وصلت الصواريخ.. حين تلاحقنا 2019 في السليمانية 

روان سالم

19 آذار 2026

هذا المقال عن الحرب الإقليمية وعن عودة الخوف بوصفه ذاكرة جسدية تستيقظ فجأة وتلاحق من ظنوا أنهم نجوا منه..

في علم النفس، يُذكر أن الإنسان يمتلك ذاكرة جسدية للألم، تستيقظ مع أول محفز. بالنسبة لي، لم يكن محفز تلك الذاكرة هذه المرة رصاصة طائشة في ساحة التحرير، ولا صرخة متظاهر هارب من رصاصات القنّاص في أزقة بغداد المظلمة عام 2019. كان المحفز صوتاً مألوفاً، صوت انفجار اخترق زجاج نافذتي في مدينة السليمانية، ليلة الثالث من آذار 2026. 

حين هربت من مدينتي الأم قبل سنوات لم يكن قراري نابعاً من ترف، بل كان هروباً غريزياً من التهديدات التي لاحقتنا كنشطاء. جئت إلى السليمانية أحمل حقيبة صغيرة وجبلاً من القلق، ظناً مني أن جبال “أزمر” و”كويجة” ستكون حصناً منيعاً يحجز خلفه ضجيج السلاح والموت المجاني. لسنوات، كانت هذه المدينة بمثابة الرئة التي أتنفس بها، بمقاهيها الهادئة، وشارع سالم المسترخي، وجامعاتها. لكن الجغرافيا في الشرق الأوسط لا تمنح صكّ أمان دائم لأحد، والموت الذي هربنا منه في تشرين يمتلك أجنحة من “مسيّرات” وصواريخ قادرة على بلوغ أقصى الشمال. 

الساعة العاشرة و20 دقيقة ليلاً في السليمانية، هذا الوقت يعني الهدوء والسكينة، فجأة دوى انفجار واضح داخل المدينة، قوي بما يكفي ليهز الزجاج ويجعل المارة يتوقفون مذهولين. في تلك اللحظة عادت إليّ غصة قديمة، الشعور بأن الأرض ليست صلبة بما يكفي لتحملني. خلال دقائق، ازدحمت الهواتف: “ماذا حدث؟”، “أين وقع؟” 

الأسئلة تتكرر في كل المجموعات الإخبارية. بعد وقت قصير، اتّضحت الصورة: طائرة مسيّرة استهدفت منطقة “تلة الأمم المتحدة” داخل المدينة، المنطقة المعروفة التي تضم مبانيَ حكومية ودولية وتحوّل مبناها منذ زمن إلى قاعدة أمريكية، أصبحت فجأة ساحة قصف. لم تُسجل خسائر بشرية حسبما أعلنت السلطات، لكن وقع الحادثة كان زلزالاً نفسياً، فالسليمانية ليست مدينة اعتادت الهجمات المباشرة. نمتُ تلك الليلة وأنا أتساءل: أعاد الموت يلاحقني؟ 

لم يكد القلق يهدأ حتى جاء يوم الخامس من آذار حيث تكرّرت الأصوات، لكن هذه المرة كانت في الضواحي، عربت، وزرگويز، وسورداش، المناطق التي تضم مقرّات لأحزاب كردية إيرانية معارضة للنظام. تحدثت التقارير عن قصف صاروخي إيراني استهدف تلك المواقع. رغم أن الضربات في مناطق جبلية، إلا أن صداها في المدينة كان كفيلاً بمضاعفة مخاوفنا.  

لم يتأخر أحد باستنتاج أن السليمانية لم تعد مجرد مدينة، بل ضحية موقعها القريب من الحدود الإيرانية، واحتضانها جماعات معارضة للنظام الإيراني. نحن نعيش في وسط صراع إقليمي أكبر منا بكثير، إيران ترى في هذه الجماعات تهديداً أمنياً، وتبرر لنفسها استباحة السماء بينما ندفع نحن سكان البيوت الآمنة ثمن هذه الرسائل العسكرية التي تُكتب بالبارود. 

فجر الثامن من آذار، في ساعات الصباح الباكر، تأكدتُ أن كوابيس 2019 عادت إليّ بكل تفاصيلها؛ استيقظت المدينة على أصوات انفجارات متتالية، لم يكن انفجاراً واحداً هذه المرة، بل هجوم منظم بست طائرات مسيّرة مفخخة استهدفت مواقع حساسة وحيوية. توزعت الضربات بشكل مرعب؛ مقرات لقوات 70 التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، ومواقع قرب مبنى تابع للأمم المتحدة (منزل ضيافة). المثير للصدمة أن هذا المبنى تحديداً استُهدف ثلاث مرات خلال نصف ساعة فقط بمسيّرات انتحارية، رغم قربه من القنصلية التركية وفندق تايتنك، أحد أبرز معالم المدينة السياحية.  

هذا التعدد في الأهداف، وفي وقت متقارب جداً، نزع عن المدينة رداء الاسترخاء. لم يعد الأمر حادثة أمنية محدودة، بل أصبحنا في مواجهة تصعيد أوسع، أصبح السؤال في كل بيت: أين سنذهب إن تحولت السليمانية إلى ساحة حرب مفتوحة؟ 

سياسياً، ترى إيران في وجود المعارضة الكردية والنشاط الأمريكي في الإقليم تهديداً مباشراً، وتتهم الفصائل المسلحة القريبة منها داخل العراق، تتهم السليمانية وإقليم كردستان عموماً بتوفير مساحة لنشاطات استخبارية مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، جاء الرئيس الأمريكي ليؤكد هذه الذرائع عبر تعبيره عن رغبة في مشاركة الكُرد بعمل عسكري ميداني ضد النظام في إيران. 

الصراع الإقليمي الكبير بين واشنطن وإيران حوّل العراق إلى ساحة لتبادل الرسائل غير المباشرة بينهما، وبعد شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب واغتيالهما المرشد الإيراني، صارت مباشرة. 

في هذه المعادلة، تتحول مدينتنا الجامعية والثقافية إلى صندوق بريد. عندما تُطلق الصواريخ لا تصل الرسالة إلى غرف القرار السياسي فقط، بل تصل أولاً إلى غرف نومنا، وتهز سرير الطفل الذي لم يسمع في حياته سوى الأغاني الكردية الهادئة. 

بالنسبة لي كشابة هربت عندما تعرّض الناشطون لتهديدات في 2019، أجد نفسي اليوم في مواجهة الأسئلة الوجودية نفسها، وألمس في نفسي الخوف من الخروج، أجد نفسي أحياناً أراقب السماء، ولا يغادرني القلق من أن يكون القادم أسوأ. شكلت السليمانية لي الأمان، واليوم يهتز الأمان تحت وطأة ست مسيّرات في ليلة واحدة، والخوف من أن تكون منطلقاً لأعمال عسكرية برية. ما حدث في الأسبوع الأول من آذار هو جرس إنذار في الشرق الأوسط، لا تحتاج المدينة أن تكون طرفاً في الحرب لكي تُقصف، يكفي أن تتصادم فيها مصالح الكبار. 

في لحظة انطلاق الصواريخ وهبوطها لا يقرأ الناس التحليلات الجيوسياسية، ففي كل بيت في السليمانية كان هناك سؤال واحد ليلة الثامن من آذار: هل انتهى الأمر، أم أنها مجرد بداية؟ 

لا أريد المستحيل، أريد فقط ألّا نضطر للهرب مرة أخرى. السليمانية مدينة تعشق الحياة، ومن حق سكانها ومن لجأ إليها هرباً من الموت أن يناموا دون أن تهتز نوافذهم بصواريخ الرسائل السياسية. 

  • تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.   

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في علم النفس، يُذكر أن الإنسان يمتلك ذاكرة جسدية للألم، تستيقظ مع أول محفز. بالنسبة لي، لم يكن محفز تلك الذاكرة هذه المرة رصاصة طائشة في ساحة التحرير، ولا صرخة متظاهر هارب من رصاصات القنّاص في أزقة بغداد المظلمة عام 2019. كان المحفز صوتاً مألوفاً، صوت انفجار اخترق زجاج نافذتي في مدينة السليمانية، ليلة الثالث من آذار 2026. 

حين هربت من مدينتي الأم قبل سنوات لم يكن قراري نابعاً من ترف، بل كان هروباً غريزياً من التهديدات التي لاحقتنا كنشطاء. جئت إلى السليمانية أحمل حقيبة صغيرة وجبلاً من القلق، ظناً مني أن جبال “أزمر” و”كويجة” ستكون حصناً منيعاً يحجز خلفه ضجيج السلاح والموت المجاني. لسنوات، كانت هذه المدينة بمثابة الرئة التي أتنفس بها، بمقاهيها الهادئة، وشارع سالم المسترخي، وجامعاتها. لكن الجغرافيا في الشرق الأوسط لا تمنح صكّ أمان دائم لأحد، والموت الذي هربنا منه في تشرين يمتلك أجنحة من “مسيّرات” وصواريخ قادرة على بلوغ أقصى الشمال. 

الساعة العاشرة و20 دقيقة ليلاً في السليمانية، هذا الوقت يعني الهدوء والسكينة، فجأة دوى انفجار واضح داخل المدينة، قوي بما يكفي ليهز الزجاج ويجعل المارة يتوقفون مذهولين. في تلك اللحظة عادت إليّ غصة قديمة، الشعور بأن الأرض ليست صلبة بما يكفي لتحملني. خلال دقائق، ازدحمت الهواتف: “ماذا حدث؟”، “أين وقع؟” 

الأسئلة تتكرر في كل المجموعات الإخبارية. بعد وقت قصير، اتّضحت الصورة: طائرة مسيّرة استهدفت منطقة “تلة الأمم المتحدة” داخل المدينة، المنطقة المعروفة التي تضم مبانيَ حكومية ودولية وتحوّل مبناها منذ زمن إلى قاعدة أمريكية، أصبحت فجأة ساحة قصف. لم تُسجل خسائر بشرية حسبما أعلنت السلطات، لكن وقع الحادثة كان زلزالاً نفسياً، فالسليمانية ليست مدينة اعتادت الهجمات المباشرة. نمتُ تلك الليلة وأنا أتساءل: أعاد الموت يلاحقني؟ 

لم يكد القلق يهدأ حتى جاء يوم الخامس من آذار حيث تكرّرت الأصوات، لكن هذه المرة كانت في الضواحي، عربت، وزرگويز، وسورداش، المناطق التي تضم مقرّات لأحزاب كردية إيرانية معارضة للنظام. تحدثت التقارير عن قصف صاروخي إيراني استهدف تلك المواقع. رغم أن الضربات في مناطق جبلية، إلا أن صداها في المدينة كان كفيلاً بمضاعفة مخاوفنا.  

لم يتأخر أحد باستنتاج أن السليمانية لم تعد مجرد مدينة، بل ضحية موقعها القريب من الحدود الإيرانية، واحتضانها جماعات معارضة للنظام الإيراني. نحن نعيش في وسط صراع إقليمي أكبر منا بكثير، إيران ترى في هذه الجماعات تهديداً أمنياً، وتبرر لنفسها استباحة السماء بينما ندفع نحن سكان البيوت الآمنة ثمن هذه الرسائل العسكرية التي تُكتب بالبارود. 

فجر الثامن من آذار، في ساعات الصباح الباكر، تأكدتُ أن كوابيس 2019 عادت إليّ بكل تفاصيلها؛ استيقظت المدينة على أصوات انفجارات متتالية، لم يكن انفجاراً واحداً هذه المرة، بل هجوم منظم بست طائرات مسيّرة مفخخة استهدفت مواقع حساسة وحيوية. توزعت الضربات بشكل مرعب؛ مقرات لقوات 70 التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، ومواقع قرب مبنى تابع للأمم المتحدة (منزل ضيافة). المثير للصدمة أن هذا المبنى تحديداً استُهدف ثلاث مرات خلال نصف ساعة فقط بمسيّرات انتحارية، رغم قربه من القنصلية التركية وفندق تايتنك، أحد أبرز معالم المدينة السياحية.  

هذا التعدد في الأهداف، وفي وقت متقارب جداً، نزع عن المدينة رداء الاسترخاء. لم يعد الأمر حادثة أمنية محدودة، بل أصبحنا في مواجهة تصعيد أوسع، أصبح السؤال في كل بيت: أين سنذهب إن تحولت السليمانية إلى ساحة حرب مفتوحة؟ 

سياسياً، ترى إيران في وجود المعارضة الكردية والنشاط الأمريكي في الإقليم تهديداً مباشراً، وتتهم الفصائل المسلحة القريبة منها داخل العراق، تتهم السليمانية وإقليم كردستان عموماً بتوفير مساحة لنشاطات استخبارية مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، جاء الرئيس الأمريكي ليؤكد هذه الذرائع عبر تعبيره عن رغبة في مشاركة الكُرد بعمل عسكري ميداني ضد النظام في إيران. 

الصراع الإقليمي الكبير بين واشنطن وإيران حوّل العراق إلى ساحة لتبادل الرسائل غير المباشرة بينهما، وبعد شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب واغتيالهما المرشد الإيراني، صارت مباشرة. 

في هذه المعادلة، تتحول مدينتنا الجامعية والثقافية إلى صندوق بريد. عندما تُطلق الصواريخ لا تصل الرسالة إلى غرف القرار السياسي فقط، بل تصل أولاً إلى غرف نومنا، وتهز سرير الطفل الذي لم يسمع في حياته سوى الأغاني الكردية الهادئة. 

بالنسبة لي كشابة هربت عندما تعرّض الناشطون لتهديدات في 2019، أجد نفسي اليوم في مواجهة الأسئلة الوجودية نفسها، وألمس في نفسي الخوف من الخروج، أجد نفسي أحياناً أراقب السماء، ولا يغادرني القلق من أن يكون القادم أسوأ. شكلت السليمانية لي الأمان، واليوم يهتز الأمان تحت وطأة ست مسيّرات في ليلة واحدة، والخوف من أن تكون منطلقاً لأعمال عسكرية برية. ما حدث في الأسبوع الأول من آذار هو جرس إنذار في الشرق الأوسط، لا تحتاج المدينة أن تكون طرفاً في الحرب لكي تُقصف، يكفي أن تتصادم فيها مصالح الكبار. 

في لحظة انطلاق الصواريخ وهبوطها لا يقرأ الناس التحليلات الجيوسياسية، ففي كل بيت في السليمانية كان هناك سؤال واحد ليلة الثامن من آذار: هل انتهى الأمر، أم أنها مجرد بداية؟ 

لا أريد المستحيل، أريد فقط ألّا نضطر للهرب مرة أخرى. السليمانية مدينة تعشق الحياة، ومن حق سكانها ومن لجأ إليها هرباً من الموت أن يناموا دون أن تهتز نوافذهم بصواريخ الرسائل السياسية. 

  • تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.