"الاجتثاث".. سيرة الاستبداد والإلغاء في العراق المعاصر 

مروان الجبوري

04 حزيران 2024

تاريخ الاجتثاث السياسيّ في العراق طويل ودمويّ.. كيف هبطت "ثقافة التوحّش" من قمة السلطة وانتشرت بين أفراد المجتمع؟ وهل بات التلويح بالـ"DNA" أحد تمظهرات اجتثاث المخالف، عبر محاولات وصمه بـ"ابن الزنا"؟

في السادس والعشرين من تشرين الثاني عام 1831 كانت بغداد على موعد مع مذبحة جديدة، قدّر لها أن تكون نقطة تحوّل بين زمنين؛ بعدما أفلت شمسُ سلطة المماليك، وداهم الطاعون والفيضان أزقة المدينة ليحصد أرواحَ نحو 100 ألف نسمة من سكانها. 

سقطت بغداد على يد والي حلب العثماني علي رضا باشا اللاز ومعاونه والي الموصل قاسم باشا العمري، وانتهى حكم آخر حكام المماليك داود باشا، واجتاح المنتصرون شوارع المدينة باحثين عن “أزلام النظام السابق”؛ بعد أن أعلنوا الأمان لقادتهم. 

ثم دُعي قادة داود باشا مع جمع من أعيان بغداد وعلمائها إلى القشلة؛ من أجل الاستماع لقراءة الفرمان الذي وصل من الأستانة، وما إن شرب المدعوون القهوة ودخنوا الغلايين؛ حتى انهال عليهم الجنود الألبان الذين أعدّهم علي رضا باشا لهذه المهمة بالرصاص؛ لتتم إبادة جميع الحاضرين. 

ربما تشبه هذه القصة ما جرى للمماليك في مصر على يد جنود محمد علي باشا في قلعة صلاح الدين؛ لكنها لا تبدو معزولة أبداً عن السياق التاريخي للنزال بين الغالب والمغلوب في العراق، عبر قرون طويلة كان ثمن السلطة فيها سفك الدماء وجز الرؤوس؛ و”اجتثاث” الطرف المهزوم والتنكيل به. 

الخصومة مع الماضي 

بعد سقوط بغداد مرة أخرى على يد الإنجليز عام 1917؛ ومباشرة أثناء الاستعدادات لإقامة نظام سياسي جديد؛ بدأت عملية ملاحقة وإقصاء العناصر الإدارية التي كانت جزءا من البيروقراطية العثمانية في العراق، أمر دفع كثيرين للهجرة شمالاً نحو الأناضول مع أسرهم. 

قام النظام السياسي الجديد على أكتاف ضباط جيش “الثورة العربية الكبرى”، ممن انسلخوا من الجيش العثماني وانحازوا إلى حاكم مكة الشريف حسين في حربه ضد العثمانيين، واستعان الإنجليز كذلك ببعض العائلات التي أعلنت الولاء لسلطة “بيرسي كوك”، ليتشكل الجهاز الإداري الجديد مع إعلان المملكة العراقية الوليدة؛ بعد اجتثاث أنصار العثمانيين. 

لاحقاً؛ ومع إعلان نجاح انقلاب مجموعة “الضباط الوطنيين” بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف عام 1958 أعادت الحالة نفسها، بدأت عمليات اجتثاث جديدة تحت ستار القانون هذه المرة: شُكِّلت “محكمة الشعب” التي أشرف عليها ابن خالة قاسم العقيد فاضل المهداوي، وبدأت تستجوب وتحاكم أركان النظام الملكي. 

بثّتْ سلطة الضباط الجديدة وقائع المحاكمات عبر التلفزيون، وتضمّنت استجوابات سريعة مصحوبة بالإهانة والتجاوز الشخصي، واستخدام عبارات “الثورة ضد الإمبريالية” و”حماية حقوق الشعب” و”أذيال الاستعمار”، وانتهت بإعدام العشرات وسجن المئات من أركان الحكم الملكي. 

دماء وسادية 

ربما تقودنا دراسة سريعة لواقع الأنظمة السياسية في المنطقة، إلى اكتشاف تقاليد خاصة بالاستبداد العراقي؛ الذي كان ممهوراً بالدم وموغلاً بالسادية في كل مرة. 

سقط النظام الملكي في مصر عام 1952، واستولى “الضباط الأحرار” على السلطة، لكن الملك فاروق غادر المحروسة بكل تقدير واحترام، وضُربت له التحية العسكرية، وودعته مدافع ميناء الإسكندرية؛ حين انطلق برفقة أسرته وحاشيته إلى إيطاليا. 

حدث ذلك قبيل سقوط الملكية في العراق، لكن الضباط العراقيين كانت لهم طريقتهم الخاصة في التعامل مع الأسرة الهاشمية المالكة، فحلّت مذبحة “قصر الرحاب”، ولم تفلت منهم إلا الأميرة بديعة بنت علي، وتبعت ذلك حفلات دم “مسعورة”؛ استهدفت أركان الملكية؛ وعلى رأسها نوري السعيد. 

طارد الانقلابيون “الباشا”، وعثروا عليه متنكراً فقتلوه وسحلوا جثته وعلّقوها بعمود كهرباء، ثم مثلوا بها، إلى درجة قطع “عضوه الذكري” ووضعه في فمه، بحسب شهود عيان من تلك الفترة. 

ثم انقلب “الرفاق” على بعضهم، وحوصر قاسم في مقرّ وزارة الدفاع؛ وقتل مع مرافقيه بمقر الإذاعة، بعد محاكمة سريعة وسيل من الشتائم والإهانات؛ بثها التلفزيون العراقي، وظهرت فيها لقطات لجندي يمسك برأس قاسم بعد مقتله؛ ثم يبصق على جثته. 

الاجتثاث بـ”المليشيات” 

قبل الانقلاب عليه، استخدم قاسم ذراعاً حزبياً لتصفية خصومه، فأعلن تأسيس حركة “المقاومة الشعبية” التي كان عمادها من الشيوعيين حلفاء “الزعيم” وبعض أنصاره من الفلاحين والعمال، وسرعان ما انطلقت مسيرات “قطارات السلام” التي حملت مئات الشيوعيين باتجاه المدن والمناطق المناوئة لسياسات قاسم، مسلحين بالمسدسات الصغيرة والأسلحة البيضاء، وشعارات “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة”. 

توقف “قطار السلام” في كركوك والموصل؛ ثم غادرها مخلفا مئات الضحايا من المقتولين المعلقين على أعمدة الكهرباء والجثامين المرمية على الطرقات، في أول عملية قتل جماعي شهدها العراق الجمهوري. 

وبعد سقوط قاسم، أسّس البعثيون “الحرس القومي”؛ الذي باشر عمليات مطاردة وقصاص واسعة بحق الشيوعيين وأنصار قاسم، واتسعت دائرة العنف والاجتثاث لتصل إلى اقتحام البيوت واعتقال المطلوبين؛ بتهمة تبعيتهم للزعيم المخلوع. 

نَمَتْ وتطورت عملية الاجتثاث، لتنتقل إلى جسد السلطة الجديدة؛ فيما اعتُبر وقتها عملية “تنظيف ذاتي”؛ استهدفت المشكوك في ولائهم لرأس النظام الذي كان في قمة اندفاعه وعنفوانه. 

في “قاعة الخلد” ببغداد اجتمع صدام حسين برفاقه في الحزب، وبدأ محاسبة العشرات منهم؛ ممن اتهموا بعلاقتهم بنظام الرئيس السوري وقتها حافظ الأسد، وتلت ذلك عمليات إعدام أو إخفاء لكل من ورد اسمه في قوائم المعادين لشخص الرئيس الجديد. 

شملت حركة التصفية تلك؛ أسماء معروفة وذات ثقل داخل حزب البعث، كان من بينها “درويش الحزب” ومنظّره عبد الخالق السامرائي، والشاعر شفيق الكمالي، والدبلوماسي مرتضى الحديثي، ومحيي عبد الحسين مشهدي، سكرتير الرئيس الذي صار سابقاً لحظتها، أحمد حسن البكر، والمئات غيرهم. 

الاجتثاث بالدبابة الأميركية 

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ كانت من أولى الخطوات التي أعلنتها القوى المعارضة التي قدِمتْ برفقة “اليانكي” هي تأسيس “هيئة اجتثاث البعث”؛ بهدف استئصال وجود الحزب من مؤسسات الدولة التي حكمها 35 عاماً، وإزالة نفوذ أنصاره من الحياة السياسية العراقية، وصاحبت ذلك عمليات اغتيال للطيارين وكبار الضباط الذين شاركوا في الحرب العراقية – الإيرانية. 

كانت البلاد تعيش حالة واسعة من الفوضى وغياب الأمن، فذهبت دماء المقتولين دون أن يجرؤ أحد على فتح الملف مرة أخرى، ومعرفة أو تسمية الجهات المسؤولة عن ذلك. 

وشهدت سنوات الحرب الطائفية اللاحقة مجازر متكررة، وملأت الشوارعَ آلاف الجثث مجهولة الهوية؛ بالتزامن مع تفجير سيارات مفخخة وقصف مناطق آهلة بالسكان المدنيين الذين لم يكن سوادهم الأعظم طرفاً في كل هذا النزاع، خصوصا بعد تفجير مرقد العسكريين في سامراء، وما تبع ذلك من عمليات قتل عشوائية على الهوية. 

بعد “صولة الفرسان” التي قادها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ضد فصيل “جيش المهدي”، عاشت البلاد حالة من الاستقرار الهش، رافقتها تطلعات بطيّ صفحة الماضي، وبناء مؤسسات رصينة للدولة الجديدة، تستوعب الجميع ضمن العملية السياسية. 

لكن فوز “القائمة العراقية” بزعامة إياد علاوي في الانتخابات البرلمانية عام 2010 أعاد تموضع الأطراف السياسية في خنادقها الطائفية، بعد رفض المالكي الاعتراف بما أفرزه الصندوق، ولجوئه إلى المحكمة الدستورية لاستحصال صيغة جديدة لمفهوم الفوز بالانتخابات. 

انفجرت الأوضاع مجدداً، وملأت شوارعَ المناطق ذات الغالبية السنية تظاهراتٌ واحتجاجات، فظهر المالكي على الشاشات ليقول إن النزاع هو مع “أتباع يزيد”، ثم حلّت لحظة داعش في 2014. 

مجتثو تشرين 

في 1 تشرين الأول من العام 2019 اندلعت احتجاجات واسعة في العراق، تمثلت بتظاهرات ومطالبات بإصلاح النظام السياسي، ومحاربة الفساد الإداري والبطالة. 

لكن الردّ الحكومي كان استخدام العنف تجاه المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل نحو 800 شخص، وجرح المئات غيرهم، أصيب بعضهم بإصابات مستديمة. 

منظمات حقوقية وثقت استخدام القوة المميتة والنيران الحية في التعامل مع المحتجين، ورغم انطلاق حملات للمطالبة بمحاسبة المتسببين بمقتل المتظاهرين، إلا أن الحكومة لم تتخذ إجراءات فاعلة لمقاضاة المتورطين، واستمرت عمليات القتل واستهداف الناشطين المعارضين للسلطة. 

في 6 تموز 2020 أُغتِيلَ الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الجهادية هشام الهاشمي، ثم قُبِض على قاتله واعترف، لكنّ السلطات أطلقت سراحه بعد محاكمات. 

انضم الهاشمي إلى قائمة من نحو 500 صحفي وناشط عراقي قُتِلوا بعد عام 2003، دون إلقاء القبض على قتلتهم أو تقديمهم للمحاكمة، وقيدت معظم قضايا القتل ضد “مجهولين”. 

واتهمت جماعات مقربة من السلطة بممارسة عمليات اختطاف وتغييب بحق ناشطي تشرين، ومعظمهم من محافظات جنوبية؛ تتصدرها ذي قار، التي ما يزال كثير من مواطنيها ينتظرون الكشف عن مصير المختطف “سجاد العراقي”، الذي تلاحق فصائل مسلحة تهمُ تغييبه. 

أظهرت احتجاجات تشرين قابلية النظام السياسي على ممارسة الاجتثاث، حتى ضمن المجال الحيوي الديموغرافي الذي يتمدد فيه ويستند إليه، فمعظم الضحايا كانوا من أصول شيعية، الذين لاحقتهم تهم العمالة للسفارات الأجنبية، وتلقي الدعم من دول خليجية. 

اجتثاث التاريخ 

يصطبغ الاستبداد العراقي بالدم، ويضع القتل والتصفية الجسدية خياراً أول لحسم المعارك السياسية والاجتماعية، دون القدرة على الاستيعاب أو التصالح، أو فتح صفحات جديدة مع المختلفين سياسياً وأيديولوجيا. 

كما أن الاستبداد السياسي العراقي يمتلك نزعة إلغاء مادي، تتجاوز هدم النظام السياسي إلى تحطيم آثاره العمرانية أو تشويهها أو التلويح بذلك، كما يحدث بين الحين والآخر من دعوات لهدم “نصب الشهيد” و”قوس النصر”، أو حملات المطالبة بتحطيم تمثال أبي جعفر المنصور، على اعتبار أنه ظلم أئمة الشيعة ومثّل “الأبوة الروحية” لما جاء بعده من الأنظمة السياسية التي “هضمت حقوق العراقيين”. 

ولا تقتصر دعوات الهدم على الخصوم “السياسيين”، بل تتعداها إلى الرموز الدينية، عبر حملات تطلق سنويا؛ لهدم جامع أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، على سبيل المثال. 

لا تبدو هذه الدعوات معزولة شعبيا كما يقول البعض، بل إنها تجد غطاءً سياسياً وتجاوباً من قبل عشرات الآلاف على مواقع التواصل والأرض، باستمرار. 

وعبر عقدين من الزمن، حاولت النخب المقربة من السلطة المزاوجة بين تقديم العملية السياسة كنظام ديمقراطي تعددي، وبين تصدير صورة موغلة في “التوحش” عن العراقيين عبر وسائل الإعلام، وظهر ذلك في مناسبات عديدة، من بينها اللحظات التي تلت إعدام رئيس النظام السابق صدام حسين، بعدما بثت قنوات عربية وأجنبية مشاهد لأشخاص ملثمين يرقصون حول جثته. 

وقتها؛ قال مستشار الأمن الوطني العراقي الأسبق موفق الربيعي لقناة “سي أن أن” الأميركية إن الرقص حول الجثث هو “أحد تقاليد العراقيين، فهم يرقصون حول الجثة تعبيراً عن مشاعرهم فأين المشكلة في ذلك؟”. 

محللو الحمض النووي! 

وكجزء مما بات تقليداً متبعاً في التعامل مع الخصوم، كانت الفضائيات العراقية تستضيف على مدى سنوات سياسيين ومحللين يستخدمون “تحليلات الحمض النووي” كأداة، يطعنون من خلالها بأعراض وأمهات مخالفيهم، بشكل علني وصريح، دون خوف من مقاضاتهم أو مساءلتهم حتى. 

وبمرور الوقت، بات التلويح بالـ”DNA” أحدَ تمظهرات اجتثاث المخالف، عبر محاولات وصمه بـ”ابن الزنا”، والطعن بالسلوك الشخصي لأسرته، استنادا إلى نصوص دينية وتراثية وشعبية. 

ولم يكن غريباً ضمن السياق نفسه، تداول مقطع فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً لصبية مراهقين يرقصون ويضحكون بشكل هستيري، حول قبر البلوغر القتيلة “أم فهد” في النجف. 

يأتي ذلك، فيما تتواصل الاغتيالات بحق بعض المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي، دون العثور على الجناة أو تسميتهم. 

ومع تصاعد عمليات القتل والاغتيال بحق معارضين أو مشاهير في مواقع التواصل، يمكن القول إن “ثقافة التوحش” هبطت من أعلى قمة السلطة إلى المجتمع، فباتت ممارساتٍ يجري التثقيفُ لها وبها، وعلامةً على “القوة والمنعة” في مجتمع يأخذ المواطنون حقوقَهم فيه بـ”ذراعهم” وعبر عشائرهم، إلى درجة تنفيذ “دگات عشائرية” في قلب العاصمة وعلى مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية لسنوات، حتى بعد أن جُرّمت هذه الممارسة قانونياً مؤخراً.  

آليات جديدة 

ومع تعقد التجربة السياسية العراقية، ومرورها بمطبات ومنحنيات كثيرة، طورت “النخبة الحاكمة” آلياتها في الإقصاء، لتوظف القانون في ذلك، عبر قرارات أطاحت بخصوم محتملين أو متخيلين من مناصبهم السيادية، كما حدث مع رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي. 

وبعد فوزه بالانتخابات البرلمانية في 2021، تعرض التيار الصدري لحملات تشهير إعلامية واسعة، واستُهدِفَ حلفاؤه من السنة والكُرد بهجمات على مقارّهم الحزبية، وتصاعدت عمليات استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية خلال تلك الفترة، لإحراج رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، وقطع الطرق على تكوين تحالف جديد لإدارة الدولة، بمعزل عن قوى “الإطار التنسيقي” الشيعي الذي انفرد بتشكيل الحكومة لاحقاً. 

كان الحديث عن ولادة تحالف “الصدر، الحلبوسي، بارزاني” مستفزاً للقوى الشيعية التقليدية، والمقرّبة من إيران، فتعاملت مع التشكيل الجديد كخطرٍ يهدد العملية السياسة وحصص آبائها المؤسسين، فتمت الإطاحة بالتحالف قبل أن يرى نور السلطة التنفيذية. 

وكتقليد سياسي متبع منذ العام 2003، تحتفظ قوى السلطة الرئيسية بملفات إدانة بحق خصومها، يجري التلويح بها بين الحين والآخر؛ لتخويفهم أو دفعهم لاتخاذ مواقف معينة، وفي مقدمة تلك الملفات جريمة مقتل عبد المجيد الخوئي في النجف، على يد مسلحين اتهموا بتبعيتهم للتيار الصدري. 

الأمر ذاته حدث مع مرشح حزب “تقدم” لتولي منصب رئيس البرلمان شعلان الكريم، عندما بثت منصات في مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات قديمة للكريم، قيل إنه كان يترحم فيها على صدام حسين، مما دفعه للانسحاب من الترشح، ثم الاستقالة من تحالف تقدم، وإعلانه العمل كنائب مستقل، خوفاً من شموله بـ”المساءلة والعدالة”.. 

خطايا السياسة 

بعد اندلاع ما يعرف بثورات “الربيع العربي” وسقوط عدة أنظمة في المنطقة، تشكلت هيئات ومؤسسات لإزالة آثار الأنظمة السابقة، وبناء مؤسسات على أساس ديمقراطي “لمعالجة آثار الاستبداد السابق”، لكن جميعها لم تحمل التسمية التي حملتها نظيرتها في العراق، بما تتضمنه كلمة “اجتثاث” من حدة، كما يرى كثيرون. 

تغير الاسم لاحقاً إلى “هيئة المساءلة والعدالة”، لكن ظلال التسمية السابقة ما تزال حاضرة في طريقة تعامل السلطة مع مناوئيها، حتى من داخل العملية السياسية. 

وخلال عقدين من الزمن، مرت بالعراق أحداث كثيرة ونزاعات مسلحة، وحروب وصدامات بين أبناء المكون الواحد أو ما بين المكونات، لكنْ كل ذلك لم يدفع السلطة برؤوسها المتعددة، إلى تغيير طريقة تعاملها مع خصومها، أو محاولة استيعابهم بشكل حقيقي دون إلغاء أو تهميش، ولا يبدو أن ذلك سيحدث قريباً، فخطايا السياسة تتناسل في العراق جيلا بعد جيل، لتصبح تقاليد راسخة يصعب تغييرها أو تجاهلها. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”    

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في السادس والعشرين من تشرين الثاني عام 1831 كانت بغداد على موعد مع مذبحة جديدة، قدّر لها أن تكون نقطة تحوّل بين زمنين؛ بعدما أفلت شمسُ سلطة المماليك، وداهم الطاعون والفيضان أزقة المدينة ليحصد أرواحَ نحو 100 ألف نسمة من سكانها. 

سقطت بغداد على يد والي حلب العثماني علي رضا باشا اللاز ومعاونه والي الموصل قاسم باشا العمري، وانتهى حكم آخر حكام المماليك داود باشا، واجتاح المنتصرون شوارع المدينة باحثين عن “أزلام النظام السابق”؛ بعد أن أعلنوا الأمان لقادتهم. 

ثم دُعي قادة داود باشا مع جمع من أعيان بغداد وعلمائها إلى القشلة؛ من أجل الاستماع لقراءة الفرمان الذي وصل من الأستانة، وما إن شرب المدعوون القهوة ودخنوا الغلايين؛ حتى انهال عليهم الجنود الألبان الذين أعدّهم علي رضا باشا لهذه المهمة بالرصاص؛ لتتم إبادة جميع الحاضرين. 

ربما تشبه هذه القصة ما جرى للمماليك في مصر على يد جنود محمد علي باشا في قلعة صلاح الدين؛ لكنها لا تبدو معزولة أبداً عن السياق التاريخي للنزال بين الغالب والمغلوب في العراق، عبر قرون طويلة كان ثمن السلطة فيها سفك الدماء وجز الرؤوس؛ و”اجتثاث” الطرف المهزوم والتنكيل به. 

الخصومة مع الماضي 

بعد سقوط بغداد مرة أخرى على يد الإنجليز عام 1917؛ ومباشرة أثناء الاستعدادات لإقامة نظام سياسي جديد؛ بدأت عملية ملاحقة وإقصاء العناصر الإدارية التي كانت جزءا من البيروقراطية العثمانية في العراق، أمر دفع كثيرين للهجرة شمالاً نحو الأناضول مع أسرهم. 

قام النظام السياسي الجديد على أكتاف ضباط جيش “الثورة العربية الكبرى”، ممن انسلخوا من الجيش العثماني وانحازوا إلى حاكم مكة الشريف حسين في حربه ضد العثمانيين، واستعان الإنجليز كذلك ببعض العائلات التي أعلنت الولاء لسلطة “بيرسي كوك”، ليتشكل الجهاز الإداري الجديد مع إعلان المملكة العراقية الوليدة؛ بعد اجتثاث أنصار العثمانيين. 

لاحقاً؛ ومع إعلان نجاح انقلاب مجموعة “الضباط الوطنيين” بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف عام 1958 أعادت الحالة نفسها، بدأت عمليات اجتثاث جديدة تحت ستار القانون هذه المرة: شُكِّلت “محكمة الشعب” التي أشرف عليها ابن خالة قاسم العقيد فاضل المهداوي، وبدأت تستجوب وتحاكم أركان النظام الملكي. 

بثّتْ سلطة الضباط الجديدة وقائع المحاكمات عبر التلفزيون، وتضمّنت استجوابات سريعة مصحوبة بالإهانة والتجاوز الشخصي، واستخدام عبارات “الثورة ضد الإمبريالية” و”حماية حقوق الشعب” و”أذيال الاستعمار”، وانتهت بإعدام العشرات وسجن المئات من أركان الحكم الملكي. 

دماء وسادية 

ربما تقودنا دراسة سريعة لواقع الأنظمة السياسية في المنطقة، إلى اكتشاف تقاليد خاصة بالاستبداد العراقي؛ الذي كان ممهوراً بالدم وموغلاً بالسادية في كل مرة. 

سقط النظام الملكي في مصر عام 1952، واستولى “الضباط الأحرار” على السلطة، لكن الملك فاروق غادر المحروسة بكل تقدير واحترام، وضُربت له التحية العسكرية، وودعته مدافع ميناء الإسكندرية؛ حين انطلق برفقة أسرته وحاشيته إلى إيطاليا. 

حدث ذلك قبيل سقوط الملكية في العراق، لكن الضباط العراقيين كانت لهم طريقتهم الخاصة في التعامل مع الأسرة الهاشمية المالكة، فحلّت مذبحة “قصر الرحاب”، ولم تفلت منهم إلا الأميرة بديعة بنت علي، وتبعت ذلك حفلات دم “مسعورة”؛ استهدفت أركان الملكية؛ وعلى رأسها نوري السعيد. 

طارد الانقلابيون “الباشا”، وعثروا عليه متنكراً فقتلوه وسحلوا جثته وعلّقوها بعمود كهرباء، ثم مثلوا بها، إلى درجة قطع “عضوه الذكري” ووضعه في فمه، بحسب شهود عيان من تلك الفترة. 

ثم انقلب “الرفاق” على بعضهم، وحوصر قاسم في مقرّ وزارة الدفاع؛ وقتل مع مرافقيه بمقر الإذاعة، بعد محاكمة سريعة وسيل من الشتائم والإهانات؛ بثها التلفزيون العراقي، وظهرت فيها لقطات لجندي يمسك برأس قاسم بعد مقتله؛ ثم يبصق على جثته. 

الاجتثاث بـ”المليشيات” 

قبل الانقلاب عليه، استخدم قاسم ذراعاً حزبياً لتصفية خصومه، فأعلن تأسيس حركة “المقاومة الشعبية” التي كان عمادها من الشيوعيين حلفاء “الزعيم” وبعض أنصاره من الفلاحين والعمال، وسرعان ما انطلقت مسيرات “قطارات السلام” التي حملت مئات الشيوعيين باتجاه المدن والمناطق المناوئة لسياسات قاسم، مسلحين بالمسدسات الصغيرة والأسلحة البيضاء، وشعارات “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة”. 

توقف “قطار السلام” في كركوك والموصل؛ ثم غادرها مخلفا مئات الضحايا من المقتولين المعلقين على أعمدة الكهرباء والجثامين المرمية على الطرقات، في أول عملية قتل جماعي شهدها العراق الجمهوري. 

وبعد سقوط قاسم، أسّس البعثيون “الحرس القومي”؛ الذي باشر عمليات مطاردة وقصاص واسعة بحق الشيوعيين وأنصار قاسم، واتسعت دائرة العنف والاجتثاث لتصل إلى اقتحام البيوت واعتقال المطلوبين؛ بتهمة تبعيتهم للزعيم المخلوع. 

نَمَتْ وتطورت عملية الاجتثاث، لتنتقل إلى جسد السلطة الجديدة؛ فيما اعتُبر وقتها عملية “تنظيف ذاتي”؛ استهدفت المشكوك في ولائهم لرأس النظام الذي كان في قمة اندفاعه وعنفوانه. 

في “قاعة الخلد” ببغداد اجتمع صدام حسين برفاقه في الحزب، وبدأ محاسبة العشرات منهم؛ ممن اتهموا بعلاقتهم بنظام الرئيس السوري وقتها حافظ الأسد، وتلت ذلك عمليات إعدام أو إخفاء لكل من ورد اسمه في قوائم المعادين لشخص الرئيس الجديد. 

شملت حركة التصفية تلك؛ أسماء معروفة وذات ثقل داخل حزب البعث، كان من بينها “درويش الحزب” ومنظّره عبد الخالق السامرائي، والشاعر شفيق الكمالي، والدبلوماسي مرتضى الحديثي، ومحيي عبد الحسين مشهدي، سكرتير الرئيس الذي صار سابقاً لحظتها، أحمد حسن البكر، والمئات غيرهم. 

الاجتثاث بالدبابة الأميركية 

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ كانت من أولى الخطوات التي أعلنتها القوى المعارضة التي قدِمتْ برفقة “اليانكي” هي تأسيس “هيئة اجتثاث البعث”؛ بهدف استئصال وجود الحزب من مؤسسات الدولة التي حكمها 35 عاماً، وإزالة نفوذ أنصاره من الحياة السياسية العراقية، وصاحبت ذلك عمليات اغتيال للطيارين وكبار الضباط الذين شاركوا في الحرب العراقية – الإيرانية. 

كانت البلاد تعيش حالة واسعة من الفوضى وغياب الأمن، فذهبت دماء المقتولين دون أن يجرؤ أحد على فتح الملف مرة أخرى، ومعرفة أو تسمية الجهات المسؤولة عن ذلك. 

وشهدت سنوات الحرب الطائفية اللاحقة مجازر متكررة، وملأت الشوارعَ آلاف الجثث مجهولة الهوية؛ بالتزامن مع تفجير سيارات مفخخة وقصف مناطق آهلة بالسكان المدنيين الذين لم يكن سوادهم الأعظم طرفاً في كل هذا النزاع، خصوصا بعد تفجير مرقد العسكريين في سامراء، وما تبع ذلك من عمليات قتل عشوائية على الهوية. 

بعد “صولة الفرسان” التي قادها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ضد فصيل “جيش المهدي”، عاشت البلاد حالة من الاستقرار الهش، رافقتها تطلعات بطيّ صفحة الماضي، وبناء مؤسسات رصينة للدولة الجديدة، تستوعب الجميع ضمن العملية السياسية. 

لكن فوز “القائمة العراقية” بزعامة إياد علاوي في الانتخابات البرلمانية عام 2010 أعاد تموضع الأطراف السياسية في خنادقها الطائفية، بعد رفض المالكي الاعتراف بما أفرزه الصندوق، ولجوئه إلى المحكمة الدستورية لاستحصال صيغة جديدة لمفهوم الفوز بالانتخابات. 

انفجرت الأوضاع مجدداً، وملأت شوارعَ المناطق ذات الغالبية السنية تظاهراتٌ واحتجاجات، فظهر المالكي على الشاشات ليقول إن النزاع هو مع “أتباع يزيد”، ثم حلّت لحظة داعش في 2014. 

مجتثو تشرين 

في 1 تشرين الأول من العام 2019 اندلعت احتجاجات واسعة في العراق، تمثلت بتظاهرات ومطالبات بإصلاح النظام السياسي، ومحاربة الفساد الإداري والبطالة. 

لكن الردّ الحكومي كان استخدام العنف تجاه المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل نحو 800 شخص، وجرح المئات غيرهم، أصيب بعضهم بإصابات مستديمة. 

منظمات حقوقية وثقت استخدام القوة المميتة والنيران الحية في التعامل مع المحتجين، ورغم انطلاق حملات للمطالبة بمحاسبة المتسببين بمقتل المتظاهرين، إلا أن الحكومة لم تتخذ إجراءات فاعلة لمقاضاة المتورطين، واستمرت عمليات القتل واستهداف الناشطين المعارضين للسلطة. 

في 6 تموز 2020 أُغتِيلَ الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الجهادية هشام الهاشمي، ثم قُبِض على قاتله واعترف، لكنّ السلطات أطلقت سراحه بعد محاكمات. 

انضم الهاشمي إلى قائمة من نحو 500 صحفي وناشط عراقي قُتِلوا بعد عام 2003، دون إلقاء القبض على قتلتهم أو تقديمهم للمحاكمة، وقيدت معظم قضايا القتل ضد “مجهولين”. 

واتهمت جماعات مقربة من السلطة بممارسة عمليات اختطاف وتغييب بحق ناشطي تشرين، ومعظمهم من محافظات جنوبية؛ تتصدرها ذي قار، التي ما يزال كثير من مواطنيها ينتظرون الكشف عن مصير المختطف “سجاد العراقي”، الذي تلاحق فصائل مسلحة تهمُ تغييبه. 

أظهرت احتجاجات تشرين قابلية النظام السياسي على ممارسة الاجتثاث، حتى ضمن المجال الحيوي الديموغرافي الذي يتمدد فيه ويستند إليه، فمعظم الضحايا كانوا من أصول شيعية، الذين لاحقتهم تهم العمالة للسفارات الأجنبية، وتلقي الدعم من دول خليجية. 

اجتثاث التاريخ 

يصطبغ الاستبداد العراقي بالدم، ويضع القتل والتصفية الجسدية خياراً أول لحسم المعارك السياسية والاجتماعية، دون القدرة على الاستيعاب أو التصالح، أو فتح صفحات جديدة مع المختلفين سياسياً وأيديولوجيا. 

كما أن الاستبداد السياسي العراقي يمتلك نزعة إلغاء مادي، تتجاوز هدم النظام السياسي إلى تحطيم آثاره العمرانية أو تشويهها أو التلويح بذلك، كما يحدث بين الحين والآخر من دعوات لهدم “نصب الشهيد” و”قوس النصر”، أو حملات المطالبة بتحطيم تمثال أبي جعفر المنصور، على اعتبار أنه ظلم أئمة الشيعة ومثّل “الأبوة الروحية” لما جاء بعده من الأنظمة السياسية التي “هضمت حقوق العراقيين”. 

ولا تقتصر دعوات الهدم على الخصوم “السياسيين”، بل تتعداها إلى الرموز الدينية، عبر حملات تطلق سنويا؛ لهدم جامع أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، على سبيل المثال. 

لا تبدو هذه الدعوات معزولة شعبيا كما يقول البعض، بل إنها تجد غطاءً سياسياً وتجاوباً من قبل عشرات الآلاف على مواقع التواصل والأرض، باستمرار. 

وعبر عقدين من الزمن، حاولت النخب المقربة من السلطة المزاوجة بين تقديم العملية السياسة كنظام ديمقراطي تعددي، وبين تصدير صورة موغلة في “التوحش” عن العراقيين عبر وسائل الإعلام، وظهر ذلك في مناسبات عديدة، من بينها اللحظات التي تلت إعدام رئيس النظام السابق صدام حسين، بعدما بثت قنوات عربية وأجنبية مشاهد لأشخاص ملثمين يرقصون حول جثته. 

وقتها؛ قال مستشار الأمن الوطني العراقي الأسبق موفق الربيعي لقناة “سي أن أن” الأميركية إن الرقص حول الجثث هو “أحد تقاليد العراقيين، فهم يرقصون حول الجثة تعبيراً عن مشاعرهم فأين المشكلة في ذلك؟”. 

محللو الحمض النووي! 

وكجزء مما بات تقليداً متبعاً في التعامل مع الخصوم، كانت الفضائيات العراقية تستضيف على مدى سنوات سياسيين ومحللين يستخدمون “تحليلات الحمض النووي” كأداة، يطعنون من خلالها بأعراض وأمهات مخالفيهم، بشكل علني وصريح، دون خوف من مقاضاتهم أو مساءلتهم حتى. 

وبمرور الوقت، بات التلويح بالـ”DNA” أحدَ تمظهرات اجتثاث المخالف، عبر محاولات وصمه بـ”ابن الزنا”، والطعن بالسلوك الشخصي لأسرته، استنادا إلى نصوص دينية وتراثية وشعبية. 

ولم يكن غريباً ضمن السياق نفسه، تداول مقطع فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً لصبية مراهقين يرقصون ويضحكون بشكل هستيري، حول قبر البلوغر القتيلة “أم فهد” في النجف. 

يأتي ذلك، فيما تتواصل الاغتيالات بحق بعض المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي، دون العثور على الجناة أو تسميتهم. 

ومع تصاعد عمليات القتل والاغتيال بحق معارضين أو مشاهير في مواقع التواصل، يمكن القول إن “ثقافة التوحش” هبطت من أعلى قمة السلطة إلى المجتمع، فباتت ممارساتٍ يجري التثقيفُ لها وبها، وعلامةً على “القوة والمنعة” في مجتمع يأخذ المواطنون حقوقَهم فيه بـ”ذراعهم” وعبر عشائرهم، إلى درجة تنفيذ “دگات عشائرية” في قلب العاصمة وعلى مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية لسنوات، حتى بعد أن جُرّمت هذه الممارسة قانونياً مؤخراً.  

آليات جديدة 

ومع تعقد التجربة السياسية العراقية، ومرورها بمطبات ومنحنيات كثيرة، طورت “النخبة الحاكمة” آلياتها في الإقصاء، لتوظف القانون في ذلك، عبر قرارات أطاحت بخصوم محتملين أو متخيلين من مناصبهم السيادية، كما حدث مع رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي. 

وبعد فوزه بالانتخابات البرلمانية في 2021، تعرض التيار الصدري لحملات تشهير إعلامية واسعة، واستُهدِفَ حلفاؤه من السنة والكُرد بهجمات على مقارّهم الحزبية، وتصاعدت عمليات استهداف السفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية خلال تلك الفترة، لإحراج رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، وقطع الطرق على تكوين تحالف جديد لإدارة الدولة، بمعزل عن قوى “الإطار التنسيقي” الشيعي الذي انفرد بتشكيل الحكومة لاحقاً. 

كان الحديث عن ولادة تحالف “الصدر، الحلبوسي، بارزاني” مستفزاً للقوى الشيعية التقليدية، والمقرّبة من إيران، فتعاملت مع التشكيل الجديد كخطرٍ يهدد العملية السياسة وحصص آبائها المؤسسين، فتمت الإطاحة بالتحالف قبل أن يرى نور السلطة التنفيذية. 

وكتقليد سياسي متبع منذ العام 2003، تحتفظ قوى السلطة الرئيسية بملفات إدانة بحق خصومها، يجري التلويح بها بين الحين والآخر؛ لتخويفهم أو دفعهم لاتخاذ مواقف معينة، وفي مقدمة تلك الملفات جريمة مقتل عبد المجيد الخوئي في النجف، على يد مسلحين اتهموا بتبعيتهم للتيار الصدري. 

الأمر ذاته حدث مع مرشح حزب “تقدم” لتولي منصب رئيس البرلمان شعلان الكريم، عندما بثت منصات في مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات قديمة للكريم، قيل إنه كان يترحم فيها على صدام حسين، مما دفعه للانسحاب من الترشح، ثم الاستقالة من تحالف تقدم، وإعلانه العمل كنائب مستقل، خوفاً من شموله بـ”المساءلة والعدالة”.. 

خطايا السياسة 

بعد اندلاع ما يعرف بثورات “الربيع العربي” وسقوط عدة أنظمة في المنطقة، تشكلت هيئات ومؤسسات لإزالة آثار الأنظمة السابقة، وبناء مؤسسات على أساس ديمقراطي “لمعالجة آثار الاستبداد السابق”، لكن جميعها لم تحمل التسمية التي حملتها نظيرتها في العراق، بما تتضمنه كلمة “اجتثاث” من حدة، كما يرى كثيرون. 

تغير الاسم لاحقاً إلى “هيئة المساءلة والعدالة”، لكن ظلال التسمية السابقة ما تزال حاضرة في طريقة تعامل السلطة مع مناوئيها، حتى من داخل العملية السياسية. 

وخلال عقدين من الزمن، مرت بالعراق أحداث كثيرة ونزاعات مسلحة، وحروب وصدامات بين أبناء المكون الواحد أو ما بين المكونات، لكنْ كل ذلك لم يدفع السلطة برؤوسها المتعددة، إلى تغيير طريقة تعاملها مع خصومها، أو محاولة استيعابهم بشكل حقيقي دون إلغاء أو تهميش، ولا يبدو أن ذلك سيحدث قريباً، فخطايا السياسة تتناسل في العراق جيلا بعد جيل، لتصبح تقاليد راسخة يصعب تغييرها أو تجاهلها. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”