"كيف ينتفض الموتى؟".. عن عراقيين مارسوا الجدوى ذات يوم 

علي رياض

14 كانون الأول 2023

الجيل البالغ من العمر نحو 60 عاماً نزولاً إلى الأجيال التي تبعته عرفوا الصدمة كباطن يدهم، ورافقوا الموت على الأرصفة في كل مرة غادروا البيت، وشهدوا المرض العضال يصيب كرامتهم وأرواحهم وشرف بلادهم وسنين شبابهم.. عن عراقيين مارسوا الجدوى ذات يوم..

“اعتبر نفسك ميتاً” يقول مايكل هوغ جندي البحرية الامريكية السابق، وهو يرد على سؤال “كيف أتغلب على غريزة النجاة لدي؟”. 

جاء السؤال على موقع “quora”، الذي يسأل فيه الناس أسئلة، الكثير منها عميق، ليرد عليهم خبراء أو أصحاب تجارب أو أفراد عاديون بمعلومات أو خِبرات. 

و”غريزة النجاة” هي سلوك أو مجموعة سلوكيات فطرية تولد مع ولادة الكائنات الحية وتؤدي لضمان نجاتها، بدءاً من البكتريا أحادية الخلية ووصولاً إلى الإنسان، أكثر الكائنات الحية تطوراً وتعقيداً وأنانية. 

وأبسط مثال لإيضاح غريزة النجاة، هو بكاء الطفل الرضيع إذا ما شعر بالمرض أو الألم، وردة الفعل غير الإرادية للجسد إذا ما لامس سطحاً شديد السخونة؛ وترتكز هذه الغريزة على شعورين مركزيين هما الخوف والألم. 

لكن على أية حال، هناك بعض الاستثناءات، فالفرد العراقي بطريقة أو بأخرى قد انخفضت لديه غريزة النجاة إلى مرحلة لافتة، أقرب إلى الزوال. فانطلاقاً من مثل عراقي شائع “هي موتة لو موتين” يصبح الخروج إلى طارمة البيت أو الصعود إلى سطح المنزل مع تطاير رشقات الرصاص فضولاً قاتلاً، إذ عادة ما تتساقط رصاصات أو بقاياها في الأماكن المكشوفة، والسطوح على وجه التحديد، أو التجمع في مكان انفجار ما حتى بعد تكرر حوادث التفجيرات المزدوجة عشرات المرات، أو الدخول بمعارك عشائرية طاحنة لأجل أتفه الأسباب، وسقوط القتلى والجرحى خلال ذلك، أمراً طبيعياً للغاية.. فالموت أو الإصابة ليسا سببين كافيين لتجاهل الفضول، أما السعي لبيئة مريحة أو تناول طعام صحي هو أمر يجب أن يكون سراً فإن كُشف تعرض صاحبه للسخرية واتهم بالترف سيما في مجتمع الرجال، يكاد الأمر أن يكون معيباً أن يقلل رجل من تناول الدهون، مثلاً، للحفاظ على وزن صحي، أو يتحدث عن الهواء الملوث أو قطع الأشجار لأنه سيصبح “بطراناً”، إضافة لذلك، فأنه بحسب تصنيف معهد الاقتصاد والسلام أو ما يعرف ببروتوكول جينيف لعام 2022 فإن العراق يقع في المرتبة 154 عالمياً من أصل 163 دولة في مؤشر السلام العالمي، المفارقة ليست في هذا المركز المتدني، لكن في أن العراقيين منذ عدة سنوات يحمدون الله قياماً وقعوداً على تحسن الأمن في البلاد، فالوضع كان أكثر خطورة من ذلك بكثير، فالمرتبة في هذا التصنيف للسنوات العشر الماضية كانت تتراوح بين ثاني وثالث أخطر دولة في العالم.  

رداً على السؤال نفسه، يكتب سيدرك هيررنغ، المقاتل السابق في البحرية الامريكية، أن فقدان غريزة النجاة هو مرض عقلي يجب تبليغ المختصين بخصوصه على الفور. فالحالة تحدث عند المصابين باضطراب ما بعد الصدمة الحاد، أو للمصابين بمرض عضال، بحسب هيررنغ. 

اقرأ أيضاً

“إفراج مع وقف التنفيذ”.. عراقيون محتجزون رغم انقضاء محكوميتهم 

كاد العراق أن يكون “إسبرطة شرقية”. دولة حرب على مر التاريخ منذ الأكديين والبابليين. احتلال يتلو احتلالا وحرب تستبدل بأخرى، يتربى أبناؤه على تمجيد الشجاعة والفروسية، ويلعب أطفاله في حاضرنا الآن بألعاب على شكل أسلحة نارية، تارة يتقمصون دور ميليشيا وتارة دور إرهاب أو جيش الدولة.  

بلغ العراقيون سن الرشد مع مطلع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثمانية أعوام وأودت بحياة مئات الآلاف، ثم تنفسوا الصعداء سنة واحدة، ليشهدوا حرب الخليج الثانية والانتفاضة الشعبانية من بعدها مع حصار حتى 2003، كل ذلك تحت وطأة حكم ديكتاتوري، ثم شاهدوا بلادهم تتعرض للاحتلال من جيش أجنبي وقتال شوارع بين القوات المحتلة ومجاميع مسلحة لثلاث سنين رافقها ضربات يومية من الإرهاب في التجمعات المدنية لا سيما في العاصمة، تلت ذلك حرب أهلية دامت عامين، استمر خلالها وبعدها الإرهاب حتى عام 2014 ليسيطر على ثلث البلاد ونخوض حرباً جديدة ضده تستمر لثلاث سنين، ثم بعد ذلك بسنتين تشهد البلاد أكبر موجة احتجاجات منذ تأسيسها تدوم لأربعة أشهر وتنتهي ببداية جائحة “كورونا” مع ضعف حاد في البنية التحتية الطبية.  

هذا الجيل البالغ من العمر نحو 60 عاماً نزولاً إلى الأجيال التي تبعته -وهو ما يشكل السواد الأعظم من الشعب العراقي- عرفوا الصدمة كباطن يدهم، ورافقوا الموت مثل حبيبة على الأرصفة في كل مرة غادروا بها البيت، وشهدوا المرض العضال يصيب كرامتهم وأرواحهم وشرف بلادهم وسنين شبابهم. 

بحكم المنطق، لا يملك العراقيون “غريزة النجاة”، فالمشكلة تبدأ وتنتهي في سؤال الجدوى. وهو سؤال تبنيه مجموعة أسئلة فرعية على رأسها؛ ثم ماذا؟ لأجل من؟ وهل هي بلاد أبي؟ إن استبدال المصائر والأقدار بدلاً عن تكاملها، قتل سيرورة البناء والتطلع، نزولاً من السلطات المتعاقبة إلى أبسط أفراد المجتمع؛ وقد انسحب هذا الإحباط -إن جاز القول- على القيم الأخلاقية في المجتمع، وأبسط الأمثلة على ذلك أن مخالفة أكثر قواعد المرور بساطة يُبرر دائماً بعبارة “أين هو القانون لأطبقه؟” كذلك بعض حالات الفساد البسيطة من صغار موظفي الدولة، هم يعتقدون بانعدام النزاهة المطلق، وأن جميع مرؤوسيهم يسرقون المال العام، فلِمَ يمتنعون هم عن ذلك؟ ما الجدوى أن يكون أحد ما في العراق مواطناً صالحاً أو حالماً أو ساعياً للصالح العام؟ 

وقد مارس العراقيون الجدوى، أو وصلوا إلى ضفافها، لكنهم تراجعوا عنها في نهاية الأمر. ففي عام 1988، عندما انتهت الحرب مع إيران بعد ثمانية أعوام من القتال، احتفل العراقيون برشق بعضهم البعض بالماء دون تخطيط، كان لسان حالهم يقول “نجونا!”. وعند سقوط نظام صدّام حسين على يد القوات الامريكية احتفلوا مجدداً، وقالوا “نجونا!” مرة أخرى. وبعد انطفاء الحرب الأهلية (2006-2008) فرحوا دون أن يحتفلوا، ترقبوا أملاً يثبت أقدامه قليلاً قبل أن تجرفه الريح، وبعد الانتصار على “داعش” لم يفرحوا ولم يحتفلوا، قالوا اللهم أجرنا مما سيأتي. وربما أحيت احتجاجات تشرين شيئاً من أواخر بواقي الأمل والجدوى في نفوس الناس، لكن بقاء الحال إلى حد ما على ما هو عليه، وبقاء النخبة السياسية الحاكمة المسؤولة من وجهة نظر الشعب عن كل مصائبهم، وقيامها بتسمية رئيس وزراء البلاد مصطفى الكاظمي قتل ما تبقى من أمل في نفوسهم، فلم يكترثوا حين تفشى وباء “كورونا” بالحاضر أو المستقبل.  

لم يعد لدى العراقيين مساحة للأمل. 

يحلم بعضهم بأكبر حملة عسكرية خارجية تغير النظام مجدداً، وتضغط زر إعادة ضبط البلاد، وإن كانت نتيجتها احتلالا جديدا. يؤمن بعضهم بانقلاب عسكري، وإن كانت نتيجته ديكتاتورية جديدة. وحتّى الحرب الأهلية أصبحت أملاً، فكل أشكال الأمل ترتد إلى ما خلفناه وراءنا. فالحرب الأهلية تأتي أحياناً على شكل أمنية، تتوسل منتصراً واحداً يُضيِّق دائرة الفساد والخراب. 

تتغذى هذه الأمنيات والأفكار على نافورة الشائعات التي تعمل بقوة، وبشكل شبه يومي، بعد منتصف الليل، وخاصّة حين يسبقها توتر يشغل نشرات الأخبار.  

أخبار عاجلة يؤلفها حالمون حول انقلابات وتدخلات عسكرية: بغداد تسقط على موقع x  (تويتر سابقاً) فجرَ كل يوم في أحلام اليقظة. 

لكن، وبالمقابل، ثمة هؤلاء الذين يسلكون طريقاً آخر، ينتظرون حدثاً يقلب الأمور رأساً على عقب، ويبدأ وينتهي كل شيء بسلام تام مثل بائع في محل صغير بمنطقة شعبية. 

كان يتذمر من انقطاع التيار الكهربائي في الساعة الثالثة ظهراً، “كيف لا يزال العراقيون في بيوتهم ولا ينتفضون؟ ثمة فساد وعمالة في السلطة، أنهرنا جفت، وأراضينا تقضمها الدول شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وحتى الكهرباء في هذه الظهيرة اللاهبة لا تستطيع الحكومة توفيرها”. 

أتفحص شاشة الهاتف فأجد درجة الحرارة قد بلغت 50 مئوية، وأرى مجموعة فتيان قد تجاوزوا العاشرة من العمر يمشون باسترخاء شديد، حفاةً تحت الشمس، فأتذكر قصة الضفدع الذي إذا ما وُضع في ماء فاتر، وأخذ الماء يسخن تدريجياً، فلن يقوم الضفدع بأي ردة فعل حتى يموت مغلياً. 

أُخبر البائع: أسأل هؤلاء الأطفال، كيف ينتفض الموتى. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

“اعتبر نفسك ميتاً” يقول مايكل هوغ جندي البحرية الامريكية السابق، وهو يرد على سؤال “كيف أتغلب على غريزة النجاة لدي؟”. 

جاء السؤال على موقع “quora”، الذي يسأل فيه الناس أسئلة، الكثير منها عميق، ليرد عليهم خبراء أو أصحاب تجارب أو أفراد عاديون بمعلومات أو خِبرات. 

و”غريزة النجاة” هي سلوك أو مجموعة سلوكيات فطرية تولد مع ولادة الكائنات الحية وتؤدي لضمان نجاتها، بدءاً من البكتريا أحادية الخلية ووصولاً إلى الإنسان، أكثر الكائنات الحية تطوراً وتعقيداً وأنانية. 

وأبسط مثال لإيضاح غريزة النجاة، هو بكاء الطفل الرضيع إذا ما شعر بالمرض أو الألم، وردة الفعل غير الإرادية للجسد إذا ما لامس سطحاً شديد السخونة؛ وترتكز هذه الغريزة على شعورين مركزيين هما الخوف والألم. 

لكن على أية حال، هناك بعض الاستثناءات، فالفرد العراقي بطريقة أو بأخرى قد انخفضت لديه غريزة النجاة إلى مرحلة لافتة، أقرب إلى الزوال. فانطلاقاً من مثل عراقي شائع “هي موتة لو موتين” يصبح الخروج إلى طارمة البيت أو الصعود إلى سطح المنزل مع تطاير رشقات الرصاص فضولاً قاتلاً، إذ عادة ما تتساقط رصاصات أو بقاياها في الأماكن المكشوفة، والسطوح على وجه التحديد، أو التجمع في مكان انفجار ما حتى بعد تكرر حوادث التفجيرات المزدوجة عشرات المرات، أو الدخول بمعارك عشائرية طاحنة لأجل أتفه الأسباب، وسقوط القتلى والجرحى خلال ذلك، أمراً طبيعياً للغاية.. فالموت أو الإصابة ليسا سببين كافيين لتجاهل الفضول، أما السعي لبيئة مريحة أو تناول طعام صحي هو أمر يجب أن يكون سراً فإن كُشف تعرض صاحبه للسخرية واتهم بالترف سيما في مجتمع الرجال، يكاد الأمر أن يكون معيباً أن يقلل رجل من تناول الدهون، مثلاً، للحفاظ على وزن صحي، أو يتحدث عن الهواء الملوث أو قطع الأشجار لأنه سيصبح “بطراناً”، إضافة لذلك، فأنه بحسب تصنيف معهد الاقتصاد والسلام أو ما يعرف ببروتوكول جينيف لعام 2022 فإن العراق يقع في المرتبة 154 عالمياً من أصل 163 دولة في مؤشر السلام العالمي، المفارقة ليست في هذا المركز المتدني، لكن في أن العراقيين منذ عدة سنوات يحمدون الله قياماً وقعوداً على تحسن الأمن في البلاد، فالوضع كان أكثر خطورة من ذلك بكثير، فالمرتبة في هذا التصنيف للسنوات العشر الماضية كانت تتراوح بين ثاني وثالث أخطر دولة في العالم.  

رداً على السؤال نفسه، يكتب سيدرك هيررنغ، المقاتل السابق في البحرية الامريكية، أن فقدان غريزة النجاة هو مرض عقلي يجب تبليغ المختصين بخصوصه على الفور. فالحالة تحدث عند المصابين باضطراب ما بعد الصدمة الحاد، أو للمصابين بمرض عضال، بحسب هيررنغ. 

اقرأ أيضاً

“إفراج مع وقف التنفيذ”.. عراقيون محتجزون رغم انقضاء محكوميتهم 

كاد العراق أن يكون “إسبرطة شرقية”. دولة حرب على مر التاريخ منذ الأكديين والبابليين. احتلال يتلو احتلالا وحرب تستبدل بأخرى، يتربى أبناؤه على تمجيد الشجاعة والفروسية، ويلعب أطفاله في حاضرنا الآن بألعاب على شكل أسلحة نارية، تارة يتقمصون دور ميليشيا وتارة دور إرهاب أو جيش الدولة.  

بلغ العراقيون سن الرشد مع مطلع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثمانية أعوام وأودت بحياة مئات الآلاف، ثم تنفسوا الصعداء سنة واحدة، ليشهدوا حرب الخليج الثانية والانتفاضة الشعبانية من بعدها مع حصار حتى 2003، كل ذلك تحت وطأة حكم ديكتاتوري، ثم شاهدوا بلادهم تتعرض للاحتلال من جيش أجنبي وقتال شوارع بين القوات المحتلة ومجاميع مسلحة لثلاث سنين رافقها ضربات يومية من الإرهاب في التجمعات المدنية لا سيما في العاصمة، تلت ذلك حرب أهلية دامت عامين، استمر خلالها وبعدها الإرهاب حتى عام 2014 ليسيطر على ثلث البلاد ونخوض حرباً جديدة ضده تستمر لثلاث سنين، ثم بعد ذلك بسنتين تشهد البلاد أكبر موجة احتجاجات منذ تأسيسها تدوم لأربعة أشهر وتنتهي ببداية جائحة “كورونا” مع ضعف حاد في البنية التحتية الطبية.  

هذا الجيل البالغ من العمر نحو 60 عاماً نزولاً إلى الأجيال التي تبعته -وهو ما يشكل السواد الأعظم من الشعب العراقي- عرفوا الصدمة كباطن يدهم، ورافقوا الموت مثل حبيبة على الأرصفة في كل مرة غادروا بها البيت، وشهدوا المرض العضال يصيب كرامتهم وأرواحهم وشرف بلادهم وسنين شبابهم. 

بحكم المنطق، لا يملك العراقيون “غريزة النجاة”، فالمشكلة تبدأ وتنتهي في سؤال الجدوى. وهو سؤال تبنيه مجموعة أسئلة فرعية على رأسها؛ ثم ماذا؟ لأجل من؟ وهل هي بلاد أبي؟ إن استبدال المصائر والأقدار بدلاً عن تكاملها، قتل سيرورة البناء والتطلع، نزولاً من السلطات المتعاقبة إلى أبسط أفراد المجتمع؛ وقد انسحب هذا الإحباط -إن جاز القول- على القيم الأخلاقية في المجتمع، وأبسط الأمثلة على ذلك أن مخالفة أكثر قواعد المرور بساطة يُبرر دائماً بعبارة “أين هو القانون لأطبقه؟” كذلك بعض حالات الفساد البسيطة من صغار موظفي الدولة، هم يعتقدون بانعدام النزاهة المطلق، وأن جميع مرؤوسيهم يسرقون المال العام، فلِمَ يمتنعون هم عن ذلك؟ ما الجدوى أن يكون أحد ما في العراق مواطناً صالحاً أو حالماً أو ساعياً للصالح العام؟ 

وقد مارس العراقيون الجدوى، أو وصلوا إلى ضفافها، لكنهم تراجعوا عنها في نهاية الأمر. ففي عام 1988، عندما انتهت الحرب مع إيران بعد ثمانية أعوام من القتال، احتفل العراقيون برشق بعضهم البعض بالماء دون تخطيط، كان لسان حالهم يقول “نجونا!”. وعند سقوط نظام صدّام حسين على يد القوات الامريكية احتفلوا مجدداً، وقالوا “نجونا!” مرة أخرى. وبعد انطفاء الحرب الأهلية (2006-2008) فرحوا دون أن يحتفلوا، ترقبوا أملاً يثبت أقدامه قليلاً قبل أن تجرفه الريح، وبعد الانتصار على “داعش” لم يفرحوا ولم يحتفلوا، قالوا اللهم أجرنا مما سيأتي. وربما أحيت احتجاجات تشرين شيئاً من أواخر بواقي الأمل والجدوى في نفوس الناس، لكن بقاء الحال إلى حد ما على ما هو عليه، وبقاء النخبة السياسية الحاكمة المسؤولة من وجهة نظر الشعب عن كل مصائبهم، وقيامها بتسمية رئيس وزراء البلاد مصطفى الكاظمي قتل ما تبقى من أمل في نفوسهم، فلم يكترثوا حين تفشى وباء “كورونا” بالحاضر أو المستقبل.  

لم يعد لدى العراقيين مساحة للأمل. 

يحلم بعضهم بأكبر حملة عسكرية خارجية تغير النظام مجدداً، وتضغط زر إعادة ضبط البلاد، وإن كانت نتيجتها احتلالا جديدا. يؤمن بعضهم بانقلاب عسكري، وإن كانت نتيجته ديكتاتورية جديدة. وحتّى الحرب الأهلية أصبحت أملاً، فكل أشكال الأمل ترتد إلى ما خلفناه وراءنا. فالحرب الأهلية تأتي أحياناً على شكل أمنية، تتوسل منتصراً واحداً يُضيِّق دائرة الفساد والخراب. 

تتغذى هذه الأمنيات والأفكار على نافورة الشائعات التي تعمل بقوة، وبشكل شبه يومي، بعد منتصف الليل، وخاصّة حين يسبقها توتر يشغل نشرات الأخبار.  

أخبار عاجلة يؤلفها حالمون حول انقلابات وتدخلات عسكرية: بغداد تسقط على موقع x  (تويتر سابقاً) فجرَ كل يوم في أحلام اليقظة. 

لكن، وبالمقابل، ثمة هؤلاء الذين يسلكون طريقاً آخر، ينتظرون حدثاً يقلب الأمور رأساً على عقب، ويبدأ وينتهي كل شيء بسلام تام مثل بائع في محل صغير بمنطقة شعبية. 

كان يتذمر من انقطاع التيار الكهربائي في الساعة الثالثة ظهراً، “كيف لا يزال العراقيون في بيوتهم ولا ينتفضون؟ ثمة فساد وعمالة في السلطة، أنهرنا جفت، وأراضينا تقضمها الدول شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وحتى الكهرباء في هذه الظهيرة اللاهبة لا تستطيع الحكومة توفيرها”. 

أتفحص شاشة الهاتف فأجد درجة الحرارة قد بلغت 50 مئوية، وأرى مجموعة فتيان قد تجاوزوا العاشرة من العمر يمشون باسترخاء شديد، حفاةً تحت الشمس، فأتذكر قصة الضفدع الذي إذا ما وُضع في ماء فاتر، وأخذ الماء يسخن تدريجياً، فلن يقوم الضفدع بأي ردة فعل حتى يموت مغلياً. 

أُخبر البائع: أسأل هؤلاء الأطفال، كيف ينتفض الموتى.