كيف تقاد حملة "الحشد منظمة إرهابية" على السوشيال ميديا؟
05 نيسان 2026
"الحشد منظمة إرهابية".. هاشتاغ تصدّر فجأة مع ضربات عسكرية داخل العراق وبدا كأنه غضب واسع.. لكن خلف هذه الحملة حسابات قليلة تدفعه بسرعة وتحوّله إلى موجة تبدو أكبر من حجمها..
في منتصف آذار 2026، تصدّر وسم “الحشد منظمة إرهابية” المشهد على منصة X في الفضاء العربي، متزامناً مع ضربات عسكرية استهدفت مواقع مرتبطة بالحشد داخل العراق. الحضور الكثيف للوسم أعطى انطباعاً فورياً بوجود موجة غضب واسعة أو تحوّل في المزاج العام.

لكن قراءة البيانات تُظهر مساراً مختلفاً، فالنشاط الرقمي لا يتطور بشكل تدريجي كما يحدث في النقاشات العامة، بل يظهر على شكل دفعة مكثفة قصيرة العمر، شديدة التركّز، تقودها مجموعة محدودة من الحسابات، وتُعاد فيها صياغة الرسائل نفسها بصيغ متقاربة. وبالتالي، خلال هذه الفترة، لا يتوسع النقاش بقدر ما يُعاد إنتاج خطاب واحد بإيقاع سريع.

لفهم هذا الحضور، جرى تحليل عيّنتين زمنيتين: الأولى تمتد لستة أشهر، من منتصف أيلول 2025 حتى 14 آذار 2026، والثانية تغطي الفترة بين منتصف شباط و17 آذار 2026 عبر عدة منصات، مع هيمنة واضحة لمنصة X. الهدف لم يكن قياس حجم التفاعل فقط، بل تتبّع مسار الخطاب: متى يظهر؟ وكيف يتكرر؟ ومن يدفعه إلى الواجهة؟

والنتيجة الأبرز في التحليل تظهر في الزمن.
النشاط يكاد يكون غائباً لأسابيع طويلة، قبل أن يتكدس فجأة خلال أيام معدودة في آذار. في العينة الأطول، تتركز غالبية المنشورات داخل نافذة لا تتجاوز ستة أيام، بينما تنحصر الكثافة الأعلى في العينة الأقصر ضمن أسبوع واحد فقط. هذا النمط يعكس موجة تظهر دفعة واحدة وتتحرك بإيقاع متسارع.

لحظة الانفجار
بين 9 و16 آذار، ارتفع عدد المنشورات بشكل يومي حتى بلغ الذروة، ثم انخفض بالسرعة نفسها. المنحنى الزمني يأخذ شكل قمة حادة، ما يشير إلى سلوك تعبوي مرتبط بلحظة محددة، وليس نقاشاً يتراكم تدريجياً.
المكان مهم بقدر الزمن، فقبل هذه الأيام من ارتفاع عدد المنشورات، كان الخطاب موزعاً بين عدة منصات، تشمل X وFacebook وInstagram وTikTok بدرجات متفاوتة. مع بداية الذروة، تركز النشاط بشكل شبه كامل على منصة X، التي تحولت إلى المساحة الأساسية لتداول الوسم. هذا التحول يعيد تشكيل الظاهرة نفسها، إذ تصبح أقرب إلى تعبئة مركّزة داخل منصة واحدة سريعة الإيقاع وقابلة لتضخيم الرسائل.

سياق يجعل التعبئة ممكنة
سرعة انتشار وسمٍ مثل “الحشد منظمة إرهابية” ترتبط بطبيعة الموقع الذي يشغله الحشد داخل العراق. الحشد ليس مجرد تشكيل أمني، بل كيان يقع في تقاطع معقد بين كونه مؤسسة رسمية وصورة “سلاح موازٍ للدولة”. هذا التوتر يفتح المجال أمام صراع مستمر حول احتكار القوة ودور الدولة وحدود القرار العسكري.

خلال عام 2025، ظهرت تصريحات رسمية تدعو إلى تنظيم وضع الفصائل المسلحة ودمجها ضمن إطار الدولة، مع تكرار عبارات مثل “حصر السلاح” و”احتكار القوة”. هذه اللغة، التي بدت إدارية في سياقها الأول، تتحول مع الوقت إلى مفردات جاهزة للاستخدام في لحظات التصعيد.

في آذار 2026، تقاطع هذا المسار الداخلي مع تصعيد إقليمي أوسع.
ومع ربط بعض الفصائل داخل الحشد بالنفوذ الإيراني، انتقل الخطاب من مستوى الجدل الداخلي إلى إطار إقليمي أوسع، يُعاد فيه تعريف الحشد ضمن سردية الحرب، وبالتالي يصبح توصيف الحشد كـ”منظمة إرهابية” صيغة جاهزة للتداول، تحمل شحنة أخلاقية عالية، وتفتح المجال أمام خطاب عاطفي يتضمن الغضب والشماتة والاحتفاء بالضربات.
البيانات تعكس هذا التحول بوضوح؛ فالوسوم المصاحبة لا تقتصر على توصيف الحشد، بل تمتد إلى مفردات مرتبطة بالحرب الإقليمية، مثل إيران وخامنئي والحرب العالمية. هذا التوسع في اللغة يعيد وضع الحشد داخل إطار أوسع، تتداخل فيه السياسة المحلية مع الصراع الإقليمي.

من يقود الموجة؟
عند تفكيك النشاط على مستوى الحسابات، يتضح أن جزءاً كبيراً من المنشورات يصدر عن عدد محدود من الحسابات التي تنشر بوتيرة مرتفعة.
بعض الحسابات تعمل كمنصات بث مستمر، تواكب التطورات العسكرية لحظة بلحظة وتحوّلها إلى محتوى تعبوي سريع. مثل حساب “mobile death 88” الذي نشر أكثر من مئة مرة خلال أيام قليلة، مستخدماً لغة تحديث متواصل حول “أهداف” و”ضربات” و”تطورات ميدانية”.

حسابات أخرى تدفع الخطاب نحو مستويات أعلى من الحدّة، عبر الاحتفاء بالقصف أو استخدام لغة تحريضية مباشرة، كما يظهر في نماذج مثل “iraq arab love”.


هذه الأنماط لا تعمل بشكل منفصل، فجزء من الحسابات يحافظ على الإيقاع المرتفع للنشر، فيما يرفع جزء آخر حدّة الخطاب، ما ينتج ديناميكية تعزز انتشار السردية واستمرارها خلال فترة قصيرة.

إيقاع الساعات
الزمن لا يتكثف على مستوى الأيام فقط، بل يظهر أيضاً على مستوى الساعات.
البيانات تُظهر قمماً حادة خلال فترات قصيرة، حيث تسجل ساعة واحدة عشرات المنشورات، كما حدث في 13 آذار. هذا النمط يتكرر في أيام متتالية، ما يعكس استجابة سريعة لأحداث أو تطورات محددة، تتحول فوراً إلى موجات نشر مكثفة، والإيقاع هنا لا يشبه نقاشاً موزعاً على مدار اليوم، بل سلسلة من الدفعات المرتبطة بإشارات متتابعة: خبر، ضربة، تصريح، يتبعها اندفاع في النشر، ثم انتقال إلى حدث جديد.

كيف تعمل الموجة؟
كل عنصر من هذه العناصر يمكن تفسيره بشكل منفصل:
نشاط حسابات مؤثرة، تكرار في الخطاب، سرعة تداول للأخبار، والصورة تتغير عند اجتماع هذه العناصر. خلال نافذة زمنية قصيرة، تتحرك حسابات محدودة بوتيرة مرتفعة، باستخدام قوالب لغوية متكررة، ضمن موجة ترتفع وتهبط بسرعة، وتتركز داخل منصة واحدة، وتدور حول سردية شبه موحدة.

هذا التداخل بين الزمن والبنية واللغة يشير إلى نمط يعمل بكفاءة: خطاب يُنتَج بسرعة، ويُعاد تدويره بسهولة، ويُدفع في لحظات محددة، ما يعني أن الحضور الواسع للمنشورات لا يعكس بالضرورة رأياً عاماً متشكلاً بشكل طبيعي، بل هو تضخيم لسردية محددة تتحرك عبر آليات رقمية تعزز انتشارها خلال فترات قصيرة، وبالتالي، فإن الموجة لا تحتاج إلى مركز واحد واضح بقدر ما تعتمد على سلوك متكرر، يجعل الخطاب يتحرك ككتلة واحدة ويمنحه حضوراً أكبر من حجمه الفعلي.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع مجتمع التحقق العربي.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
في منتصف آذار 2026، تصدّر وسم “الحشد منظمة إرهابية” المشهد على منصة X في الفضاء العربي، متزامناً مع ضربات عسكرية استهدفت مواقع مرتبطة بالحشد داخل العراق. الحضور الكثيف للوسم أعطى انطباعاً فورياً بوجود موجة غضب واسعة أو تحوّل في المزاج العام.

لكن قراءة البيانات تُظهر مساراً مختلفاً، فالنشاط الرقمي لا يتطور بشكل تدريجي كما يحدث في النقاشات العامة، بل يظهر على شكل دفعة مكثفة قصيرة العمر، شديدة التركّز، تقودها مجموعة محدودة من الحسابات، وتُعاد فيها صياغة الرسائل نفسها بصيغ متقاربة. وبالتالي، خلال هذه الفترة، لا يتوسع النقاش بقدر ما يُعاد إنتاج خطاب واحد بإيقاع سريع.

لفهم هذا الحضور، جرى تحليل عيّنتين زمنيتين: الأولى تمتد لستة أشهر، من منتصف أيلول 2025 حتى 14 آذار 2026، والثانية تغطي الفترة بين منتصف شباط و17 آذار 2026 عبر عدة منصات، مع هيمنة واضحة لمنصة X. الهدف لم يكن قياس حجم التفاعل فقط، بل تتبّع مسار الخطاب: متى يظهر؟ وكيف يتكرر؟ ومن يدفعه إلى الواجهة؟

والنتيجة الأبرز في التحليل تظهر في الزمن.
النشاط يكاد يكون غائباً لأسابيع طويلة، قبل أن يتكدس فجأة خلال أيام معدودة في آذار. في العينة الأطول، تتركز غالبية المنشورات داخل نافذة لا تتجاوز ستة أيام، بينما تنحصر الكثافة الأعلى في العينة الأقصر ضمن أسبوع واحد فقط. هذا النمط يعكس موجة تظهر دفعة واحدة وتتحرك بإيقاع متسارع.

لحظة الانفجار
بين 9 و16 آذار، ارتفع عدد المنشورات بشكل يومي حتى بلغ الذروة، ثم انخفض بالسرعة نفسها. المنحنى الزمني يأخذ شكل قمة حادة، ما يشير إلى سلوك تعبوي مرتبط بلحظة محددة، وليس نقاشاً يتراكم تدريجياً.
المكان مهم بقدر الزمن، فقبل هذه الأيام من ارتفاع عدد المنشورات، كان الخطاب موزعاً بين عدة منصات، تشمل X وFacebook وInstagram وTikTok بدرجات متفاوتة. مع بداية الذروة، تركز النشاط بشكل شبه كامل على منصة X، التي تحولت إلى المساحة الأساسية لتداول الوسم. هذا التحول يعيد تشكيل الظاهرة نفسها، إذ تصبح أقرب إلى تعبئة مركّزة داخل منصة واحدة سريعة الإيقاع وقابلة لتضخيم الرسائل.

سياق يجعل التعبئة ممكنة
سرعة انتشار وسمٍ مثل “الحشد منظمة إرهابية” ترتبط بطبيعة الموقع الذي يشغله الحشد داخل العراق. الحشد ليس مجرد تشكيل أمني، بل كيان يقع في تقاطع معقد بين كونه مؤسسة رسمية وصورة “سلاح موازٍ للدولة”. هذا التوتر يفتح المجال أمام صراع مستمر حول احتكار القوة ودور الدولة وحدود القرار العسكري.

خلال عام 2025، ظهرت تصريحات رسمية تدعو إلى تنظيم وضع الفصائل المسلحة ودمجها ضمن إطار الدولة، مع تكرار عبارات مثل “حصر السلاح” و”احتكار القوة”. هذه اللغة، التي بدت إدارية في سياقها الأول، تتحول مع الوقت إلى مفردات جاهزة للاستخدام في لحظات التصعيد.

في آذار 2026، تقاطع هذا المسار الداخلي مع تصعيد إقليمي أوسع.
ومع ربط بعض الفصائل داخل الحشد بالنفوذ الإيراني، انتقل الخطاب من مستوى الجدل الداخلي إلى إطار إقليمي أوسع، يُعاد فيه تعريف الحشد ضمن سردية الحرب، وبالتالي يصبح توصيف الحشد كـ”منظمة إرهابية” صيغة جاهزة للتداول، تحمل شحنة أخلاقية عالية، وتفتح المجال أمام خطاب عاطفي يتضمن الغضب والشماتة والاحتفاء بالضربات.
البيانات تعكس هذا التحول بوضوح؛ فالوسوم المصاحبة لا تقتصر على توصيف الحشد، بل تمتد إلى مفردات مرتبطة بالحرب الإقليمية، مثل إيران وخامنئي والحرب العالمية. هذا التوسع في اللغة يعيد وضع الحشد داخل إطار أوسع، تتداخل فيه السياسة المحلية مع الصراع الإقليمي.

من يقود الموجة؟
عند تفكيك النشاط على مستوى الحسابات، يتضح أن جزءاً كبيراً من المنشورات يصدر عن عدد محدود من الحسابات التي تنشر بوتيرة مرتفعة.
بعض الحسابات تعمل كمنصات بث مستمر، تواكب التطورات العسكرية لحظة بلحظة وتحوّلها إلى محتوى تعبوي سريع. مثل حساب “mobile death 88” الذي نشر أكثر من مئة مرة خلال أيام قليلة، مستخدماً لغة تحديث متواصل حول “أهداف” و”ضربات” و”تطورات ميدانية”.

حسابات أخرى تدفع الخطاب نحو مستويات أعلى من الحدّة، عبر الاحتفاء بالقصف أو استخدام لغة تحريضية مباشرة، كما يظهر في نماذج مثل “iraq arab love”.


هذه الأنماط لا تعمل بشكل منفصل، فجزء من الحسابات يحافظ على الإيقاع المرتفع للنشر، فيما يرفع جزء آخر حدّة الخطاب، ما ينتج ديناميكية تعزز انتشار السردية واستمرارها خلال فترة قصيرة.

إيقاع الساعات
الزمن لا يتكثف على مستوى الأيام فقط، بل يظهر أيضاً على مستوى الساعات.
البيانات تُظهر قمماً حادة خلال فترات قصيرة، حيث تسجل ساعة واحدة عشرات المنشورات، كما حدث في 13 آذار. هذا النمط يتكرر في أيام متتالية، ما يعكس استجابة سريعة لأحداث أو تطورات محددة، تتحول فوراً إلى موجات نشر مكثفة، والإيقاع هنا لا يشبه نقاشاً موزعاً على مدار اليوم، بل سلسلة من الدفعات المرتبطة بإشارات متتابعة: خبر، ضربة، تصريح، يتبعها اندفاع في النشر، ثم انتقال إلى حدث جديد.

كيف تعمل الموجة؟
كل عنصر من هذه العناصر يمكن تفسيره بشكل منفصل:
نشاط حسابات مؤثرة، تكرار في الخطاب، سرعة تداول للأخبار، والصورة تتغير عند اجتماع هذه العناصر. خلال نافذة زمنية قصيرة، تتحرك حسابات محدودة بوتيرة مرتفعة، باستخدام قوالب لغوية متكررة، ضمن موجة ترتفع وتهبط بسرعة، وتتركز داخل منصة واحدة، وتدور حول سردية شبه موحدة.

هذا التداخل بين الزمن والبنية واللغة يشير إلى نمط يعمل بكفاءة: خطاب يُنتَج بسرعة، ويُعاد تدويره بسهولة، ويُدفع في لحظات محددة، ما يعني أن الحضور الواسع للمنشورات لا يعكس بالضرورة رأياً عاماً متشكلاً بشكل طبيعي، بل هو تضخيم لسردية محددة تتحرك عبر آليات رقمية تعزز انتشارها خلال فترات قصيرة، وبالتالي، فإن الموجة لا تحتاج إلى مركز واحد واضح بقدر ما تعتمد على سلوك متكرر، يجعل الخطاب يتحرك ككتلة واحدة ويمنحه حضوراً أكبر من حجمه الفعلي.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع مجتمع التحقق العربي.