أنا كل هذه الوجوه الميتة 

ميزر كمال

13 أغسطس 2023

كان الرصاص الطائش أكثر من العصافير في المدينة، والجثث المرمية في الشوارع أكثر من المارة، والعبوات الناسفة المزروعة على الأرصفة أكثر من المقاعد، والمشي في المدينة مخاطرة، والذهاب إلى السوق مخاطرة أكبر.. عن وجوه ميتة على مدار عقدين..

الملجأ تحت الحديقة، وعريشة العنب تمتد على الحائط كأنها تتفرع من مكان قديم، تتساقط أغصانها على تراب الحديقة، فهنا لم ينم العشب منذ زمن بعيد، منذ قرر أبي حفر ملجأ تحتها لنحتمي من الطائرات الحربية الأمريكية. فهي كانت تظهر فجأة فوق مدننا وترمي علينا القنابل الذكية. لقد حدث ذلك في “ملجأ العامرية” المحصّن، وفي بيت ليلى العطار، فلماذا لا يحدث هنا! 

عادةُ الفجر أن يأتي بالنسيم، لكنه في ذلك اليوم جاء بالموت، الموت الذي لا يكتفي بقتلك، وإنما يحرقك حتى يذوِّب جسدك ويختفي، لذلك قيل في الأخبار أن عددهم كان 408، فمن عثروا عليهم كانوا هذا العدد، الآخرون لم يُعثَر عليهم مطلقاً، وكل ما ظل عنهم ذاكرة من رآهم: كانوا نائمين، وكانوا يستيقظون ويتوضؤون لصلاة الفجر، وكانوا خائفين ويحتمون بكونكريت ملجأ العامرية وحديده لينجوا، لكنهم لم ينجحوا في ذلك. 

حدث ذلك فجر الثلاثاء 13 شباط 1991، عندما لم يكن أي عراقي يعرف أن طائرتي الشبح “أف 117” تحملان لهم الموت في قنبلتين ذكيتين، اخترقت الأولى سقفاً سُمكُه 1.5 متر، ودخلت الثانية على أولئك الخائفين، وانفجرت بهم. عثروا على 261 امرأة، و52 طفلاً، و95 رجلاً. لقد كانوا أكثر، لكن البقية أذاب أجسادهم الانفجار.  

الأحاديث عن مجزرة “ملجأ العامرية”، والصور التي نُشرت عن الدمار، والرعب الذي كان يرتدي كل الوجوه في بغداد، أفزع أبي، فأراد أن يوفر لنا حمايةً لا يستطيع هو والدولة توفيرها، فقرر أن يحفر لنا ملجأ تحت الحديقة، كان يدري أنه لا يصمد، فأبي يعرف وشاهد ماذا حدث في العامرية، لكن ماذا يفعل أبٌ عراقيٌّ عاجزٌ لحماية عائلته من الصواريخ والقنابل الأمريكية؟ هو لا يريد الهروب. لذا سيحفر الخندق!  

مات العشب في الحديقة، وماتت عريشة العنب، وصارت لعبةً خشبيةً نتسلقها مثل القردة، ونسرق أغصانها اليابسة لندخنها مثل السجائر. وكما يفعل الأب العراقي عادةً، عندما اكتشف الأمر: أزال العريشة من جذورها وعاقبنا بالفلقة والعقال، وحذّرنا من دخول الملجأ ما لم نسمع صافرات الإنذار في سماء المدينة. 

ظلت السماء هاجساً عندنا نحن العراقيون، لأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصل إلينا بعد، إنهم في قواعدهم البعيدة، لكننا قريبون منهم، والسماء كانت الطريقة والطريق. في 18 كانون الثاني 1991 وفي ليلة واحدة، سقط علينا من السماء 100 صاروخ “توماهوك”، تستخدم لأول مرة، ونُفِّذت في سمائنا 1300 غارة جوية. واستمرّ القصف 42 يوماً. نزل الموت على المدن مثل نزول الصواعق. 

صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية نقلت عن “ريمي فافريه”، مراسلها الذي كان في بغداد، وصف تلك الليلة: “لقد اشتعلت النيران في سماء بغداد.. ضربت طائرات F15 الأميركية العراق على الرأس.. تمزقت سماء بغداد…” حينها كانت الكلمة للأسلحة، والولايات المتحدة تريد أن تقول لشعوب العالم: أنا الدولة العظمى في هذا الوقت. ولم يتبق على رفس جثة الاتحاد السوفيتي وتفكيك دويلاته سوى الحرب مع دولة ضعيفة. ولا أضعف من العراق الذي يحكمه ديكتاتور يؤمن بالعروبة كما يؤمن الأعرابي بقبيلته الضيقة، وبينما يتحدث في خطاب تلفزيوني عن الكفّار، وعن سليلي الأنبياء، وأوكار الدبابير، والجهاد، كانت 2250 طائرة مقاتلة ترمي القنابل على العراق، في أعنف وأطول حرب جوية في التاريخ البشري.  

الأرقام تقول إن 200 ألف مدني قُتلوا في تلك الحرب، ومثلهم من الجنود، أبناء هؤلاء المدنيين. لكن لا أحد يحصي أعداد الخائفين في أوقات الحرب، الذين نجوا من الموت لكنهم شاهدوه. كنا نحن مِن هؤلاء، نحفر خندقاً في الحديقة ونقتل العشب وعريشة العنب لكي ننجو. وها نحن نكتب ما حدث. 

الحرب بدأت قبل ذلك بوقت طويل 

الحرب بدأت قبل المرة الثانية 2003. لقد كان هنالك وقت طويل من الجوع، والخوف. لم يعد العراقيون يأبهون كثيراً للسماء، فالرؤوس كانت قد تعودت على الطأطأة. 13 سنة من الحصار كافيةً لتربية قطيع من الحيوانات المفترسة في الزنزانة، والعراقيون كان في صدر كل واحد منهم زنزانة، الخوف والعنف والفقر والصمت والمرض والجهل كانت وحوشاً تكبر في الصدور، لذا فعندما جاءت المرة الثانية، أطلقت تلك الحيوانات المفترسة، وما زالت تتكاثر حتى الآن.  

في الأيام التي شُنق فيها صدام حسين، كنتُ أقضي بعض الوقت مع “صويلح” مجنون القرية وحكيمها أيضاً. كنا نجلس على الأنبوب الذي يزوّد القرية بالماء، كان يشبه أفعى خيالية تتمدد في القرية، وكان صويلح لديه ولع في سماع نشرات الأخبار، ويتقمص أحياناً دور مذيع النشرة الذي يقرأ حصيلة السيارات المفخخة والقتلى، ثم يتقمص فجأةً دور وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد ثم يناشد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لسحب الجيش الأمريكي من العراق والموافقة على شروط استسلام إسرائيل قبل أن يطلق عليها الرئيس القائد صدام حسين بقية الصواريخ، ويهدد “أبو مصعب الزرقاوي” وأتباعه إنْ هم قتلوا منتسبي الشرطة والجيش لأنهم أبناء عشائر أصيلة، وليس عندهم كهرباء أو ماء، وكبار القوم عليهم أن يجلسوا ويحلوا مشاكل العشيرة، وطرد عائلة آل شوكة منها لأنهم يأكلون الحرام ويعملون بتسليب السيارات والمسافرين على الطريق الدولي، ويمشون بسرعة عالية في الشارع. 

الفوضى في المدينة كانت لا تختلف عن الفوضى في رأس “صويلح”. كل شيء خرج عن السيطرة، العشائر تستحوذ على ما تصله يدها وسلاحها من ممتلكات الدولة: نُهبت مخازن الطعام، والبنوك، ومشاجب الأسلحة، ومستودعات الوقود والنفط، والمستشفيات والمدارس والجامعات، وبقية مؤسسات الدولة، وصار المواطنون يتجولون بمركبات الدولة. كانت القرية التي انتقلنا للعيش فيها تشبه ثكنة عسكرية، لكثرة مركبات “الزيل” والـ”جي ام سي” العسكرية التي سرقها المواطنون وحوّلوها للاستخدام الشخصي. وكان المؤمنون الذين لا يتأخرون عن خطبة الجمعة، يجتمعون ليلاً لسرقة سياج PRC الحديدي الذي يمتد على طول الطريق الدولي مع الأردن، ويبنون بيوتهم الجديدة من تلك الحواجز التي فككوها من جانبي ذلك الطريق، الذي يُسمى “الطريق السريع”. 

بالتأكيد لم يخرج الجميع للمشاركة في هذا الجنون، لكن الجميع شاهدوه وهو يحدث. والدولة التي كانت مخيفة، اختفت.. والكبت المحبوس في النفوس انفجر.. ولم يعد بالإمكان السيطرة عليه. فعلى بعد ساعة واحدة من بيتنا، كانت تدور حرب أهلية، بين السنة والشيعة في بغداد، وكانت الجنائز تأتينا من هناك، نحفر لها القبور، ونرشها بماء الورد. 

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا 

“الانحلال أخطر من الاحتلال” يرددها ذلك الشيخ الجليل دائماً، وكأنه يرى ما سيحدث. أمين مكتبة الجامع الكبير، الشيخ خليل إبراهيم الكبيسي، اختار العزلة على كل ذلك الخبل الذي كان يحدث، لكنّه لم يغلق باب المكتبة على سائل أو محتاج. وكان من يأتي لطلب المشورة والبركة كثيرون جداً، كانوا يعيشون قصصهم ثم يأتون لروايتها في المكتبة. كنتُ أعيش في المكتبة، أرى وأسمع أحياناً.  

في زاوية بعيدة ومخفية في المكتبة، كان هنالك دُرج كُتب عليه: “بحوث خاصة”، يُفتح مرة أو مرتين في الأسبوع، ولا يحدث هذا ألا عندما يأتي من لديه مفتاح الدُرج: رجل طويل القامة، يمشي ويتحرك بهدوء، وتصرفاته توحي بأن هذا الرجل عسكري، لكنه ما دخل إلى المكتبة إلا وهو يرتدي دشداشة بيضاء، وأحياناً يضع في يده مسبحة. 

في كثير من الأحيان يجلس مع الشيخ “خليل” على انفراد، يتحدثون بصوت منخفض قليلاً، ويقطعون حديثهم عندما يدخل إليهم أحد ما، لكنني كنتُ أسمع الشيخ وهو يقول مشورته: الأحاديث كانت عن الجهاد، والاحتلال، وشكل الدولة، وموقف الإسلام من كل هذا الذي يحدث، وكان رأي الشيخ في كل مرة، أن ما يحدث هو “خبل جماعي” والنجاة فردية، والسياسة نجاسة، ورجال الدين هم أخطر ما يمكن أن يوجد في المجتمع، لأنهم الأكثر تأثيراً وإقناعاً وقداسة، والأكثر عرضةً لآفة “أمراض القلوب”، ونادرون جداً أولئك الذين قرروا قتل “الأنا” وأخلصوا عملهم لله وللناس ولأنفسهم. كان يسمي الغرور: الإيگو أو “ست نفوس”. وكان الإيگو أكبر مشاكل العراقيين. 

عرفتُ فيما بعد أن ذلك الرجل صاحب البحوث الخاصة كان “مجاهداً” في أفغانستان أيام القتال ضد الاتحاد السوفيتي، قاتل مع “تنظيم القاعدة” هناك، وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، صار أميراً في تنظيم القاعدة. لكنه تركهم فيما بعد، أو هم تركوه، لم يعد ذلك يشكل فرقاً، غير أن الفارق المثير هو السبب من وراء تلك القطيعة. 

في واحدة من معارك تنظيم القاعدة ضد الجيش الأمريكي في مدينة الرمادي أسروا مترجماً يعمل مع الجيش الأمريكي وكان من السودان. عندما سأله ذلك “الأمير” عن السبب الذي يجعله بصف العدو قال له: “الفقر”. رددها وهو يبكي، فتكفل “الأمير” بإنقاذه وترتيب وصوله إلى بغداد على أن يتعهد بالعودة إلى السودان، وأهداه ساعة يد. 

بالنسبة لتنظيم “القاعدة” وعقيدته الجهادية، فإن المترجم يجب قتله، وأرادوا ذلك. لكن ذلك “الأمير” قدّم الإنسانية وصلات العروبة على العقيدة، فتركوه وتركهم. وهذه كانت واحدة من الاختلافات والخلافات الجوهرية بين الجماعات المسلحة أو ما تسمى “المقاومة” التي تقاتل الجيش الأمريكي، وتنظيم “القاعدة”.  

بالنسبة للمقاتل في التنظيم فهو “مجاهد” في سبيل الله، والقتال فرض عين، والشهادة إحدى الحسنيين، أما الضحايا من المدنيين فيبعثون على نياتهم، لذلك أوغلوا في قتال الشوارع وتفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة بين الأحياء السكنية، فبين الأحياء وفي الأزقة الضيقة يسهل قتل الجنود الأمريكيين، لأنهم غرباء، ولا يعرفون المدن وأهلها.  

بالنسبة لمقاتل في “المقاومة” وغالبيتهم من أبناء العشائر والجيش العراقي الذي ألغاه وحلّه الحاكم الأمريكي بول بريمر، فالأمر ليس كما يراه تنظيم “القاعدة” ويريده أمراؤها. القتال بالنسبة لهم ضد المحتل فقط، وحتى يخرج من البلاد، وتحرير العراق من الاحتلال الأمريكي. وهذا بالنسبة لعقيدة تنظيم “القاعدة” يعد خيانة للإسلام والمسلمين، ورِدة تستوجب القتل. 

في كتابه “لماذا تَقتُل يا زيد؟” يروي الصحافي والسياسي الألماني يورغين تودينهوفر قصةً من خلالها يمكن شرح الفرق بين عمليات المقاومة ضد الاحتلال، وجهاد تنظيم القاعدة ضد الجيش الأمريكي: كان زيد مكلفاً بمهمة تفجير عبوة ناسفة على رتل للجيش الأمريكي في شارع 20 بمدينة الرمادي. فعندما تمرّ سيارات “الهامفي” ممتلئةً بالجنود، سيضغط “زيد” على زرّ التفجير. لكنّه عندما مرّ الرتل العسكري من فوق العبوة لم يضغط زيد على الزر، لأنه شاهد رجلاً كبيراً في السن يمرُّ قريباً من الرتل. نجا 4 جنود أمريكيين على الأقل، لأن عراقياً واحداً يجب ألاّ يموت في هذه العملية. يصف تودينهوفر كيف استقبل المقاتلون “زيداً” بالأحضان وهنّؤوه على قراره بإنقاذ الرجل العراقي، حتى وإن لم تُنفذ العملية. 

يناقش تودينهوفر عدائية الولايات المتحدة والفكرة الغربية عن محاربة الإرهاب، ويحاول صياغة تعريف جديد للإرهابي ومن يكون، في فصلٍ بكتابه أسماه “بحثاً عن الحقيقة”، ثم يسأل (ويؤكِّد أنه لا يقارن): إن كان تنظيم القاعدة قد قتل 5 آلاف شخص بسبب عملياته الإرهابية، فمن قتل 70 مليون إنسان في الحرب العالمية الأولى والثانية؟ ويستطرد بالأسئلة التي تشرّح ازدواجية الغرب في تبرير الحروب، ويوضح قياسات العنف ومعدلاته بين الغرب وبين ما هو غير غربي. 

تودينهوفر يحكي عن زيد وخسارته لشقيقيه الذين قتلا بقناص الجيش الأمريكي، وكيف تُجبر الحرب شاباً عمره 22 سنة، على حمل السلاح وقتال المحتل الذي يقتل الشباب ويدمر المدن بذريعة التحرير من نظام ديكتاتوري – وهو كذلك – ولكن التحرر من الديكتاتورية على الطريقة الأمريكية هو أسوأ من الديكتاتورية نفسها، فالكلفة كانت باهظة وما تزال. 

الرصاص الطائش أكثر من العصافير في المدينة 

لم تكن كل الأيام متاحةً للخروج في المدينة، أحياناً تمرُّ الأيام الطويلة من حظر التجوال، والمعارك لا تهدأ في الشوارع. كان الرصاص الطائش أكثر من العصافير في المدينة، والجثث المرمية في الشوارع أكثر من المارة، والعبوات الناسفة المزروعة على الأرصفة أكثر من المقاعد، والمشي في المدينة مخاطرة، والذهاب إلى السوق مخاطرة أكبر، فهي تستدعي الدخول إلى مركز المدينة القديمة، هناك حيث حوّل الجيش الأمريكي مقر الحكومة المحلية إلى قاعدة عسكرية، وأمّنوا مساحة كيلومتر مربع حولها بالكاميرات والقناصة والحواجز، وتركوا بقية المدينة تغرق بالفوضى. 

في ذلك الكيلومتر المربع كانت تُدار الصفقات والأعمال القذرة للجيش الأمريكي. كانوا يديرون محافظة الأنبار بالطريقة التي يدير فيها الجيش الأمريكي مناطق من العالم الثالث في أفلام هوليود: يعطون أشخاصاً محدَّدين – شيوخ عشائر وزعامات قبلية غالباً، ولصوص – ملايين الدولارات لشراء ذممهم، وتجنيد أتباع لحماية خطوط الإمداد الأمريكية. هذا كل ما كان يهم الجيش الأمريكي في ذلك الوقت، لقد أشاعوا فكرة الفساد التي تفشّت في كل العراق على الصورة الحالية.  

عام 2008 صدر التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية في العراق، وجاء فيه أن “الجيش الأمريكي في محافظة الأنبار سلّم عام2007  مدير دائرة المجاري في مدينة الرمادي مبلغاً قدره 614400 (ستمائة وأربعة عشر ألف دولار) لتنفيذ مشاريع تخص الدائرة، لكن لا توجد أي معلومات لدى قسم الحسابات عن الكيفية التي صُرف فيها هذا المبلغ. وطلب ديوان الرقابة المالية فتح تحقيق في اختفاء هذا المبلغ. 

كان هذا المدير واحداً من مئات المسؤولين والموظفين وشيوخ العشائر الفاسدين الذين انضم إليهم “الحزب الإسلامي” في تقاسم المقاولات، التي أعطاها الجيش الأمريكي كهبات للمتعاونين معه، وكان أول ما تقاسموه مع “الحزب الإسلامي” عام 2007 – غير السلطة والمناصب – 70 مليون دولار إضافية لميزانية محافظة الأنبار، و50 مليون دولار تعويضات، و6 آلاف وظيفة محلية، كانت تُوزّع في مضايف الشيوخ لكسب الولاءات من جماهير تلك القبائل. 

هذه البيئة الفاسدة، والعدائية، مناسِبة جداً لنمو التطرف بكل أشكاله: الدينية، القبلية، والحزبية. وهذه حين تتفشّى في مجتمع ما، فإن الدولة وقوانينها تضعف ولا يعود لها تأثير فيما يجري. وهنالك دائماً ضدٌ نوعي لوسائل الدولة: فالقانون بضده الإيمان (بالدين والطائفة والقبيلة)، وهذا الإيمان أقوى. والسلاح الرسمي، أو ما يُسمى بأدوات “العنف الشرعي”، بضدها سلاح العشيرة والجماعة المسلحة والمليشيا، وهذه سلاحها أيضاً أقوى وأكثر تأثيراً. وهذا ينسحب على كل البيئات العراقية بعد 2003. في البيئات السُنّية حدث ويحدث هذا، وفي البيئات الشيعية حدث هذا في سيناريو لا يختلف إلا بالديكور، والأزياء، واللهجة، والطقوس. 

منذ البداية، تعامل الجيش الأمريكي والإدارة في واشنطن مع العراقيين مثلما تعامل البريطانيون مع الهنود. لقد فشلوا في فهم الزمان والمكان لكل احتلال، وهذا ما زاد الوضع سوءاً. وما ضاعف جهل الأمريكان جهلاً تلك الأحزاب والشخصيات البديلة لحقبة البعث، الذين جاؤوا لحكم البلد، والسيطرة على العراقيين الذين انفلتوا للتو. 

لقد أنشأت واشنطن نظاماً جديداً يقوم على المحاصصة، ومن خلاله يمكن للسلاح والمال الفاسد أن يُمكِّن جماعات من اللصوص من الاستحواذ على الدولة بكل مؤسساتها. بدأ ذلك في الطريقة التي أسس بها الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر مجلس الحكم الانتقالي، وكان اختيار العضو في هذا المجلس يخضع لافتراض بريمر أن هذا العضو يمثل الشيعة، أو الأكراد، أو السنة، أو أيَّ أقلية، وهي كثيرة في العراق الذي لا يعرفه بول بريمر. 

يقول الزعيم الكردي مسعود بارزاني إن بريمر اجتمع بهم وأخبرهم أنّه “يمثل الشرعية الدولية، ومجلس الأمن قرر أن هذا احتلال، هي كلمة بغيضة وعليكم الاعتياد عليها، وسأشكل منكم لجنة مستشارين، لكن لا تنتظروا الموافقة على كل اقتراحاتكم”. يصفه بارزاني بأنه “صلف ويجهل المنطقة”.  

الأرقام التي لا تكفي  

عندما احتلت الولايات المتحدة العراق، لم يخطر ببالها أن الكلفة ستكون أكثر من أرباح النفط والسلاح، وأن العراق سيفلت منها كما تفلت السمكة من يد الصياد، وسيمسك بها صياد آخر، الصيّاد الإيراني، وقبضته أقوى، لأن إيران تعرف العراقيين جيداً، وتفهم من أين تؤكل الكتف.  لذلك، وببساطة، فجّرت مرقد الإمامين العسكريين المقدسين عند الشيعة ومكانهما في مدينة سامراء السُنيّة. يقول ذلك وزير الداخلية بين عامي 2004 – 2005، فلاح النقيب، وحكى عن معلومات تتضمن رصد إيران200  مليون دولار لنقل رفاة الإمام علي الهادي من سامراء إلى إيران، باعتباره إماماً شيعياً أسيراً في مدينة سُنيّة. 

الحرب الطائفية التي دارت بين السنة والشيعة بين عامي 2006 – 2007 أسست لعراق الجماعات المسلحة والأحزاب الدينية المتطرفة، والمليشيات التي لا تعترف بالهوية الوطنية هويةً جامعة، وإنما ترى الجماعة والأمة في خلافةٍ إسلامية عابرة للحدود، تطيع ولي الأمر، وهو الخليفة عند السنة، ونائب المهدي الغائب، الولي الفقيه عند الشيعة، وما دونهما زعامات ومقدسين لا حصر لهم. 

في التجربة العراقية مع الاحتلال الأمريكي، يصعب تشريح ما حدث كما حدث بالفعل، لأسباب تتعلق بالجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والعشيرة والقومية. فالحالة العراقية فريدة التعقيد والاشتباك، لكن الأرقام دائماً يمكن أن تعطي صورةً عامة لما حدث. وما حدث مأساة لا يمكن تجاوزها بالنسبة للعراقيين. 

عام 2006 أصدرت مجلة “لانسيت” الطبية البريطانية دراسةً بعنوان: Mortality before and after the 2003 invasion of Iraq: cluster sample survey، كشفت فيها عن عدد القتلى العراقيين منذ 2003، وكانت الإحصائيات تتحدث عن 655 ألف قتيل. في ذلك الوقت كان هذا العدد يمثل 2.5 في المئة من عدد السكان الكلي، وذكرت الدراسة أن 56 في المئة من الضحايا قُتلوا برصاص الجيش الأمريكي، و13 في المئة قُتلوا بسيارات مفخخة، و13 في المئة قُتلوا بالقصف الجوي، و14 في المئة قُتلوا بالقصف المدفعي وبالدبابات. 

أرقام أخرى وثّقها مركز ORB1 بدراسة نسبة الخطأ فيها 1.7 في المئة، ذكرت أن عدد القتلى العراقيين تجاوز مليون قتيل حتى آب 2007. لكن هذه الدراسة لم تتضمن قتلى محافظتي الأنبار وكربلاء. وفي بغداد وحدها – حتى ذلك التاريخ – فقدت 40 في المئة من الأسر أحد ذويها، كما أن 40 في المئة من القتلى أصيبوا برصاص الجيش الأميركي، و21 في المئة ماتوا بسيارات مفخخة و8 في المئة قُتلوا في غارات جوية و4 في المئة قُتلوا في الحرب الطائفية. 

عدّاد القتلى لم يقف عند ذلك الوقت، استمرَّ بعدها بوتيرة لم تهدأ، وبلغ ذروته بعد اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية – “داعش” للبلاد، وبدء حكاية أخرى للحرب، خلفت – غير القتلى – أكثر من 7 ملايين لاجئ، و8 ملايين نازح داخلياً في العراق وسوريا. أما بالنسبة لخسائر الولايات المتحدة – بالإضافة إلى 5 آلاف جندي قتيل – فقد كلّفها غزو العراق 2.9 تريليون دولار، بحسب تقارير مشروع تكاليف الحرب (Cost of War)  بجامعة براون الأمريكية. 

نبدأ مع هذا النص بنشر نصوص دفتر “عشرون عاماً على الحرب على العراق” بمشاركة موقع “السفير العربي” وبدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويب؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

الملجأ تحت الحديقة، وعريشة العنب تمتد على الحائط كأنها تتفرع من مكان قديم، تتساقط أغصانها على تراب الحديقة، فهنا لم ينم العشب منذ زمن بعيد، منذ قرر أبي حفر ملجأ تحتها لنحتمي من الطائرات الحربية الأمريكية. فهي كانت تظهر فجأة فوق مدننا وترمي علينا القنابل الذكية. لقد حدث ذلك في “ملجأ العامرية” المحصّن، وفي بيت ليلى العطار، فلماذا لا يحدث هنا! 

عادةُ الفجر أن يأتي بالنسيم، لكنه في ذلك اليوم جاء بالموت، الموت الذي لا يكتفي بقتلك، وإنما يحرقك حتى يذوِّب جسدك ويختفي، لذلك قيل في الأخبار أن عددهم كان 408، فمن عثروا عليهم كانوا هذا العدد، الآخرون لم يُعثَر عليهم مطلقاً، وكل ما ظل عنهم ذاكرة من رآهم: كانوا نائمين، وكانوا يستيقظون ويتوضؤون لصلاة الفجر، وكانوا خائفين ويحتمون بكونكريت ملجأ العامرية وحديده لينجوا، لكنهم لم ينجحوا في ذلك. 

حدث ذلك فجر الثلاثاء 13 شباط 1991، عندما لم يكن أي عراقي يعرف أن طائرتي الشبح “أف 117” تحملان لهم الموت في قنبلتين ذكيتين، اخترقت الأولى سقفاً سُمكُه 1.5 متر، ودخلت الثانية على أولئك الخائفين، وانفجرت بهم. عثروا على 261 امرأة، و52 طفلاً، و95 رجلاً. لقد كانوا أكثر، لكن البقية أذاب أجسادهم الانفجار.  

الأحاديث عن مجزرة “ملجأ العامرية”، والصور التي نُشرت عن الدمار، والرعب الذي كان يرتدي كل الوجوه في بغداد، أفزع أبي، فأراد أن يوفر لنا حمايةً لا يستطيع هو والدولة توفيرها، فقرر أن يحفر لنا ملجأ تحت الحديقة، كان يدري أنه لا يصمد، فأبي يعرف وشاهد ماذا حدث في العامرية، لكن ماذا يفعل أبٌ عراقيٌّ عاجزٌ لحماية عائلته من الصواريخ والقنابل الأمريكية؟ هو لا يريد الهروب. لذا سيحفر الخندق!  

مات العشب في الحديقة، وماتت عريشة العنب، وصارت لعبةً خشبيةً نتسلقها مثل القردة، ونسرق أغصانها اليابسة لندخنها مثل السجائر. وكما يفعل الأب العراقي عادةً، عندما اكتشف الأمر: أزال العريشة من جذورها وعاقبنا بالفلقة والعقال، وحذّرنا من دخول الملجأ ما لم نسمع صافرات الإنذار في سماء المدينة. 

ظلت السماء هاجساً عندنا نحن العراقيون، لأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصل إلينا بعد، إنهم في قواعدهم البعيدة، لكننا قريبون منهم، والسماء كانت الطريقة والطريق. في 18 كانون الثاني 1991 وفي ليلة واحدة، سقط علينا من السماء 100 صاروخ “توماهوك”، تستخدم لأول مرة، ونُفِّذت في سمائنا 1300 غارة جوية. واستمرّ القصف 42 يوماً. نزل الموت على المدن مثل نزول الصواعق. 

صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية نقلت عن “ريمي فافريه”، مراسلها الذي كان في بغداد، وصف تلك الليلة: “لقد اشتعلت النيران في سماء بغداد.. ضربت طائرات F15 الأميركية العراق على الرأس.. تمزقت سماء بغداد…” حينها كانت الكلمة للأسلحة، والولايات المتحدة تريد أن تقول لشعوب العالم: أنا الدولة العظمى في هذا الوقت. ولم يتبق على رفس جثة الاتحاد السوفيتي وتفكيك دويلاته سوى الحرب مع دولة ضعيفة. ولا أضعف من العراق الذي يحكمه ديكتاتور يؤمن بالعروبة كما يؤمن الأعرابي بقبيلته الضيقة، وبينما يتحدث في خطاب تلفزيوني عن الكفّار، وعن سليلي الأنبياء، وأوكار الدبابير، والجهاد، كانت 2250 طائرة مقاتلة ترمي القنابل على العراق، في أعنف وأطول حرب جوية في التاريخ البشري.  

الأرقام تقول إن 200 ألف مدني قُتلوا في تلك الحرب، ومثلهم من الجنود، أبناء هؤلاء المدنيين. لكن لا أحد يحصي أعداد الخائفين في أوقات الحرب، الذين نجوا من الموت لكنهم شاهدوه. كنا نحن مِن هؤلاء، نحفر خندقاً في الحديقة ونقتل العشب وعريشة العنب لكي ننجو. وها نحن نكتب ما حدث. 

الحرب بدأت قبل ذلك بوقت طويل 

الحرب بدأت قبل المرة الثانية 2003. لقد كان هنالك وقت طويل من الجوع، والخوف. لم يعد العراقيون يأبهون كثيراً للسماء، فالرؤوس كانت قد تعودت على الطأطأة. 13 سنة من الحصار كافيةً لتربية قطيع من الحيوانات المفترسة في الزنزانة، والعراقيون كان في صدر كل واحد منهم زنزانة، الخوف والعنف والفقر والصمت والمرض والجهل كانت وحوشاً تكبر في الصدور، لذا فعندما جاءت المرة الثانية، أطلقت تلك الحيوانات المفترسة، وما زالت تتكاثر حتى الآن.  

في الأيام التي شُنق فيها صدام حسين، كنتُ أقضي بعض الوقت مع “صويلح” مجنون القرية وحكيمها أيضاً. كنا نجلس على الأنبوب الذي يزوّد القرية بالماء، كان يشبه أفعى خيالية تتمدد في القرية، وكان صويلح لديه ولع في سماع نشرات الأخبار، ويتقمص أحياناً دور مذيع النشرة الذي يقرأ حصيلة السيارات المفخخة والقتلى، ثم يتقمص فجأةً دور وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد ثم يناشد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لسحب الجيش الأمريكي من العراق والموافقة على شروط استسلام إسرائيل قبل أن يطلق عليها الرئيس القائد صدام حسين بقية الصواريخ، ويهدد “أبو مصعب الزرقاوي” وأتباعه إنْ هم قتلوا منتسبي الشرطة والجيش لأنهم أبناء عشائر أصيلة، وليس عندهم كهرباء أو ماء، وكبار القوم عليهم أن يجلسوا ويحلوا مشاكل العشيرة، وطرد عائلة آل شوكة منها لأنهم يأكلون الحرام ويعملون بتسليب السيارات والمسافرين على الطريق الدولي، ويمشون بسرعة عالية في الشارع. 

الفوضى في المدينة كانت لا تختلف عن الفوضى في رأس “صويلح”. كل شيء خرج عن السيطرة، العشائر تستحوذ على ما تصله يدها وسلاحها من ممتلكات الدولة: نُهبت مخازن الطعام، والبنوك، ومشاجب الأسلحة، ومستودعات الوقود والنفط، والمستشفيات والمدارس والجامعات، وبقية مؤسسات الدولة، وصار المواطنون يتجولون بمركبات الدولة. كانت القرية التي انتقلنا للعيش فيها تشبه ثكنة عسكرية، لكثرة مركبات “الزيل” والـ”جي ام سي” العسكرية التي سرقها المواطنون وحوّلوها للاستخدام الشخصي. وكان المؤمنون الذين لا يتأخرون عن خطبة الجمعة، يجتمعون ليلاً لسرقة سياج PRC الحديدي الذي يمتد على طول الطريق الدولي مع الأردن، ويبنون بيوتهم الجديدة من تلك الحواجز التي فككوها من جانبي ذلك الطريق، الذي يُسمى “الطريق السريع”. 

بالتأكيد لم يخرج الجميع للمشاركة في هذا الجنون، لكن الجميع شاهدوه وهو يحدث. والدولة التي كانت مخيفة، اختفت.. والكبت المحبوس في النفوس انفجر.. ولم يعد بالإمكان السيطرة عليه. فعلى بعد ساعة واحدة من بيتنا، كانت تدور حرب أهلية، بين السنة والشيعة في بغداد، وكانت الجنائز تأتينا من هناك، نحفر لها القبور، ونرشها بماء الورد. 

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا 

“الانحلال أخطر من الاحتلال” يرددها ذلك الشيخ الجليل دائماً، وكأنه يرى ما سيحدث. أمين مكتبة الجامع الكبير، الشيخ خليل إبراهيم الكبيسي، اختار العزلة على كل ذلك الخبل الذي كان يحدث، لكنّه لم يغلق باب المكتبة على سائل أو محتاج. وكان من يأتي لطلب المشورة والبركة كثيرون جداً، كانوا يعيشون قصصهم ثم يأتون لروايتها في المكتبة. كنتُ أعيش في المكتبة، أرى وأسمع أحياناً.  

في زاوية بعيدة ومخفية في المكتبة، كان هنالك دُرج كُتب عليه: “بحوث خاصة”، يُفتح مرة أو مرتين في الأسبوع، ولا يحدث هذا ألا عندما يأتي من لديه مفتاح الدُرج: رجل طويل القامة، يمشي ويتحرك بهدوء، وتصرفاته توحي بأن هذا الرجل عسكري، لكنه ما دخل إلى المكتبة إلا وهو يرتدي دشداشة بيضاء، وأحياناً يضع في يده مسبحة. 

في كثير من الأحيان يجلس مع الشيخ “خليل” على انفراد، يتحدثون بصوت منخفض قليلاً، ويقطعون حديثهم عندما يدخل إليهم أحد ما، لكنني كنتُ أسمع الشيخ وهو يقول مشورته: الأحاديث كانت عن الجهاد، والاحتلال، وشكل الدولة، وموقف الإسلام من كل هذا الذي يحدث، وكان رأي الشيخ في كل مرة، أن ما يحدث هو “خبل جماعي” والنجاة فردية، والسياسة نجاسة، ورجال الدين هم أخطر ما يمكن أن يوجد في المجتمع، لأنهم الأكثر تأثيراً وإقناعاً وقداسة، والأكثر عرضةً لآفة “أمراض القلوب”، ونادرون جداً أولئك الذين قرروا قتل “الأنا” وأخلصوا عملهم لله وللناس ولأنفسهم. كان يسمي الغرور: الإيگو أو “ست نفوس”. وكان الإيگو أكبر مشاكل العراقيين. 

عرفتُ فيما بعد أن ذلك الرجل صاحب البحوث الخاصة كان “مجاهداً” في أفغانستان أيام القتال ضد الاتحاد السوفيتي، قاتل مع “تنظيم القاعدة” هناك، وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، صار أميراً في تنظيم القاعدة. لكنه تركهم فيما بعد، أو هم تركوه، لم يعد ذلك يشكل فرقاً، غير أن الفارق المثير هو السبب من وراء تلك القطيعة. 

في واحدة من معارك تنظيم القاعدة ضد الجيش الأمريكي في مدينة الرمادي أسروا مترجماً يعمل مع الجيش الأمريكي وكان من السودان. عندما سأله ذلك “الأمير” عن السبب الذي يجعله بصف العدو قال له: “الفقر”. رددها وهو يبكي، فتكفل “الأمير” بإنقاذه وترتيب وصوله إلى بغداد على أن يتعهد بالعودة إلى السودان، وأهداه ساعة يد. 

بالنسبة لتنظيم “القاعدة” وعقيدته الجهادية، فإن المترجم يجب قتله، وأرادوا ذلك. لكن ذلك “الأمير” قدّم الإنسانية وصلات العروبة على العقيدة، فتركوه وتركهم. وهذه كانت واحدة من الاختلافات والخلافات الجوهرية بين الجماعات المسلحة أو ما تسمى “المقاومة” التي تقاتل الجيش الأمريكي، وتنظيم “القاعدة”.  

بالنسبة للمقاتل في التنظيم فهو “مجاهد” في سبيل الله، والقتال فرض عين، والشهادة إحدى الحسنيين، أما الضحايا من المدنيين فيبعثون على نياتهم، لذلك أوغلوا في قتال الشوارع وتفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة بين الأحياء السكنية، فبين الأحياء وفي الأزقة الضيقة يسهل قتل الجنود الأمريكيين، لأنهم غرباء، ولا يعرفون المدن وأهلها.  

بالنسبة لمقاتل في “المقاومة” وغالبيتهم من أبناء العشائر والجيش العراقي الذي ألغاه وحلّه الحاكم الأمريكي بول بريمر، فالأمر ليس كما يراه تنظيم “القاعدة” ويريده أمراؤها. القتال بالنسبة لهم ضد المحتل فقط، وحتى يخرج من البلاد، وتحرير العراق من الاحتلال الأمريكي. وهذا بالنسبة لعقيدة تنظيم “القاعدة” يعد خيانة للإسلام والمسلمين، ورِدة تستوجب القتل. 

في كتابه “لماذا تَقتُل يا زيد؟” يروي الصحافي والسياسي الألماني يورغين تودينهوفر قصةً من خلالها يمكن شرح الفرق بين عمليات المقاومة ضد الاحتلال، وجهاد تنظيم القاعدة ضد الجيش الأمريكي: كان زيد مكلفاً بمهمة تفجير عبوة ناسفة على رتل للجيش الأمريكي في شارع 20 بمدينة الرمادي. فعندما تمرّ سيارات “الهامفي” ممتلئةً بالجنود، سيضغط “زيد” على زرّ التفجير. لكنّه عندما مرّ الرتل العسكري من فوق العبوة لم يضغط زيد على الزر، لأنه شاهد رجلاً كبيراً في السن يمرُّ قريباً من الرتل. نجا 4 جنود أمريكيين على الأقل، لأن عراقياً واحداً يجب ألاّ يموت في هذه العملية. يصف تودينهوفر كيف استقبل المقاتلون “زيداً” بالأحضان وهنّؤوه على قراره بإنقاذ الرجل العراقي، حتى وإن لم تُنفذ العملية. 

يناقش تودينهوفر عدائية الولايات المتحدة والفكرة الغربية عن محاربة الإرهاب، ويحاول صياغة تعريف جديد للإرهابي ومن يكون، في فصلٍ بكتابه أسماه “بحثاً عن الحقيقة”، ثم يسأل (ويؤكِّد أنه لا يقارن): إن كان تنظيم القاعدة قد قتل 5 آلاف شخص بسبب عملياته الإرهابية، فمن قتل 70 مليون إنسان في الحرب العالمية الأولى والثانية؟ ويستطرد بالأسئلة التي تشرّح ازدواجية الغرب في تبرير الحروب، ويوضح قياسات العنف ومعدلاته بين الغرب وبين ما هو غير غربي. 

تودينهوفر يحكي عن زيد وخسارته لشقيقيه الذين قتلا بقناص الجيش الأمريكي، وكيف تُجبر الحرب شاباً عمره 22 سنة، على حمل السلاح وقتال المحتل الذي يقتل الشباب ويدمر المدن بذريعة التحرير من نظام ديكتاتوري – وهو كذلك – ولكن التحرر من الديكتاتورية على الطريقة الأمريكية هو أسوأ من الديكتاتورية نفسها، فالكلفة كانت باهظة وما تزال. 

الرصاص الطائش أكثر من العصافير في المدينة 

لم تكن كل الأيام متاحةً للخروج في المدينة، أحياناً تمرُّ الأيام الطويلة من حظر التجوال، والمعارك لا تهدأ في الشوارع. كان الرصاص الطائش أكثر من العصافير في المدينة، والجثث المرمية في الشوارع أكثر من المارة، والعبوات الناسفة المزروعة على الأرصفة أكثر من المقاعد، والمشي في المدينة مخاطرة، والذهاب إلى السوق مخاطرة أكبر، فهي تستدعي الدخول إلى مركز المدينة القديمة، هناك حيث حوّل الجيش الأمريكي مقر الحكومة المحلية إلى قاعدة عسكرية، وأمّنوا مساحة كيلومتر مربع حولها بالكاميرات والقناصة والحواجز، وتركوا بقية المدينة تغرق بالفوضى. 

في ذلك الكيلومتر المربع كانت تُدار الصفقات والأعمال القذرة للجيش الأمريكي. كانوا يديرون محافظة الأنبار بالطريقة التي يدير فيها الجيش الأمريكي مناطق من العالم الثالث في أفلام هوليود: يعطون أشخاصاً محدَّدين – شيوخ عشائر وزعامات قبلية غالباً، ولصوص – ملايين الدولارات لشراء ذممهم، وتجنيد أتباع لحماية خطوط الإمداد الأمريكية. هذا كل ما كان يهم الجيش الأمريكي في ذلك الوقت، لقد أشاعوا فكرة الفساد التي تفشّت في كل العراق على الصورة الحالية.  

عام 2008 صدر التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية في العراق، وجاء فيه أن “الجيش الأمريكي في محافظة الأنبار سلّم عام2007  مدير دائرة المجاري في مدينة الرمادي مبلغاً قدره 614400 (ستمائة وأربعة عشر ألف دولار) لتنفيذ مشاريع تخص الدائرة، لكن لا توجد أي معلومات لدى قسم الحسابات عن الكيفية التي صُرف فيها هذا المبلغ. وطلب ديوان الرقابة المالية فتح تحقيق في اختفاء هذا المبلغ. 

كان هذا المدير واحداً من مئات المسؤولين والموظفين وشيوخ العشائر الفاسدين الذين انضم إليهم “الحزب الإسلامي” في تقاسم المقاولات، التي أعطاها الجيش الأمريكي كهبات للمتعاونين معه، وكان أول ما تقاسموه مع “الحزب الإسلامي” عام 2007 – غير السلطة والمناصب – 70 مليون دولار إضافية لميزانية محافظة الأنبار، و50 مليون دولار تعويضات، و6 آلاف وظيفة محلية، كانت تُوزّع في مضايف الشيوخ لكسب الولاءات من جماهير تلك القبائل. 

هذه البيئة الفاسدة، والعدائية، مناسِبة جداً لنمو التطرف بكل أشكاله: الدينية، القبلية، والحزبية. وهذه حين تتفشّى في مجتمع ما، فإن الدولة وقوانينها تضعف ولا يعود لها تأثير فيما يجري. وهنالك دائماً ضدٌ نوعي لوسائل الدولة: فالقانون بضده الإيمان (بالدين والطائفة والقبيلة)، وهذا الإيمان أقوى. والسلاح الرسمي، أو ما يُسمى بأدوات “العنف الشرعي”، بضدها سلاح العشيرة والجماعة المسلحة والمليشيا، وهذه سلاحها أيضاً أقوى وأكثر تأثيراً. وهذا ينسحب على كل البيئات العراقية بعد 2003. في البيئات السُنّية حدث ويحدث هذا، وفي البيئات الشيعية حدث هذا في سيناريو لا يختلف إلا بالديكور، والأزياء، واللهجة، والطقوس. 

منذ البداية، تعامل الجيش الأمريكي والإدارة في واشنطن مع العراقيين مثلما تعامل البريطانيون مع الهنود. لقد فشلوا في فهم الزمان والمكان لكل احتلال، وهذا ما زاد الوضع سوءاً. وما ضاعف جهل الأمريكان جهلاً تلك الأحزاب والشخصيات البديلة لحقبة البعث، الذين جاؤوا لحكم البلد، والسيطرة على العراقيين الذين انفلتوا للتو. 

لقد أنشأت واشنطن نظاماً جديداً يقوم على المحاصصة، ومن خلاله يمكن للسلاح والمال الفاسد أن يُمكِّن جماعات من اللصوص من الاستحواذ على الدولة بكل مؤسساتها. بدأ ذلك في الطريقة التي أسس بها الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر مجلس الحكم الانتقالي، وكان اختيار العضو في هذا المجلس يخضع لافتراض بريمر أن هذا العضو يمثل الشيعة، أو الأكراد، أو السنة، أو أيَّ أقلية، وهي كثيرة في العراق الذي لا يعرفه بول بريمر. 

يقول الزعيم الكردي مسعود بارزاني إن بريمر اجتمع بهم وأخبرهم أنّه “يمثل الشرعية الدولية، ومجلس الأمن قرر أن هذا احتلال، هي كلمة بغيضة وعليكم الاعتياد عليها، وسأشكل منكم لجنة مستشارين، لكن لا تنتظروا الموافقة على كل اقتراحاتكم”. يصفه بارزاني بأنه “صلف ويجهل المنطقة”.  

الأرقام التي لا تكفي  

عندما احتلت الولايات المتحدة العراق، لم يخطر ببالها أن الكلفة ستكون أكثر من أرباح النفط والسلاح، وأن العراق سيفلت منها كما تفلت السمكة من يد الصياد، وسيمسك بها صياد آخر، الصيّاد الإيراني، وقبضته أقوى، لأن إيران تعرف العراقيين جيداً، وتفهم من أين تؤكل الكتف.  لذلك، وببساطة، فجّرت مرقد الإمامين العسكريين المقدسين عند الشيعة ومكانهما في مدينة سامراء السُنيّة. يقول ذلك وزير الداخلية بين عامي 2004 – 2005، فلاح النقيب، وحكى عن معلومات تتضمن رصد إيران200  مليون دولار لنقل رفاة الإمام علي الهادي من سامراء إلى إيران، باعتباره إماماً شيعياً أسيراً في مدينة سُنيّة. 

الحرب الطائفية التي دارت بين السنة والشيعة بين عامي 2006 – 2007 أسست لعراق الجماعات المسلحة والأحزاب الدينية المتطرفة، والمليشيات التي لا تعترف بالهوية الوطنية هويةً جامعة، وإنما ترى الجماعة والأمة في خلافةٍ إسلامية عابرة للحدود، تطيع ولي الأمر، وهو الخليفة عند السنة، ونائب المهدي الغائب، الولي الفقيه عند الشيعة، وما دونهما زعامات ومقدسين لا حصر لهم. 

في التجربة العراقية مع الاحتلال الأمريكي، يصعب تشريح ما حدث كما حدث بالفعل، لأسباب تتعلق بالجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والعشيرة والقومية. فالحالة العراقية فريدة التعقيد والاشتباك، لكن الأرقام دائماً يمكن أن تعطي صورةً عامة لما حدث. وما حدث مأساة لا يمكن تجاوزها بالنسبة للعراقيين. 

عام 2006 أصدرت مجلة “لانسيت” الطبية البريطانية دراسةً بعنوان: Mortality before and after the 2003 invasion of Iraq: cluster sample survey، كشفت فيها عن عدد القتلى العراقيين منذ 2003، وكانت الإحصائيات تتحدث عن 655 ألف قتيل. في ذلك الوقت كان هذا العدد يمثل 2.5 في المئة من عدد السكان الكلي، وذكرت الدراسة أن 56 في المئة من الضحايا قُتلوا برصاص الجيش الأمريكي، و13 في المئة قُتلوا بسيارات مفخخة، و13 في المئة قُتلوا بالقصف الجوي، و14 في المئة قُتلوا بالقصف المدفعي وبالدبابات. 

أرقام أخرى وثّقها مركز ORB1 بدراسة نسبة الخطأ فيها 1.7 في المئة، ذكرت أن عدد القتلى العراقيين تجاوز مليون قتيل حتى آب 2007. لكن هذه الدراسة لم تتضمن قتلى محافظتي الأنبار وكربلاء. وفي بغداد وحدها – حتى ذلك التاريخ – فقدت 40 في المئة من الأسر أحد ذويها، كما أن 40 في المئة من القتلى أصيبوا برصاص الجيش الأميركي، و21 في المئة ماتوا بسيارات مفخخة و8 في المئة قُتلوا في غارات جوية و4 في المئة قُتلوا في الحرب الطائفية. 

عدّاد القتلى لم يقف عند ذلك الوقت، استمرَّ بعدها بوتيرة لم تهدأ، وبلغ ذروته بعد اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية – “داعش” للبلاد، وبدء حكاية أخرى للحرب، خلفت – غير القتلى – أكثر من 7 ملايين لاجئ، و8 ملايين نازح داخلياً في العراق وسوريا. أما بالنسبة لخسائر الولايات المتحدة – بالإضافة إلى 5 آلاف جندي قتيل – فقد كلّفها غزو العراق 2.9 تريليون دولار، بحسب تقارير مشروع تكاليف الحرب (Cost of War)  بجامعة براون الأمريكية. 

نبدأ مع هذا النص بنشر نصوص دفتر “عشرون عاماً على الحرب على العراق” بمشاركة موقع “السفير العربي” وبدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ.