قيس الخزعلي.. القفز إلى الخط الأول 

آدم حسين

16 أيار 2024

كَبُرت الطموحات السياسية لقيس الخزعلي، زعيم جماعة "عصائب أهل الحق"، وباتت التساؤلات تدور حول ما إذا كان سيصل إلى مرحلة بناء الدولة العميقة..

حين أطلق قيس الخزعلي، زعيم جماعة “عصائب أهل الحق”، عبارته الشهيرة “رئيس الوزراء مدير عام”، كانت قضية توزيع المناصب الأمنية تحتدم داخل تكتل الإطار التنسيقي الشيعي. 

كان الخزعلي يطالب بأن تكون رئاسة جهاز المخابرات من نصيبه. 

وقتذاك -في كانون الأول 2022 بعد نحو شهرين من تشكيل حكومة محمد شياع السوداني- تأزمت العلاقة بين الخزعلي ورئيس الحكومة الجديد، ثم كُفكفت المشكلة لئلا يتضرّر سقف البيت الشيعي السياسي، وحتى لا تهتز صورة الخزعلي. 

تلقى السوداني في حينها إشارات بأن وضع جهاز المخابرات بيد جهة معاقَبة أمريكياً، قد يتسبب في زيادة عقوبات واشنطن الخاصة بالعراق، فأصرّ على عدم منح الجهاز للعصائب. 

وقبل الخزعلي بذلك، وتراجع عن مطلب رئاسة المخابرات حتى لا يدخل في خصومة مع رئيس الحكومة الذي يدعمه. 

مناصب الخزعلي 

يسيطر الخزعلي حالياً على وزارة المالية ووزارة التعليم العالي ويتحكم، إلى حدّ كبير، في المكتب الإعلامي للحكومة، كما يمتلك نفوذاً في هيئة الإعلام والاتصالات عبر محمود الربيعي عضو مجلس المفوضين في الهيئة وهو عضو المكتب السياسي في العصائب، وتأثيراً داخل شبكة الإعلام العراقي الرسمي، فضلاً عن امتلاكه ثلاثة ألوية ضمن قوات الحشد الشعبي. 

كما يمتلك الخزعلي منصب محافظ بابل وعشرة مقاعد في مجالس محافظات متعددة و20 نائباً في البرلمان. 

ودفعته تلك الإمكانيات إلى أن يزاحم نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون والزعيم التقليدي في المنظومة الشيعية، على نفوذه في بغداد والوسط والجنوب. 

ويعدّ الخزعلي أيضاً رأس الحربة في الإطار التنسيقي ضد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري المناهض للإطار، وهو ما يدفع بعض القوى إلى الالتفاف حوله. 

فتى الشاي 

في رواية تحمل كثيراً من إشارات التصغير لزعيم العصائب، يصف أنصار الصدر، الخزعلي بأنه ”جايجي الصدر”، اعتماداً على مقطع فيديو قديم يظهر الأول وهو يضيّف الشاي لزعيم التيار قبل الانشقاق عنه عام 2006. 

ويزعم الصدريون أن الخزعلي كان قد وشى بكثير من رفاقه أثناء اعتقاله من القوات الأمريكية عام 2007 على خلفية مقتل خمسة جنود أمريكيين في كربلاء. 

تم تسليم الخزعلي للحكومة العراقية عام 2010، بعد أن تعهّد أعضاء في العصائب بإلقاء السلاح، لتقوم حكومة بغداد بعد ذلك بوقت قصير بإطلاق سراحه. 

عندما عاد الخزعلي، صار خصماً للصدر وأتباعه.  

وأثناء التحولات السريعة لـ”الشيخ الأمين” كما بات يصفه أتباعه منذ 2014، كان يراقب علاقات زعيم التيار ليتقاطع معها، فيخاصم أصدقاء الصدر ويصادق خصومه. 

“الخزعلي ينظر في المرآة يومياً فيشاهد مقتدى الصدر. ظله يلاحقه، وصورته تظهر له في كوابيسه”، يقول مرافق سابق لزعيم العصائب قضى نحو 10 سنوات في العمل معه. 

ويقول المرافق السابق للخزعلي، الموجود حالياً في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، إن ماراثون اللحاق بزعيم التيار وتقليده كان يسيطر عليه من دون أن ينتبه، مثلاً حتى في احتمالية “اعتزاله السياسة”. 

وقبل أن يشتبك التيار مع العصائب في جولات عدة وفي مختلف المدن، كان الصدر قد وصف أعضاء هذه الجماعة بأنهم ”قتلة لا دين لهم”. 

وكان هذا التوصيف في 2012 هو أقوى هجوم يشنه الصدر على الخزعلي، عقب قرار الأخير رمي السلاح والانخراط في العملية السياسية. 

بطبيعة الحال، انخرط الخزعلي في العمل السياسي، لكنه لم يرمِ السلاح، وصار في مناسبات عديدة، خاصة في البصرة، يُستعمل في القتال مع التيار الصدري لانتزاع النفوذ في الجنوب. 

مهمة انتحارية 

يقول أحمد الياسري، محلل سياسي مقيم في أستراليا، إن ”الخزعلي قام بدور مهم داخل المنظومة الشيعية لم يجرؤ عليه أحد، وهو مواجهة الصدر”. 

في المدة بين عامي 2005 و2006، انشقت جماعة عن ميليشيا “جيش المهدي” أطلقت على نفسها اسم “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، المولود عام 1974 بمدينة الصدر في بغداد. 

وبعد تجميد جيش المهدي عام 2007، اندفع الخزعلي إلى تزعم ما تسمى “المقاومة العراقية”، مستعيناً باتصالاته السابقة مع الإيرانيين، أيام كان مبعوث الصدر إلى طهران كما تذكر وثائق أمريكية نشرت قبل أعوام. 

وبرز اسم العصائب بعدما اختطفت خبير المعلومات البريطاني بيتر مور وحراسه الأربعة البريطانيين في أيار 2007 من مكتب تابع لوزارة المالية في بغداد. 

عام 2010، أطلق الأمريكيون سراح قيس وشقيقه ليث “مقابل إعادة رهينة غربية وجثث بريطانيين كانوا قد أعدموا”، بحسب تقرير سابق لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. 

وفي عام 2014، عندما أُسس الحشد الشعبي وانضمت إليه العصائب، بايعت الأخيرة، علانية علي خامنئي المرشد الأعلى الإيراني، لكن بعد الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني وغيابه الذي شتّت الفصائل المسلحة الشيعية المتحالفة مع إيران في العراق، بدأ الخزعلي الابتعاد خطوة بعد خطوة عن طهران والظهور بمظهر رجل السياسة القومي. 

وسعى في كل خطاباته إلى التأكيد على عدم تبعيته لإيران من أجل بناء قاعدة جماهيرية، وقد قال في أحد لقاءاته التلفزيونية: “إذا اندلعت حرب بين إيران والولايات المتحدة فلا علاقة لنا بها”. 

وكانت العصائب قد دخلت عام 2014 البرلمان عبر كتلة “الصادقون” التي فازت بمقعد واحد، وازداد هذا العدد إلى 15 مقعداً في انتخابات عام 2018، والآن تمتلك نحو 20 مقعداً. 

يصف الياسري العصائب بعد انتخابات 2021 بأنها ”صدرية الإطار”، ذلك أنها تعتمد أساليب الصدريين ذاتها تقريباً في تحركاتها السياسية والاجتماعية. 

ويضيف الياسري أن “كتلة العصائب منافسة للمساحة الصدرية. بدأت كبداية منظمة بدر بالمشاركة للحصول على بضعة مقاعد ثم تحولت إلى رقم مهم داخل الإطار”. 

ويرى أنها حصلت على هذه الأهمية لأن الإطار يريد كتلة تواجه الصدريين بملامح مشابهة لملامحهم. 

وهو ما حصل. 

في أواخر آب 2022 حين دخل أنصار الصدر إلى المنطقة الخضراء وسط بغداد، أذاع الخزعلي بياناً بصوته عدّد فيه التعليمات التي يجب اتباعها من متظاهري الإطار التنسيقي. 

آنذاك، حاولت بعض أطراف الإطار -وهي التسمية التي باتت تطلق على مجموعة القوى الشيعية باستثناء الصدر- التغلب على الأخير باستخدام أساليبه بتنفيذ احتجاجات مضادة، وأطلقت تظاهرات تحت مسمى “الحفاظ على الشرعية”. 

لكن تلك التظاهرات لم تؤت أكلها، وبدت ضئيلة أمام تحركات الصدر في الشارع وهيمنته عليه. 

في 30 آب 2022، شهدت بغداد حرباً بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة داخل المنطقة الخضراء المُحصنّة، وكان الطرفان الأساس في القتال هما التيار الصدري والعصائب. 

كان الصدر قد خسر توّاً معركة سياسية أراد من خلالها توليف ما أسماه “حكومة أغلبية وطنية” بجانب الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة السني، لكن مسعاه في ذلك لم ينجح، وكان النزال في المنطقة الخضراء في 29 و30 آب 2020، وسقوط 30 قتيلاً على الأقل، قد أبعده خطوة أخرى خارج السياسة. 

“الخزعلي دائماً يذكّر قادة الإطار أنه الوحيد من تجرأ على الوقوف أمام الصدر عندما عطّل البرلمان بالتظاهرات عام 2022، وأن هذا يجب التذكير به دائماً”، قال مصدر سياسي مقرب من الإطار التنسيقي، ومطلع على الحوارات داخله. 

“النزاع مع الصدريين بالضبط هو ما جعل الخزعلي أكثر قوة داخل الإطار التنسيقي” أضاف المصدر لـ”جمار”. 

أدى انسحاب الصدريين من الحياة السياسية صيف 2022 إلى “جعل العصائب رقماً سياسياً مهماً”، كما يرى الياسري. 

ويشير إلى أن تنامي قوة العصائب بعد انسحاب الصدريين يعود إلى أن أطراف الإطار التنسيقي لا تمتلك قدرات “فصائلية وشعبية” لسد الفراغ الصدري، لذا أوكلت المهمة إلى جماعة الخزعلي. 

وصار يُنظر إلى العصائب على أنها حركة مواجهة أعطت الإطار التنسيقي زخماً للذهاب بعيداً في مواجهة الصدريين، وهذا دور لم يستطع أن يقوم به حزب الدعوة ولا ائتلاف دولة القانون ولا بقية أركان التحالف الشيعي. 

السلطة بدلاً من “المقاومة” 

في الوقت الذي انخرط الخزعلي بالسياسة، كان قد خسر موقعه في “المقاومة العراقية”، حيث انسحب تدريجياً حتى وصل الأمر إلى الاستهزاء به علناً من قبل كتائب حزب الله، التنظيم الأبرز في فريق “المقاومة”. 

لكن على الرغم من ذلك، فإن زعيم العصائب كان قد حصل على امتيازات مهمة في الحكومة الحالية، وسيطر على مفاصل اقتصادية في مؤسسات الدولة. 

لا سيما الموانئ وعقود الاعمار والاستيلاء على أراضٍ في مناطق مختلفة، في الوسط والجنوب والشمال. 

وبعد أزمة المخابرات، يستبعد الياسري حدوث نزاع جديد بين الخزعلي والسوداني، لأن الأخير لا يمتلك كتلة نيابية ويحتاج إلى من يدعمه في البرلمان، والعصائب أفضل خيار له. 

ويذهب تقرير نشرته “الشرق الأوسط” إلى أبعد من ذلك، إذ يتحدث عن تحرك السوداني لتشكيل تحالف مع شخصيات شيعية قد يدعمه الخزعلي. 

وينظر المالكي إلى أي تحالف بين السوداني والخزعلي على أنه خطر محدق بالإطار التنسيقي وبقوته هو نفسه كزعيم شيعي مؤثر. 

وبناء على ذلك، يتحرك المالكي لإجراء تعديلات على قانون الانتخابات تضمن عدم حصول السوداني على مقاعد نيابيّة تؤهله لأن يكون رقماً صعباً في معادلات السلطة، كما ينقل التقرير عن مصادر مطلعة. 

وقد أرسل رسائل سرية عبر وسطاء إلى الصدر في محاولة لإقناعه بالعودة إلى الساحة السياسية بعد التفاهم على “أفضل نسخة من قانون الانتخابات”. 

ولعلّ المالكي يرى في تقرّبه من الصدر ضربة قاصمة استباقية لأي عمل مستقبلي مشترك بين السوداني والخزعلي. 

وفي خضمِّ هذه التسريبات والقراءات، نشر الصدر بياناً أشاد فيه بـ”صبر وثبات القواعد الشعبية” للتيار الصدري بعد سحب نوابه من البرلمان حتى لا يكونوا “ظهيراً للفاسدين”. 

وذهبت القراءات التحليلية لبيان الصدر في اتجاهين، الأول أنه ردّ بالرفض على رسائل المالكي عبر هذا البيان، والثاني أنه يهيئ أتباعه نفسياً لعودته إلى ميدان السياسة. 

وإذا صدق التحليل الأول، فإن الطريق سيكون سالكاً إلى حد كبير أمام الخزعلي لاستكمال بسط نفوذه كواحد من اللاعبين الكبار الصاعدين من الخط الثاني للسياسيين الشيعة. 

ومع تسارع خطاه نحو الطموحات السياسية، يبدو أن الخزعلي تخلى عن أحلامه السابقة في أن يكون “زعيم المقاومة” في العراق، على غرار حسن نصر الله في لبنان وعبد الملك الحوثي في اليمن. 

ويعتقد محمد نعناع، عضو جماعة “رفض” العراقية، أن “الخزعلي قد يتمكّن من بناء دولة عميقة إذا ما واصل مد الجسور بهدوء وتجنب الخلافات”. 

ولعل أحلامه الجديدة هي منبع حرصه على رسم صورة الناجح أمام الرأي العام عبر كل منصب يكون من نصيبه، وقد يكون أهمها حالياً منصب محافظ بابل التي تعد من أسوأ محافظات العراق على مستوى الخدمات. 

فقد ذهب هذا المنصب إلى عدنان فيحان، أحد رجاله. 

“جلسنا جلسة خاصة مع الأخ عدنان فيحان وقدمنا له كل سبل الدعم” يقول الخزعلي في حوار ضمن منتدى أقيم في بغداد. 

لكن الصدر إذا عاد، بحسب نعناع، ستكون طموحات الخزعلي مهدّدة وقد تتداعى أمام قوة زعيم التيار الذي يسمّي العصائب “الميليشيات الوقحة”. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

حين أطلق قيس الخزعلي، زعيم جماعة “عصائب أهل الحق”، عبارته الشهيرة “رئيس الوزراء مدير عام”، كانت قضية توزيع المناصب الأمنية تحتدم داخل تكتل الإطار التنسيقي الشيعي. 

كان الخزعلي يطالب بأن تكون رئاسة جهاز المخابرات من نصيبه. 

وقتذاك -في كانون الأول 2022 بعد نحو شهرين من تشكيل حكومة محمد شياع السوداني- تأزمت العلاقة بين الخزعلي ورئيس الحكومة الجديد، ثم كُفكفت المشكلة لئلا يتضرّر سقف البيت الشيعي السياسي، وحتى لا تهتز صورة الخزعلي. 

تلقى السوداني في حينها إشارات بأن وضع جهاز المخابرات بيد جهة معاقَبة أمريكياً، قد يتسبب في زيادة عقوبات واشنطن الخاصة بالعراق، فأصرّ على عدم منح الجهاز للعصائب. 

وقبل الخزعلي بذلك، وتراجع عن مطلب رئاسة المخابرات حتى لا يدخل في خصومة مع رئيس الحكومة الذي يدعمه. 

مناصب الخزعلي 

يسيطر الخزعلي حالياً على وزارة المالية ووزارة التعليم العالي ويتحكم، إلى حدّ كبير، في المكتب الإعلامي للحكومة، كما يمتلك نفوذاً في هيئة الإعلام والاتصالات عبر محمود الربيعي عضو مجلس المفوضين في الهيئة وهو عضو المكتب السياسي في العصائب، وتأثيراً داخل شبكة الإعلام العراقي الرسمي، فضلاً عن امتلاكه ثلاثة ألوية ضمن قوات الحشد الشعبي. 

كما يمتلك الخزعلي منصب محافظ بابل وعشرة مقاعد في مجالس محافظات متعددة و20 نائباً في البرلمان. 

ودفعته تلك الإمكانيات إلى أن يزاحم نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون والزعيم التقليدي في المنظومة الشيعية، على نفوذه في بغداد والوسط والجنوب. 

ويعدّ الخزعلي أيضاً رأس الحربة في الإطار التنسيقي ضد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري المناهض للإطار، وهو ما يدفع بعض القوى إلى الالتفاف حوله. 

فتى الشاي 

في رواية تحمل كثيراً من إشارات التصغير لزعيم العصائب، يصف أنصار الصدر، الخزعلي بأنه ”جايجي الصدر”، اعتماداً على مقطع فيديو قديم يظهر الأول وهو يضيّف الشاي لزعيم التيار قبل الانشقاق عنه عام 2006. 

ويزعم الصدريون أن الخزعلي كان قد وشى بكثير من رفاقه أثناء اعتقاله من القوات الأمريكية عام 2007 على خلفية مقتل خمسة جنود أمريكيين في كربلاء. 

تم تسليم الخزعلي للحكومة العراقية عام 2010، بعد أن تعهّد أعضاء في العصائب بإلقاء السلاح، لتقوم حكومة بغداد بعد ذلك بوقت قصير بإطلاق سراحه. 

عندما عاد الخزعلي، صار خصماً للصدر وأتباعه.  

وأثناء التحولات السريعة لـ”الشيخ الأمين” كما بات يصفه أتباعه منذ 2014، كان يراقب علاقات زعيم التيار ليتقاطع معها، فيخاصم أصدقاء الصدر ويصادق خصومه. 

“الخزعلي ينظر في المرآة يومياً فيشاهد مقتدى الصدر. ظله يلاحقه، وصورته تظهر له في كوابيسه”، يقول مرافق سابق لزعيم العصائب قضى نحو 10 سنوات في العمل معه. 

ويقول المرافق السابق للخزعلي، الموجود حالياً في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، إن ماراثون اللحاق بزعيم التيار وتقليده كان يسيطر عليه من دون أن ينتبه، مثلاً حتى في احتمالية “اعتزاله السياسة”. 

وقبل أن يشتبك التيار مع العصائب في جولات عدة وفي مختلف المدن، كان الصدر قد وصف أعضاء هذه الجماعة بأنهم ”قتلة لا دين لهم”. 

وكان هذا التوصيف في 2012 هو أقوى هجوم يشنه الصدر على الخزعلي، عقب قرار الأخير رمي السلاح والانخراط في العملية السياسية. 

بطبيعة الحال، انخرط الخزعلي في العمل السياسي، لكنه لم يرمِ السلاح، وصار في مناسبات عديدة، خاصة في البصرة، يُستعمل في القتال مع التيار الصدري لانتزاع النفوذ في الجنوب. 

مهمة انتحارية 

يقول أحمد الياسري، محلل سياسي مقيم في أستراليا، إن ”الخزعلي قام بدور مهم داخل المنظومة الشيعية لم يجرؤ عليه أحد، وهو مواجهة الصدر”. 

في المدة بين عامي 2005 و2006، انشقت جماعة عن ميليشيا “جيش المهدي” أطلقت على نفسها اسم “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، المولود عام 1974 بمدينة الصدر في بغداد. 

وبعد تجميد جيش المهدي عام 2007، اندفع الخزعلي إلى تزعم ما تسمى “المقاومة العراقية”، مستعيناً باتصالاته السابقة مع الإيرانيين، أيام كان مبعوث الصدر إلى طهران كما تذكر وثائق أمريكية نشرت قبل أعوام. 

وبرز اسم العصائب بعدما اختطفت خبير المعلومات البريطاني بيتر مور وحراسه الأربعة البريطانيين في أيار 2007 من مكتب تابع لوزارة المالية في بغداد. 

عام 2010، أطلق الأمريكيون سراح قيس وشقيقه ليث “مقابل إعادة رهينة غربية وجثث بريطانيين كانوا قد أعدموا”، بحسب تقرير سابق لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. 

وفي عام 2014، عندما أُسس الحشد الشعبي وانضمت إليه العصائب، بايعت الأخيرة، علانية علي خامنئي المرشد الأعلى الإيراني، لكن بعد الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني وغيابه الذي شتّت الفصائل المسلحة الشيعية المتحالفة مع إيران في العراق، بدأ الخزعلي الابتعاد خطوة بعد خطوة عن طهران والظهور بمظهر رجل السياسة القومي. 

وسعى في كل خطاباته إلى التأكيد على عدم تبعيته لإيران من أجل بناء قاعدة جماهيرية، وقد قال في أحد لقاءاته التلفزيونية: “إذا اندلعت حرب بين إيران والولايات المتحدة فلا علاقة لنا بها”. 

وكانت العصائب قد دخلت عام 2014 البرلمان عبر كتلة “الصادقون” التي فازت بمقعد واحد، وازداد هذا العدد إلى 15 مقعداً في انتخابات عام 2018، والآن تمتلك نحو 20 مقعداً. 

يصف الياسري العصائب بعد انتخابات 2021 بأنها ”صدرية الإطار”، ذلك أنها تعتمد أساليب الصدريين ذاتها تقريباً في تحركاتها السياسية والاجتماعية. 

ويضيف الياسري أن “كتلة العصائب منافسة للمساحة الصدرية. بدأت كبداية منظمة بدر بالمشاركة للحصول على بضعة مقاعد ثم تحولت إلى رقم مهم داخل الإطار”. 

ويرى أنها حصلت على هذه الأهمية لأن الإطار يريد كتلة تواجه الصدريين بملامح مشابهة لملامحهم. 

وهو ما حصل. 

في أواخر آب 2022 حين دخل أنصار الصدر إلى المنطقة الخضراء وسط بغداد، أذاع الخزعلي بياناً بصوته عدّد فيه التعليمات التي يجب اتباعها من متظاهري الإطار التنسيقي. 

آنذاك، حاولت بعض أطراف الإطار -وهي التسمية التي باتت تطلق على مجموعة القوى الشيعية باستثناء الصدر- التغلب على الأخير باستخدام أساليبه بتنفيذ احتجاجات مضادة، وأطلقت تظاهرات تحت مسمى “الحفاظ على الشرعية”. 

لكن تلك التظاهرات لم تؤت أكلها، وبدت ضئيلة أمام تحركات الصدر في الشارع وهيمنته عليه. 

في 30 آب 2022، شهدت بغداد حرباً بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة داخل المنطقة الخضراء المُحصنّة، وكان الطرفان الأساس في القتال هما التيار الصدري والعصائب. 

كان الصدر قد خسر توّاً معركة سياسية أراد من خلالها توليف ما أسماه “حكومة أغلبية وطنية” بجانب الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة السني، لكن مسعاه في ذلك لم ينجح، وكان النزال في المنطقة الخضراء في 29 و30 آب 2020، وسقوط 30 قتيلاً على الأقل، قد أبعده خطوة أخرى خارج السياسة. 

“الخزعلي دائماً يذكّر قادة الإطار أنه الوحيد من تجرأ على الوقوف أمام الصدر عندما عطّل البرلمان بالتظاهرات عام 2022، وأن هذا يجب التذكير به دائماً”، قال مصدر سياسي مقرب من الإطار التنسيقي، ومطلع على الحوارات داخله. 

“النزاع مع الصدريين بالضبط هو ما جعل الخزعلي أكثر قوة داخل الإطار التنسيقي” أضاف المصدر لـ”جمار”. 

أدى انسحاب الصدريين من الحياة السياسية صيف 2022 إلى “جعل العصائب رقماً سياسياً مهماً”، كما يرى الياسري. 

ويشير إلى أن تنامي قوة العصائب بعد انسحاب الصدريين يعود إلى أن أطراف الإطار التنسيقي لا تمتلك قدرات “فصائلية وشعبية” لسد الفراغ الصدري، لذا أوكلت المهمة إلى جماعة الخزعلي. 

وصار يُنظر إلى العصائب على أنها حركة مواجهة أعطت الإطار التنسيقي زخماً للذهاب بعيداً في مواجهة الصدريين، وهذا دور لم يستطع أن يقوم به حزب الدعوة ولا ائتلاف دولة القانون ولا بقية أركان التحالف الشيعي. 

السلطة بدلاً من “المقاومة” 

في الوقت الذي انخرط الخزعلي بالسياسة، كان قد خسر موقعه في “المقاومة العراقية”، حيث انسحب تدريجياً حتى وصل الأمر إلى الاستهزاء به علناً من قبل كتائب حزب الله، التنظيم الأبرز في فريق “المقاومة”. 

لكن على الرغم من ذلك، فإن زعيم العصائب كان قد حصل على امتيازات مهمة في الحكومة الحالية، وسيطر على مفاصل اقتصادية في مؤسسات الدولة. 

لا سيما الموانئ وعقود الاعمار والاستيلاء على أراضٍ في مناطق مختلفة، في الوسط والجنوب والشمال. 

وبعد أزمة المخابرات، يستبعد الياسري حدوث نزاع جديد بين الخزعلي والسوداني، لأن الأخير لا يمتلك كتلة نيابية ويحتاج إلى من يدعمه في البرلمان، والعصائب أفضل خيار له. 

ويذهب تقرير نشرته “الشرق الأوسط” إلى أبعد من ذلك، إذ يتحدث عن تحرك السوداني لتشكيل تحالف مع شخصيات شيعية قد يدعمه الخزعلي. 

وينظر المالكي إلى أي تحالف بين السوداني والخزعلي على أنه خطر محدق بالإطار التنسيقي وبقوته هو نفسه كزعيم شيعي مؤثر. 

وبناء على ذلك، يتحرك المالكي لإجراء تعديلات على قانون الانتخابات تضمن عدم حصول السوداني على مقاعد نيابيّة تؤهله لأن يكون رقماً صعباً في معادلات السلطة، كما ينقل التقرير عن مصادر مطلعة. 

وقد أرسل رسائل سرية عبر وسطاء إلى الصدر في محاولة لإقناعه بالعودة إلى الساحة السياسية بعد التفاهم على “أفضل نسخة من قانون الانتخابات”. 

ولعلّ المالكي يرى في تقرّبه من الصدر ضربة قاصمة استباقية لأي عمل مستقبلي مشترك بين السوداني والخزعلي. 

وفي خضمِّ هذه التسريبات والقراءات، نشر الصدر بياناً أشاد فيه بـ”صبر وثبات القواعد الشعبية” للتيار الصدري بعد سحب نوابه من البرلمان حتى لا يكونوا “ظهيراً للفاسدين”. 

وذهبت القراءات التحليلية لبيان الصدر في اتجاهين، الأول أنه ردّ بالرفض على رسائل المالكي عبر هذا البيان، والثاني أنه يهيئ أتباعه نفسياً لعودته إلى ميدان السياسة. 

وإذا صدق التحليل الأول، فإن الطريق سيكون سالكاً إلى حد كبير أمام الخزعلي لاستكمال بسط نفوذه كواحد من اللاعبين الكبار الصاعدين من الخط الثاني للسياسيين الشيعة. 

ومع تسارع خطاه نحو الطموحات السياسية، يبدو أن الخزعلي تخلى عن أحلامه السابقة في أن يكون “زعيم المقاومة” في العراق، على غرار حسن نصر الله في لبنان وعبد الملك الحوثي في اليمن. 

ويعتقد محمد نعناع، عضو جماعة “رفض” العراقية، أن “الخزعلي قد يتمكّن من بناء دولة عميقة إذا ما واصل مد الجسور بهدوء وتجنب الخلافات”. 

ولعل أحلامه الجديدة هي منبع حرصه على رسم صورة الناجح أمام الرأي العام عبر كل منصب يكون من نصيبه، وقد يكون أهمها حالياً منصب محافظ بابل التي تعد من أسوأ محافظات العراق على مستوى الخدمات. 

فقد ذهب هذا المنصب إلى عدنان فيحان، أحد رجاله. 

“جلسنا جلسة خاصة مع الأخ عدنان فيحان وقدمنا له كل سبل الدعم” يقول الخزعلي في حوار ضمن منتدى أقيم في بغداد. 

لكن الصدر إذا عاد، بحسب نعناع، ستكون طموحات الخزعلي مهدّدة وقد تتداعى أمام قوة زعيم التيار الذي يسمّي العصائب “الميليشيات الوقحة”.