بسبب قلة ظروف التغذية”. 

ويشير إلى أن البناء بنحو عام أصبح “فوضوياً وعشوائيا” على حد تعبيره، وأن خطورة البناء الأفقي تكمن بالأسفلت، ويوضح: “الأمطار الموسمية تسبب سيولاً وميضية، فترتفع مناسيب المياه ويصبح خطرها داهماً على الأرواح والممتلكات، بينما في السابق قبل كل هذا البناء كانت المياه تتسرب إلى داخل التربة دون إحداث أضرار”. 

ويذكر الخبير سلبياتٍ رصَدَها في المجمعات السكنية العمودية: “ليس فيها حدائق أو مرائب للسيارات، يفترض أن يكون لكل شخص على الأقل 4 أمتار من الحدائق، وتضرب في عدد السكان، لتكون بذلك ساحات خضراء، ويصبح الهواء نقياً”. 

مجمعات ومساكن في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

ويضيف إلى ذلك أن “المجمعات السكنية تستحوذ على حصص المياه في المنطقة، وباعتبارها تابعة لأشخاص متنفذين بالتالي فهم يقطعون الماء عن القرى المجاورة التي يحرم سكانها من المياه، وهذا خطأ فادح”. 

“بلا شك، كل المجمعات السكنية يفترض أن تكون لديها حصص من المياه،  لكن المجمعات السكنية العمودية، مساحتها قليلة، وكثافتها السكنية عالية، وليست فيها مساحات خضراء، بالتالي يتم استخدام المياه الجوفية بشكل جائر”. 

ويحذر من أن التوسع في الاعتماد على المياه الجوفية سيؤثر حتما على “الطبقة الأولى الحاملة للمياه، ويؤدي إلى انخفاض منسوب المياه الديناميكي، ومدى الخطورة تعتمد على نوع الحوض وطبيعة الكثافة السكانية ونوع الاستخدام، واستمرار هذه الظاهرة لا يبشر بخير، ومن الخطأ جداً أن يتم الاعتماد إلى هذا الحد على مياه الآبار التي يفترض الاحتفاظ بها كاحتياط ثابت”. 

وفضلاً عن زيادة حفر الآبار لتزويد المجمعات السكنية بالماء، يؤشر مختصون ضرراً آخر محتمل وهو: “حدوث تخلخل مستقبلي للأرض، مما يزيد من فرص حدوث الحركات الأرضية الاهتزازية كالزلازل”. 

ودفع انخفاض تجهيز المواطنين بالمياه الصالحة للشرب في الإقليم عموما، والذي يكاد يكون لساعتين فقط لكل ثلاثة أيام أو أكثر في مدينة السليمانية، دفع العديد من المواطنين إلى حفر الآبار داخل منازلهم خلال السنوات الماضية، قبل أن تصدر السلطات الحكومية قرارا بمنع الحفر، لكن القرار جاء متأخراً إذ أن الكثير من الآبار كانت قد حفرت بالفعل. 

وكان بحث مشترك لمنظمة (ستوب) للمراقبة وشبكة (مولك نيوز) الإعلامية الكرديتين قد كشف في عام 2022 عن”هدر للمياه في الإقليم يصل إلى 850 ألف متر مكعب من مجموع الإنتاج اليومي البالغ ثلاثة ملايين و126 ألف متر مكعب، بكلفة تصل إلى 340 مليون دينار (نحو 231 الف دولار أمريكي)”.  

ويقول عضو منظمة ستوب، فرمان رشاد إن “عدد الآبار في أربيل وحدها يبلغ 1240 بئراً، فضلاً عن حفر 1200 بئر لصالح المشاريع السكنية والاستثمارية”، ويضيف أن “عمق الآبار عموماً في عام 2000 لم يكن يتجاوز 250 مترا، أما اليوم فإن الوصول إلى المياه يتطلب الحفر بعمق 650 متراً”. 

وعن أضرار المجمعات والمشاريع السكانية وأثرها على تراجع كميات المياه، يقول رشاد:”كان للمشاريع السكنية والعمرانية خلال العقد الماضي الأثر البالغ في تناقص المياه الجوفية بنحو 100 في المئة و50 في المئة من المياه المنتجة”.  

تلوّث الهواء 

يقرّ أحمد دابان، عضو برلمان إقليم كردستان السابق عن محافظة السليمانية، بازدياد بناء المجمعات السكنية، ويقول “عشوائية تحديد أماكن بنائها يؤثر على بيئة المدينة وجماليتها”. 

ويوضح “تؤدي إلى تلوث بصري، لأنها تبنى بدون تخطيط ودراسة وفي أماكن متفرقة وبمساحات متباينة، وتساهم في تلويث البيئة من خلال تسببها في تقليل المساحات الخضراء وإبادة الأشجار”، ضارباً مثالاً بالمجمعات التي تبنى في الجبال، “حيث يتم قطع الأشجار المعمرة في مئات الدونمات ويتم بناء عمارات سكنية محلها”. 

ويقول إن ملكية هذه المشاريع والمجمعات تعود في واقع الحال إلى مسؤولين متنفذين “لايستطيع أحد محاسبتهم على تجاوزهم على البيئة وإلحاق الضرر بها كما ينص قانون حماية البيئة”. 

ويحذر النائب السابق من  استمرار البناء العشوائي لأنه “يعني أن السليمانية وجبالها ستتعرضان للتصحر مستقبلاً”، ويضيف محتجاً “العواصف الترابية لاتتوقف في السليمانية التي ترتفع نحو 3000 متر عن مستوى سطح البحر، كل ذلك سببه القضاء على الأشجار وغياب المساحات الخضراء والبيئة هي الضحية الأولى لجشع الفاسدين”. 

وتعدّ المولدات الكهربائية الأهلية التي تعمل بالديزل والتي يتجاوز عددها الـ6 آلاف مولدة داخل الأحياء السكنية في الإقليم، من أكبر مصادر التلوث هناك، تعمل في الأقل 12 ساعة في اليوم الواحد خلال فصلي الشتاء والصيف. 

ومع استهلاك المولدة الواحدة منها في كل ساعة تشغيل أكثر من 150 لتراً، فإن حاجة المولدات تزيد على 11 مليون لتر يومياً لتغطية حاجتها، عدا عن متطلبات المعامل وبعض المنشآت الأخرى، وتنتج هذه الكمية بشكل عام من المصافي غير رسمية، تسبب هي الأخرى التلوث الكبير للهواء والتربة والبيئة وبمستويات مختلفة. 

يقول عبدالمطلب رفعت سرحت، الخبير في علوم البيئة والتدريسي في جامعة كرميان إن “اتساع الرقعة العمرانية على حساب المساحات الخضراء ساهم وبشكل كبير في تلوث البيئة ووصول الحرارة إلى درجات قصوى”. 

معللاً بأن التكوينات العمرانية ومنها الاسفلت والكونركريت ومواد البناء الأخرى لها القدرة العالية على امتصاص وانعكاس الحرارة. 

ساهم توسع الرقع العمرانية إلى زيادة الاحتباس الحراري الذي نتجت عنه “ظاهرة الجزر الحراري”، وهي ظاهرة تطلق على أية منطقة تكون درجة حرارتها أعلى نسبياً من المناطق المحيطة بها بفعل التدخل البشري وينتج عنها تأثيرات بيئية واقتصادية وصحية، بحسب الأكاديمي سرحت. 

ومع انحسار الغطاء النباتي بفعل الزحف الكونكريتي، يسبب تلوث الهواء وفقا للخبير ارتفاع أرقام الإصابات بالأمراض المزمنة الخاصة بالتنفس بالإضافة إلى الأمراض السرطانية التي “بدأت تتضاعف عاماً بعد آخر” في كردستان التي يُقدّر عدد سكانها بـ 6 ملايين نسمة. 

وتشير إحصائيات وزارة الصحة في الإقليم إلى تسجيل أكثر من 8 آلاف حالة إصابة بالسرطان في عام 2021، و9 آلاف و61 إصابة في عام 2022، بينما شُخِّصت 9911 إصابة جديدة في العام 2023.  

وبنحو عام سجلت الوزارة 81 ألفاً و62 إصابة منذ العام 2012 ولغاية العام 2023، ولايختلفُ الحال كثيرا مع أمراض ضيق التنفس أو الأمراض المزمنة عموما بسبب تلوث البيئة، بحسب كوادر في مؤسسات طبية ومنظمات معنيّة بالبيئة. 

إذ يقول الطبيب الاستشاري المختص في أمراض الصدر والرئة والتنفس والتدريسي في جامعة السليمانية د. كامران قرداغي، أن “زيادة الأتربة في الهواء وكذلك انخفاض مستوى المساحات الخضراء يزيد من أمراض التنفس لدى المواطنين ويجعل المرضى في حالات حرجة جداً”، ويبين “المرضى الذين يعانون من صعوبة في التنفس يحتاجون إلى الهواء النقي بنسبة عالية جداً”.. 

قانون لحماية البيئة ولكن! 

شرّع إقليم كردستان عام 2008 قانون رقم (8) الخاص بحماية البيئة وتحسينها، وتضمن العديد من المواد التي يصفها القانونيون بالإيجابية لصالح البيئة. 

في المادة 12 من القانون ألزم كل شخص طبيعي أو معنوي، عام أو خاص أو مختلط أو أي جهة تمارس نشاطاً يؤثر على البيئة أن يقوم بإعداد دراسة لتقييم الأثر البيئي للأنشطة والمشاريع التي سيقيمها ورفعها الى الوزارة البيئة لاتخاذ القرار المناسب بشأنها. 

على أن تتضمن الدراسة تقدير التأثيرات الإيجابية والسلبية للمشروع أو المنشأة أو المصنع على البيئة، بالإضافة إلى الوسائل المقترحة لتلافي ومعالجة مسببات التلوث بما يحقق الامتثال للتعليمات والضوابط البيئية مع تقليص المخلفات وتدويرها أو إعادة استخدامها، وتقدير كلف المنافع والأضرار البيئية التي يحدثها المشروع. 

وتحمل المادة 21 من القانون المسؤولية كل من سبب بفعله الشخصي أو اهماله أو بفعل من هم تحت رعايته أو رقابته أو سيطرته من الأشخاص أو الاتباع أو مخالفته القوانين أو الأنظمة والتعليمات ضررا بالبيئة ويلزمه بالتعويض وإزالة الضرر وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل حدوث الضرر وضمن المدة المحددة، وبالشروط الموضوعة.  

وينصُ القانون في المادة 28 كذلك على منع أي نشاط يتسبّب بقطع أو اقتلاع أو ازالة الأشجار والشجيرات والنباتات والأعشاب البرية والمائية في الأملاك العامة، وحظر أي عمل أو تصرف أو نشاط يؤدي إلى الإضرار أو المساس بالأبعاد الطبيعية أو الجمالية أو التراثية للمحميات الطبيعية أو الحدائق والمتنزهات العامة. 

ويفرض القانون عقوبات، منها الحبس لمدة لا تقل عن شهر أو بغرامة لا تقل عن (150.000) مئة وخمسين ألف دينار (114 دولاراً) ولا تزيد على (200) مليون دينار (252 ألف دولار) أو بكلتا العقوبتين، وتضاعف العقوبة في كل مرة تتكرر فيها ارتكاب المخالفة. 

لكن القانون لا يُطبق. 

ويتساءل محمد يونس، المحامي المهتم بالقضايا البيئية، “ما فائدة وجود قانون لحماية البيئة، والبيئة تنتهك بنحو يومي”؟، ويشدد على ضرورة رفع سقف العقوبات المفروضة على المتجاوزين على البيئة “دون تمييز بين شخص أو آخر، جهة أو أخرى”. 

وذكر بأن الحبس البسيط والغرامة المالية لا تنتجان الردع المطلوب، “ينبغي أن تصبح حبساً شديداً في الأقل أو حتى سجنا إذا كان الضرر بالغاً”، ثم أشار إلى أن الضرر قد لا يكون مباشرة، ويوضح: “قد لا تظهر نتائج قطع الأشجار وتقليص الغطاء النباتي في المكان ذاتها، لكنها تظهر بكل وضوح في المستشفيات!” في إشارة منه إلى ارتفاع معدلات الإصابة بمختلف الأمراض جراء التلوث، وتغيّر نوعية الهواء.  

حلول  

يصف عبد الرحمن صديق، رئيس هيئة حماية وتحسين البيئة في كردستان، المعركة التي يخوضها الإقليم من أجل بيئته بـ”الصعبة جداً” وتختلف عن البلدان الأخرى. 

وقال في تصريح صحفي “ليست لدينا مساحة خضراء على المستوى العالمي، لكن لدينا بشكل أساسي 12.4 بالمئة بالنسبة للغابات، و19.5 بالمئة بالنسبة للخضار في المدينة”. 

وخلال السنوات السابقة، منحت الهيئة -حسبما قال- الرخص اللازمة لنحو ثمانية آلاف مشروع، ورفضت 450 مشروعاً بسبب افتقادها إلى الشروط البيئية، كما وقامت الهيئة بإجراء عمليات فحص في السنوات الثلاث الماضية لأكثر من 14 ألف مشروع. 

“إن المساحات الخضراء في الإقليم ليست عند المستوى العالمي، حيث أن مدن كردستان تتوسع أفقيا وليس عموديا، إذ أن هندستنا وثقافتنا أفقية وليست عمودية وهو مما يزيد من المواد الخرسانية والطرق المعبدة بالأسفلت”. 

والكاتب والناشط البيئي سلام عادل يؤكد فهمه بأن النمو السكاني يفرض بنحو مؤكد وجود توسع عمراني بالمقابل، لكن “هذا ينبغي أن ترافقه حملات متواصلة للمحافظة او توسيع الغطاء النباتي، ولاسيما أن إقليم كردستان يمتاز بمناطق جبلية تتراكم فيها الثلوج وترتفع فيها معدلات تساقط الأمطار، لذا فإن الزراعة المستمرة للأشجار ستكون ناجحة مئة في المئة”. 

المجمعات السكنية في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

يعتقد عادل أن من الضروري، نشر الوعي البيئي لدى المواطنين بنحو عام، لأنهم بطريقة أو بأخرى مساهمون في التلوث، سواءً بكميات النفايات المطروحة يومياً، أو بعوادم سيارات البنزين، أو باستخدام النيران في الغايات في الأعياد وتسببهم بالحرائق. 

ومن أجل القضاء على تلك الملوثات أو السيطرة عليها على الأقل لمنع توسع أضرارها على البيئة، يؤكد الأكاديمي عبد المطلب ضرورة تشديد الرقابة على مصادر التلوث سواء التلوث المائي من مياه الصرف الصحي ومياه المصانع والمستشفيات والمخلفات النفطية والبلدية أو التلوث الهوائي الناتج من وسائل النقل والمولدات والمصانع. 

ويشير عبد المطلب إلى أن الحل الآن بتطبيق القوانين بحزم وقوة، ومنع استمرار الملوثات البيئية، وانشاء محطات مياه جديدة تتلاءم مع التوسع العمراني وزيادة الكثافة السكانية، والعمل على الاهتمام بالتشجير وتوسيع الغطاء النباتي ونشر ثقافة الوعي البيئي والصحي. 

  • أنجز التحقيق تحت إشراف شبكة “نيريج” وبدعم من منظمة أنترنيوز ضمن مشروع الصحافة البيئية 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

“لقد حوّلوا الحديقة إلى مكعبات كونكريتية!” تقول سارة كريم (34 عاماً) بكثير من الأسى، وهي تشير إلى منطقة في مصيف سرجنار (5 كم غربي السليمانية) كانت حديقة عامة اعتادت على ارتيادها خلال فترة طفولتها، لكنها الآن مجمع سكني. 

“جلبت طفليّ الصغيرين معي لكي نتنزه هنا، الاثنان في الابتدائية، وظننت أن المكان باق كما هو في ذاكرتي، مليئا بالأشجار والناس الهاربين من المدينة إلى مكان يتنفسون فيه هواءً نقياً”، لكنها وجدت بدلاً من ذلك أبنية تتنافس في ارتفاعها. 

اشتهرت منطقة سرجنار كونها ملاذاً للعائلات القادمة إليها للتنزه سواءً من مدينة السليمانية أو حتى باقي المحافظات العراقية، واشتهرت حدائقها المترامية بكونها مسرحاً للاحتفالات الشعبية وأهمها عيد نوروز الذي يحلّ في ربيع كل عام. 

تلاحظ سارة أن سرجنار ليست وحدها التي فقدت مساحاتها الخُضْر، بل السليمانية بشكل عام، “فلن تجد سوى العمارات السكنية التي يصل ارتفاع بعضها إلى 30 طابقاً”. 

مجمعات سكنية في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

ملاحظة سارة، تنطبق على إقليم كردستان بنحو عام، وليس السليمانية فحسب. فقدت شهدت المحافظات الثلاث حركة عمرانية واسعة وانفتاحاً كبيراً باتجاه البناء السكني العمودي، بمنافسة شركات استثمارية أجنبية، تركية وإيرانية، بنت آلاف الوحدات السكنية بمواصفات وأسعار مختلفة. 

بناء بفئات متعدّدة 

خلال جولة مُعدّ التحقيق بين عدد من المجمعات السكنية العمودية في محافظات الاقليم الثلاث، وجد بأنها تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: الأولى منخفضة الكلفة، مخصصة لمحدودي الدخل وبأسعار تتراوح بين 45-60 ألف دولار أمريكي، وتفتقر هذه المشاريع بوجه عام إلى شروط ومعايير السلامة التي تحميها من الكوارث الطبيعية كالزلازل. 

أما الفئة الثانية فتمتاز بمواصفات متوسطة إلى عالية، وتبدأ أسعارها من 80 ألف دولار وصعوداً لتصل إلى 300 ألف دولار أمريكي، جزء منها يفتقد معايير السلامة العالمية وشروطها، بينما يكون القسم الآخر منها بمواصفات عالمية رصينة تراعي جميع شروط السلامة والحماية من الزلازل والكوارث الأخرى، وفقا لمتخصصين. 

كما وجد بأن هيئة الاستثمار في الإقليم تمنح بعضاً من مشاريع الإسكان تراخيص للبناء استناداً إلى قانون الاستثمار المعمول به في الإقليم، وأن عدد الوحدات السكنية التي بُنيت وفقاً لهذه الطريقة تقدر بأكثر من 220 ألف وحدة سكنية بمختلف الأشكال والمساحات.  

مجمعات سكنية قيد الانشاء في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

 في وقت تمنح دوائر البلدية أيضاً تراخيص بناء المشاريع لقسم آخر، إذ  تبلغ أعدادها أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، وهذا بحسب رئيس اتحاد مستثمري كردستان ياسين محمود رشيد، الذي يؤكد أيضاً إلى جانب ذلك وجود أكثر من 450 بناية تجارية كبيرة ومتوسطة وصغيرة بالإقليم. 

مساحات تنحسر 

مقابل تراخيص البناء، يشتكي الكثير من سكان إقليم كردستان المعروف بجمال طبيعته الجبلية من تقلص المساحات الخضراء، وانعكاسه المباشر على الصحة العامة. 

يقول أنور جبار (45 عاماً) من منطقة (رعايا) بالسليمانية، إن بيئة المدينة وهواءها كانا نقيين “ولم نسمع كما اليوم، بأمراض ضيق التنفس والتهاب الرئة والربو وغيرها”. 

كان أنور قد اشترى قبلها بقليل بـ145 ألف دينار(تقريباً 100 دولار) كيساً من الأدوية التي وصفها له طبيب مختص بالأمراض الصدرية، بعد أن شخص نوبات السعال التي يعاني منها بالتهاب رئوي حاد. 

ويُحمّل المجمعات السكنية والمشاريع الصناعية مسؤولية التلوث الحاصل في المياه والهواء، لأنهما كما يعتقد قد زحفتا على المساحات الخضراء فازدادت “الأمراض وتفشت الأوبئة” يقول بإصرار.  

بدأ رفض مشاريع الإعمار يجد صداه في المجتمع.  

ففي أيار 2024 أغضبت السلطاتُ المجتمعَ إثر أنباء تحدثت عن حفر واقتلاع شركة استثمارية لجزء واسع من سفح جبل (كويزه) بالسليمانية تمهيداً لبناء مجمع سكني عمودي هناك. 

وتفاقم السخط بنشوب حريق في أشجار (كويزه) خلال الشهر نفسه، ما عده البعض مفتعلاً من أجل تجريد المنطقة من غطائها النباتي واستغلال ذلك ببناء المزيد من المجمعات السكنية العمودية. 

وفق مصدر رسمي في حكومة السليمانية المحلية، طلب عدم الإشارة إلى اسمه، فأن تعبيد طريق واحد فقط لواحد من المجمعات السكنية بالقرب من جبل كويزه تسبب بقطع نحو ألف شجرة، من بينها أشجار معمرة.  

“تلك الأشجار كانت بمثابة رئة يتنفس بها سكان السليمانية هواءً نقياً”. 

تجاوز عدد الوحدات السكنية التي تم بناؤها بالقرب من جبل كويزه الألف وحدة، موزعة على عمارات وفلل ومنازل، وتبلغ المساحة الكليّة لهذه الأبنية نحو 190 ألف متر مربع، وفق المصدر. 

يضيف “بذريعة بناء مجمع آخر على مساحة 23 دونماً في المنطقة ذاتها، تم القضاء على مساحات كبيرة من حدائق ومزارع للمواطنين فضلاً عن اقتلاع أشجار من جذورها بعضها تجاوزت أعمارها أربعة عقود وأكثر”. 

يحاول المستثمرون في الوقت الراهن، بحسب المصدر، الحصول على رخص لبناء مجمعات سكنية أخرى في المنطقة ذاتها التي تعد رمزاً شعبياً في السليمانية. 

“هناك ضجة إعلامية وشعبية الآن بسبب المجمعات السكنية التي تنمو في محيط الجبل”.  

يقول هلو القزاز، مدير عام دائرة الدراسات والمعلومات في هيئة استثمار كردستان، بأن هنالك 69 مشروعاً سكنياً مجازاً في السليمانية من قبل هيئة الاستثمار، منها 47 مشروعاً قديماً مازالت قيد الإنشاء على مساحة كلية تبلغ 6515 دونماً، و22 مشروعاً جديداً حصلت على إجازة العمل والبناء في عام 2023. 

ويقول إن المشاريع الـ47 تتكون من “56 ألفاً و350 وحدة سكنية، اكتمل بناء 25414 منها، وهناك 3936 مازالت قيد الإنشاء”.  

ويؤكد القزاز “لم تُمنح إجازات العمل والبناء لهذه المشاريع إلا بعد تثبيت مساحات خضراء محددة فيها حسب المواصفات المطلوبة”، مشيراً إلى أنه “حسب المعلومات المتوفرة فإن أكثر من 13 بالمائة من مساحة السليمانية هي مساحات خضراء”. 

تكمن المشكلة بأن المجمعات السكنية والفلل تكون بالدرجة الأساس على الأراضي الزراعية، بحسب تشخيص معروف مجيد رئيس منظمة “آينده” لحماية البيئة. 

تسببت مشاريع الإسكان التجارية بقطع واقتلاع آلاف الأشجار وانخفاض مساحة الأراضي الزراعية في قرى وأرياف الإقليم ومنها السليمانية، وبشكل متكرر خلال السنوات المنصرمة. 

ووفقاً لرئيس المنظمة، فإن نحو مليون و500 دونم من مساحة الأراضي في كردستان تعرضت إلى مخاطر الحرائق والأعمال الأخرى المضرة بها، مشيراً إلى أن كردستان كانت في الخمسينيات من القرن المنصرم تمتلك نحو 5 ملايين دونم من الغابات والمراعي لكن الأرقام انخفضت إلى النصف تقريباً. 

استنزاف الخزين المائي 

الأضرار البيئية الناجمة عن مشاريع بناء المجمعات السكنية العمودية المزدهرة منذ أكثر من عقدين في الإقليم على المياه “تسببت بإنخفاض مناسيبها بنحو لافت”، يضع رمضان محمد، الخبير في السياسات المائية، أثراً آخر للمشاريع السكنية التجارية.  

ويقول محمد إن “التوسع العمراني الذي يحصل حالياً دون تخطيط علمي يؤثر بنحو كبير على المياه الجوفية وتغذيتها ويؤدي إلى قلة الخزين الجوفي للمنطقة وهذا يؤدي إلى الجفاف وانخفاض مناسيب الأنهر الموسمية، بسبب قلة ظروف التغذية”. 

ويشير إلى أن البناء بنحو عام أصبح “فوضوياً وعشوائيا” على حد تعبيره، وأن خطورة البناء الأفقي تكمن بالأسفلت، ويوضح: “الأمطار الموسمية تسبب سيولاً وميضية، فترتفع مناسيب المياه ويصبح خطرها داهماً على الأرواح والممتلكات، بينما في السابق قبل كل هذا البناء كانت المياه تتسرب إلى داخل التربة دون إحداث أضرار”. 

ويذكر الخبير سلبياتٍ رصَدَها في المجمعات السكنية العمودية: “ليس فيها حدائق أو مرائب للسيارات، يفترض أن يكون لكل شخص على الأقل 4 أمتار من الحدائق، وتضرب في عدد السكان، لتكون بذلك ساحات خضراء، ويصبح الهواء نقياً”. 

مجمعات ومساكن في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

ويضيف إلى ذلك أن “المجمعات السكنية تستحوذ على حصص المياه في المنطقة، وباعتبارها تابعة لأشخاص متنفذين بالتالي فهم يقطعون الماء عن القرى المجاورة التي يحرم سكانها من المياه، وهذا خطأ فادح”. 

“بلا شك، كل المجمعات السكنية يفترض أن تكون لديها حصص من المياه،  لكن المجمعات السكنية العمودية، مساحتها قليلة، وكثافتها السكنية عالية، وليست فيها مساحات خضراء، بالتالي يتم استخدام المياه الجوفية بشكل جائر”. 

ويحذر من أن التوسع في الاعتماد على المياه الجوفية سيؤثر حتما على “الطبقة الأولى الحاملة للمياه، ويؤدي إلى انخفاض منسوب المياه الديناميكي، ومدى الخطورة تعتمد على نوع الحوض وطبيعة الكثافة السكانية ونوع الاستخدام، واستمرار هذه الظاهرة لا يبشر بخير، ومن الخطأ جداً أن يتم الاعتماد إلى هذا الحد على مياه الآبار التي يفترض الاحتفاظ بها كاحتياط ثابت”. 

وفضلاً عن زيادة حفر الآبار لتزويد المجمعات السكنية بالماء، يؤشر مختصون ضرراً آخر محتمل وهو: “حدوث تخلخل مستقبلي للأرض، مما يزيد من فرص حدوث الحركات الأرضية الاهتزازية كالزلازل”. 

ودفع انخفاض تجهيز المواطنين بالمياه الصالحة للشرب في الإقليم عموما، والذي يكاد يكون لساعتين فقط لكل ثلاثة أيام أو أكثر في مدينة السليمانية، دفع العديد من المواطنين إلى حفر الآبار داخل منازلهم خلال السنوات الماضية، قبل أن تصدر السلطات الحكومية قرارا بمنع الحفر، لكن القرار جاء متأخراً إذ أن الكثير من الآبار كانت قد حفرت بالفعل. 

وكان بحث مشترك لمنظمة (ستوب) للمراقبة وشبكة (مولك نيوز) الإعلامية الكرديتين قد كشف في عام 2022 عن”هدر للمياه في الإقليم يصل إلى 850 ألف متر مكعب من مجموع الإنتاج اليومي البالغ ثلاثة ملايين و126 ألف متر مكعب، بكلفة تصل إلى 340 مليون دينار (نحو 231 الف دولار أمريكي)”.  

ويقول عضو منظمة ستوب، فرمان رشاد إن “عدد الآبار في أربيل وحدها يبلغ 1240 بئراً، فضلاً عن حفر 1200 بئر لصالح المشاريع السكنية والاستثمارية”، ويضيف أن “عمق الآبار عموماً في عام 2000 لم يكن يتجاوز 250 مترا، أما اليوم فإن الوصول إلى المياه يتطلب الحفر بعمق 650 متراً”. 

وعن أضرار المجمعات والمشاريع السكانية وأثرها على تراجع كميات المياه، يقول رشاد:”كان للمشاريع السكنية والعمرانية خلال العقد الماضي الأثر البالغ في تناقص المياه الجوفية بنحو 100 في المئة و50 في المئة من المياه المنتجة”.  

تلوّث الهواء 

يقرّ أحمد دابان، عضو برلمان إقليم كردستان السابق عن محافظة السليمانية، بازدياد بناء المجمعات السكنية، ويقول “عشوائية تحديد أماكن بنائها يؤثر على بيئة المدينة وجماليتها”. 

ويوضح “تؤدي إلى تلوث بصري، لأنها تبنى بدون تخطيط ودراسة وفي أماكن متفرقة وبمساحات متباينة، وتساهم في تلويث البيئة من خلال تسببها في تقليل المساحات الخضراء وإبادة الأشجار”، ضارباً مثالاً بالمجمعات التي تبنى في الجبال، “حيث يتم قطع الأشجار المعمرة في مئات الدونمات ويتم بناء عمارات سكنية محلها”. 

ويقول إن ملكية هذه المشاريع والمجمعات تعود في واقع الحال إلى مسؤولين متنفذين “لايستطيع أحد محاسبتهم على تجاوزهم على البيئة وإلحاق الضرر بها كما ينص قانون حماية البيئة”. 

ويحذر النائب السابق من  استمرار البناء العشوائي لأنه “يعني أن السليمانية وجبالها ستتعرضان للتصحر مستقبلاً”، ويضيف محتجاً “العواصف الترابية لاتتوقف في السليمانية التي ترتفع نحو 3000 متر عن مستوى سطح البحر، كل ذلك سببه القضاء على الأشجار وغياب المساحات الخضراء والبيئة هي الضحية الأولى لجشع الفاسدين”. 

وتعدّ المولدات الكهربائية الأهلية التي تعمل بالديزل والتي يتجاوز عددها الـ6 آلاف مولدة داخل الأحياء السكنية في الإقليم، من أكبر مصادر التلوث هناك، تعمل في الأقل 12 ساعة في اليوم الواحد خلال فصلي الشتاء والصيف. 

ومع استهلاك المولدة الواحدة منها في كل ساعة تشغيل أكثر من 150 لتراً، فإن حاجة المولدات تزيد على 11 مليون لتر يومياً لتغطية حاجتها، عدا عن متطلبات المعامل وبعض المنشآت الأخرى، وتنتج هذه الكمية بشكل عام من المصافي غير رسمية، تسبب هي الأخرى التلوث الكبير للهواء والتربة والبيئة وبمستويات مختلفة. 

يقول عبدالمطلب رفعت سرحت، الخبير في علوم البيئة والتدريسي في جامعة كرميان إن “اتساع الرقعة العمرانية على حساب المساحات الخضراء ساهم وبشكل كبير في تلوث البيئة ووصول الحرارة إلى درجات قصوى”. 

معللاً بأن التكوينات العمرانية ومنها الاسفلت والكونركريت ومواد البناء الأخرى لها القدرة العالية على امتصاص وانعكاس الحرارة. 

ساهم توسع الرقع العمرانية إلى زيادة الاحتباس الحراري الذي نتجت عنه “ظاهرة الجزر الحراري”، وهي ظاهرة تطلق على أية منطقة تكون درجة حرارتها أعلى نسبياً من المناطق المحيطة بها بفعل التدخل البشري وينتج عنها تأثيرات بيئية واقتصادية وصحية، بحسب الأكاديمي سرحت. 

ومع انحسار الغطاء النباتي بفعل الزحف الكونكريتي، يسبب تلوث الهواء وفقا للخبير ارتفاع أرقام الإصابات بالأمراض المزمنة الخاصة بالتنفس بالإضافة إلى الأمراض السرطانية التي “بدأت تتضاعف عاماً بعد آخر” في كردستان التي يُقدّر عدد سكانها بـ 6 ملايين نسمة. 

وتشير إحصائيات وزارة الصحة في الإقليم إلى تسجيل أكثر من 8 آلاف حالة إصابة بالسرطان في عام 2021، و9 آلاف و61 إصابة في عام 2022، بينما شُخِّصت 9911 إصابة جديدة في العام 2023.  

وبنحو عام سجلت الوزارة 81 ألفاً و62 إصابة منذ العام 2012 ولغاية العام 2023، ولايختلفُ الحال كثيرا مع أمراض ضيق التنفس أو الأمراض المزمنة عموما بسبب تلوث البيئة، بحسب كوادر في مؤسسات طبية ومنظمات معنيّة بالبيئة. 

إذ يقول الطبيب الاستشاري المختص في أمراض الصدر والرئة والتنفس والتدريسي في جامعة السليمانية د. كامران قرداغي، أن “زيادة الأتربة في الهواء وكذلك انخفاض مستوى المساحات الخضراء يزيد من أمراض التنفس لدى المواطنين ويجعل المرضى في حالات حرجة جداً”، ويبين “المرضى الذين يعانون من صعوبة في التنفس يحتاجون إلى الهواء النقي بنسبة عالية جداً”.. 

قانون لحماية البيئة ولكن! 

شرّع إقليم كردستان عام 2008 قانون رقم (8) الخاص بحماية البيئة وتحسينها، وتضمن العديد من المواد التي يصفها القانونيون بالإيجابية لصالح البيئة. 

في المادة 12 من القانون ألزم كل شخص طبيعي أو معنوي، عام أو خاص أو مختلط أو أي جهة تمارس نشاطاً يؤثر على البيئة أن يقوم بإعداد دراسة لتقييم الأثر البيئي للأنشطة والمشاريع التي سيقيمها ورفعها الى الوزارة البيئة لاتخاذ القرار المناسب بشأنها. 

على أن تتضمن الدراسة تقدير التأثيرات الإيجابية والسلبية للمشروع أو المنشأة أو المصنع على البيئة، بالإضافة إلى الوسائل المقترحة لتلافي ومعالجة مسببات التلوث بما يحقق الامتثال للتعليمات والضوابط البيئية مع تقليص المخلفات وتدويرها أو إعادة استخدامها، وتقدير كلف المنافع والأضرار البيئية التي يحدثها المشروع. 

وتحمل المادة 21 من القانون المسؤولية كل من سبب بفعله الشخصي أو اهماله أو بفعل من هم تحت رعايته أو رقابته أو سيطرته من الأشخاص أو الاتباع أو مخالفته القوانين أو الأنظمة والتعليمات ضررا بالبيئة ويلزمه بالتعويض وإزالة الضرر وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل حدوث الضرر وضمن المدة المحددة، وبالشروط الموضوعة.  

وينصُ القانون في المادة 28 كذلك على منع أي نشاط يتسبّب بقطع أو اقتلاع أو ازالة الأشجار والشجيرات والنباتات والأعشاب البرية والمائية في الأملاك العامة، وحظر أي عمل أو تصرف أو نشاط يؤدي إلى الإضرار أو المساس بالأبعاد الطبيعية أو الجمالية أو التراثية للمحميات الطبيعية أو الحدائق والمتنزهات العامة. 

ويفرض القانون عقوبات، منها الحبس لمدة لا تقل عن شهر أو بغرامة لا تقل عن (150.000) مئة وخمسين ألف دينار (114 دولاراً) ولا تزيد على (200) مليون دينار (252 ألف دولار) أو بكلتا العقوبتين، وتضاعف العقوبة في كل مرة تتكرر فيها ارتكاب المخالفة. 

لكن القانون لا يُطبق. 

ويتساءل محمد يونس، المحامي المهتم بالقضايا البيئية، “ما فائدة وجود قانون لحماية البيئة، والبيئة تنتهك بنحو يومي”؟، ويشدد على ضرورة رفع سقف العقوبات المفروضة على المتجاوزين على البيئة “دون تمييز بين شخص أو آخر، جهة أو أخرى”. 

وذكر بأن الحبس البسيط والغرامة المالية لا تنتجان الردع المطلوب، “ينبغي أن تصبح حبساً شديداً في الأقل أو حتى سجنا إذا كان الضرر بالغاً”، ثم أشار إلى أن الضرر قد لا يكون مباشرة، ويوضح: “قد لا تظهر نتائج قطع الأشجار وتقليص الغطاء النباتي في المكان ذاتها، لكنها تظهر بكل وضوح في المستشفيات!” في إشارة منه إلى ارتفاع معدلات الإصابة بمختلف الأمراض جراء التلوث، وتغيّر نوعية الهواء.  

حلول  

يصف عبد الرحمن صديق، رئيس هيئة حماية وتحسين البيئة في كردستان، المعركة التي يخوضها الإقليم من أجل بيئته بـ”الصعبة جداً” وتختلف عن البلدان الأخرى. 

وقال في تصريح صحفي “ليست لدينا مساحة خضراء على المستوى العالمي، لكن لدينا بشكل أساسي 12.4 بالمئة بالنسبة للغابات، و19.5 بالمئة بالنسبة للخضار في المدينة”. 

وخلال السنوات السابقة، منحت الهيئة -حسبما قال- الرخص اللازمة لنحو ثمانية آلاف مشروع، ورفضت 450 مشروعاً بسبب افتقادها إلى الشروط البيئية، كما وقامت الهيئة بإجراء عمليات فحص في السنوات الثلاث الماضية لأكثر من 14 ألف مشروع. 

“إن المساحات الخضراء في الإقليم ليست عند المستوى العالمي، حيث أن مدن كردستان تتوسع أفقيا وليس عموديا، إذ أن هندستنا وثقافتنا أفقية وليست عمودية وهو مما يزيد من المواد الخرسانية والطرق المعبدة بالأسفلت”. 

والكاتب والناشط البيئي سلام عادل يؤكد فهمه بأن النمو السكاني يفرض بنحو مؤكد وجود توسع عمراني بالمقابل، لكن “هذا ينبغي أن ترافقه حملات متواصلة للمحافظة او توسيع الغطاء النباتي، ولاسيما أن إقليم كردستان يمتاز بمناطق جبلية تتراكم فيها الثلوج وترتفع فيها معدلات تساقط الأمطار، لذا فإن الزراعة المستمرة للأشجار ستكون ناجحة مئة في المئة”. 

المجمعات السكنية في إقليم كردستان، تصوير الكاتب. 

يعتقد عادل أن من الضروري، نشر الوعي البيئي لدى المواطنين بنحو عام، لأنهم بطريقة أو بأخرى مساهمون في التلوث، سواءً بكميات النفايات المطروحة يومياً، أو بعوادم سيارات البنزين، أو باستخدام النيران في الغايات في الأعياد وتسببهم بالحرائق. 

ومن أجل القضاء على تلك الملوثات أو السيطرة عليها على الأقل لمنع توسع أضرارها على البيئة، يؤكد الأكاديمي عبد المطلب ضرورة تشديد الرقابة على مصادر التلوث سواء التلوث المائي من مياه الصرف الصحي ومياه المصانع والمستشفيات والمخلفات النفطية والبلدية أو التلوث الهوائي الناتج من وسائل النقل والمولدات والمصانع. 

ويشير عبد المطلب إلى أن الحل الآن بتطبيق القوانين بحزم وقوة، ومنع استمرار الملوثات البيئية، وانشاء محطات مياه جديدة تتلاءم مع التوسع العمراني وزيادة الكثافة السكانية، والعمل على الاهتمام بالتشجير وتوسيع الغطاء النباتي ونشر ثقافة الوعي البيئي والصحي. 

  • أنجز التحقيق تحت إشراف شبكة “نيريج” وبدعم من منظمة أنترنيوز ضمن مشروع الصحافة البيئية