"كيف نَفهمُ العراق من دونه؟".. في ورشة حنا بطاطو 

علي طه

24 حزيران 2024

كانت حياة حنا بطاطو ورشة هدفها الرئيس فهم العراق وتحولات مجتمعه واقتصاده وسياساته.. فكيف تبدو هذه الورشة؟ وما الأعمال التي أنتجتها؟

غيَّر حنا بطاطو نظرتنا عن تاريخ العراق الحديث مرةً واحدةً وإلى الأبد، فما بعد كتابه عن الطبقات ليس مثل قبله.  

عُرفَ عالم الاجتماع الفلسطيني بحبّه للعراقيين، وبعدم ميله للبعث مطلقاً رغم نزعته القوميّة، وكان قد تأثّرَ بالبشاعات التي ارتكبت بحق الشيوعيين عام 1963. ورغم ماركسيته، وميله النسبي للشيوعية، فإنه لم يكن مُنضماً حزبياً. 

كان يتصف بالهدوء والتواضع، ولطالما أعلن رغبته بين الفينة والأخرى، بين رفقائه، بأن يكتب كتاباً يتصف بالأصالة والموسوعية، بدل كثرة الإنتاج العقيمة، حتى حالفه القدر فيما كان يرغب بنشره كتاب “العراق” عام 1978، محللاً فيه مراحل تاريخ بلاد الرافدين الأكثر تعقيداً. 

التنقلات والتحوّلات 

ولد حنا بطاطو في مدينة القدس، بفلسطين، عام 1926. هاجر أثناء نكبة 1948 إلى أمريكا، حيث دخل جامعة جورج تاون، كلية العلوم السياسية وتخصّص في الدراسات الروسية. لكن هذا في أول عامين فقط، فمع بداية الخمسينيات غيّر اختصاصه إلى الشرق الأوسط (1)، ونال الدكتوراه بجامعة أخرى، هي هارفارد، عام 1960، عن أطروحته “الشيخ والفلاح في العراق” (2). كان يعيش مع أمه حتى وفاتها، وليس لديه إخوة، كما أنه لم يتزوج قط (3). كان فقيراً مادياً، عمل في مطعم أول عام، مسؤولاً عن التنظيف (4). عندما وجد أصدقاء وسكن معهم بشقةٍ، كان يميل للهدوء، غالقاً على نفسه غرفته مع أوراقه، مما وضع رفقاءه بحرج وهم ميّالون لاستضافة ضيوف معتادين على الزيارات والسهرات الليلية (5). 

عام 1962 جاء للعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية ببيروت، واستمر فيها عشرين سنةً. غادرها عام 1982 بسبب الحرب الأهلية بلبنان. ذهب لأمريكا مرةً أخرى، هناك عمل في جامعة برينستون حتى تقاعده عام 1994 (6). كان مزاجه آنذاك قد تحوّل للقسوة المفرطة وذلك بسبب الحرب الأمريكية على العراق بعد احتلاله الكويت (7). والكرسي الذي كان يشغله، الذي يموّله الكويتيون، قد انقطع تمويله بسبب عدم إعلان موقفه ضد الحكومة العراقية. كان رده بأن عليه الوقوف ضد الكويت قبل ذلك في تعاملها مع العدو، لكي لا يكون انتقائياً في معاداته للحكومة العراقية فحسب (8). 

حنا بطاطو (على اليمين) مع والديه وشقيقتيه، مصدر الصورة : المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. 

زار العراق ثلاث مرات، منها سفرتان مطوّلتان في الستينيات، وربما كانت له بعض الزيارات السرية، وله علاقات مع شخصيات عديدة من بينها عبد الكريم قاسم (9). سكن مدةً معينةً في بيت مجاور لشقة عبد الكريم قاسم (10). سمح له الأخير بالاطلاع لأول مرة على الملفات السرية لمديرية الأمن. وهو الأمر الذي أثار جدلاً عند الكثير، مما حدا بهم لوصفه ظلماً بالعميل للمخابرات الأمريكية. ذات مرة تعرّض لموقفٍ محرجٍ في منطقة الحيدر خانة، بشارع الرشيد، فبينما كان يستجوب الناس لصالح بيان بحثي، تجمّع حوله رجالُ الأمن لاعتقاله، لكن رسالةَ الجامعة الأمريكية خلّصته منهم (11). 

كان كتابه الأهم عن العراق، فرسالة الدكتوراه لم تكن سوى تمهيدٍ لهذا العمل. كما أنه كتب كتاباً عن سوريا، لكنه لم يتسم بموسوعية عمله عن العراق. علاوة على أنه حاول الكتابة عن تاريخ السعودية الحديث، لكن المنية عاجلته (12). وغير مؤكدٍ أنه أكمل المخطوطة أم لا، فالحكايات متناقضة.  

كتاب حنا بطاطو عن فلاحي سوريا

فرضيات بطاطو المنهجية 

يمحور بطاطو مفهوم الطبقة على أساس اقتصادي، أي المِلْكية، كما فعل كارل ماركس، لكنه لا يقتصر عليه. فللطبقة أبعاد اجتماعية وسياسية كما يرى ماكس فيبر، لكن بطاطو أيضاً لا يكتفي بفيبر، ولا حتى بماديسون (13). حاول بطاطو التركيب بين بنية الطبقة وبنية المكانة التقليدية التي سادت العراق قبل الحرب العالمية الأولى 1914 على الأقل. يعتقد بطاطو أن المجتمع الحديث هو مجتمع الطبقات، والمجتمع التقليدي هو مجتمع المكانة. والمكانة وجاهة اجتماعية تعتمد شرف النسب أو القرابة، أو تعتمد على البسالة الحربية، أو تعتمد على التعليم أو على الدين. توجد ملكيات في عراق 1831_1914، لكنها ليست المهيمنة، فهي متغلغلة عمودياً مقسمةً الفئات إلى “مراتب” تفاضلية (14). بينما في عراق ما بعد 1958 أصبحت الهيمنة المطلقة لصالح المِلْكية. وتبقى فترة ما بين 1914 و1958، أي عهد الاحتلال البريطاني والملَكَية، فترة انتقالية، تمازجت فيها بنيتا المِلْكية والمكانة، في طور الصعود الحتمي والتقدم الارتقائي نحو الملِكْية وتلاشي المكانة (15). 

يرى بطاطو، والحال هذه، أن الطبقة غير مستقرة، فهي عرضة لعدة متغيرات، منها الدخول والخروج السريعان من وإلى الطبقات القائمة؛ الصعود والهبوط المفاجئان داخل الطبقة الواحدة؛ انهيار وصعود مجموعات تضم بداخلها طبقاتٍ متعددةً مثل هجرة اليهود واحتلال التجار الشيعة مكانهم؛ تباين فئات المنتمين للطبقة الواحدة، مثل الملّاك الشيوخ، والملّاك السادة، والملّاك الضباط الشريفيين، والملّاك البيروقراطيين القديمين (الإداريين الآتين من العهد العثماني)؛ تقدم بعض العناصر الطبقية من جانب، وتدهورها من جانب آخر، كالشيوخ الملّاك الذين يتقدمون من ناحية الملكية ويتراجعون من ناحية المكانة (مكانتهم كشيوخ) (16). 

هذه المرونة في مفهوم الطبقة وتطبيقاته وضعت بطاطو خارج نسق محاكاة النظريات الجاهزة محاكاةً تامةً، والتي يتعكّز عليها معدومو الذهنية الإبداعية أو المقدرة الموسوعية. لكن من الجانب الآخر يمكن القول إنه رغم كونه يتوفّر على إيجابية عدم الإسهاب في الاستطرادات النظرية على حساب التبحّر الوثائقي، فعمله يندرج ضمن ميدان “النماذج التفسيرية” وفق نظرياتٍ ليست جديدةً كلياً، بل هي نظرية معدَّلة (نظرية التحليل الطبقي)، على أحسن تقدير، وفق الحالة المدروسة (العراق الحديث). وهذا يخرِج بطاطو عن فئة الإبداع النظري، ذي الطابع الكوني، الذي يريد من دراسة حالة معينة أن تُستلهَم لدراسة حالات غيرها (17). 

من الناحية الأفقية هنالك ثلاث طبقات، واحدة “مالكة” لرأس المال، سواء كان عقارياً أو مالياً أو صناعياً، تؤجِّره للثانية لكي تستثمره من أجل الريع. وثانية تستأجر رأس المال المملوك للأولى، تسمى “منتجة”، من أجل نيل الربح. وثالثة “خدمية” تبيع معرفتها ومهاراتها إلى المؤسسات، من أجل الراتب. كل واحدة من هذه الطبقات تتوزع عمودياً، فالمالكة فيها العليا أصحاب الملكيات الكبيرة، مثل شيوخ القبائل الملاك؛ الوسطى ذوو الملكيات الصغيرة؛ دنيا محرومة من الملكية أصلاً. وهكذا الأمر مع المنتجة والخدمية. حاول بطاطو جرَّ المفهوم لمنطقة جديدة، هي الأرياف والبوادي (18)، بينما لو اعتمد على المعايير الكلاسيكية، فإن التحليل الطبقي لا محل له إلا بالمجتمع الصناعي/مجتمع المدينة، ولا معنى للقول بطبقة “الملاك الشيوخ” مثلاً. والبادية هي الأخرى ليست مجتمعاً خلواً من التراتب (19)، عكس ما تحاول تأكيده دراسات الأنثربولوجيا. هنالك في السلم الأعلى مربو الإبل، يأتي من بعدهم، ويخضع لسيطرتهم بالضرورة، مربو الماشية “الشاوية”، وأهل الحراثة، ومربو الجاموس “المعدان” (20). 

علاوة على ذلك، هنالك نوعان من الوعي، استاتيكي وديناميكي، فالأول يمثّل الطبقة في ذاتها، والثاني يمثل الطبقة لذاتها. والفرق بينهما أن الثاني يمثّل تطور الطبقة باتجاه العمل المشترك جماعياً، أي الوعي بالذات للتعبير عنها سياسياً. بخلاف الأول الذي مثاله طبقة الفلاحين الذين كانوا يشعرون بقساوة الحياة، لكنهم يحيلون الأمر إلى القضاء والقدر ولا يشعرون بالحاجة إلى التضامن ضد نقيضهم الطبقي (21). واعتماداً على هذا المبدأ يستنتج بطاطو بأن طبقة الملّاك عملت ضد بعضها خلال العشرينيات والثلاثينيات حيث ما زالت في طور (الطبقة بذاتها). بينما خلال الأربعينيات والخمسينيات ارتقت إلى مستوى الوعي الذاتي (الطبقة لذاتها)، فركنت تباينات الوجاهة بين فئاتها وتحالفت معاً بوصفها قوى مالكة فحسب (22). وهذا يفترض أمراً مهماً جداً، وهو أن الاهتزازاتِ العنيفةَ للمجتمع تكشف طبيعته وحقيقته القارة (23). فعلى السطح هنالك الظواهر اليومية التي تدرسها السياسة، لكن في العمق هنالك البنية المفسِّرة لهذه الظواهر السطحية (24). هذه الفرضية المنهجية كفيلة باعتبار بطاطو يتبنى المنهج البنيوي في دراسته التاريخ، فهي بنيوية روسية بلغة سيار الجميل (25)، أو بنيوية شرطية بلغة فالح عبد الجبار (26). 

يرى بطاطو أن هنالك ثلاث حركات ثورية بارزة، الشيوعية والبعثية والضباط الأحرار. هذه الحركات نشأت في خضم البنية الطبقية للمجتمع العراقي، فتلك الحركات الثورية رد فعل على اندثار الصناعات الحرفية التقليدية. جاء أغلب شيوعيي الأربعينيات والخمسينيات من منطقة باب الشيخ المعروفة بصناعة النسيج ببغداد. وفي فترة المد 1959 وأحداث 1963 جاء الدعم من (الشروكية) الذين هم طبقة عمّالية نازحة من شرق العمارة إلى بغداد. كما أن البعثيين والضباط الأحرار نزحت عوائلهم من مناطق الشمال الغربي التي تدهورت اقتصادياتها المعتمدة على صناعة العباءات والكلكات (27).  

حنا بطاطو في مراحل شبابه. مصدر الصورة: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. 

تجاذب العشيرة والدولة 

بسقوط عصر المملوكين عام 1831، ومجيء عصر الإصلاحات العثمانية، الذي مثّل آخر حقبة للإمبراطورية العثمانية، يرى بطاطو أن العراق أصبح عرضةً للسوق الرأسمالية العالمية والتي تعتمد على الصناعات الكبرى التي بدأت مع شق قناة السويس 1869، علاوة على الإجراءات العثمانية الإدارية، من قبيل دخول السفن لنهر دجلة، وتفعيل خطوط التلغراف والترانزيت. كل ذلك أثّر بالعراق أيما تأثير، حيث أخذت الصناعات الحرفية ذات الطابع المحلي والتقليدي تذوي شيئاً فشيئاً (28). حاول العثمانيون “عثمنة” القبائل، أي بسط السيطرة عليها، من خلال سياسة تمليك الأراضي لبعض الشيوخ دون آخرين، من أجل تفكيك الاتحادات القبلية التي يعتمد عليها المد البدوي المعروف بالترحّل والغزو (29). 

رغم أن هذه السياسة لصالح مركزية العثمانيين على الأمد القريب، فهي لصالح المدينة على الأمد البعيد، ما دامت البداوة تتسع وتضيق بحسب اتساع وضيق المدينة. فبعد انهيار نظام الري للمدن جراء الغزو المغولي بالقرن الثالث عشر، وتتالي الحروب في القرون التالية حتى منتصف القرن التاسع عشر، فإن البداوة شكّلتِ الأغلبيةَ المسيطرةَ. ومع استرجاع المدينة عافيتها على يد العثمانيين وتأثيرات السوق العالمية، فإن البداوة أخذت تضعف بوتيرةٍ سريعةٍ، وتحوّل معظمُ البدو إلى مزارعين (30). 

قبل سياسة العثمنة كان رجل العشيرة يشعر بالانتماء لقبيلته من تلقائه، لكونها توفِّر له المرعى المجاني (الديرة)، وكذلك الحمايةَ التي لا توفِّرها له المدينة، بظل الدولة العثمانية الضعيفة، بسبب ضعفها عن تأدية دورها العابر للمحلات، التي هي الأخرى لا ترقى لوعي التضامن المشترك بالمستوى المطلوب (الوعي الاستاتيكي) (31). لكن مع سياسة العثمنة تحوّل الشيوخُ إلى مستأجرين للأراضي، وأخذوا يفكِّرون بنفعيةٍ تجاه الفلاح فسلبوه حتى الديرة، مما سبّب نفوراً للأخير تجاههم، وكانت متاحة للفلاح فرصةُ التعامل مع السوق للتخلِّص من جشع الشيوخ (32). 

مجيء البريطانيين للعراق عام 1914، جعل عملية التطور الإيجابية تتباطأ، إذ دعم الاحتلالُ البريطاني الطبقاتِ القديمةَ، تحديداً الشيوخ الملّاك الكبار، وذلك نتيجة تفكيرٍ محافظٍ للمسؤولين (33)، في مكان آخر، يصفه بطاطو بالرومانسي (34). كان البريطانيون يرون أن الشيوخ هم الأنسب لإدارة الأرياف من البيروقراطية القديمة ذات الولاء العثماني، ومن البيروقراطية البريطانية التي قد تكون مستفزةً لو حكمتها مباشرةً، ومن بيروقراطية أبناء المدن المعارضين بطبيعة الحال للاحتلال البريطاني بسبب توفّرهم على تعليم يؤهّلهم لتفكير قومي عنيد. يرى بطاطو أن هذه “المناسبة” الإدارية انتهت إلى ضرورة سياسية (35). 

كان البريطانيون بعد ثورة العشرين أمام تحدي تقليص الدعم المالي للجيش المحتل بالعراق، دون مغادرته. والحل هو إيجاد طرف يوازن قوة الملك فيصل وحاشيته. فبرغم صداقة فيصل للبريطانيين الذين جاؤوا به، لكن له أجنداته الخاصة. ويكمن الحل في دعم طبقة الشيوخ الملاك، وجعلهم قوة تحيّد قوة فيصل (36). هذا الأمر جعل الشيوخ يفرضون سيطرتهم بالقوة على رجال عشائرهم، وذلك لكون الولاء ضعيفاً في نفوسهم ما دام الشيوخ مجرد مستغلين بنظرهم. من هنا نشأت “الحوشية”، فهي تفرض بالقوة ولاء كان عفوياً (37). وهذا أدى لإغلاق فرصة تخلّص رجال العشائر الفلاحين من سيطرة شيوخهم، فلم يعودوا متصلين بالسوق مباشرةً ليبيعوا منتجاتهم، بل أعيد تنصيب الشيخ عليهم وإحكام سيطرته، بإجراءات قانونية غير وطنية (قانون العشائر)، وتنفيذية كعدم السماح بالانتقال للمدن وما شاكل. فالعراق، إذن، مر بمرحلة شبه إقطاعية (نظام مشيخي) مع البريطانيين والحكم الملكي، وهي حالة انتقالية نحو مجتمع الطبقات الصناعي/ اللاإقطاعي الذي تحقق في العهد الجمهوري. فالتطور كان نحو الأمام، بنظر بطاطو، وبدخول عامل طارئ من الخارج جعله يسير عكسياً، أو لنقل بطيئاً. فلو خلي المجتمع العراقي لنفسه، منذ بداية القرن العشرين، لما تكبّد الفلاحُ تلك المعاناةَ الجسيمةَ، ولا امتلك الشيوخُ تلك الثرواتِ الطائلةَ، ولا نتجت عن هذا الاختلال تلك الهزات العنيفة. 

وبهذا يستنتج بطاطو، وبالأدلة الموثقة وتفاصيلها الدقيقة، أن الملَكية في حقبتي العشرينيات والثلاثينيات مثلت مبدأ موحِّداً للعراقيين قبال المبدأ التقسيمي لشيوخ العشائر (38). لكن السؤال المهم: لماذا برحيل البريطانيين تطور الحال لما هو أسوأ، حيث أصبحت الطبقة الحاكمة هي الأخرى تمثّل المبدأ التقسيمي؟! 

يرى بطاطو أن في الأربعينيات والخمسينيات اكتشفت الطبقة الحاكمة وطبقة الشيوخ الملّاك مصالحَهما المشتركة أمام الطبقة الوسطى الصاعدة، ذات النزعة القومية المعادية للاحتلال ولمن يتقوّى به (39). وجرى إهمال دور الجيش بسبب تمرداته بثلاثة انقلابات بين عامي 1936 و1941. وبالطبع، كان لهذا الإهمال نتائج قاسية بحق الملكية بنهاية المطاف. تقوّت الملكية بدعم القبائل بدل الجيش، وهذا بسط يد الشيوخ أكثر على الفلاحين. وبسبب أمّيتهم وجدب معرفتهم بالتقنيات الحديثة، وأصلهم البدوي ضعيف الارتباط بالأرض، فإن تأثيراتهم كانت كارثيةً بحق الزراعة والفلاحين والأرض (40). 

منعطفات الحزب الشيوعي 

هنالك عدة مراحل مفصلية للحزب الشيوعي، يمكن من خلالها التأريخ له. كانت أولى المراحل بمثابة الإرهاص، فدخلت الأفكار الشيوعية من خلال المناضل الأرمني أرسين كيدور، المرتبط بمنظمة الهنجاك، وقبله بيوتر فاسيلي منذ عام 1922 (41). وأول عراقي شيوعي هو حسين الرحال، الذي أسس أول حلقة ماركسية عام 1924، وعام 1927 أسست جمعية الأحرار المسماة بالحزب اللاديني. وحتى عام 1929، كان هذا الحزب متطرفاً في موقفه تجاه الدين، دون فهم لحساسية المجتمع العراقي كما يرى بطاطو. وقد اكتشف الشيوعيون ذلك نتيجة ردات الفعل القاسية آنذاك، فعدوا هذا التطرف مراهقة ينبغي مغادرتها فوراً. وبعد هذا التاريخ يصعب تقصي موقف واضح للشيوعيين تجاه الدين (42). 

أسس الحزب الشيوعي عام 1934 من قبل نصير فليح العائد من الاتحاد السوفييتي، فتكونت آنذاك ثلاث مجموعات، البصرة والناصرية وبغداد. كان طابع الجنوبيين العمل الكثيف، حيث توغلوا في الريف عميقاً، بينما طابع البغداديين التفكير والنقاشات المستفيضة في المقاهي (43). وببلوغ عام 1941 تمكن “فهد” الذي اسمه الولادي يوسف سلمان يوسف، من نيل سكرتارية الحزب الشيوعي. ألقى فهد بقبضته الحديدية على الحزب، وكان يعمل بوصفه مفكر الحزب (44). تغلغل الحزب بعهده إلى العمّال بالدرجة الأساس، فأسس نقاباتٍ للعمال وقام بإضرابات عديدة تخص عمال النفط والموانئ وسكك الحديد، كما وتغلغل في صفوف الطلاب، رغم عدم ثقة فهد بالطبقة المثقفة (45)، مع أنهم كانوا العامل الأكثر تأثيراً في توجيه وثبة 1948. ومن ثم تغلغلوا في صوف الفلاحين بدرجة أقل فقاموا بعدة ثورات زراعية. 

ناصر الحزبُ انقلابَ بكر صدقي 1936، وسرعان ما اكتشف انخداعه، حيث لم ينل من مناصرته الانقلاب شيئاً يذكر. ومع حدوث انقلاب 1941 وقف الحزب مع القوميين، لكن تراجع الحزب عن موقفه بسبب الخسارة السريعة التي مني بها، وتحالف الاتحاد السوفييتي مع البريطانيين ضد الألمان 1942_1945، حيث يتبنى الحزب مبدأ الأممية الشيوعية قبال الإمبريالية الغربية، لكن التحالف بنظره كان مؤقتاً اقتضته الظروف الموضوعية (46). نال الحزب في هذه الفترة الاستثنائية رفاهيةً نسبيةً في النشاط. وبحلول عام 1946 أعلى الحزب من شأن مفهوم الثورة. فبعد أن قيّد الثورة بالدين في المرحلة الجنينية الأولى، وبعد تقييده للثورة بالإصلاح الاجتماعي بين 1934_1946، أصبح الآن أوسع نطاقاً أكثر فأكثر، وذا جنبة سياسية، لكنه لا يزال بعيداً عن فكرة التمكّن من السلطة مباشرةً. كانت فكرة الثورة آنذاك مقيدةً بإحداث ضربات صغيرة متتالية بحق الحكومات لكنها مزعزعة ومشتتة، تقطع ثقة الناس بها (47). لم تكن وثبة 1948 من صناعة الحزب الشيوعي، لكنه استغلها جيداً ومالت معه بالنهاية. وهذا أثّر إيجاباً على سمعة الحزب في الجمهور، وسلباً عند الحكومة، حتى وصل الأمر لتمزيق الحزب بالقمع والملاحقة. أما انتفاضة 1952، فكانت بقيادة شيوعية واضحة (48). 

بعد إعدام فهد 1949، تمكن الكرد من قيادة الحزب، وقلّ بالمقابل الحضور السني فيها، نتيجة موقف الحزب السلبي تجاه القضية الفلسطينية 1948 (49) تماشياً مع موقف الاتحاد السوفييتي، الذي هو الآخر بُرِّر بالظروف الموضوعية. وحتى عام 1955 مرَّ الحزبُ بمراهقة ثورية، ونزعة يسارية لا مبرر لها بنظر بطاطو. فهذا يتماشى مع الميل اللاعروبي للكرد الميالين للانفصال أو الحكم الذاتي. 

وبصعود قيادات جديدة من نوع حسين الرضي، المدعو حركياً بـ”سلام عادل”، وعبد الجبار عبد الله، وجمال الحيدري قلّ الوجود الكردي، ورجع الوجود السني لمستواه السابق، مع بقاء الأغلبية الشيعية في الفترتين، السابقة واللاحقة. مع صفقة الأسلحة السوفييتية – المصرية رداً على تحالف حلف بغداد، ومع تأميم قناة السويس، وانتفاضة النجف والعدوان الثلاثي على مصر 1956، صعد منسوب القومية الشيوعية أكثر من ذي قبل (50). وحاول الحزب إنشاء تحالف مشترك مع الأحزاب المعارضة اعتماداً على مبدأ البرجوازية الوطنية، لا الديمقراطية العمالية ذات التركيز الطبقي المشدد. 

الضباط الأحرار 

واجه بطاطو صعوبةً في اعتماد رواية دقيقة عن حركة الضباط الأحرار، بسبب ملابسات عديدة، منها أن رواية عبد السلام عارف تجر النار لقرص صاحبها، وأن الرواية المخالفة لرفعت الحاج سري، أثناء محاكمته، تبدو أقرب لاحتمالية حماية الحركة بالتقية من احتمالية كشف الحقيقة التامة (51). ومع ذلك، وجد بطاطو طريقه نحو هذه الحركة. يرى أن الحركة اعتمدت اختراق صفوف الضباط، بخلاف الحزب الشيوعي الذي اعتمد اختراق صفوف الجنود ونواب الضباط بوصفهم أقرب للطبقة العاملة منهم للطبقة البرجوازية. كانت مناسبة إنشاء هذه الحركة حدث ثورة مصر الناصرية 1952، وبقيت تعمل سرياً وبشكلٍ ضعيفٍ، ومع تراكم الأحداث المفصلية وصولاً للعدوان الثلاثي على مصر 1956، فكرتِ الحركةُ بمحاولة الانقلاب على الملكية وتأسيس الجمهورية (52)، أي أنها كانت مدفوعةً بدافع قومي عروبي. أُسِّس الحزب على يدي رفعت الحاج سري ورجب عبد المجيد (53). بقيت الحركة تمثِّل أقليةً، حيث عشية ثورة 1958 بلغ عددهم 200 ضابط فحسب، لكنها رغم ذلك كانت حاسمةً. النزعة القومية لهذه الحركة تعني أنها استمرار تاريخي للتمردات والانقلابات السابقة، وكذلك ثمة تشابه في الميولات الإسلامية الشكلية من الناحية النفسية لقاداتها (54). يختلف الضباط الأحرار عن الشريفيين السابقين (أبرزهم نوري السعيد)، بكون الأخيرين رغم قوميتهم متصالحين مع الدعم البريطاني، وذلك بسبب كونهم قد أصبحوا ملّاكاً لهم مصالح في بقاء النظام الملكي مدعوماً بالبريطانيين، وهذا الأمر جعلهم ينظرون بعين السوء لانقلابات الجيش وتمردات المدن، فسلكوا مسلك إبعاد الجيش عن الامتيازات، والقوميين عن التمثيل السياسي. 

انتمى عبد الكريم قاسم لحركة الضباط الأحرار، ومن بعده عبد السلام عارف. لم يلتزم قاسم التزاماً تامّاً بمبادئ الحركة، فأنشأ ارتباطاتٍ مع أحزاب أخرى بصفةٍ شخصيةٍ دون الرجوع لقادة الحركة، وعلى وجه الخصوص الحزب الشيوعي (55). كما أنه قطع علاقته مؤقتاً بالحركة من أجل الحماية الذاتية، ولا يستبعد بطاطو كونه وشى برفعت الحاج سري لدى السلطات من أجل إبعاد الشبهة عن نفسه ونيل ثقة الجهاز الحاكم (56). أصبح قاسم زعيم الحركة منذ العام 1957 وعبد السلام عارف نائباً له. وكانا يستعجلان الثورة، بحيث عملا معاً بشكلٍ منفصلٍ عن بقية القادة والأعضاء، وهو الأمر الذي كان له دور بالغ الأهمية في تشتيت الحركة وإضعاف حكومة قاسم في ما بعد (57). 

كان قاسم منحدراً من موقع طبقي وسطي، الأمر الذي جعله يسلك مسلكاً وسطياً في السياسة. فكان يصف نفسه أنه فوق الانتماءات، مما أدى لأن يتبع سياسة “فرِّقْ تسدْ” بين الشيوعيين أكبر الداعمين له وبين والبعثيين المعارضين له. الحزب الذي كان يمثّل قاسم إيديولوجياً هو الحزب الوطني الديمقراطي، لكن قاعدته الشعبية ضعيفة جداً، أما الجيش فتوجهه الغالب، قومي عروبي يميل لعبد الناصر، وليس قومياً عراقوياً/وطنياً. فكان لا بد له من الاعتياش على تضارب الشيوعيين والبعثيين، مع بعض الاستثناءات التي تجعله يميل ميلاً كبيراً لصالح الشيوعيين، وذلك من أجل الموازنة قبال البعثيين (58).  

مر الحزب الشيوعي بـ”فترة المد” بين ثورة 8 آذار 1959 بالموصل، وثورة كركوك 14_15 تموز للعام نفسه (59). بعدها عاش الحزب “فترة الجزر” بسبب الثورة الأخيرة، حيث ألقيت المسؤولية على عاتق الحزب مع أن أعضاء الحزب الكرد تصرفوا كأكراد ضد التركمان، ولم يستشيروا رأي القيادة في ما فعلوا (60). رجع الحزب لعافيته “فترة الشفاء” مع حدث محاولة اغتيال قاسم في 7 تشرين الأول 1959 من قبل البعثيين (61). وبعد أن بطش قاسم بالبعثيين متخيلاً استحالة عودتهم، رجع إلى الحزب الشيوعي، فبطش بهم لكن بطريقة هادئة خلاف البعثيين، وذلك ابتداء من مايو 1962 (62). ورغم ما فعله قاسم بحق الشيوعيين من قمع وملاحقة، فهم بقوا داعمين له حتى الرمق الأخير لدرجة أن نزلوا للشوارع يحاربون قوى البعث في انقلاب 1963، لكن حتى تلك اللحظة لم يسمح قاسم بتزويدهم بالأسلحة المطلوبة (63). 

يرى بطاطو أن حدث 14 تموز 1958 ثورة وليس مجرد انقلاب، وذلك عبر الرجوع تاريخياً إلى الوراء، ووصل الحدث بالتمردات التي سبقتها، فهي استمرار لها. وكذلك عبر التقدم للأمام، والنظر إلى نتائج هذا الحدث، حيث هي من الضخامة بما لا يدع مجالاً للشك بأنها أقصت عالماً قديماً كان يسير نحو نهايته (64)، فالحكومة الملكية لم تنبع من داخل العراقيين، بل كانت طارئة ومفروضة بقوة البريطانيين الذين هم بدورهم أقصوا عن التأثير بالمنطقة بفعل الثورة ذاتها. وعلاوة على النظام الملكي وداعمه الخارجي البريطاني، فلقد أقصت الثورة طبقة الشيوخ الملاك الكبار بصفتهم الداعم الداخلي. فابتدأت هذه الثورة عهد الطبقات الوسطى المقصية سابقاً، رغم أن حكومات ما بعد 14 تموز لم تعمل بشكل مقصود على خدمة هذه الطبقات، بل كان الأمر تلقائياً نتيجة الواقع التاريخي! (65) 

البعثيون ونظام البعث الأول 

نشأ حزب البعث عبر حلقات في مدينة الإسكندرونة السورية بعد كارثة ضمها لتركيا بموافقة فرنسية 1939 (66). كانت تدور حول زكي الأرسوزي الذي هو من الطائفة العلوية. لاحقاً التحق بحزب البعث اثنان من أهم منظريه هما ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار. في عام 1947 نظم الحزب مؤتمره الأول. ودخل للعراق عام 1949، بقيادة فايز إسماعيل وعبد الرحمن الضامن، وقد اخترق الحزب صفوف الطلاب في الجامعات. بعام 1941 ذهبت القيادة لفؤاد الركابي، مهندس من الناصرية (67). 

تتمحور إيديولوجية الحزب الفكرية حول ثلاثة مفاهيم رئيسة “الوحدة، الحرية، الاشتراكية”. يرى منظرو الحزب أن حقيقة العرب المطلقة لا تكمن في العرق، ولا الدين، بل في الروح (68). وعلى هذا الأساس ينبغي طرد الاختلافات الضمنية لصالح هذه الحقيقة الموحِّدة، وكذلك على أساسها يأتي الدور للمفهوم الآخر وهو الحرية. ويقصد بالحرية الاستقلال من الخضوع للخارج المختلف في حقيقته/روحه عن الأنا. ولهذا السبب، فإن القومية بنظرهم ليست مستوردة من الخارج. أما الاشتراكية فهي القاسم المشترك بينهم وبين الحزب الشيوعي، لكن منظورهم لها مختلف. يرى عفلق أن البعث هو الاشتراكية العلمية زائد الروح العربية (69). يرى بطاطو أن المنحى الفكري للحزب فيه أمشاج غير متناسقة من تيارات غربية، واعتمد خطابهم على النزعة الرومانسية لجذب الناس بدل الانتظام المنطقي المفقود (70). 

بلغ البعث ذروة الظهور بعد نكبة فلسطين 1948، فسعى للاستقلال السياسي وتقسيم الثروة. يعتقد بطاطو أن الإيديولوجيا العملية تركزت على مفهوم الثورة، لكن الثورة بمعنى الانقلاب، وليس بمعنى التغيير الاجتماعي الذي يعنيه الشيوعيون غالباً (71). 

بعد الخلاف الشديد بين عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم، ومن ثم الضربة القاضية لعموم البعثيين، أعاد البعثيون لمَّ شتاتهم في دمشق 1962، وكوّنوا “لجنة الإنذار” التي ستدعى لاحقاً بالحرس القومي، وذلك بقيادة علي صالح السعدي (72). لم يكن عارف بعثياً، لكنه رُفِع رئيساً للجمهورية برضا البعثيين بسبب شهرته (73) وذلك للفترة 8 شباط 1963 – 18 تشرين الثاني 1963، حيث كانت هذه الفترة تمثل الحكم البعثي الأول. اكتسب عارف مهارة في التكيّف مع ظروف الساعة أفضل من ذي قبل، فلقد كان أيام قاسم ضد البرجوازية الوطنية، لدرجة لم يتفق معه بذلك ليس قاسم وحده، بل عموم الشيوعيين، لكون ذلك لا يتناسب مع ظروف المرحلة، وأنه وسيلة مجانية تحقق مصالح الاستعمار. لذلك امتلك قاسم فن تحطيم عارف بيديه، فبعد كل خطاب كان يلقيه تقل قاعدته بين الضباط، وتنفر منه البرجوازية الوطنية (74). 

يعتقد بطاطو أن الشعارات التي سهلت مهمتهم ضد قاسم، تسببت بسقوطهم، وذلك لأنهم اكتشفوا لاحقاً بأن لا شيء يجمعهم سوى الوقوف ضد قاسم (75)، فهم من اتجاهات شتى ولم يمتلكوا برنامجاً مدروساً للحكم (76). كان الكثير من البعثيين ضعيفي الارتباط بالحزب من الناحية الفكرية، وهذا أدى لوضع جل ثقلهم في القوة الجسدية، تحديداً ميليشيا الحرس القومي (77)، مقابل حقيقة أنهم قليلو العدد في صفوف ضباط الجيش النظامي، مما سهّل للعناصر المدنية نيل أغلب مناصب القيادة (78).  

أدى ضعف الرابطة الإيديولوجية للتحلق حول الأشخاص والمصالح الضيقة، كما، وأدى اتساع عدد عناصر الحرس القومي وزيادة صلاحيات السعدي والونداوي إلى حصول ازدواجية في القيادة العسكرية تسببت بالضرر للجيش والحزب نفسه من ناحية الانشقاق الداخلي أو النفور الشعبي نتيجة القمع المفرط (79). استغل عبد السلام عارف ذلك لصالحه، فأسقط الحكم البعثي وبدأ مرحلة جديدة، هي مرحلة حكم الأخوين عارف على التوالي. 

كتب حنا بطاطو عن العراق. 

عارف الذي تعلم من أخطائه 

يرى بطاطو أن حكم عبد السلام مر بثلاث مراحل، الأولى امتدت من تشرين الثاني 1963 إلى شباط 1964، حيث سميت بفترة ائتلاف أتباع عارف العسكريين والناصريين العسكريين والبعثيين العسكريين (80). كان الناصريون يريدون الاتحاد مباشرة مع عبد الناصر، لكن عارف أصبح متردداً بذلك، تأثراً بنفس تردد عبد الناصر بعد تجربته المريرة في الاتحاد مع سورية (81). كان عبد الناصر يستبعد الاتحاد الدستوري مع العراق بسبب البعد الجغرافي، وبسبب استناد نظام عارف على ما يعرف بـ “أقلية الأقلية”، حيث تسيطر على الحكم أقلية عربية سنية مهاجرة من الشمال الغربي، لا تشكل سوى خمس السكان (82). وكان عارف، أيضاً، ملتصقاً بجوانب الإسلام المرئية، فلقد منع الإفطار العلني وحظر المشروبات الكحولية في الحفلات الرسمية، وأجبر أعضاء مجلس قيادة الثورة على القسم باليمين قبل تسنمهم مناصبهم. وما أبعد الناصريين عن عارف أيضاً هو اقترابهم من الحركيين أو حركة القوميين العرب (83). كان البعثيون هم الأقل امتيازاً في هذا الائتلاف، بسبب تطهير العناصر المدنية للحزب، والقمع المفرط الذي كلفهم خسارة شعبيتهم أيام حكمهم الأول (84). 

والفترة الثانية وقع فيها عارف اتفاقية الاتحاد مع مصر في 26 أيار 1964، وألحقها باتفاقية أخرى في 16 تشرين الأول للعام نفسه. وحاول البعثيون الانقلاب في 4 أيار لكنه باء بالفشل، وكذلك الأمر مع الحركيين، المدعومين من الناصريين، الذين قادوا محاولة انقلاب فاشلة في 15 أيار 1965 (85). 

أما الثالثة، فأصبح فيها عارف والضباط من عشيرته (الجميلة) هم الحكام المطلقون في الدولة (86). وبدأت سياسة ذات ملامح جديدة نسبياً لكنها لم تكتمل بسبب التحطم المفاجئ لطائرة عارف في مدينة القرنة جنوب العراق في 13 نيسان 1966. 

خط حزيرانآب 1964 

كان موقف الحزب الشيوعي في البداية يسارياً تجاه حكومة عارف، لكن حدثت أمور غيّرت الموقفَ نحو اليمين بالتدريج، مثل انفجار الحركة الكردية؛ تعميق الروابط بين موسكو والقاهرة، تحسين العلاقات العراقية السوفييتية واستئناف تجهيز الأسلحة الروسية للعراق المنقطعة بسبب الاضطهاد البعثي للشيوعيين؛ اتجاه الحكومة العراقية نحو عبد الناصر والذي بلغ ذروته مع إجراءات التأميم (87). كل ذلك توّج الجهود بإطلاق ما يسمى بخط آب لعام 1964 (88). كان جوهر هذا الخط هو التصالح مع نظام عارف نتيجة تصالحه مع الناصرية، هذا من الناحية العملية. أما الجوهر الفكري لهذا الخط فهو ظاهرة التطور اللارأسمالي، أي تطور أنظمة الحكم باتجاه تحطيم رأس المال. فإن كان الشيوعيون سابقاً يشترطون تحقق الوحدة العربية بالديمقراطية السياسية، فإنهم الآن يشترطون الديمقراطية السياسية بتحقق الوحدة القومية (89). 

وعلى هذا الأساس حصل انشقاق داخلي، وإن بنطاق محدود، داخل الحزب الشيوعي، بين يمين ويسار. وباستئناف الحرب الكردية نيسان 1965، والانخداع بعبد السلام عارف والناصريين، انجرف الحزب برمته نحو اليسار وتبنى شعار “الكفاح العنيف” من ناحية الجماهير (90). كما ورفع الحزب في تشرين الأول 1965 قضية الاستيلاء على السلطة من ناحية الحزب نفسه (91). 

حكومة البدل الضايع 

في 16 نيسان 1966، اختير عبد الرحمن عارف، شقيق عبد السلام عارف، رئيساً للجمهورية. والعوامل التي أدت إلى اختياره عديدة؛ كونه ضابطاً، وكذلك شقيقاً لعبد السلام؛ القاهرة بجانبه؛ أعضاء المجلس العسكري كانوا مرشحين لمناصبهم من قبل شقيقه؛ المواقع الحساسة بالسلطة كانت بيد قريبه سعيد صليبي؛ كان أقل طموحاً وأقل خطراً من بين المرشحين الثلاثة (92). 

أما سمات نظام عبد الرحمن، فهو استمرار لنظام شقيقه؛ يكمن ثقله في الحرس الجمهوري، الذي سماه بهذا الاسم شقيقه الراحل، بعد إن كان اسمه أيام نظام البعث الأول الحرس القومي؛ سياسته الموازنة بين القوى العسكرية المتنافسة؛ استمرار كون أبناء عشيرته “الجميلات” العمودَ الفقري للحرس الجمهوري (93). 

ويكمن الفرق بين الأخوين بعدة نقاط؛ عبد الرحمن أكثر بساطة وتودداً؛ ليس لديه غريزة سياسية؛ يفتقر للطاقة والبراعة التي لشقيقه الراحل؛ لم يكن صاحب معرفة بالأمور كشقيقه؛ لم يكن حساساً بالتذبذب الطفيف في حياة الضباط؛ لم يكن مناوراً بارعاً بين الفئات المتنافسة. 

يمكن القول، إن المنصب أتاه ولم يذهب إليه، ولقد شاع عنه في أوساط العراقيين تسمية حكومته بـ”حكومة البدل الضايع”، وأطلق المعادون على حكومته بحكومة “العفترة”، إذ تجمع هذه الكلمة الحرف الأول من مناطق محددة (ع: عنة، ف: فلوجة، ت: تكريت، ر: راوة، ه: هيت)، وهي المناطق التي ينتمي إليها المتحكمون بالسلطة، مناطق الشمال الغربي من العراق، التي تأثرت سابقاً بعوائق الحدود العراقية السورية من جهة الموصل، وما نتج عنه من تدمير الاقتصاديات المحلية، فنزح الكثير نحو بغداد ونشأوا ضباطاً وقوميين كانت لهم السيطرة على الحكومات منذ إسقاط نظام قاسم (94). 

كانت الحكومة ألعوبةً بيد الضباط، وكان هنالك صراع فئات دون قضايا إيديولوجية صلبة، وأيام الحكومة الأخيرة كانت مليئة بشائعات الفساد الإداري. والذي قلل من حظوظ بقائها بشكل قياسي هو مشاركة العراق المحدودة بحرب 1967 ضد إسرائيل (95)، مما أعطى المبادرة مرةً أخرى لحزب البعث بامتلاك السلطة للمرة الثانية والأخيرة. 

حكومة البعث الثانية 

استعاد حزبُ البعث السلطةَ للمرة الثانية عبر انقلابين متتالين، الأول في 17 تموز 1968، والثاني في 30 تموز للعام نفسه. فإن كان الثاني بعثياً خالصاً بقيادة أحمد حسن البكر، فإن الأول قام به ضباط القصر أو الثوريون العرب (96). ويبدو أن مبادرة البكر أشبه ما يعرف بالأدبيات السياسية بالثورة المضادة التي تقطف ثمرات ما يفعله الآخرون، حيث تمكَّن البعثُ من تسنّم السلطة هذه المرة عبر الاستراتيجية لا القوة (97). كان أحمد حسن البكر رئيساً للوزراء أيام الحكم الأول، وأصبح رئيساً للجمهورية في الحكم الثاني. وهو إجمالاً يختلف عن شخصه السابق، فلقد أصبح أكثر حكمةً بنظر بطاطو (98). وكذلك يختلف بعث 1968 عن بعث 1963 من عدة جوانب؛ التزامه ببناء المجتمع الاشتراكي العربي الموحد؛ ينظر لنفسه كعنصر طليعي أو حزب قائد؛ أصبح انتقائياً في هويته. لقد فقد الشيعة وزنهم نسبياً في البعث الجديد، بسبب تأييدهم لعلي صالح السعدي الذي شكّل جماعة خاصة به “لجنة القطر العراقي”، وبسبب الممارسات التمييزية للشرطة التي يسيطر عليها البعثيون النازحون من مناطق سنية شمال غربي العراق. وهو ما يرجح سبب ضعف الوزن العددي للشيعة، لا السياسة المقصودة التي اتبعها النظام، كما يشاع (99). 

أصبح حزب البعث أكثر تجانساً بسبب الانتقائية، لكنه أقل تمثيلاً (100)، وتلك مشكلته المعضِلة. والبكر ليس مجرد حاكم صوري كما يشاع، ولا صدام حسين كعلي صالح السعدي، فلقد سيطر البكر على الجيش، وصدام على الحزب، وكانت للبكر قدرة المعتدل السياسي لا صانع السياسة، حيث يميل لتفادي الصراعات داخل الحزب (101). ومما ميّز حكومته الزيادةُ النسبية في تأثير الضباط التكارتة مقارنة بـ1963. كان هذا الطابع السني التكريتي للبعث، مضافاً للاعتماد المطلق على الجيش، قد ترك أثره على طبيعة النظام الحاكم. ويبدو، بحسب بطاطو، أن التكارتة حكموا من خلال البعث وليس العكس. وهو بذلك يستند إلى أساس اجتماعي ضعيف، فالتكارتة يحتلون مكانةً لا تتناسب مع أهميتهم العددية (102). 

يعتقد بطاطو أن إدراك البعثيين ضعف مركزهم وقاعدتهم، جعلهم يتخذون إجراءاتٍ عديدةً لتقوية أنفسهم، مثل تبعيث الجيش بالغربلات المدروسة؛ إدخال أعضاء عاملين وأنصار إلى الحزب؛ تقليص المسافة بين البعثيين وبين جماهير الشعب من قبيل الاعتراف بحقوق الكرد؛ حظر طرد الفلاحين؛ تقليص الملكيات بالحد الأعلى؛ إدخال التأمين الصحي؛ إدخال برامج لرفع المستوى الثقافي والمهني للريف؛ رفع الحد الأدنى للأجر اليومي للعمال غير المهرة.. وغيرها (103). أما الجرأة بخصوص الموقف تجاه فلسطين، فكانت كلاميةً أكثر منها فعلية، رغم أن البعث جاء على أنقاض نظام سابق فشل في المشاركة الجادة بحرب 1967. فقد أبدى النظام البعثي جرأةً أكثر مما يتناسب مع مصلحتهم، حيث لم يفوا بوعدهم للفدائيين في الأردن، وهذا الأمر كلفهم خسارة مكانتهم، وأحدث صدعاً بينهم وبين القيادة القومية بقيادة ميشيل عفلق، وجعل الجناح المدني يقترب من عبد الخالق السامرائي أكثر من صدام حسين (104). 

شيوعيو جماعة اللفيف 

تعرّض الحزبُ الشيوعي لعدة انشقاقات داخلية خطيرة، أولها “المؤتمريون” الذين عارضوا فهد في 1943، إذ دعوا لعقد مؤتمر للحزب يعيد بناءه بشكل مغاير (105)، لكن فهد حاول تفكيكهم بمساعدة ظروف القمع الحكومية. أنشأ فهد في 1946 حزباً احتياطياً (حزب التحرّر الوطني) (106) لمقارعة نفوذ خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري، والأخير اتخذ من عزيز شريف مظلة له بالعراق عبر ما يسمى بـ”حزب الشعب” الذي تلاشى بالنهاية. وفي عهد عبد الكريم قاسم طالب الشيوعيون بالحريات الديمقراطية، تحديداً المشاركة بالسلطة، وسرعان ما تراجعوا عن مطالبته بسبب الظروف (107). لم يلبِّ قاسم طلبهم بأي وقت، لكنه عندما وعد بداية العام 1960 بفتح الحريات السياسية عبر قانون الجمعيات، خلال مدة ستة أشهر، لم يعط الإجازة إلا لحزب جديد له الاسم والبرامج نفسها بقيادة عزيز شريف مرة أخرى (108). فكان ذلك وسيلة سياسية لتركيع الحزب الأساسي عبر تقييد الاعتراف به بشروط، لكنه لم يستجب (109). وحتى حزب عزيز شريف ذهب أدراج الرياح في ما بعد، مما يكشف نوايا حكومة قاسم المقصودة بزعزعة الحزب من الأساس. 

في عام 1964 ظهرت جماعة معارضة في براغ، في ظروف المنفى القسري الذي تعرض له كادر الحزب بشكل عام، استمرت هذه الجماعة في المعارضة اليسارية رغم ميلان قيادة الحزب بالداخل نحو حكومة عبد السلام ضمن ما يسمى بخط آب. سمت هذه الجماعة نفسها باللفيف، لأن البيان الثوري كان معنوناً بـ”لفيف من الشيوعيين”. ميولات هؤلاء كانت باتجاه الثورية الصينية، خلاف المهادنة السوفييتية التقليدية (110). وفي عام 1967 انفجرت الخلافات الداخلية لمستوى علني ورسمي ظاهر، فتطور الأمر نحو تأسيس حزب جديد “الحزب الشيوعي – القيادة المركزية”، بقيادة عزيز الحاج، خلافاً للحزب التقليدي المسمى بـ”الحزب الشيوعي – اللجنة المركزية”، الذي حاولت حكومة البعث الثانية عقد حوار معه وأبدت حسن نيتها عبر إطلاق سراح السجناء السياسيين في أيلول 1968؛ رد اعتبار جميع الموظفين المدنيين المطرودين سياسياً؛ السماح للمنفيين الشيوعيين بالعودة للوطن (111). لكن اللجنة المركزية لم تبدِ اهتماماً يذكر، واعتبرت الأمر مجردَ شكليات لا جدوى لها. كما أن حكومة البعث لاحقت يساريي القيادة المركزية وألقت القبض على كثير منهم في 1969، وأجبرت عزيز الحاج تحت ظروف التعذيب على الانهيار والاعتراف عبر التلفاز بالتراجع عن النشاطات الفدائية (112). كما تعرضت اللجنة المركزية لبعض القمع بعد اتفاق البعث مع مصطفى بارزاني في آذار 1970 (113). 

أما في خريف العام 1971، فقد اضطرت الحكومة البعثية لفتح المشاركة للحزب الشيوعي، والاقتراب من الاتحاد السوفييتي، وذلك لعدة أسباب: توتر القطاع الكردي، وقلاقل شاه إيران المدعوم من أمريكا، إذ استولى على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى بتشرين الثاني (114). وهنا استجابت اللجنة المركزية، واعتبرت المعاهدة العراقية – السوفييتية إنجازاً عظيماً، فوقّع القادة على الميثاق الوطني، ودخل الشيوعيون للحكومة لأول مرة في 14 أيار 1972 (115). 

يثمِّن بطاطو بوضوح مجهودات الحزب الشيوعي بما يسميه التزامه بـ”الطريق الوطني السياسي المتطوّر”! رغم عدم نفيه لانهيار المصالحة في 1975. وهو يراهن دائماً على المسلك اليميني للحزب، عدا مرة واحدة اعتبر فيها الخط اليساري لجماعة اللفيف ذا رؤية واضحة، وذلك بسبب الارتباط بالبيئة العربية (116). فهنا يبدو واضحاً تماماً، ميولات بطاطو للقومية العربية، وهو لهذا السبب اعتبر توازن عبد السلام عارف بسبب محاولاته للارتباط بالعمق العربي. ولقد أدان بقوة ما سماها بالمراهقة الثورية للحزب أيام قيادة الأكراد له 1949- 1955، وبالتطرّف ضد الدين ببدايات الحزب 1927_1929، حيث يعتقد، كما يعتقد لينين، بأن محاربة الدين بشكل مجرد ليس لها قيمة، بل الدين له حاضنة اجتماعية ينبغي استهدافها، لا استهداف الدين مباشرة، وهذا يعني أن الدين قابل للاستغلال باتجاه الأهداف الشيوعية، بدل معاداته بكل الأحوال وجعله أداةً بيد العدو (117). 

الظاهرة الشيعية 

كتب بطاطو عن الظاهرة الشيعية بوقت لاحق، بعد كتابته كتابه “الطبقات” الصادر عام 1978. فالظاهرة لم تكن بذلك الوضوح والاتساع والتأثير قبل عام 1979، أيام الثورة الإسلامية في إيران. ويبدو أن هذه الظاهرة تثير أسئلة مقلقة لطمأنينة بطاطو، ولذلك سيحاول في كتاباته المتأخرة تطويعها للنهج نفسه، دون أن يفلح حسبما يعتقد حيدر سعيد (118). يعتقد بطاطو أن غالبية الشيعة كانوا من البدو الرحالة، وتعرضوا لواقعة سياسة العثمنة التي جعلت منهم سكاناً ريفيين، فأصبحوا شيعة جدداً. ومعروف عن البدو عدم تعمقهم بالدين، وعدم حماسهم، كما معروف عنهم تساهلهم، حيث القسم بالعباس كان أهم نسبياً من الالتزام بالصلاة مثلاً. كانت المواريث الشيعية الحزينة وطقوسها قد وفرت لهم عزاء لكونها تتطابق مع نفسياتهم وظروفهم السيئة (119). 

أما شيعة المدن، فقد كانوا نسبياً أفضل حالاً، لكن تشيعهم ما زال من النوع الساكن سياسياً، ولم يشعروا بالحاجة للتعبير عن هويتهم سياسياً (120). وعاش شيعة الأرياف، أيام العهد الملكي، بشكل منعزل عن المدينة، بفعل قانون العشائر المغاير لقانون المدينة، حيث كان البريطانيون يبتغون عزلة الريف عن المدينة، من أجل إضعاف المدينة باعتبارها مسكن المعارضة المقلق للبريطانيين. أما المدن المقدسة، كالنجف وكربلاء، فهي لطالما عاشت في حالة تشبه الحكم الذاتي، وفي الوقت ذاته كانت المعايير القبلية لها السيادة في أعماق الشيعة رغم قربهم من أجواء رجال الدين وعلمائه (121). وواضح أن أغلب شيعة المدن قد انتموا للحزب للشيوعي، دون التخلي عن تشيّعهم. وهذا من شأنه أن يحيّد وعيهم التقليدي تجاه مذهبهم (122). وحتى منتصف الستينيات كان أمر علماء الدين ذاهباً نحو التلاشي، اعتماداً على مبدأ التقدم الحتمي عند بطاطو، والذي لا يوافقه عليه فالح عبد الجبار. يعتقد عبد الجبار أن التاريخ دائري، وليس تقدمياً، ولقد استعادت الهويات الطائفية ذات المكانة التقليدية، لا الملكية الطبقية، نفسها بثوب جديد (123). أما بطاطو فيعتقد أن اللجوء للهوية الطائفية ليس استعادة تحديثية للقديم في تحديات الظرف الجديد، بل يرى أن هذا اللجوء جاء نتيجة انهيار الحزب الشيوعي المتدرج، لكونه يحتوي غالبية الشيعة، وذلك نتيجة الجرح العميق الذي أصابهم عام 1963؛ نهج المساومة الذي سار عليه الحزب بين 1973 و1977؛ هجرة آلاف الشيوعيين للمنفى؛ إقصاء العدد الأكبر من الشيعة من كوادر حزب البعث أيام حكم البعث الثاني. لقد تُرِك المحرومون، عامة الشيعة، بدون وسائل منظمة للاحتجاج، الأمر الذي ولّد فراغاً في مجال العمل السري ملأه حزب الدعوة والمجاهدون (124). 

لا يعتقد بطاطو أن الطائفية الشيعية، على مستوى علماء الشيعة، إسلاماً سلفياً أعيد إحياؤه، بل هي رد فعل على الإحساس بأن العقيدة تتقهقر بظل مناخ التشكيك والاستهزاء بالشعائر الدينية حتى من قبل الشيعة أنفسهم؛ تحطم احتكار علماء الدين لصياغة المعرفة من خلال دخول المدارس الغربية الحديثة؛ التوغل العميق للشيوعية، في الثلاثينيات والأربعينيات، في النجف وكربلاء والذي حذر غريزة العلماء المحافظين؛ السنية المعلنة لنظام عارف 1963_1966 وعلمانية حكم البعث الثاني منذ 1968، مما حفّز الشيعة على العمل. (125) 

اتبع صدام حسين تكتيكين بنظر بطاطو: الترغيب والترهيب. فلقد رفع من شأن جماعة شيعية ضد أخرى. وصدام ينطلق في تفكيره من منطلقات عروبية أكثر منها طائفية، فهو يشعر بالضحالة النسبية لقاعدته المحلية والقمعية لحكومته، مما دفعه للاعتماد على أقربائه وقبيلته وأصحابه أيام العمل السري (126). لكن بعيداً عن القمع، يقول بطاطو، هنالك عوامل أخرى من طبيعة داخلية ساهمت في انحطاط التنظيمات السرية الشيعية؛ عدم قدرتها على نصب جسور مع العناصر الأخرى للمعارضة، عدا الاتحاد الوطني بقيادة بارزاني؛ الانقسام الذي ميّز الجماعاتِ الشيعيةَ قبل عام 1982 (127). ويرى بطاطو أنه حتى بظل الحرب العراقية_ الإيرانية تبدو الروابط القومية أقوى، والطائفية أضعف مما يجري تصوّرها. وفي الأخير، يعتقد بطاطو أن الطائفية الشيعية مرهون مصيرها بمصير الحكم الثيوقراطي في إيران (128). بمعنى أنه يعتقد أن العامل الخارجي وحده المحفِّز على الاستمرارية بشكل رئيسي، وإلا فإن نصيبها التلاشي لو تركت لمقوماتها الداخلية الصرفة! 

بوفاته عام 2000، أسدل الستار على واحدٍ من أرقى العقول الاجتماعية، وكانت ورشته البحثية عن العراق لم تغلق بعد، وشهيته بتقصي الوثائق عنه ما زالت مفتوحةً.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

غيَّر حنا بطاطو نظرتنا عن تاريخ العراق الحديث مرةً واحدةً وإلى الأبد، فما بعد كتابه عن الطبقات ليس مثل قبله.  

عُرفَ عالم الاجتماع الفلسطيني بحبّه للعراقيين، وبعدم ميله للبعث مطلقاً رغم نزعته القوميّة، وكان قد تأثّرَ بالبشاعات التي ارتكبت بحق الشيوعيين عام 1963. ورغم ماركسيته، وميله النسبي للشيوعية، فإنه لم يكن مُنضماً حزبياً. 

كان يتصف بالهدوء والتواضع، ولطالما أعلن رغبته بين الفينة والأخرى، بين رفقائه، بأن يكتب كتاباً يتصف بالأصالة والموسوعية، بدل كثرة الإنتاج العقيمة، حتى حالفه القدر فيما كان يرغب بنشره كتاب “العراق” عام 1978، محللاً فيه مراحل تاريخ بلاد الرافدين الأكثر تعقيداً. 

التنقلات والتحوّلات 

ولد حنا بطاطو في مدينة القدس، بفلسطين، عام 1926. هاجر أثناء نكبة 1948 إلى أمريكا، حيث دخل جامعة جورج تاون، كلية العلوم السياسية وتخصّص في الدراسات الروسية. لكن هذا في أول عامين فقط، فمع بداية الخمسينيات غيّر اختصاصه إلى الشرق الأوسط (1)، ونال الدكتوراه بجامعة أخرى، هي هارفارد، عام 1960، عن أطروحته “الشيخ والفلاح في العراق” (2). كان يعيش مع أمه حتى وفاتها، وليس لديه إخوة، كما أنه لم يتزوج قط (3). كان فقيراً مادياً، عمل في مطعم أول عام، مسؤولاً عن التنظيف (4). عندما وجد أصدقاء وسكن معهم بشقةٍ، كان يميل للهدوء، غالقاً على نفسه غرفته مع أوراقه، مما وضع رفقاءه بحرج وهم ميّالون لاستضافة ضيوف معتادين على الزيارات والسهرات الليلية (5). 

عام 1962 جاء للعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية ببيروت، واستمر فيها عشرين سنةً. غادرها عام 1982 بسبب الحرب الأهلية بلبنان. ذهب لأمريكا مرةً أخرى، هناك عمل في جامعة برينستون حتى تقاعده عام 1994 (6). كان مزاجه آنذاك قد تحوّل للقسوة المفرطة وذلك بسبب الحرب الأمريكية على العراق بعد احتلاله الكويت (7). والكرسي الذي كان يشغله، الذي يموّله الكويتيون، قد انقطع تمويله بسبب عدم إعلان موقفه ضد الحكومة العراقية. كان رده بأن عليه الوقوف ضد الكويت قبل ذلك في تعاملها مع العدو، لكي لا يكون انتقائياً في معاداته للحكومة العراقية فحسب (8). 

حنا بطاطو (على اليمين) مع والديه وشقيقتيه، مصدر الصورة : المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. 

زار العراق ثلاث مرات، منها سفرتان مطوّلتان في الستينيات، وربما كانت له بعض الزيارات السرية، وله علاقات مع شخصيات عديدة من بينها عبد الكريم قاسم (9). سكن مدةً معينةً في بيت مجاور لشقة عبد الكريم قاسم (10). سمح له الأخير بالاطلاع لأول مرة على الملفات السرية لمديرية الأمن. وهو الأمر الذي أثار جدلاً عند الكثير، مما حدا بهم لوصفه ظلماً بالعميل للمخابرات الأمريكية. ذات مرة تعرّض لموقفٍ محرجٍ في منطقة الحيدر خانة، بشارع الرشيد، فبينما كان يستجوب الناس لصالح بيان بحثي، تجمّع حوله رجالُ الأمن لاعتقاله، لكن رسالةَ الجامعة الأمريكية خلّصته منهم (11). 

كان كتابه الأهم عن العراق، فرسالة الدكتوراه لم تكن سوى تمهيدٍ لهذا العمل. كما أنه كتب كتاباً عن سوريا، لكنه لم يتسم بموسوعية عمله عن العراق. علاوة على أنه حاول الكتابة عن تاريخ السعودية الحديث، لكن المنية عاجلته (12). وغير مؤكدٍ أنه أكمل المخطوطة أم لا، فالحكايات متناقضة.  

كتاب حنا بطاطو عن فلاحي سوريا

فرضيات بطاطو المنهجية 

يمحور بطاطو مفهوم الطبقة على أساس اقتصادي، أي المِلْكية، كما فعل كارل ماركس، لكنه لا يقتصر عليه. فللطبقة أبعاد اجتماعية وسياسية كما يرى ماكس فيبر، لكن بطاطو أيضاً لا يكتفي بفيبر، ولا حتى بماديسون (13). حاول بطاطو التركيب بين بنية الطبقة وبنية المكانة التقليدية التي سادت العراق قبل الحرب العالمية الأولى 1914 على الأقل. يعتقد بطاطو أن المجتمع الحديث هو مجتمع الطبقات، والمجتمع التقليدي هو مجتمع المكانة. والمكانة وجاهة اجتماعية تعتمد شرف النسب أو القرابة، أو تعتمد على البسالة الحربية، أو تعتمد على التعليم أو على الدين. توجد ملكيات في عراق 1831_1914، لكنها ليست المهيمنة، فهي متغلغلة عمودياً مقسمةً الفئات إلى “مراتب” تفاضلية (14). بينما في عراق ما بعد 1958 أصبحت الهيمنة المطلقة لصالح المِلْكية. وتبقى فترة ما بين 1914 و1958، أي عهد الاحتلال البريطاني والملَكَية، فترة انتقالية، تمازجت فيها بنيتا المِلْكية والمكانة، في طور الصعود الحتمي والتقدم الارتقائي نحو الملِكْية وتلاشي المكانة (15). 

يرى بطاطو، والحال هذه، أن الطبقة غير مستقرة، فهي عرضة لعدة متغيرات، منها الدخول والخروج السريعان من وإلى الطبقات القائمة؛ الصعود والهبوط المفاجئان داخل الطبقة الواحدة؛ انهيار وصعود مجموعات تضم بداخلها طبقاتٍ متعددةً مثل هجرة اليهود واحتلال التجار الشيعة مكانهم؛ تباين فئات المنتمين للطبقة الواحدة، مثل الملّاك الشيوخ، والملّاك السادة، والملّاك الضباط الشريفيين، والملّاك البيروقراطيين القديمين (الإداريين الآتين من العهد العثماني)؛ تقدم بعض العناصر الطبقية من جانب، وتدهورها من جانب آخر، كالشيوخ الملّاك الذين يتقدمون من ناحية الملكية ويتراجعون من ناحية المكانة (مكانتهم كشيوخ) (16). 

هذه المرونة في مفهوم الطبقة وتطبيقاته وضعت بطاطو خارج نسق محاكاة النظريات الجاهزة محاكاةً تامةً، والتي يتعكّز عليها معدومو الذهنية الإبداعية أو المقدرة الموسوعية. لكن من الجانب الآخر يمكن القول إنه رغم كونه يتوفّر على إيجابية عدم الإسهاب في الاستطرادات النظرية على حساب التبحّر الوثائقي، فعمله يندرج ضمن ميدان “النماذج التفسيرية” وفق نظرياتٍ ليست جديدةً كلياً، بل هي نظرية معدَّلة (نظرية التحليل الطبقي)، على أحسن تقدير، وفق الحالة المدروسة (العراق الحديث). وهذا يخرِج بطاطو عن فئة الإبداع النظري، ذي الطابع الكوني، الذي يريد من دراسة حالة معينة أن تُستلهَم لدراسة حالات غيرها (17). 

من الناحية الأفقية هنالك ثلاث طبقات، واحدة “مالكة” لرأس المال، سواء كان عقارياً أو مالياً أو صناعياً، تؤجِّره للثانية لكي تستثمره من أجل الريع. وثانية تستأجر رأس المال المملوك للأولى، تسمى “منتجة”، من أجل نيل الربح. وثالثة “خدمية” تبيع معرفتها ومهاراتها إلى المؤسسات، من أجل الراتب. كل واحدة من هذه الطبقات تتوزع عمودياً، فالمالكة فيها العليا أصحاب الملكيات الكبيرة، مثل شيوخ القبائل الملاك؛ الوسطى ذوو الملكيات الصغيرة؛ دنيا محرومة من الملكية أصلاً. وهكذا الأمر مع المنتجة والخدمية. حاول بطاطو جرَّ المفهوم لمنطقة جديدة، هي الأرياف والبوادي (18)، بينما لو اعتمد على المعايير الكلاسيكية، فإن التحليل الطبقي لا محل له إلا بالمجتمع الصناعي/مجتمع المدينة، ولا معنى للقول بطبقة “الملاك الشيوخ” مثلاً. والبادية هي الأخرى ليست مجتمعاً خلواً من التراتب (19)، عكس ما تحاول تأكيده دراسات الأنثربولوجيا. هنالك في السلم الأعلى مربو الإبل، يأتي من بعدهم، ويخضع لسيطرتهم بالضرورة، مربو الماشية “الشاوية”، وأهل الحراثة، ومربو الجاموس “المعدان” (20). 

علاوة على ذلك، هنالك نوعان من الوعي، استاتيكي وديناميكي، فالأول يمثّل الطبقة في ذاتها، والثاني يمثل الطبقة لذاتها. والفرق بينهما أن الثاني يمثّل تطور الطبقة باتجاه العمل المشترك جماعياً، أي الوعي بالذات للتعبير عنها سياسياً. بخلاف الأول الذي مثاله طبقة الفلاحين الذين كانوا يشعرون بقساوة الحياة، لكنهم يحيلون الأمر إلى القضاء والقدر ولا يشعرون بالحاجة إلى التضامن ضد نقيضهم الطبقي (21). واعتماداً على هذا المبدأ يستنتج بطاطو بأن طبقة الملّاك عملت ضد بعضها خلال العشرينيات والثلاثينيات حيث ما زالت في طور (الطبقة بذاتها). بينما خلال الأربعينيات والخمسينيات ارتقت إلى مستوى الوعي الذاتي (الطبقة لذاتها)، فركنت تباينات الوجاهة بين فئاتها وتحالفت معاً بوصفها قوى مالكة فحسب (22). وهذا يفترض أمراً مهماً جداً، وهو أن الاهتزازاتِ العنيفةَ للمجتمع تكشف طبيعته وحقيقته القارة (23). فعلى السطح هنالك الظواهر اليومية التي تدرسها السياسة، لكن في العمق هنالك البنية المفسِّرة لهذه الظواهر السطحية (24). هذه الفرضية المنهجية كفيلة باعتبار بطاطو يتبنى المنهج البنيوي في دراسته التاريخ، فهي بنيوية روسية بلغة سيار الجميل (25)، أو بنيوية شرطية بلغة فالح عبد الجبار (26). 

يرى بطاطو أن هنالك ثلاث حركات ثورية بارزة، الشيوعية والبعثية والضباط الأحرار. هذه الحركات نشأت في خضم البنية الطبقية للمجتمع العراقي، فتلك الحركات الثورية رد فعل على اندثار الصناعات الحرفية التقليدية. جاء أغلب شيوعيي الأربعينيات والخمسينيات من منطقة باب الشيخ المعروفة بصناعة النسيج ببغداد. وفي فترة المد 1959 وأحداث 1963 جاء الدعم من (الشروكية) الذين هم طبقة عمّالية نازحة من شرق العمارة إلى بغداد. كما أن البعثيين والضباط الأحرار نزحت عوائلهم من مناطق الشمال الغربي التي تدهورت اقتصادياتها المعتمدة على صناعة العباءات والكلكات (27).  

حنا بطاطو في مراحل شبابه. مصدر الصورة: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. 

تجاذب العشيرة والدولة 

بسقوط عصر المملوكين عام 1831، ومجيء عصر الإصلاحات العثمانية، الذي مثّل آخر حقبة للإمبراطورية العثمانية، يرى بطاطو أن العراق أصبح عرضةً للسوق الرأسمالية العالمية والتي تعتمد على الصناعات الكبرى التي بدأت مع شق قناة السويس 1869، علاوة على الإجراءات العثمانية الإدارية، من قبيل دخول السفن لنهر دجلة، وتفعيل خطوط التلغراف والترانزيت. كل ذلك أثّر بالعراق أيما تأثير، حيث أخذت الصناعات الحرفية ذات الطابع المحلي والتقليدي تذوي شيئاً فشيئاً (28). حاول العثمانيون “عثمنة” القبائل، أي بسط السيطرة عليها، من خلال سياسة تمليك الأراضي لبعض الشيوخ دون آخرين، من أجل تفكيك الاتحادات القبلية التي يعتمد عليها المد البدوي المعروف بالترحّل والغزو (29). 

رغم أن هذه السياسة لصالح مركزية العثمانيين على الأمد القريب، فهي لصالح المدينة على الأمد البعيد، ما دامت البداوة تتسع وتضيق بحسب اتساع وضيق المدينة. فبعد انهيار نظام الري للمدن جراء الغزو المغولي بالقرن الثالث عشر، وتتالي الحروب في القرون التالية حتى منتصف القرن التاسع عشر، فإن البداوة شكّلتِ الأغلبيةَ المسيطرةَ. ومع استرجاع المدينة عافيتها على يد العثمانيين وتأثيرات السوق العالمية، فإن البداوة أخذت تضعف بوتيرةٍ سريعةٍ، وتحوّل معظمُ البدو إلى مزارعين (30). 

قبل سياسة العثمنة كان رجل العشيرة يشعر بالانتماء لقبيلته من تلقائه، لكونها توفِّر له المرعى المجاني (الديرة)، وكذلك الحمايةَ التي لا توفِّرها له المدينة، بظل الدولة العثمانية الضعيفة، بسبب ضعفها عن تأدية دورها العابر للمحلات، التي هي الأخرى لا ترقى لوعي التضامن المشترك بالمستوى المطلوب (الوعي الاستاتيكي) (31). لكن مع سياسة العثمنة تحوّل الشيوخُ إلى مستأجرين للأراضي، وأخذوا يفكِّرون بنفعيةٍ تجاه الفلاح فسلبوه حتى الديرة، مما سبّب نفوراً للأخير تجاههم، وكانت متاحة للفلاح فرصةُ التعامل مع السوق للتخلِّص من جشع الشيوخ (32). 

مجيء البريطانيين للعراق عام 1914، جعل عملية التطور الإيجابية تتباطأ، إذ دعم الاحتلالُ البريطاني الطبقاتِ القديمةَ، تحديداً الشيوخ الملّاك الكبار، وذلك نتيجة تفكيرٍ محافظٍ للمسؤولين (33)، في مكان آخر، يصفه بطاطو بالرومانسي (34). كان البريطانيون يرون أن الشيوخ هم الأنسب لإدارة الأرياف من البيروقراطية القديمة ذات الولاء العثماني، ومن البيروقراطية البريطانية التي قد تكون مستفزةً لو حكمتها مباشرةً، ومن بيروقراطية أبناء المدن المعارضين بطبيعة الحال للاحتلال البريطاني بسبب توفّرهم على تعليم يؤهّلهم لتفكير قومي عنيد. يرى بطاطو أن هذه “المناسبة” الإدارية انتهت إلى ضرورة سياسية (35). 

كان البريطانيون بعد ثورة العشرين أمام تحدي تقليص الدعم المالي للجيش المحتل بالعراق، دون مغادرته. والحل هو إيجاد طرف يوازن قوة الملك فيصل وحاشيته. فبرغم صداقة فيصل للبريطانيين الذين جاؤوا به، لكن له أجنداته الخاصة. ويكمن الحل في دعم طبقة الشيوخ الملاك، وجعلهم قوة تحيّد قوة فيصل (36). هذا الأمر جعل الشيوخ يفرضون سيطرتهم بالقوة على رجال عشائرهم، وذلك لكون الولاء ضعيفاً في نفوسهم ما دام الشيوخ مجرد مستغلين بنظرهم. من هنا نشأت “الحوشية”، فهي تفرض بالقوة ولاء كان عفوياً (37). وهذا أدى لإغلاق فرصة تخلّص رجال العشائر الفلاحين من سيطرة شيوخهم، فلم يعودوا متصلين بالسوق مباشرةً ليبيعوا منتجاتهم، بل أعيد تنصيب الشيخ عليهم وإحكام سيطرته، بإجراءات قانونية غير وطنية (قانون العشائر)، وتنفيذية كعدم السماح بالانتقال للمدن وما شاكل. فالعراق، إذن، مر بمرحلة شبه إقطاعية (نظام مشيخي) مع البريطانيين والحكم الملكي، وهي حالة انتقالية نحو مجتمع الطبقات الصناعي/ اللاإقطاعي الذي تحقق في العهد الجمهوري. فالتطور كان نحو الأمام، بنظر بطاطو، وبدخول عامل طارئ من الخارج جعله يسير عكسياً، أو لنقل بطيئاً. فلو خلي المجتمع العراقي لنفسه، منذ بداية القرن العشرين، لما تكبّد الفلاحُ تلك المعاناةَ الجسيمةَ، ولا امتلك الشيوخُ تلك الثرواتِ الطائلةَ، ولا نتجت عن هذا الاختلال تلك الهزات العنيفة. 

وبهذا يستنتج بطاطو، وبالأدلة الموثقة وتفاصيلها الدقيقة، أن الملَكية في حقبتي العشرينيات والثلاثينيات مثلت مبدأ موحِّداً للعراقيين قبال المبدأ التقسيمي لشيوخ العشائر (38). لكن السؤال المهم: لماذا برحيل البريطانيين تطور الحال لما هو أسوأ، حيث أصبحت الطبقة الحاكمة هي الأخرى تمثّل المبدأ التقسيمي؟! 

يرى بطاطو أن في الأربعينيات والخمسينيات اكتشفت الطبقة الحاكمة وطبقة الشيوخ الملّاك مصالحَهما المشتركة أمام الطبقة الوسطى الصاعدة، ذات النزعة القومية المعادية للاحتلال ولمن يتقوّى به (39). وجرى إهمال دور الجيش بسبب تمرداته بثلاثة انقلابات بين عامي 1936 و1941. وبالطبع، كان لهذا الإهمال نتائج قاسية بحق الملكية بنهاية المطاف. تقوّت الملكية بدعم القبائل بدل الجيش، وهذا بسط يد الشيوخ أكثر على الفلاحين. وبسبب أمّيتهم وجدب معرفتهم بالتقنيات الحديثة، وأصلهم البدوي ضعيف الارتباط بالأرض، فإن تأثيراتهم كانت كارثيةً بحق الزراعة والفلاحين والأرض (40). 

منعطفات الحزب الشيوعي 

هنالك عدة مراحل مفصلية للحزب الشيوعي، يمكن من خلالها التأريخ له. كانت أولى المراحل بمثابة الإرهاص، فدخلت الأفكار الشيوعية من خلال المناضل الأرمني أرسين كيدور، المرتبط بمنظمة الهنجاك، وقبله بيوتر فاسيلي منذ عام 1922 (41). وأول عراقي شيوعي هو حسين الرحال، الذي أسس أول حلقة ماركسية عام 1924، وعام 1927 أسست جمعية الأحرار المسماة بالحزب اللاديني. وحتى عام 1929، كان هذا الحزب متطرفاً في موقفه تجاه الدين، دون فهم لحساسية المجتمع العراقي كما يرى بطاطو. وقد اكتشف الشيوعيون ذلك نتيجة ردات الفعل القاسية آنذاك، فعدوا هذا التطرف مراهقة ينبغي مغادرتها فوراً. وبعد هذا التاريخ يصعب تقصي موقف واضح للشيوعيين تجاه الدين (42). 

أسس الحزب الشيوعي عام 1934 من قبل نصير فليح العائد من الاتحاد السوفييتي، فتكونت آنذاك ثلاث مجموعات، البصرة والناصرية وبغداد. كان طابع الجنوبيين العمل الكثيف، حيث توغلوا في الريف عميقاً، بينما طابع البغداديين التفكير والنقاشات المستفيضة في المقاهي (43). وببلوغ عام 1941 تمكن “فهد” الذي اسمه الولادي يوسف سلمان يوسف، من نيل سكرتارية الحزب الشيوعي. ألقى فهد بقبضته الحديدية على الحزب، وكان يعمل بوصفه مفكر الحزب (44). تغلغل الحزب بعهده إلى العمّال بالدرجة الأساس، فأسس نقاباتٍ للعمال وقام بإضرابات عديدة تخص عمال النفط والموانئ وسكك الحديد، كما وتغلغل في صفوف الطلاب، رغم عدم ثقة فهد بالطبقة المثقفة (45)، مع أنهم كانوا العامل الأكثر تأثيراً في توجيه وثبة 1948. ومن ثم تغلغلوا في صوف الفلاحين بدرجة أقل فقاموا بعدة ثورات زراعية. 

ناصر الحزبُ انقلابَ بكر صدقي 1936، وسرعان ما اكتشف انخداعه، حيث لم ينل من مناصرته الانقلاب شيئاً يذكر. ومع حدوث انقلاب 1941 وقف الحزب مع القوميين، لكن تراجع الحزب عن موقفه بسبب الخسارة السريعة التي مني بها، وتحالف الاتحاد السوفييتي مع البريطانيين ضد الألمان 1942_1945، حيث يتبنى الحزب مبدأ الأممية الشيوعية قبال الإمبريالية الغربية، لكن التحالف بنظره كان مؤقتاً اقتضته الظروف الموضوعية (46). نال الحزب في هذه الفترة الاستثنائية رفاهيةً نسبيةً في النشاط. وبحلول عام 1946 أعلى الحزب من شأن مفهوم الثورة. فبعد أن قيّد الثورة بالدين في المرحلة الجنينية الأولى، وبعد تقييده للثورة بالإصلاح الاجتماعي بين 1934_1946، أصبح الآن أوسع نطاقاً أكثر فأكثر، وذا جنبة سياسية، لكنه لا يزال بعيداً عن فكرة التمكّن من السلطة مباشرةً. كانت فكرة الثورة آنذاك مقيدةً بإحداث ضربات صغيرة متتالية بحق الحكومات لكنها مزعزعة ومشتتة، تقطع ثقة الناس بها (47). لم تكن وثبة 1948 من صناعة الحزب الشيوعي، لكنه استغلها جيداً ومالت معه بالنهاية. وهذا أثّر إيجاباً على سمعة الحزب في الجمهور، وسلباً عند الحكومة، حتى وصل الأمر لتمزيق الحزب بالقمع والملاحقة. أما انتفاضة 1952، فكانت بقيادة شيوعية واضحة (48). 

بعد إعدام فهد 1949، تمكن الكرد من قيادة الحزب، وقلّ بالمقابل الحضور السني فيها، نتيجة موقف الحزب السلبي تجاه القضية الفلسطينية 1948 (49) تماشياً مع موقف الاتحاد السوفييتي، الذي هو الآخر بُرِّر بالظروف الموضوعية. وحتى عام 1955 مرَّ الحزبُ بمراهقة ثورية، ونزعة يسارية لا مبرر لها بنظر بطاطو. فهذا يتماشى مع الميل اللاعروبي للكرد الميالين للانفصال أو الحكم الذاتي. 

وبصعود قيادات جديدة من نوع حسين الرضي، المدعو حركياً بـ”سلام عادل”، وعبد الجبار عبد الله، وجمال الحيدري قلّ الوجود الكردي، ورجع الوجود السني لمستواه السابق، مع بقاء الأغلبية الشيعية في الفترتين، السابقة واللاحقة. مع صفقة الأسلحة السوفييتية – المصرية رداً على تحالف حلف بغداد، ومع تأميم قناة السويس، وانتفاضة النجف والعدوان الثلاثي على مصر 1956، صعد منسوب القومية الشيوعية أكثر من ذي قبل (50). وحاول الحزب إنشاء تحالف مشترك مع الأحزاب المعارضة اعتماداً على مبدأ البرجوازية الوطنية، لا الديمقراطية العمالية ذات التركيز الطبقي المشدد. 

الضباط الأحرار 

واجه بطاطو صعوبةً في اعتماد رواية دقيقة عن حركة الضباط الأحرار، بسبب ملابسات عديدة، منها أن رواية عبد السلام عارف تجر النار لقرص صاحبها، وأن الرواية المخالفة لرفعت الحاج سري، أثناء محاكمته، تبدو أقرب لاحتمالية حماية الحركة بالتقية من احتمالية كشف الحقيقة التامة (51). ومع ذلك، وجد بطاطو طريقه نحو هذه الحركة. يرى أن الحركة اعتمدت اختراق صفوف الضباط، بخلاف الحزب الشيوعي الذي اعتمد اختراق صفوف الجنود ونواب الضباط بوصفهم أقرب للطبقة العاملة منهم للطبقة البرجوازية. كانت مناسبة إنشاء هذه الحركة حدث ثورة مصر الناصرية 1952، وبقيت تعمل سرياً وبشكلٍ ضعيفٍ، ومع تراكم الأحداث المفصلية وصولاً للعدوان الثلاثي على مصر 1956، فكرتِ الحركةُ بمحاولة الانقلاب على الملكية وتأسيس الجمهورية (52)، أي أنها كانت مدفوعةً بدافع قومي عروبي. أُسِّس الحزب على يدي رفعت الحاج سري ورجب عبد المجيد (53). بقيت الحركة تمثِّل أقليةً، حيث عشية ثورة 1958 بلغ عددهم 200 ضابط فحسب، لكنها رغم ذلك كانت حاسمةً. النزعة القومية لهذه الحركة تعني أنها استمرار تاريخي للتمردات والانقلابات السابقة، وكذلك ثمة تشابه في الميولات الإسلامية الشكلية من الناحية النفسية لقاداتها (54). يختلف الضباط الأحرار عن الشريفيين السابقين (أبرزهم نوري السعيد)، بكون الأخيرين رغم قوميتهم متصالحين مع الدعم البريطاني، وذلك بسبب كونهم قد أصبحوا ملّاكاً لهم مصالح في بقاء النظام الملكي مدعوماً بالبريطانيين، وهذا الأمر جعلهم ينظرون بعين السوء لانقلابات الجيش وتمردات المدن، فسلكوا مسلك إبعاد الجيش عن الامتيازات، والقوميين عن التمثيل السياسي. 

انتمى عبد الكريم قاسم لحركة الضباط الأحرار، ومن بعده عبد السلام عارف. لم يلتزم قاسم التزاماً تامّاً بمبادئ الحركة، فأنشأ ارتباطاتٍ مع أحزاب أخرى بصفةٍ شخصيةٍ دون الرجوع لقادة الحركة، وعلى وجه الخصوص الحزب الشيوعي (55). كما أنه قطع علاقته مؤقتاً بالحركة من أجل الحماية الذاتية، ولا يستبعد بطاطو كونه وشى برفعت الحاج سري لدى السلطات من أجل إبعاد الشبهة عن نفسه ونيل ثقة الجهاز الحاكم (56). أصبح قاسم زعيم الحركة منذ العام 1957 وعبد السلام عارف نائباً له. وكانا يستعجلان الثورة، بحيث عملا معاً بشكلٍ منفصلٍ عن بقية القادة والأعضاء، وهو الأمر الذي كان له دور بالغ الأهمية في تشتيت الحركة وإضعاف حكومة قاسم في ما بعد (57). 

كان قاسم منحدراً من موقع طبقي وسطي، الأمر الذي جعله يسلك مسلكاً وسطياً في السياسة. فكان يصف نفسه أنه فوق الانتماءات، مما أدى لأن يتبع سياسة “فرِّقْ تسدْ” بين الشيوعيين أكبر الداعمين له وبين والبعثيين المعارضين له. الحزب الذي كان يمثّل قاسم إيديولوجياً هو الحزب الوطني الديمقراطي، لكن قاعدته الشعبية ضعيفة جداً، أما الجيش فتوجهه الغالب، قومي عروبي يميل لعبد الناصر، وليس قومياً عراقوياً/وطنياً. فكان لا بد له من الاعتياش على تضارب الشيوعيين والبعثيين، مع بعض الاستثناءات التي تجعله يميل ميلاً كبيراً لصالح الشيوعيين، وذلك من أجل الموازنة قبال البعثيين (58).  

مر الحزب الشيوعي بـ”فترة المد” بين ثورة 8 آذار 1959 بالموصل، وثورة كركوك 14_15 تموز للعام نفسه (59). بعدها عاش الحزب “فترة الجزر” بسبب الثورة الأخيرة، حيث ألقيت المسؤولية على عاتق الحزب مع أن أعضاء الحزب الكرد تصرفوا كأكراد ضد التركمان، ولم يستشيروا رأي القيادة في ما فعلوا (60). رجع الحزب لعافيته “فترة الشفاء” مع حدث محاولة اغتيال قاسم في 7 تشرين الأول 1959 من قبل البعثيين (61). وبعد أن بطش قاسم بالبعثيين متخيلاً استحالة عودتهم، رجع إلى الحزب الشيوعي، فبطش بهم لكن بطريقة هادئة خلاف البعثيين، وذلك ابتداء من مايو 1962 (62). ورغم ما فعله قاسم بحق الشيوعيين من قمع وملاحقة، فهم بقوا داعمين له حتى الرمق الأخير لدرجة أن نزلوا للشوارع يحاربون قوى البعث في انقلاب 1963، لكن حتى تلك اللحظة لم يسمح قاسم بتزويدهم بالأسلحة المطلوبة (63). 

يرى بطاطو أن حدث 14 تموز 1958 ثورة وليس مجرد انقلاب، وذلك عبر الرجوع تاريخياً إلى الوراء، ووصل الحدث بالتمردات التي سبقتها، فهي استمرار لها. وكذلك عبر التقدم للأمام، والنظر إلى نتائج هذا الحدث، حيث هي من الضخامة بما لا يدع مجالاً للشك بأنها أقصت عالماً قديماً كان يسير نحو نهايته (64)، فالحكومة الملكية لم تنبع من داخل العراقيين، بل كانت طارئة ومفروضة بقوة البريطانيين الذين هم بدورهم أقصوا عن التأثير بالمنطقة بفعل الثورة ذاتها. وعلاوة على النظام الملكي وداعمه الخارجي البريطاني، فلقد أقصت الثورة طبقة الشيوخ الملاك الكبار بصفتهم الداعم الداخلي. فابتدأت هذه الثورة عهد الطبقات الوسطى المقصية سابقاً، رغم أن حكومات ما بعد 14 تموز لم تعمل بشكل مقصود على خدمة هذه الطبقات، بل كان الأمر تلقائياً نتيجة الواقع التاريخي! (65) 

البعثيون ونظام البعث الأول 

نشأ حزب البعث عبر حلقات في مدينة الإسكندرونة السورية بعد كارثة ضمها لتركيا بموافقة فرنسية 1939 (66). كانت تدور حول زكي الأرسوزي الذي هو من الطائفة العلوية. لاحقاً التحق بحزب البعث اثنان من أهم منظريه هما ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار. في عام 1947 نظم الحزب مؤتمره الأول. ودخل للعراق عام 1949، بقيادة فايز إسماعيل وعبد الرحمن الضامن، وقد اخترق الحزب صفوف الطلاب في الجامعات. بعام 1941 ذهبت القيادة لفؤاد الركابي، مهندس من الناصرية (67). 

تتمحور إيديولوجية الحزب الفكرية حول ثلاثة مفاهيم رئيسة “الوحدة، الحرية، الاشتراكية”. يرى منظرو الحزب أن حقيقة العرب المطلقة لا تكمن في العرق، ولا الدين، بل في الروح (68). وعلى هذا الأساس ينبغي طرد الاختلافات الضمنية لصالح هذه الحقيقة الموحِّدة، وكذلك على أساسها يأتي الدور للمفهوم الآخر وهو الحرية. ويقصد بالحرية الاستقلال من الخضوع للخارج المختلف في حقيقته/روحه عن الأنا. ولهذا السبب، فإن القومية بنظرهم ليست مستوردة من الخارج. أما الاشتراكية فهي القاسم المشترك بينهم وبين الحزب الشيوعي، لكن منظورهم لها مختلف. يرى عفلق أن البعث هو الاشتراكية العلمية زائد الروح العربية (69). يرى بطاطو أن المنحى الفكري للحزب فيه أمشاج غير متناسقة من تيارات غربية، واعتمد خطابهم على النزعة الرومانسية لجذب الناس بدل الانتظام المنطقي المفقود (70). 

بلغ البعث ذروة الظهور بعد نكبة فلسطين 1948، فسعى للاستقلال السياسي وتقسيم الثروة. يعتقد بطاطو أن الإيديولوجيا العملية تركزت على مفهوم الثورة، لكن الثورة بمعنى الانقلاب، وليس بمعنى التغيير الاجتماعي الذي يعنيه الشيوعيون غالباً (71). 

بعد الخلاف الشديد بين عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم، ومن ثم الضربة القاضية لعموم البعثيين، أعاد البعثيون لمَّ شتاتهم في دمشق 1962، وكوّنوا “لجنة الإنذار” التي ستدعى لاحقاً بالحرس القومي، وذلك بقيادة علي صالح السعدي (72). لم يكن عارف بعثياً، لكنه رُفِع رئيساً للجمهورية برضا البعثيين بسبب شهرته (73) وذلك للفترة 8 شباط 1963 – 18 تشرين الثاني 1963، حيث كانت هذه الفترة تمثل الحكم البعثي الأول. اكتسب عارف مهارة في التكيّف مع ظروف الساعة أفضل من ذي قبل، فلقد كان أيام قاسم ضد البرجوازية الوطنية، لدرجة لم يتفق معه بذلك ليس قاسم وحده، بل عموم الشيوعيين، لكون ذلك لا يتناسب مع ظروف المرحلة، وأنه وسيلة مجانية تحقق مصالح الاستعمار. لذلك امتلك قاسم فن تحطيم عارف بيديه، فبعد كل خطاب كان يلقيه تقل قاعدته بين الضباط، وتنفر منه البرجوازية الوطنية (74). 

يعتقد بطاطو أن الشعارات التي سهلت مهمتهم ضد قاسم، تسببت بسقوطهم، وذلك لأنهم اكتشفوا لاحقاً بأن لا شيء يجمعهم سوى الوقوف ضد قاسم (75)، فهم من اتجاهات شتى ولم يمتلكوا برنامجاً مدروساً للحكم (76). كان الكثير من البعثيين ضعيفي الارتباط بالحزب من الناحية الفكرية، وهذا أدى لوضع جل ثقلهم في القوة الجسدية، تحديداً ميليشيا الحرس القومي (77)، مقابل حقيقة أنهم قليلو العدد في صفوف ضباط الجيش النظامي، مما سهّل للعناصر المدنية نيل أغلب مناصب القيادة (78).  

أدى ضعف الرابطة الإيديولوجية للتحلق حول الأشخاص والمصالح الضيقة، كما، وأدى اتساع عدد عناصر الحرس القومي وزيادة صلاحيات السعدي والونداوي إلى حصول ازدواجية في القيادة العسكرية تسببت بالضرر للجيش والحزب نفسه من ناحية الانشقاق الداخلي أو النفور الشعبي نتيجة القمع المفرط (79). استغل عبد السلام عارف ذلك لصالحه، فأسقط الحكم البعثي وبدأ مرحلة جديدة، هي مرحلة حكم الأخوين عارف على التوالي. 

كتب حنا بطاطو عن العراق. 

عارف الذي تعلم من أخطائه 

يرى بطاطو أن حكم عبد السلام مر بثلاث مراحل، الأولى امتدت من تشرين الثاني 1963 إلى شباط 1964، حيث سميت بفترة ائتلاف أتباع عارف العسكريين والناصريين العسكريين والبعثيين العسكريين (80). كان الناصريون يريدون الاتحاد مباشرة مع عبد الناصر، لكن عارف أصبح متردداً بذلك، تأثراً بنفس تردد عبد الناصر بعد تجربته المريرة في الاتحاد مع سورية (81). كان عبد الناصر يستبعد الاتحاد الدستوري مع العراق بسبب البعد الجغرافي، وبسبب استناد نظام عارف على ما يعرف بـ “أقلية الأقلية”، حيث تسيطر على الحكم أقلية عربية سنية مهاجرة من الشمال الغربي، لا تشكل سوى خمس السكان (82). وكان عارف، أيضاً، ملتصقاً بجوانب الإسلام المرئية، فلقد منع الإفطار العلني وحظر المشروبات الكحولية في الحفلات الرسمية، وأجبر أعضاء مجلس قيادة الثورة على القسم باليمين قبل تسنمهم مناصبهم. وما أبعد الناصريين عن عارف أيضاً هو اقترابهم من الحركيين أو حركة القوميين العرب (83). كان البعثيون هم الأقل امتيازاً في هذا الائتلاف، بسبب تطهير العناصر المدنية للحزب، والقمع المفرط الذي كلفهم خسارة شعبيتهم أيام حكمهم الأول (84). 

والفترة الثانية وقع فيها عارف اتفاقية الاتحاد مع مصر في 26 أيار 1964، وألحقها باتفاقية أخرى في 16 تشرين الأول للعام نفسه. وحاول البعثيون الانقلاب في 4 أيار لكنه باء بالفشل، وكذلك الأمر مع الحركيين، المدعومين من الناصريين، الذين قادوا محاولة انقلاب فاشلة في 15 أيار 1965 (85). 

أما الثالثة، فأصبح فيها عارف والضباط من عشيرته (الجميلة) هم الحكام المطلقون في الدولة (86). وبدأت سياسة ذات ملامح جديدة نسبياً لكنها لم تكتمل بسبب التحطم المفاجئ لطائرة عارف في مدينة القرنة جنوب العراق في 13 نيسان 1966. 

خط حزيرانآب 1964 

كان موقف الحزب الشيوعي في البداية يسارياً تجاه حكومة عارف، لكن حدثت أمور غيّرت الموقفَ نحو اليمين بالتدريج، مثل انفجار الحركة الكردية؛ تعميق الروابط بين موسكو والقاهرة، تحسين العلاقات العراقية السوفييتية واستئناف تجهيز الأسلحة الروسية للعراق المنقطعة بسبب الاضطهاد البعثي للشيوعيين؛ اتجاه الحكومة العراقية نحو عبد الناصر والذي بلغ ذروته مع إجراءات التأميم (87). كل ذلك توّج الجهود بإطلاق ما يسمى بخط آب لعام 1964 (88). كان جوهر هذا الخط هو التصالح مع نظام عارف نتيجة تصالحه مع الناصرية، هذا من الناحية العملية. أما الجوهر الفكري لهذا الخط فهو ظاهرة التطور اللارأسمالي، أي تطور أنظمة الحكم باتجاه تحطيم رأس المال. فإن كان الشيوعيون سابقاً يشترطون تحقق الوحدة العربية بالديمقراطية السياسية، فإنهم الآن يشترطون الديمقراطية السياسية بتحقق الوحدة القومية (89). 

وعلى هذا الأساس حصل انشقاق داخلي، وإن بنطاق محدود، داخل الحزب الشيوعي، بين يمين ويسار. وباستئناف الحرب الكردية نيسان 1965، والانخداع بعبد السلام عارف والناصريين، انجرف الحزب برمته نحو اليسار وتبنى شعار “الكفاح العنيف” من ناحية الجماهير (90). كما ورفع الحزب في تشرين الأول 1965 قضية الاستيلاء على السلطة من ناحية الحزب نفسه (91). 

حكومة البدل الضايع 

في 16 نيسان 1966، اختير عبد الرحمن عارف، شقيق عبد السلام عارف، رئيساً للجمهورية. والعوامل التي أدت إلى اختياره عديدة؛ كونه ضابطاً، وكذلك شقيقاً لعبد السلام؛ القاهرة بجانبه؛ أعضاء المجلس العسكري كانوا مرشحين لمناصبهم من قبل شقيقه؛ المواقع الحساسة بالسلطة كانت بيد قريبه سعيد صليبي؛ كان أقل طموحاً وأقل خطراً من بين المرشحين الثلاثة (92). 

أما سمات نظام عبد الرحمن، فهو استمرار لنظام شقيقه؛ يكمن ثقله في الحرس الجمهوري، الذي سماه بهذا الاسم شقيقه الراحل، بعد إن كان اسمه أيام نظام البعث الأول الحرس القومي؛ سياسته الموازنة بين القوى العسكرية المتنافسة؛ استمرار كون أبناء عشيرته “الجميلات” العمودَ الفقري للحرس الجمهوري (93). 

ويكمن الفرق بين الأخوين بعدة نقاط؛ عبد الرحمن أكثر بساطة وتودداً؛ ليس لديه غريزة سياسية؛ يفتقر للطاقة والبراعة التي لشقيقه الراحل؛ لم يكن صاحب معرفة بالأمور كشقيقه؛ لم يكن حساساً بالتذبذب الطفيف في حياة الضباط؛ لم يكن مناوراً بارعاً بين الفئات المتنافسة. 

يمكن القول، إن المنصب أتاه ولم يذهب إليه، ولقد شاع عنه في أوساط العراقيين تسمية حكومته بـ”حكومة البدل الضايع”، وأطلق المعادون على حكومته بحكومة “العفترة”، إذ تجمع هذه الكلمة الحرف الأول من مناطق محددة (ع: عنة، ف: فلوجة، ت: تكريت، ر: راوة، ه: هيت)، وهي المناطق التي ينتمي إليها المتحكمون بالسلطة، مناطق الشمال الغربي من العراق، التي تأثرت سابقاً بعوائق الحدود العراقية السورية من جهة الموصل، وما نتج عنه من تدمير الاقتصاديات المحلية، فنزح الكثير نحو بغداد ونشأوا ضباطاً وقوميين كانت لهم السيطرة على الحكومات منذ إسقاط نظام قاسم (94). 

كانت الحكومة ألعوبةً بيد الضباط، وكان هنالك صراع فئات دون قضايا إيديولوجية صلبة، وأيام الحكومة الأخيرة كانت مليئة بشائعات الفساد الإداري. والذي قلل من حظوظ بقائها بشكل قياسي هو مشاركة العراق المحدودة بحرب 1967 ضد إسرائيل (95)، مما أعطى المبادرة مرةً أخرى لحزب البعث بامتلاك السلطة للمرة الثانية والأخيرة. 

حكومة البعث الثانية 

استعاد حزبُ البعث السلطةَ للمرة الثانية عبر انقلابين متتالين، الأول في 17 تموز 1968، والثاني في 30 تموز للعام نفسه. فإن كان الثاني بعثياً خالصاً بقيادة أحمد حسن البكر، فإن الأول قام به ضباط القصر أو الثوريون العرب (96). ويبدو أن مبادرة البكر أشبه ما يعرف بالأدبيات السياسية بالثورة المضادة التي تقطف ثمرات ما يفعله الآخرون، حيث تمكَّن البعثُ من تسنّم السلطة هذه المرة عبر الاستراتيجية لا القوة (97). كان أحمد حسن البكر رئيساً للوزراء أيام الحكم الأول، وأصبح رئيساً للجمهورية في الحكم الثاني. وهو إجمالاً يختلف عن شخصه السابق، فلقد أصبح أكثر حكمةً بنظر بطاطو (98). وكذلك يختلف بعث 1968 عن بعث 1963 من عدة جوانب؛ التزامه ببناء المجتمع الاشتراكي العربي الموحد؛ ينظر لنفسه كعنصر طليعي أو حزب قائد؛ أصبح انتقائياً في هويته. لقد فقد الشيعة وزنهم نسبياً في البعث الجديد، بسبب تأييدهم لعلي صالح السعدي الذي شكّل جماعة خاصة به “لجنة القطر العراقي”، وبسبب الممارسات التمييزية للشرطة التي يسيطر عليها البعثيون النازحون من مناطق سنية شمال غربي العراق. وهو ما يرجح سبب ضعف الوزن العددي للشيعة، لا السياسة المقصودة التي اتبعها النظام، كما يشاع (99). 

أصبح حزب البعث أكثر تجانساً بسبب الانتقائية، لكنه أقل تمثيلاً (100)، وتلك مشكلته المعضِلة. والبكر ليس مجرد حاكم صوري كما يشاع، ولا صدام حسين كعلي صالح السعدي، فلقد سيطر البكر على الجيش، وصدام على الحزب، وكانت للبكر قدرة المعتدل السياسي لا صانع السياسة، حيث يميل لتفادي الصراعات داخل الحزب (101). ومما ميّز حكومته الزيادةُ النسبية في تأثير الضباط التكارتة مقارنة بـ1963. كان هذا الطابع السني التكريتي للبعث، مضافاً للاعتماد المطلق على الجيش، قد ترك أثره على طبيعة النظام الحاكم. ويبدو، بحسب بطاطو، أن التكارتة حكموا من خلال البعث وليس العكس. وهو بذلك يستند إلى أساس اجتماعي ضعيف، فالتكارتة يحتلون مكانةً لا تتناسب مع أهميتهم العددية (102). 

يعتقد بطاطو أن إدراك البعثيين ضعف مركزهم وقاعدتهم، جعلهم يتخذون إجراءاتٍ عديدةً لتقوية أنفسهم، مثل تبعيث الجيش بالغربلات المدروسة؛ إدخال أعضاء عاملين وأنصار إلى الحزب؛ تقليص المسافة بين البعثيين وبين جماهير الشعب من قبيل الاعتراف بحقوق الكرد؛ حظر طرد الفلاحين؛ تقليص الملكيات بالحد الأعلى؛ إدخال التأمين الصحي؛ إدخال برامج لرفع المستوى الثقافي والمهني للريف؛ رفع الحد الأدنى للأجر اليومي للعمال غير المهرة.. وغيرها (103). أما الجرأة بخصوص الموقف تجاه فلسطين، فكانت كلاميةً أكثر منها فعلية، رغم أن البعث جاء على أنقاض نظام سابق فشل في المشاركة الجادة بحرب 1967. فقد أبدى النظام البعثي جرأةً أكثر مما يتناسب مع مصلحتهم، حيث لم يفوا بوعدهم للفدائيين في الأردن، وهذا الأمر كلفهم خسارة مكانتهم، وأحدث صدعاً بينهم وبين القيادة القومية بقيادة ميشيل عفلق، وجعل الجناح المدني يقترب من عبد الخالق السامرائي أكثر من صدام حسين (104). 

شيوعيو جماعة اللفيف 

تعرّض الحزبُ الشيوعي لعدة انشقاقات داخلية خطيرة، أولها “المؤتمريون” الذين عارضوا فهد في 1943، إذ دعوا لعقد مؤتمر للحزب يعيد بناءه بشكل مغاير (105)، لكن فهد حاول تفكيكهم بمساعدة ظروف القمع الحكومية. أنشأ فهد في 1946 حزباً احتياطياً (حزب التحرّر الوطني) (106) لمقارعة نفوذ خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري، والأخير اتخذ من عزيز شريف مظلة له بالعراق عبر ما يسمى بـ”حزب الشعب” الذي تلاشى بالنهاية. وفي عهد عبد الكريم قاسم طالب الشيوعيون بالحريات الديمقراطية، تحديداً المشاركة بالسلطة، وسرعان ما تراجعوا عن مطالبته بسبب الظروف (107). لم يلبِّ قاسم طلبهم بأي وقت، لكنه عندما وعد بداية العام 1960 بفتح الحريات السياسية عبر قانون الجمعيات، خلال مدة ستة أشهر، لم يعط الإجازة إلا لحزب جديد له الاسم والبرامج نفسها بقيادة عزيز شريف مرة أخرى (108). فكان ذلك وسيلة سياسية لتركيع الحزب الأساسي عبر تقييد الاعتراف به بشروط، لكنه لم يستجب (109). وحتى حزب عزيز شريف ذهب أدراج الرياح في ما بعد، مما يكشف نوايا حكومة قاسم المقصودة بزعزعة الحزب من الأساس. 

في عام 1964 ظهرت جماعة معارضة في براغ، في ظروف المنفى القسري الذي تعرض له كادر الحزب بشكل عام، استمرت هذه الجماعة في المعارضة اليسارية رغم ميلان قيادة الحزب بالداخل نحو حكومة عبد السلام ضمن ما يسمى بخط آب. سمت هذه الجماعة نفسها باللفيف، لأن البيان الثوري كان معنوناً بـ”لفيف من الشيوعيين”. ميولات هؤلاء كانت باتجاه الثورية الصينية، خلاف المهادنة السوفييتية التقليدية (110). وفي عام 1967 انفجرت الخلافات الداخلية لمستوى علني ورسمي ظاهر، فتطور الأمر نحو تأسيس حزب جديد “الحزب الشيوعي – القيادة المركزية”، بقيادة عزيز الحاج، خلافاً للحزب التقليدي المسمى بـ”الحزب الشيوعي – اللجنة المركزية”، الذي حاولت حكومة البعث الثانية عقد حوار معه وأبدت حسن نيتها عبر إطلاق سراح السجناء السياسيين في أيلول 1968؛ رد اعتبار جميع الموظفين المدنيين المطرودين سياسياً؛ السماح للمنفيين الشيوعيين بالعودة للوطن (111). لكن اللجنة المركزية لم تبدِ اهتماماً يذكر، واعتبرت الأمر مجردَ شكليات لا جدوى لها. كما أن حكومة البعث لاحقت يساريي القيادة المركزية وألقت القبض على كثير منهم في 1969، وأجبرت عزيز الحاج تحت ظروف التعذيب على الانهيار والاعتراف عبر التلفاز بالتراجع عن النشاطات الفدائية (112). كما تعرضت اللجنة المركزية لبعض القمع بعد اتفاق البعث مع مصطفى بارزاني في آذار 1970 (113). 

أما في خريف العام 1971، فقد اضطرت الحكومة البعثية لفتح المشاركة للحزب الشيوعي، والاقتراب من الاتحاد السوفييتي، وذلك لعدة أسباب: توتر القطاع الكردي، وقلاقل شاه إيران المدعوم من أمريكا، إذ استولى على جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى بتشرين الثاني (114). وهنا استجابت اللجنة المركزية، واعتبرت المعاهدة العراقية – السوفييتية إنجازاً عظيماً، فوقّع القادة على الميثاق الوطني، ودخل الشيوعيون للحكومة لأول مرة في 14 أيار 1972 (115). 

يثمِّن بطاطو بوضوح مجهودات الحزب الشيوعي بما يسميه التزامه بـ”الطريق الوطني السياسي المتطوّر”! رغم عدم نفيه لانهيار المصالحة في 1975. وهو يراهن دائماً على المسلك اليميني للحزب، عدا مرة واحدة اعتبر فيها الخط اليساري لجماعة اللفيف ذا رؤية واضحة، وذلك بسبب الارتباط بالبيئة العربية (116). فهنا يبدو واضحاً تماماً، ميولات بطاطو للقومية العربية، وهو لهذا السبب اعتبر توازن عبد السلام عارف بسبب محاولاته للارتباط بالعمق العربي. ولقد أدان بقوة ما سماها بالمراهقة الثورية للحزب أيام قيادة الأكراد له 1949- 1955، وبالتطرّف ضد الدين ببدايات الحزب 1927_1929، حيث يعتقد، كما يعتقد لينين، بأن محاربة الدين بشكل مجرد ليس لها قيمة، بل الدين له حاضنة اجتماعية ينبغي استهدافها، لا استهداف الدين مباشرة، وهذا يعني أن الدين قابل للاستغلال باتجاه الأهداف الشيوعية، بدل معاداته بكل الأحوال وجعله أداةً بيد العدو (117). 

الظاهرة الشيعية 

كتب بطاطو عن الظاهرة الشيعية بوقت لاحق، بعد كتابته كتابه “الطبقات” الصادر عام 1978. فالظاهرة لم تكن بذلك الوضوح والاتساع والتأثير قبل عام 1979، أيام الثورة الإسلامية في إيران. ويبدو أن هذه الظاهرة تثير أسئلة مقلقة لطمأنينة بطاطو، ولذلك سيحاول في كتاباته المتأخرة تطويعها للنهج نفسه، دون أن يفلح حسبما يعتقد حيدر سعيد (118). يعتقد بطاطو أن غالبية الشيعة كانوا من البدو الرحالة، وتعرضوا لواقعة سياسة العثمنة التي جعلت منهم سكاناً ريفيين، فأصبحوا شيعة جدداً. ومعروف عن البدو عدم تعمقهم بالدين، وعدم حماسهم، كما معروف عنهم تساهلهم، حيث القسم بالعباس كان أهم نسبياً من الالتزام بالصلاة مثلاً. كانت المواريث الشيعية الحزينة وطقوسها قد وفرت لهم عزاء لكونها تتطابق مع نفسياتهم وظروفهم السيئة (119). 

أما شيعة المدن، فقد كانوا نسبياً أفضل حالاً، لكن تشيعهم ما زال من النوع الساكن سياسياً، ولم يشعروا بالحاجة للتعبير عن هويتهم سياسياً (120). وعاش شيعة الأرياف، أيام العهد الملكي، بشكل منعزل عن المدينة، بفعل قانون العشائر المغاير لقانون المدينة، حيث كان البريطانيون يبتغون عزلة الريف عن المدينة، من أجل إضعاف المدينة باعتبارها مسكن المعارضة المقلق للبريطانيين. أما المدن المقدسة، كالنجف وكربلاء، فهي لطالما عاشت في حالة تشبه الحكم الذاتي، وفي الوقت ذاته كانت المعايير القبلية لها السيادة في أعماق الشيعة رغم قربهم من أجواء رجال الدين وعلمائه (121). وواضح أن أغلب شيعة المدن قد انتموا للحزب للشيوعي، دون التخلي عن تشيّعهم. وهذا من شأنه أن يحيّد وعيهم التقليدي تجاه مذهبهم (122). وحتى منتصف الستينيات كان أمر علماء الدين ذاهباً نحو التلاشي، اعتماداً على مبدأ التقدم الحتمي عند بطاطو، والذي لا يوافقه عليه فالح عبد الجبار. يعتقد عبد الجبار أن التاريخ دائري، وليس تقدمياً، ولقد استعادت الهويات الطائفية ذات المكانة التقليدية، لا الملكية الطبقية، نفسها بثوب جديد (123). أما بطاطو فيعتقد أن اللجوء للهوية الطائفية ليس استعادة تحديثية للقديم في تحديات الظرف الجديد، بل يرى أن هذا اللجوء جاء نتيجة انهيار الحزب الشيوعي المتدرج، لكونه يحتوي غالبية الشيعة، وذلك نتيجة الجرح العميق الذي أصابهم عام 1963؛ نهج المساومة الذي سار عليه الحزب بين 1973 و1977؛ هجرة آلاف الشيوعيين للمنفى؛ إقصاء العدد الأكبر من الشيعة من كوادر حزب البعث أيام حكم البعث الثاني. لقد تُرِك المحرومون، عامة الشيعة، بدون وسائل منظمة للاحتجاج، الأمر الذي ولّد فراغاً في مجال العمل السري ملأه حزب الدعوة والمجاهدون (124). 

لا يعتقد بطاطو أن الطائفية الشيعية، على مستوى علماء الشيعة، إسلاماً سلفياً أعيد إحياؤه، بل هي رد فعل على الإحساس بأن العقيدة تتقهقر بظل مناخ التشكيك والاستهزاء بالشعائر الدينية حتى من قبل الشيعة أنفسهم؛ تحطم احتكار علماء الدين لصياغة المعرفة من خلال دخول المدارس الغربية الحديثة؛ التوغل العميق للشيوعية، في الثلاثينيات والأربعينيات، في النجف وكربلاء والذي حذر غريزة العلماء المحافظين؛ السنية المعلنة لنظام عارف 1963_1966 وعلمانية حكم البعث الثاني منذ 1968، مما حفّز الشيعة على العمل. (125) 

اتبع صدام حسين تكتيكين بنظر بطاطو: الترغيب والترهيب. فلقد رفع من شأن جماعة شيعية ضد أخرى. وصدام ينطلق في تفكيره من منطلقات عروبية أكثر منها طائفية، فهو يشعر بالضحالة النسبية لقاعدته المحلية والقمعية لحكومته، مما دفعه للاعتماد على أقربائه وقبيلته وأصحابه أيام العمل السري (126). لكن بعيداً عن القمع، يقول بطاطو، هنالك عوامل أخرى من طبيعة داخلية ساهمت في انحطاط التنظيمات السرية الشيعية؛ عدم قدرتها على نصب جسور مع العناصر الأخرى للمعارضة، عدا الاتحاد الوطني بقيادة بارزاني؛ الانقسام الذي ميّز الجماعاتِ الشيعيةَ قبل عام 1982 (127). ويرى بطاطو أنه حتى بظل الحرب العراقية_ الإيرانية تبدو الروابط القومية أقوى، والطائفية أضعف مما يجري تصوّرها. وفي الأخير، يعتقد بطاطو أن الطائفية الشيعية مرهون مصيرها بمصير الحكم الثيوقراطي في إيران (128). بمعنى أنه يعتقد أن العامل الخارجي وحده المحفِّز على الاستمرارية بشكل رئيسي، وإلا فإن نصيبها التلاشي لو تركت لمقوماتها الداخلية الصرفة! 

بوفاته عام 2000، أسدل الستار على واحدٍ من أرقى العقول الاجتماعية، وكانت ورشته البحثية عن العراق لم تغلق بعد، وشهيته بتقصي الوثائق عنه ما زالت مفتوحةً.