الأوليغارشية العراقية: أرباب المصارف الخاصة والسيطرة على السياسة النقدية 

ميزر كمال

09 أيار 2024

وحش قانوني أطلق عام 2003 وأخذ يكبر حتى صار يأكل اليوم ما يجنيه العراق من بيع النفط.. عن أرباب المصارف في العراق

بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، سمح نظام صدام حسين لأوّل مرة بتشكيل بنوك خاصة في العراق. ومنذ عام 1992 وحتى نهاية نظام حزب البعث تم إنشاء 17 بنكاً من هذا النوع.  

ولكن حتى حرب الخليج الثانية، منع النظام العراقي السابق هذه البنوك من إجراء المعاملات الدولية – بما في ذلك المدفوعات والتحويلات المالية وخطابات الاعتماد.  

البداية 

في 28 تشرين الثاني 2003، كُسرت هذه القيود على المصارف، عندما سمح البنك المركزي العراقي للمصارف الخاصة بمعالجة المدفوعات الدولية والتحويلات المالية وخطابات الاعتماد بالعملة الأجنبية. ويأتي هذا الإجراء في أعقاب خطوات أخرى وصفت حينها بأنّها “مهمة” لتحديث النظام المصرفي العراقي، منها على سبيل المثال، إنشاء عملة وطنية جديدة، وإطلاق مزادات يومية للعملة الأجنبية من قبل البنك المركزي.  

بحسب إعلان “سلطة الإئتلاف حينها”، التي كان يتولاها بول برمير، الحاكم المدني الأمريكي للعراق، فإنّ البنوك الخاصة، يتولى إدارتها في العراق “مصرفيون ذوو مؤهلات عالية وخبرة، عملوا سابقاً في البنك المركزي العراقي وكذلك في مصرفي الرافدين والرشيد المملوكين للدولة”.  

هذه البنوك الخاصة تعاقدت مع العديد من البنوك الدولية لترتيب خطوط ائتمان تجعلها على استعداد لمعالجة المدفوعات الدولية والتحويلات وخطابات الاعتماد.  

  

في 21 حزيران 2004، اجتمع ممثلون عن هذه المصارف العراقية، مع خبراء أميركيين ودوليين في القطاع المالي في نيويورك وواشنطن، حينها قالت سلطة الائتلاف إنّ هذا الاجتماع “يأتي للاطلاع على أحدث أساليب الأعمال المصرفية، ولإقامة صلات مع شركاء أمريكيين محتملين في قطاع الأعمال الأمريكي”. وكانت وكالة التجارة والتنمية الأميركية هي الراعي الرسمي لهذا الاجتماع. 

 
الزيارة اشتملت كذلك على اجتماعات مع بنك الاحتياط الفيدرالي لنيويورك، وجمعية المصرفيين العرب في أمريكا الشمالية، وجمعية المصرفيين الدوليين، ووزارة المالية الأميركية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والشركة المالية الدولية. 

اللغة المثالية في البيانات والمؤتمرات الصحفية لم تكن تشبه ما يجري بالفعل على الأرض، فمنذ لحظة 2003، وحتّى الآن، تحوّل النظام المصرفي العراقي، إلى ثقب أسود، ابتلع مئات المليارات من الدولارات على مدى 21 سنة، وما يزال هذا النظام يسيطر على السوق المالية في العراق، ويتحكم بالاقتصاد العراقي من خلال السيطرة على شراء الدولار من “مزاد العملة”، وإعادة تدويره وتهريبه إلى الخارج، ولهذه السيطرة أشكال كثيرة، منها النقد، ومنها الفواتير المزورة، ومنها السوق الموازي، الذي يسيطر حالياً على ميزان سعر الصرف بين الدولار الأمريكي والدينار العراقي. 

هذه السيطرة شديدة الأذى على الاقتصاد العراقي، تتحكم بها المصارف الخاصة، والمصارف الحكومية كذلك، التي تسهّل على البنوك الخاصة استحواذها على البيئة المالية في العراق، ومن يحرّك كل هذه اللعبة ويتحكم بها، هم من يتحكمون بتلك البنوك ويملكونها، أحزاب سياسية لها أذرع مسلحة، وشخصيات متنفذة محمية بالسلاح كذلك، بنت إمبراطوريات مالية على أنقاض النظام المالي في العراق. 

يقول وزير المالية العراقي السابق، علي علاوي، إن العراق يوجد فيه حالياً 30 مليارديراً، وهؤلاء أصبحوا معبئين بهذه الأموال بعد عام 2003، كما أنّه يتحدث بيأس عندما يتعلق الأمر بإصلاح النظام المالي والمصرفي في العراق، لأن البلاد تُدار عن طريق “دولة الليل” ثم تأتي “دولة النهار” لتنفذ وحسب. 

التفشّي 

النظام المصرفي العراقي، والسياسات النقدية، مرّت بتحولات كبيرة وخطيرة منذ عام 2003، لكنّ أهمها ما حدث بين 2013 و2014، وهي الفترة التي منح فيها البنك المركزي العراقي الرخص لإنشاء شركات صيرفة، وهذه الشركات كانت تدخل إلى نافذة بيع العملة وتشتري الدولار، وكانت “معظم” فواتير هذه الشركات مزوّرة. ثم بعد ذلك (في عام 2014) شرّع العراق قانون المصارف الإسلامية، وهو قانون يسمح لشركات الصيرفة تلك بالتحوّل إلى مصارف إسلامية. 

حتى عام 2013، كان في العراق 385 شركة صيرفة، وخلال عام واحد فقط من إعطاء رخص إنشاء شركات صيرفة ارتفع عددها إلى أكثر من 2000 شركة، ثم في عام 2014، أوقف البنك المركزي العراقي منح الرخص، وشُرّع قانون المصارف الإسلامية، الذي تحوّلت بموجبه بعض هذه الشركات إلى مصارف إسلامية، في ذلك العام كان العراق لديه 36 مصرفاً، لكن بعد قانون المصارف الإسلامية، ارتفع العدد إلى 81 مصرفاً.  

تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى لقانون المصارف الإسلامية على جواز تأسيس مصرف إسلامي وفقاً لأحكام قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997، وقانون الشركات العامة رقم (22) لسنة 1997، وقانون المصارف رقم (94) لسنة 2004، على أن يتضمن عقد تأسيسه ونظامه الداخلي التزاماً بممارسة الأعمال المصرفية المسموح بها بدون فائدة، أخذاً وعطاءً، ووفقا لصيغ المعاملات المصرفية التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، سواء في مجال قبول الودائع وتقديم الخدمات المصرفية الأخرى أو في مجال التمويل والاستثمار. 

في المادة الرابعة، أولاً، يفصّل القانون رأس المال المطلوب لتأسيس مصرف إسلامي، “لا يجوز أن يقل رأس المال المدفوع لأي مصرف إسلامي عن (250) مئتين وخمسين مليار دينار على أن يدفع (100) مائة مليار دينار منها عند التأسيس، ويسدد على ثلاث دفعات متساوية من تاريخ منح الإجازة، وللبنك أن يرفع الحد الأدنى وفق قانون المصارف رقم (94) لسنة 2004”. 

من هذا القانون بدأت الأحزاب التي تستحوذ على السلطة بالدخول بلا مواربة إلى خزينة الدولة ومواردها المالية، عن طريق نافذة بيع العملة، وتحوّلت ظاهرة “الفواتير المزوّرة” إلى وحش يأكل اليوم ما يجنيه العراق من بيع النفط. 

  

السيطرة 

يحتفظ العراق برصيد يقترب من 113 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية في البنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك. وتملك الدولة العراقية عدة حسابات هناك، بما في ذلك الحساب الجاري لوزارة المالية، وهو الأكبر حيث يتلقى المدفوعات من مبيعات صادرات النفط، كما يمتلك البنك المركزي العراقي حساباً هناك ويستخدمه لثلاثة أسباب رئيسية:   

  • الأول: لتسوية قروض ومدفوعات تُجرى من وإلى كيانات حكومية عراقية أخرى مثل وزارة المالية أو المصرف التجاري العراقي.   
  •  الثاني: توفير الوصول إلى الدولارات التي يحولها البنك المركزي إلى العراق، ثم يرتب انتقالها إلى المستوردين الذين يحتاجون مدفوعات بالدولار.  

  

  • الثالث: لإجراء دفعات للتحويلات الفعلية للدولار من مركز عمليات “إيست راذرفورد” التابع للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والذي يقوم بعد ذلك بتسليم النقد عبر القوات الجوية الأمريكية إلى بغداد. 

   

منذ عام 2015، قام البنك المركزي العراقي بتحويل ما بين 5 إلى 7 مليار دولار شهرياً إلى العراق، وحوالي 90 بالمئة من هذا المبلغ يتم تحويله إلكترونياً، بينما 10 بالمئة فقط تحول نقداً فعلياً.   

يعتمد اقتصاد العراق على ربط ثابت للدينار بالدولار؛ وذلك لأن مبيعات النفط تتم بالدولار، بينما يتم دفع النفقات العامة للدولة مثل الرواتب بالدينار.   

ولأن العراق يعد مستورداً رئيسياً للمواد الغذائية والسلع، فإنّ تكلفة هذه السلع في الأسواق المحلية ترتفع حين يضعف الدينار أمام الدولار، بينما تبقى الأرباح بالدينار، وبالتالي ترتفع تكلفة المعيشة.    

حين حدد البنك المركزي العراقي سعر صرف رسمي للعملة الأجنبية يبلغ 1460 ديناراً عراقياً للدولار الواحد في موازنة 2021، يُفترض أن يبيع السوق الموازي الدولار بسعر 1470 ديناراً. لكنّ تنظيم ذلك السوق واجه صعوبات بسبب القيود التي فرضت على وصول الأفراد والدولارات.   

الفيدرالي الأمريكي يظهر قلقه بشأن ثلاثة أمور رئيسية، وهي قدرة ما يصنّفها “بالمنظمات الإرهابية” على تمويل نفسها وغسل الأموال عبر مصرف الرافدين. والتحويل غير المشروع للدولارات إلى دول أخرى، بالأخص إيران وتركيا ولبنان وسوريا والأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة. وغسل الأموال الناتجة عن الفساد عبر التحويلات المالية الخارجية.  

وفق مصدر في مكتب رئيس الوزراء، فأن السفيرة الأمريكية قدمت لمحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، أدلة قاطعة على كيفية وصول بعض هذه التحويلات إلى حزب الله في لبنان، وكيانات أخرى مُرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.  

  

وينقل المصدر أحد الأمثلة التي قدمتها السفيرة الأمريكية، وهي ورقة نقدية من فئة 100 دولار تم تمييزها في نيويورك قبل شحنها إلى العراق، وجرى تعقبها وهي تتحرك من بغداد إلى بيروت لتستقر في النهاية في شركة يسيطر عليها حزب الله اللبناني، مدرجة على لائحة العقوبات الدولية.   

   

أكبر شكوى من الاحتياطي الفيدرالي تقع تحديداً على البنوك الخاصة المملوكة لأفراد خاضعين للعقوبات الأمريكية، الذين يشترون الدولارات ثم يرتبون تحويلها إلى جهات مرتبطة بإيران، كما تقدم شركات الاستيراد “فواتير مزوّرة” تقوم بموجبها بدفع الدولارات لشركات تحولها بدورها إلى دول أخرى.  

طلب الاحتياطي الفيدرالي من البنك المركزي العراقي استبعاد بعض البنوك من عملية شراء الدولارات، وهو ما فعله البنك المركزي، لكنّ بعض البنوك وجدت طريقة للتحايل على هذا الحظر.   

يوجد حوالي 20 مصرفاً تشتري الدولارات من البنك المركزي، ولا تكشف بشكل صحيح عن تفاصيل التحويلات النهائية أو العملاء، وهذه هي البنوك الأكثر إثارة للمشاكل، على سبيل المثال، يعتبر بنك “الهدى” أكبر مشتر للدولارات (حوالي 50 بالمئة من إجمالي مبيعات مزاد البنك المركزي في بعض الأوقات)، وهو مملوك لحمد الموسوي، الذي لديه ارتباطات بائتلاف دولة القانون، وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على المصرف نهاية كانون الثاني 2024، أما المصرف الآخر فهو بنك “البلاد الإسلامي”، الذي غيّر اسمه إلى أربيل، بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مالكه أراس حبيب كريم، بسبب ما تقول واشنطن إنّها “صلات تربطه بالحرس الثوري الإيراني”. 

  

أيضاً، استُبعدت البنوك الأربعة المملوكة لعلي غلام، من مزاد العملة اليومي، وكانت لهذه المصارف صلة وثيقة بمصرف “الشرق الأوسط العراقي للاستثمار”، لكن يُعتقد أنّ غلام باع هذه البنوك واشترى أسهماً في بنوك أخرى، لديها تراخيص لشراء الدولارات. 

    

وبينما تجنّب آخرون التدقيق، غير أنّهم قللوا مشترياتهم من الدولار مؤخراً، مثل تمكين الحسناوي، صاحب بنك الموصل، وهو رجل أعمال له ارتباطات بالتيار الصدري، ويُعتقد أنّ له صلة بسرقة الأمانات الضريبية أو ما يعرف بـ”سرقة القرن”.  

  

وفقًا لمصدر في البنك المركزي العراقي، يتعرض مسؤولون في البنك لضغوط من سياسيين، بمن فيهم المرتبطين بمحمد الحلبوسي (رئيس البرلمان السابق) ونوري المالكي (رئيس الوزراء الأسبق) ومقتدى الصدر (زعيم اللتيار الصدري) وهادي العامري (زعيم منظمة بدر ووزير النقل الأسبق) وقيس الخزعلي (زعيم عصائب أهل الحق) وغيرهم، للموافقة على تراخيص مصرفية والسماح بشراء الدولار دون عوائق.    

   

التأثير 

شهد البنك المركزي العديد من التغييرات في المناصب والهيكليات، وكان هو الآخر ضحيّة الوحش السياسي الذي التهم كل شيء في هذا النظام.  

  

يمكن تصنيف الموظفين الكبار الأكثر تأثيراً في قرارات البنك المركزي وخلفياتهم السياسية بسهولة، وهم يقسمون على كتل عديد، لكن المؤثر منها، دولة القانون)، التيار الصدري وتيار الحكمة.   

   

يبرم مالكو المصارف صفقات مع السياسيين للحصول على الحماية مقابل حصة من الأرباح. كما يبرم النظام الإيراني صفقات مع هؤلاء المصرفيين لتوفير الدولارات. 

يتم تطبيق رسوم على كل تحويل بالدولار، تتراوح بين 2 و20 بالمئة حسب الحجم وظروف السوق، وتعمل شبكة التهريب هذه من خلال التحويلات، التي تواجه صعوبات الآن، ومن خلال طريق النقد الفعلي.   

كما أن شركات الصرافة تشتري معظم الدولارات النقدية في بغداد؛ مما يترك القليل منها متداولاً ويرفع السعر، ثم تقوم هذه الصيرفات بتهريب الدولار عبر كردستان إلى تركيا وسوريا وإيران.  

قال مصدر من داخل البنك المركزي العراقي أنّ علي غلام والمصرفيين الآخرين احتفظوا عمداً بمبالغ “الدولار” التي يمتلكونها، وأفرجوا عن القليل جداً منها، كي تستمر عملية الاستفادة من فارق الصرف بين السعر المباع في البنك المركزي، والمباع لدى محال الصيرفات، وهو ما مكنهم من تحقيق ربح يتراوح بين 10 بالمئة و20 بالمئة على كل دولار يتم بيعه، حيث اشتروه مقابل 1460 ديناراً (قبل قرار تغيير سعره إلى 1320 ديناراً) ويبيعونه بسعر يتراوح بين 1550 و1650 ديناراً.  

  

يعطي تقدير تقريبي على أساس ما سبق مبلغاً يتراوح بين 1.5 مليار دولار و2 مليار دولار شهرياً، أيضاً يجري تهريبها أو شراؤها بطريقة غير مشروعة، مما يفيد دولاً مثل إيران وكيانات أخرى مرتبطة بها. ومن الواضح أن هذا الأمر قد تغير الآن، وانخفض الرقم كثيراً، إلا أنه لا يزال بمئات الملايين من الدولارات، بعد اجراءات الفيدرالي الأمريكي المتعلقة بنظام “سويفت“.   

تمول المصارفُ الأهلية الكتلَ السياسية والفصائل المسلحة بشكل مستمر، وتحظى بحماية الكتل التي تمولها، ويبدو أن هذه الكتل متوافقة في تقسيماتها وتأسيسات مصارفها، لهذا الغرض.  

   

المزاد 

يقدم البنك المركزي للبنوك الخاصة والمستوردين وشركات الصرافة طريقين للحصول على الدولارات، الأول يتمثل بالتحويلات الإلكترونية، والتي تسمح للبنوك والشركات بشراء الدولارات أو تسوية المدفوعات للموردين والدائنين، وقد بلغت حوالي 260 مليار دولار بين عامي 2015 و2020. أما الطريقة الثانية فهي الشراء النقدي للدولارات، والذي بلغ إجماليه حوالي 40 مليار دولار بين عامي 2015 و2020.   

يسمح البنك المركزي لجميع البنوك الخاصة والمستوردين والشركات تقريباً بالحصول على الدولارات أو طلب الدفع للدائنين. في الماضي، كانت العملية بسيطة وكان البنك المركزي يوفر الدولارات عند تقديم الفواتير أو المستندات الأخرى، ثم يبدأ عملية التدقيق بعد إجراء التحويلات، ولكن اعتباراً من الأول من تشرين الثاني 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتطبيق عملية تدقيق جديدة تتطلب تدقيق جميع التفاصيل والمستندات والموافقة عليها من قبل مسؤولي البنك المركزي العراقي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبل إجراء التحويلات.   

   

لقد أدى ذلك بحلول كانون الأول 2022 إلى انخفاض بنسبة 90 بالمئة في نشاط تحويلات البنك المركزي العراقي، مما يعني أن البنوك والشركات واجهت صعوبة أكبر في الوصول إلى الدولارات.  

   

كما تأثر المسار الثاني، وهو الشراء النقدي، ولكن بدرجة أقل بكثير حيث لم يتم تغيير نظام التدقيق بشكل كبير. من خلال هذا المسار، يمنح البنك المركزي التراخيص للشركات التي ترغب في شراء الدولارات. 

   

يوجد أكثر من 2000 شركة صرافة حاصلة على ترخيص من البنك المركزي العراقي، حصل 249 منه على تصنيف A من البنك المركزي، و81 على تصنيف B. ويمكن للشركة المصنفة “A” الحصول على مليون و800 ألف دولار في الأسبوع، بينما يمكن لشركة مصنفة “B” شراء 750,000 دولار أسبوعياً.   

يوفر البنك المركزي العراقي بيانات يومية عن مقدار الدولارات التي يبيعها، إلكترونياً أو نقداً. قبل التغييرات التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي، بلغ معدل البيع اليومي حوالي 250 مليون دولار في تشرين الاول 2022، قبل أن ينخفض إلى أقل من 50 مليون دولار في كانون الثاني، ثم يرتفع إلى نحو 100 مليون دولار، حتى عاد إلى عتبة 250 مليون دولار حالياً.  

   

يوضح المصدر في البنك المركزي أن مخاوف الاحتياطي الفيدرالي مشروعة، وأن البنك المركزي كان على علم بالتحويلات الإشكالية لسنوات عديدة، لكنه لم يفعل الكثير لايقافها، بسبب القوة السياسية للبنوك الخاصة التي تشتري الدولارات.   

مؤخراً عمد البنك المركزي إلى حرمان 8 مصارف من مزاد بيع الدولار، لعدم تنفيذهم الاجراءات والضوابط التي فرضها على المصارف كافة في العراق، وهذه يمكن أن تكون رسالة إلى الفيدرالي الأمريكي بوجود منهجية جديدة لدى البنك المركزي بشأن المصارف التي تقاوم النظام المصرفي المراد تطبيقه في العراق، للحد من تهريب العملة، ولتجنب حجب الدولار عن العراق من قبل الخزانة الأمريكية.. 

   

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، سمح نظام صدام حسين لأوّل مرة بتشكيل بنوك خاصة في العراق. ومنذ عام 1992 وحتى نهاية نظام حزب البعث تم إنشاء 17 بنكاً من هذا النوع.  

ولكن حتى حرب الخليج الثانية، منع النظام العراقي السابق هذه البنوك من إجراء المعاملات الدولية – بما في ذلك المدفوعات والتحويلات المالية وخطابات الاعتماد.  

البداية 

في 28 تشرين الثاني 2003، كُسرت هذه القيود على المصارف، عندما سمح البنك المركزي العراقي للمصارف الخاصة بمعالجة المدفوعات الدولية والتحويلات المالية وخطابات الاعتماد بالعملة الأجنبية. ويأتي هذا الإجراء في أعقاب خطوات أخرى وصفت حينها بأنّها “مهمة” لتحديث النظام المصرفي العراقي، منها على سبيل المثال، إنشاء عملة وطنية جديدة، وإطلاق مزادات يومية للعملة الأجنبية من قبل البنك المركزي.  

بحسب إعلان “سلطة الإئتلاف حينها”، التي كان يتولاها بول برمير، الحاكم المدني الأمريكي للعراق، فإنّ البنوك الخاصة، يتولى إدارتها في العراق “مصرفيون ذوو مؤهلات عالية وخبرة، عملوا سابقاً في البنك المركزي العراقي وكذلك في مصرفي الرافدين والرشيد المملوكين للدولة”.  

هذه البنوك الخاصة تعاقدت مع العديد من البنوك الدولية لترتيب خطوط ائتمان تجعلها على استعداد لمعالجة المدفوعات الدولية والتحويلات وخطابات الاعتماد.  

  

في 21 حزيران 2004، اجتمع ممثلون عن هذه المصارف العراقية، مع خبراء أميركيين ودوليين في القطاع المالي في نيويورك وواشنطن، حينها قالت سلطة الائتلاف إنّ هذا الاجتماع “يأتي للاطلاع على أحدث أساليب الأعمال المصرفية، ولإقامة صلات مع شركاء أمريكيين محتملين في قطاع الأعمال الأمريكي”. وكانت وكالة التجارة والتنمية الأميركية هي الراعي الرسمي لهذا الاجتماع. 

 
الزيارة اشتملت كذلك على اجتماعات مع بنك الاحتياط الفيدرالي لنيويورك، وجمعية المصرفيين العرب في أمريكا الشمالية، وجمعية المصرفيين الدوليين، ووزارة المالية الأميركية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والشركة المالية الدولية. 

اللغة المثالية في البيانات والمؤتمرات الصحفية لم تكن تشبه ما يجري بالفعل على الأرض، فمنذ لحظة 2003، وحتّى الآن، تحوّل النظام المصرفي العراقي، إلى ثقب أسود، ابتلع مئات المليارات من الدولارات على مدى 21 سنة، وما يزال هذا النظام يسيطر على السوق المالية في العراق، ويتحكم بالاقتصاد العراقي من خلال السيطرة على شراء الدولار من “مزاد العملة”، وإعادة تدويره وتهريبه إلى الخارج، ولهذه السيطرة أشكال كثيرة، منها النقد، ومنها الفواتير المزورة، ومنها السوق الموازي، الذي يسيطر حالياً على ميزان سعر الصرف بين الدولار الأمريكي والدينار العراقي. 

هذه السيطرة شديدة الأذى على الاقتصاد العراقي، تتحكم بها المصارف الخاصة، والمصارف الحكومية كذلك، التي تسهّل على البنوك الخاصة استحواذها على البيئة المالية في العراق، ومن يحرّك كل هذه اللعبة ويتحكم بها، هم من يتحكمون بتلك البنوك ويملكونها، أحزاب سياسية لها أذرع مسلحة، وشخصيات متنفذة محمية بالسلاح كذلك، بنت إمبراطوريات مالية على أنقاض النظام المالي في العراق. 

يقول وزير المالية العراقي السابق، علي علاوي، إن العراق يوجد فيه حالياً 30 مليارديراً، وهؤلاء أصبحوا معبئين بهذه الأموال بعد عام 2003، كما أنّه يتحدث بيأس عندما يتعلق الأمر بإصلاح النظام المالي والمصرفي في العراق، لأن البلاد تُدار عن طريق “دولة الليل” ثم تأتي “دولة النهار” لتنفذ وحسب. 

التفشّي 

النظام المصرفي العراقي، والسياسات النقدية، مرّت بتحولات كبيرة وخطيرة منذ عام 2003، لكنّ أهمها ما حدث بين 2013 و2014، وهي الفترة التي منح فيها البنك المركزي العراقي الرخص لإنشاء شركات صيرفة، وهذه الشركات كانت تدخل إلى نافذة بيع العملة وتشتري الدولار، وكانت “معظم” فواتير هذه الشركات مزوّرة. ثم بعد ذلك (في عام 2014) شرّع العراق قانون المصارف الإسلامية، وهو قانون يسمح لشركات الصيرفة تلك بالتحوّل إلى مصارف إسلامية. 

حتى عام 2013، كان في العراق 385 شركة صيرفة، وخلال عام واحد فقط من إعطاء رخص إنشاء شركات صيرفة ارتفع عددها إلى أكثر من 2000 شركة، ثم في عام 2014، أوقف البنك المركزي العراقي منح الرخص، وشُرّع قانون المصارف الإسلامية، الذي تحوّلت بموجبه بعض هذه الشركات إلى مصارف إسلامية، في ذلك العام كان العراق لديه 36 مصرفاً، لكن بعد قانون المصارف الإسلامية، ارتفع العدد إلى 81 مصرفاً.  

تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى لقانون المصارف الإسلامية على جواز تأسيس مصرف إسلامي وفقاً لأحكام قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997، وقانون الشركات العامة رقم (22) لسنة 1997، وقانون المصارف رقم (94) لسنة 2004، على أن يتضمن عقد تأسيسه ونظامه الداخلي التزاماً بممارسة الأعمال المصرفية المسموح بها بدون فائدة، أخذاً وعطاءً، ووفقا لصيغ المعاملات المصرفية التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، سواء في مجال قبول الودائع وتقديم الخدمات المصرفية الأخرى أو في مجال التمويل والاستثمار. 

في المادة الرابعة، أولاً، يفصّل القانون رأس المال المطلوب لتأسيس مصرف إسلامي، “لا يجوز أن يقل رأس المال المدفوع لأي مصرف إسلامي عن (250) مئتين وخمسين مليار دينار على أن يدفع (100) مائة مليار دينار منها عند التأسيس، ويسدد على ثلاث دفعات متساوية من تاريخ منح الإجازة، وللبنك أن يرفع الحد الأدنى وفق قانون المصارف رقم (94) لسنة 2004”. 

من هذا القانون بدأت الأحزاب التي تستحوذ على السلطة بالدخول بلا مواربة إلى خزينة الدولة ومواردها المالية، عن طريق نافذة بيع العملة، وتحوّلت ظاهرة “الفواتير المزوّرة” إلى وحش يأكل اليوم ما يجنيه العراق من بيع النفط. 

  

السيطرة 

يحتفظ العراق برصيد يقترب من 113 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية في البنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك. وتملك الدولة العراقية عدة حسابات هناك، بما في ذلك الحساب الجاري لوزارة المالية، وهو الأكبر حيث يتلقى المدفوعات من مبيعات صادرات النفط، كما يمتلك البنك المركزي العراقي حساباً هناك ويستخدمه لثلاثة أسباب رئيسية:   

  • الأول: لتسوية قروض ومدفوعات تُجرى من وإلى كيانات حكومية عراقية أخرى مثل وزارة المالية أو المصرف التجاري العراقي.   
  •  الثاني: توفير الوصول إلى الدولارات التي يحولها البنك المركزي إلى العراق، ثم يرتب انتقالها إلى المستوردين الذين يحتاجون مدفوعات بالدولار.  

  

  • الثالث: لإجراء دفعات للتحويلات الفعلية للدولار من مركز عمليات “إيست راذرفورد” التابع للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والذي يقوم بعد ذلك بتسليم النقد عبر القوات الجوية الأمريكية إلى بغداد. 

   

منذ عام 2015، قام البنك المركزي العراقي بتحويل ما بين 5 إلى 7 مليار دولار شهرياً إلى العراق، وحوالي 90 بالمئة من هذا المبلغ يتم تحويله إلكترونياً، بينما 10 بالمئة فقط تحول نقداً فعلياً.   

يعتمد اقتصاد العراق على ربط ثابت للدينار بالدولار؛ وذلك لأن مبيعات النفط تتم بالدولار، بينما يتم دفع النفقات العامة للدولة مثل الرواتب بالدينار.   

ولأن العراق يعد مستورداً رئيسياً للمواد الغذائية والسلع، فإنّ تكلفة هذه السلع في الأسواق المحلية ترتفع حين يضعف الدينار أمام الدولار، بينما تبقى الأرباح بالدينار، وبالتالي ترتفع تكلفة المعيشة.    

حين حدد البنك المركزي العراقي سعر صرف رسمي للعملة الأجنبية يبلغ 1460 ديناراً عراقياً للدولار الواحد في موازنة 2021، يُفترض أن يبيع السوق الموازي الدولار بسعر 1470 ديناراً. لكنّ تنظيم ذلك السوق واجه صعوبات بسبب القيود التي فرضت على وصول الأفراد والدولارات.   

الفيدرالي الأمريكي يظهر قلقه بشأن ثلاثة أمور رئيسية، وهي قدرة ما يصنّفها “بالمنظمات الإرهابية” على تمويل نفسها وغسل الأموال عبر مصرف الرافدين. والتحويل غير المشروع للدولارات إلى دول أخرى، بالأخص إيران وتركيا ولبنان وسوريا والأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة. وغسل الأموال الناتجة عن الفساد عبر التحويلات المالية الخارجية.  

وفق مصدر في مكتب رئيس الوزراء، فأن السفيرة الأمريكية قدمت لمحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، أدلة قاطعة على كيفية وصول بعض هذه التحويلات إلى حزب الله في لبنان، وكيانات أخرى مُرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.  

  

وينقل المصدر أحد الأمثلة التي قدمتها السفيرة الأمريكية، وهي ورقة نقدية من فئة 100 دولار تم تمييزها في نيويورك قبل شحنها إلى العراق، وجرى تعقبها وهي تتحرك من بغداد إلى بيروت لتستقر في النهاية في شركة يسيطر عليها حزب الله اللبناني، مدرجة على لائحة العقوبات الدولية.   

   

أكبر شكوى من الاحتياطي الفيدرالي تقع تحديداً على البنوك الخاصة المملوكة لأفراد خاضعين للعقوبات الأمريكية، الذين يشترون الدولارات ثم يرتبون تحويلها إلى جهات مرتبطة بإيران، كما تقدم شركات الاستيراد “فواتير مزوّرة” تقوم بموجبها بدفع الدولارات لشركات تحولها بدورها إلى دول أخرى.  

طلب الاحتياطي الفيدرالي من البنك المركزي العراقي استبعاد بعض البنوك من عملية شراء الدولارات، وهو ما فعله البنك المركزي، لكنّ بعض البنوك وجدت طريقة للتحايل على هذا الحظر.   

يوجد حوالي 20 مصرفاً تشتري الدولارات من البنك المركزي، ولا تكشف بشكل صحيح عن تفاصيل التحويلات النهائية أو العملاء، وهذه هي البنوك الأكثر إثارة للمشاكل، على سبيل المثال، يعتبر بنك “الهدى” أكبر مشتر للدولارات (حوالي 50 بالمئة من إجمالي مبيعات مزاد البنك المركزي في بعض الأوقات)، وهو مملوك لحمد الموسوي، الذي لديه ارتباطات بائتلاف دولة القانون، وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على المصرف نهاية كانون الثاني 2024، أما المصرف الآخر فهو بنك “البلاد الإسلامي”، الذي غيّر اسمه إلى أربيل، بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مالكه أراس حبيب كريم، بسبب ما تقول واشنطن إنّها “صلات تربطه بالحرس الثوري الإيراني”. 

  

أيضاً، استُبعدت البنوك الأربعة المملوكة لعلي غلام، من مزاد العملة اليومي، وكانت لهذه المصارف صلة وثيقة بمصرف “الشرق الأوسط العراقي للاستثمار”، لكن يُعتقد أنّ غلام باع هذه البنوك واشترى أسهماً في بنوك أخرى، لديها تراخيص لشراء الدولارات. 

    

وبينما تجنّب آخرون التدقيق، غير أنّهم قللوا مشترياتهم من الدولار مؤخراً، مثل تمكين الحسناوي، صاحب بنك الموصل، وهو رجل أعمال له ارتباطات بالتيار الصدري، ويُعتقد أنّ له صلة بسرقة الأمانات الضريبية أو ما يعرف بـ”سرقة القرن”.  

  

وفقًا لمصدر في البنك المركزي العراقي، يتعرض مسؤولون في البنك لضغوط من سياسيين، بمن فيهم المرتبطين بمحمد الحلبوسي (رئيس البرلمان السابق) ونوري المالكي (رئيس الوزراء الأسبق) ومقتدى الصدر (زعيم اللتيار الصدري) وهادي العامري (زعيم منظمة بدر ووزير النقل الأسبق) وقيس الخزعلي (زعيم عصائب أهل الحق) وغيرهم، للموافقة على تراخيص مصرفية والسماح بشراء الدولار دون عوائق.    

   

التأثير 

شهد البنك المركزي العديد من التغييرات في المناصب والهيكليات، وكان هو الآخر ضحيّة الوحش السياسي الذي التهم كل شيء في هذا النظام.  

  

يمكن تصنيف الموظفين الكبار الأكثر تأثيراً في قرارات البنك المركزي وخلفياتهم السياسية بسهولة، وهم يقسمون على كتل عديد، لكن المؤثر منها، دولة القانون)، التيار الصدري وتيار الحكمة.   

   

يبرم مالكو المصارف صفقات مع السياسيين للحصول على الحماية مقابل حصة من الأرباح. كما يبرم النظام الإيراني صفقات مع هؤلاء المصرفيين لتوفير الدولارات. 

يتم تطبيق رسوم على كل تحويل بالدولار، تتراوح بين 2 و20 بالمئة حسب الحجم وظروف السوق، وتعمل شبكة التهريب هذه من خلال التحويلات، التي تواجه صعوبات الآن، ومن خلال طريق النقد الفعلي.   

كما أن شركات الصرافة تشتري معظم الدولارات النقدية في بغداد؛ مما يترك القليل منها متداولاً ويرفع السعر، ثم تقوم هذه الصيرفات بتهريب الدولار عبر كردستان إلى تركيا وسوريا وإيران.  

قال مصدر من داخل البنك المركزي العراقي أنّ علي غلام والمصرفيين الآخرين احتفظوا عمداً بمبالغ “الدولار” التي يمتلكونها، وأفرجوا عن القليل جداً منها، كي تستمر عملية الاستفادة من فارق الصرف بين السعر المباع في البنك المركزي، والمباع لدى محال الصيرفات، وهو ما مكنهم من تحقيق ربح يتراوح بين 10 بالمئة و20 بالمئة على كل دولار يتم بيعه، حيث اشتروه مقابل 1460 ديناراً (قبل قرار تغيير سعره إلى 1320 ديناراً) ويبيعونه بسعر يتراوح بين 1550 و1650 ديناراً.  

  

يعطي تقدير تقريبي على أساس ما سبق مبلغاً يتراوح بين 1.5 مليار دولار و2 مليار دولار شهرياً، أيضاً يجري تهريبها أو شراؤها بطريقة غير مشروعة، مما يفيد دولاً مثل إيران وكيانات أخرى مرتبطة بها. ومن الواضح أن هذا الأمر قد تغير الآن، وانخفض الرقم كثيراً، إلا أنه لا يزال بمئات الملايين من الدولارات، بعد اجراءات الفيدرالي الأمريكي المتعلقة بنظام “سويفت“.   

تمول المصارفُ الأهلية الكتلَ السياسية والفصائل المسلحة بشكل مستمر، وتحظى بحماية الكتل التي تمولها، ويبدو أن هذه الكتل متوافقة في تقسيماتها وتأسيسات مصارفها، لهذا الغرض.  

   

المزاد 

يقدم البنك المركزي للبنوك الخاصة والمستوردين وشركات الصرافة طريقين للحصول على الدولارات، الأول يتمثل بالتحويلات الإلكترونية، والتي تسمح للبنوك والشركات بشراء الدولارات أو تسوية المدفوعات للموردين والدائنين، وقد بلغت حوالي 260 مليار دولار بين عامي 2015 و2020. أما الطريقة الثانية فهي الشراء النقدي للدولارات، والذي بلغ إجماليه حوالي 40 مليار دولار بين عامي 2015 و2020.   

يسمح البنك المركزي لجميع البنوك الخاصة والمستوردين والشركات تقريباً بالحصول على الدولارات أو طلب الدفع للدائنين. في الماضي، كانت العملية بسيطة وكان البنك المركزي يوفر الدولارات عند تقديم الفواتير أو المستندات الأخرى، ثم يبدأ عملية التدقيق بعد إجراء التحويلات، ولكن اعتباراً من الأول من تشرين الثاني 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتطبيق عملية تدقيق جديدة تتطلب تدقيق جميع التفاصيل والمستندات والموافقة عليها من قبل مسؤولي البنك المركزي العراقي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبل إجراء التحويلات.   

   

لقد أدى ذلك بحلول كانون الأول 2022 إلى انخفاض بنسبة 90 بالمئة في نشاط تحويلات البنك المركزي العراقي، مما يعني أن البنوك والشركات واجهت صعوبة أكبر في الوصول إلى الدولارات.  

   

كما تأثر المسار الثاني، وهو الشراء النقدي، ولكن بدرجة أقل بكثير حيث لم يتم تغيير نظام التدقيق بشكل كبير. من خلال هذا المسار، يمنح البنك المركزي التراخيص للشركات التي ترغب في شراء الدولارات. 

   

يوجد أكثر من 2000 شركة صرافة حاصلة على ترخيص من البنك المركزي العراقي، حصل 249 منه على تصنيف A من البنك المركزي، و81 على تصنيف B. ويمكن للشركة المصنفة “A” الحصول على مليون و800 ألف دولار في الأسبوع، بينما يمكن لشركة مصنفة “B” شراء 750,000 دولار أسبوعياً.   

يوفر البنك المركزي العراقي بيانات يومية عن مقدار الدولارات التي يبيعها، إلكترونياً أو نقداً. قبل التغييرات التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي، بلغ معدل البيع اليومي حوالي 250 مليون دولار في تشرين الاول 2022، قبل أن ينخفض إلى أقل من 50 مليون دولار في كانون الثاني، ثم يرتفع إلى نحو 100 مليون دولار، حتى عاد إلى عتبة 250 مليون دولار حالياً.  

   

يوضح المصدر في البنك المركزي أن مخاوف الاحتياطي الفيدرالي مشروعة، وأن البنك المركزي كان على علم بالتحويلات الإشكالية لسنوات عديدة، لكنه لم يفعل الكثير لايقافها، بسبب القوة السياسية للبنوك الخاصة التي تشتري الدولارات.   

مؤخراً عمد البنك المركزي إلى حرمان 8 مصارف من مزاد بيع الدولار، لعدم تنفيذهم الاجراءات والضوابط التي فرضها على المصارف كافة في العراق، وهذه يمكن أن تكون رسالة إلى الفيدرالي الأمريكي بوجود منهجية جديدة لدى البنك المركزي بشأن المصارف التي تقاوم النظام المصرفي المراد تطبيقه في العراق، للحد من تهريب العملة، ولتجنب حجب الدولار عن العراق من قبل الخزانة الأمريكية..