"كل شيء سيتغير": ماذا يحصل في العراق بعد اغتيال خامنئي؟ 

حسين فاضل

01 آذار 2026

اغتيال المرشد الأعلى الإيراني أثار أسئلة قديمة داخل العراق عن النفوذ والسلاح والاقتصاد، ووضع القوى الحاكمة أمام اختبار لم يكن في حساباتها: ما الذي تغيّر منذ فجر 28 شباط؟ وكيف تُدار الأزمة التي تتقاطع مع الضربات العسكرية وارتباك الأسواق وخطر تعطّل النفط؟

“كل شيء سيتغير”، هذا قول مصدر في الإطار التنسيقي الشيعي، بهدوء، معلقاً على اغتيال علي خامنئي فجر 28 شباط 2026، بالهجوم الإسرائيلي الأمريكي الواسع على طهران، مُدركاً أن ما جرى في طهران لن يبقى هناك.
اغتيال علي خامنئي، كما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتزامن مع ضربات أمريكية–إسرائيلية داخل إيران وردٍ إيراني بالصواريخ والمسيّرات، أدخل المنطقة في طور تصعيد مفتوح خلال ساعات. العراق وجد نفسه في قلب هذه المعادلة الجديدة بحكم الجغرافيا والارتباطات السياسية والاقتصادية، ووجود قوات أمريكية على أراضيه، ونشاط فصائل مسلحة ترتبط بطهران، واعتماد مالي واسع على صادرات تمر عبر الخليج.
لساعات، كما يروي المصدر الذي رفض الإشارة إلى اسمه، ظل المشهد السياسي في بغداد معلقاً بين معلومات متضاربة وتسريبات غير مؤكدة. حتى ما بعد منتصف الليل، كانت قيادات سياسية تتداول روايات تشير إلى نجاة خامنئي، فيما فضّلت أطراف أخرى انتظار تثبيت الخبر رسمياً قبل إصدار مواقف علنية. ومع تأكيد الوفاة، تغيّر المزاج، إذ حل صمت ثقيل على مجموعات “واتساب” التي يناقش فيها السياسيون الشؤون العامة، ولم يعد يُتداول فيها سوى كلمات الرثاء بحق “المرشد الأعلى”.
وفق المصدر السياسي من داخل الإطار التنسيقي، فإن ما بعد خامنئي سيعيد تشكيل موازين القوة داخل العراق. يقول: “كثير من القوى بنت مواقعها خلال العقدين الماضيين على شبكة علاقات مباشرة مع مراكز قرار إيرانية مستقرة نسبياً، أي تغيير في هذه المراكز يعني إعادة ترتيب أدوار وتحالفات. بعض اللاعبين يقرأ اللحظة كفرصة لإعادة التموضع، وآخرون يتعاملون معها كمرحلة غموض تتطلب الحذر”.

حداد رسمي وقتال حذر


على المستوى الرسمي، أعلنت الحكومة العراقية الحداد العام ثلاثة أيام، ووصفت الاغتيال بأنه “عدوان صارخ وفعل مُدان يخالف كل الأعراف الإنسانية والأخلاقية”، وفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني. البيان جاء سريعاً، وحمل إدانة واضحة، ودعا إلى إيقاف الحرب والتصعيد.
في بغداد، تجمعت حشود قرب الجسر المعلّق المؤدي إلى المنطقة الخضراء. حاول متظاهرون الوصول إلى محيط السفارة الأمريكية، إلا أن الطرق المؤدية إلى المنطقة المحصنة أُغلقت، وانتشرت تعزيزات أمنية، واستُخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
شهدت محافظات وسط وجنوب العراق احتجاجات وتجمعات مشابهة، رفعت صور خامنئي، وطالبت بالقصاص له، فيما أعلنت عطل رسمية في البصرة وذي قار، وعدد من المحافظات الأخرى.
ميدانياً، أعلنت فصائل تعمل تحت مسمى “المقاومة الإسلامية في العراق” تنفيذ عمليات ضد أهداف أمريكية داخل العراق وفي المنطقة، من أبرز هذه الفصائل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء. الضربات طالت محيط مطار أربيل الدولي، وقاعدة بلد الجوية شمال بغداد، ومواقع في البصرة، وقاعدة الإمام علي في الناصرية.
في المقابل، تعرضت منطقة جرف الصخر شمال بابل لضربات أمريكية–إسرائيلية أسفرت عن سقوط قتلى من عناصر كتائب حزب الله. وفي محافظة نينوى، استُهدف مقر اللواء 50 التابع لهيئة الحشد الشعبي بخمس طائرات مسيّرة، أُسقطت اثنتان منها قبل بلوغ الهدف. وأعلنت هيئة الحشد الشعبي لاحقاً سقوط أربعة قتلى من عناصر اللواء 41 التابع لعصائب أهل الحق في هجوم وصفته بأنه “عدوان صهيوني” استهدف مقراً في ناحية الوجيهية بمحافظة ديالى. ونظّم فصيل عصائب أهل الحق، وهو فصيل لم يعلن انخراطه في الحرب بعد، مراسم تشييع للقتلى الأربعة.
ورغم اتساع التصعيد الإقليمي، بقي مستوى الهجمات داخل العراق مضبوطاً ضمن سقف محدد، إذ لم تطلق موجات صواريخ واسعة، ولا عمليات تستهدف مراكز أجنبية ذات طبيعة مدنية.
ويتحدث مصدر في الإطار التنسيقي عن رغبة داخل بعض الدوائر السياسية في إبقاء هامش تحرك للفصائل يسمح بإعادة ضبط الإيقاع إذا تبدلت المعطيات الإقليمية، بما في ذلك احتمال الوصول إلى تهدئة مشابهة لتلك التي أعقبت التصعيد خلال الحرب الإبادة على غزة، حين أوقفت الفصائل العراقية عملياتها بعد أسابيع من الهجمات.
غير أن مصادر مقربة من الفصائل تقول إن المواجهة الحالية تختلف من حيث السياق والرهانات. أحد هذه المصادر أشار إلى أن الفصائل تضع في حساباتها استهداف مناطق وجود القوات الأمريكية داخل العراق، ومنها القواعد في أربيل، إلى جانب مهام خارج الحدود، بينها استخدام طائرات مسيّرة لضرب أهداف في الإمارات. هذا المسار يضع العراق أمام تعقيدات إضافية في علاقاته الإقليمية، ويفتح باباً لاحتمالات دبلوماسية وأمنية تتجاوز الساحة الداخلية.
وبحسب المصدر نفسه، فإن حديث الحكومة عن ضمان عدم استهداف العراق في هذه الحرب سقط عملياً منذ اللحظات الأولى للتصعيد. “القصف على مواقع تابعة للفصائل مستمر، ويجري تعقب منصات إطلاق الطائرات المسيّرة وقصفها فور رصدها”.

تصدير النفط العراقي مهدد


التطور الأخطر جاء من مضيق هرمز، الممر البحري الذي تعبره قرابة خُمس تجارة النفط العالمية. أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي IRIB استهداف ناقلة نفط حاولت العبور خلافاً للتحذيرات، مؤكداً أنها “تغرق”. مهمة عملية أسبيدس الأوروبية أشارت إلى تلقي السفن إشعارات تمنع العبور، فيما نقلت رويترز عن مصادر تجارية تعليق شحنات خام ووقود، وذكرت وكالة أنباء فارس أن عبور ناقلات النفط توقف.
بالنسبة للعراق، يشكل المضيق شريان الإيرادات الأساسي. أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً تُصدَّر عبر موانئ البصرة، تمثل أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الدولة. استمرار الإنتاج في حقول الجنوب مثل الرميلة وغرب القرنة ومجنون لا يضمن استمرار التدفقات إذا تعطلت الملاحة، فالمنظومة النفطية تعتمد على الضخ المباشر إلى الموانئ مع قدرة تخزين محدودة لتنظيم التدفق قصير الأمد، ما يجعل أي إغلاق طويل الأمد عاملاً يفرض خفضاً تدريجياً في الإنتاج ويضغط مباشرة على تمويل الرواتب والإنفاق التشغيلي.
في إقليم كردستان، علّقت شركتا DNO وDana Gas جزءاً من الإنتاج في طاوكي وبشخابور وخورمور، ما أدى إلى خروج نحو 200 ألف برميل يومياً من الخدمة، أي ما يعادل 5 إلى 6 بالمئة من إجمالي الصادرات العراقية، وهو رقم محدود التأثير قياساً بأهمية تعطّل الإنتاج في الجنوب.
وزارة النفط عقدت اجتماعاً طارئاً لبحث آليات ضمان استمرار الصادرات والوفاء بالالتزامات التعاقدية، وسط ارتفاع كلفة التأمين البحري وأجور الناقلات إلى مستويات قياسية، وستنعكس أي زيادة في كلف النقل مباشرة على صافي الإيرادات التي تعاني أساساً من عجز في سد الكلف التشغيلية للدولة.
وقال فؤاد حسين، وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، إن استمرار الحرب من شأنه أن يفاقم اضطرابات أسواق الطاقة ويؤثر سلباً في استقرار السوق العالمية.

الأسواق العراقية في ارتباك


في الأسواق المحلية، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية صباح 1 آذار إلى نحو 157 ألفاً إلى 157 ألفاً و500 دينار لكل 100 دولار، بزيادة تقارب 6 بالمئة خلال أيام، فيما يعتمد العراق على الاستيراد لتأمين الجزء الأوسع من احتياجاته الاستهلاكية. حجم التبادل التجاري مع إيران يتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنوياً، ويشمل مواد غذائية ومنتجات زراعية ومواد بناء، ما يجعل أي اضطراب في النقل البري أو في سعر صرف الدولار عاملاً مباشراً في ارتفاع الأسعار داخل الأسواق العراقية.
قطاع الكهرباء يمثل نقطة حساسة إضافية. فالعراق يستورد ما بين 40 و50 مليون متر مكعب يومياً من الغاز الإيراني، يساهم في توليد نحو 7 إلى 8 آلاف ميغاواط، أي قرابة ثلث الإنتاج الفعلي، وسرعان ما ظهر خلل في هذه الإمدادات أدى إلى رفع ساعات الانقطاع، خاصة في بغداد ومحافظات الجنوب التي تعتمد على محطات توليد تعمل بالغاز المستورد.
إضافة إلى ذلك، دخلت سوق العراق للأوراق المالية موجة تراجع حادة مع تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة الإقليمية، وقد فعّلت إدارة السوق آلية إيقاف التداول المؤقت على أي سهم يخسر 5 بالمئة خلال الجلسة للحد من التراجعات السريعة، في وقت تشير فيه تقديرات أولية داخل الوسط المالي إلى احتمال تسجيل خسائر قد تتجاوز 20 بالمئة من قيمة بعض الأسهم خلال الأسبوع الحالي إذا استمر التصعيد.

أزمة الإطار التنسيقي


في ظل هذا المشهد المتداخل، يقول مصدر في الإطار التنسيقي إن القوى الشيعية تجد نفسها في لحظة غير مسبوقة من الإحراج السياسي، لحظة لم تدخلها بحسابات واضحة.
يعيش العراق منذ أشهر انقساماً داخلياً، وحكومة منتهية الولاية، وضغوطاً مالية دفعت خلال الأشهر الماضية إلى فرض إجراءات ضريبية ومالية لمحاولة احتواء العجز وضبط سعر الصرف. ومع اغتيال علي خامنئي، أصبحت هذه الهشاشة مكشوفة أمام اختبار إقليمي مباشر.
يقول المصدر إن ما حدث في إيران لا يمكن فصله عن الداخل العراقي، لأن جزءاً كبيراً من توازن القوى السياسية في بغداد تشكَّل في ظل معادلة إيرانية مستقرة نسبياً، لافتاً إلى أن أي تغيير في رأس الهرم هناك يعيد فتح ملفات النفوذ، والعلاقة مع الفصائل، وسقف المواجهة مع الولايات المتحدة.
ورغم الخطاب التصعيدي الذي ظهر في الساعات الأولى، يؤكد المصدر أن أغلب القوى الشيعية داخل الإطار تميل عملياً إلى التهدئة مع واشنطن، حتى في ظل هذا التصعيد الواسع.
البراغماتية، بحسب تعبيره، تحكم القرار النهائي عندما تتداخل السياسة مع بقاء السلطة. ويُستشهد على ذلك بسابقة سحب قوى عديدة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء بعد رفضه أمريكياً، حين رأت أطراف داخل المنظومة أن الاصطدام المباشر مع واشنطن يحمل كلفة أكبر من إعادة ترتيب التحالفات.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

“كل شيء سيتغير”، هذا قول مصدر في الإطار التنسيقي الشيعي، بهدوء، معلقاً على اغتيال علي خامنئي فجر 28 شباط 2026، بالهجوم الإسرائيلي الأمريكي الواسع على طهران، مُدركاً أن ما جرى في طهران لن يبقى هناك.
اغتيال علي خامنئي، كما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتزامن مع ضربات أمريكية–إسرائيلية داخل إيران وردٍ إيراني بالصواريخ والمسيّرات، أدخل المنطقة في طور تصعيد مفتوح خلال ساعات. العراق وجد نفسه في قلب هذه المعادلة الجديدة بحكم الجغرافيا والارتباطات السياسية والاقتصادية، ووجود قوات أمريكية على أراضيه، ونشاط فصائل مسلحة ترتبط بطهران، واعتماد مالي واسع على صادرات تمر عبر الخليج.
لساعات، كما يروي المصدر الذي رفض الإشارة إلى اسمه، ظل المشهد السياسي في بغداد معلقاً بين معلومات متضاربة وتسريبات غير مؤكدة. حتى ما بعد منتصف الليل، كانت قيادات سياسية تتداول روايات تشير إلى نجاة خامنئي، فيما فضّلت أطراف أخرى انتظار تثبيت الخبر رسمياً قبل إصدار مواقف علنية. ومع تأكيد الوفاة، تغيّر المزاج، إذ حل صمت ثقيل على مجموعات “واتساب” التي يناقش فيها السياسيون الشؤون العامة، ولم يعد يُتداول فيها سوى كلمات الرثاء بحق “المرشد الأعلى”.
وفق المصدر السياسي من داخل الإطار التنسيقي، فإن ما بعد خامنئي سيعيد تشكيل موازين القوة داخل العراق. يقول: “كثير من القوى بنت مواقعها خلال العقدين الماضيين على شبكة علاقات مباشرة مع مراكز قرار إيرانية مستقرة نسبياً، أي تغيير في هذه المراكز يعني إعادة ترتيب أدوار وتحالفات. بعض اللاعبين يقرأ اللحظة كفرصة لإعادة التموضع، وآخرون يتعاملون معها كمرحلة غموض تتطلب الحذر”.

حداد رسمي وقتال حذر


على المستوى الرسمي، أعلنت الحكومة العراقية الحداد العام ثلاثة أيام، ووصفت الاغتيال بأنه “عدوان صارخ وفعل مُدان يخالف كل الأعراف الإنسانية والأخلاقية”، وفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني. البيان جاء سريعاً، وحمل إدانة واضحة، ودعا إلى إيقاف الحرب والتصعيد.
في بغداد، تجمعت حشود قرب الجسر المعلّق المؤدي إلى المنطقة الخضراء. حاول متظاهرون الوصول إلى محيط السفارة الأمريكية، إلا أن الطرق المؤدية إلى المنطقة المحصنة أُغلقت، وانتشرت تعزيزات أمنية، واستُخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
شهدت محافظات وسط وجنوب العراق احتجاجات وتجمعات مشابهة، رفعت صور خامنئي، وطالبت بالقصاص له، فيما أعلنت عطل رسمية في البصرة وذي قار، وعدد من المحافظات الأخرى.
ميدانياً، أعلنت فصائل تعمل تحت مسمى “المقاومة الإسلامية في العراق” تنفيذ عمليات ضد أهداف أمريكية داخل العراق وفي المنطقة، من أبرز هذه الفصائل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء. الضربات طالت محيط مطار أربيل الدولي، وقاعدة بلد الجوية شمال بغداد، ومواقع في البصرة، وقاعدة الإمام علي في الناصرية.
في المقابل، تعرضت منطقة جرف الصخر شمال بابل لضربات أمريكية–إسرائيلية أسفرت عن سقوط قتلى من عناصر كتائب حزب الله. وفي محافظة نينوى، استُهدف مقر اللواء 50 التابع لهيئة الحشد الشعبي بخمس طائرات مسيّرة، أُسقطت اثنتان منها قبل بلوغ الهدف. وأعلنت هيئة الحشد الشعبي لاحقاً سقوط أربعة قتلى من عناصر اللواء 41 التابع لعصائب أهل الحق في هجوم وصفته بأنه “عدوان صهيوني” استهدف مقراً في ناحية الوجيهية بمحافظة ديالى. ونظّم فصيل عصائب أهل الحق، وهو فصيل لم يعلن انخراطه في الحرب بعد، مراسم تشييع للقتلى الأربعة.
ورغم اتساع التصعيد الإقليمي، بقي مستوى الهجمات داخل العراق مضبوطاً ضمن سقف محدد، إذ لم تطلق موجات صواريخ واسعة، ولا عمليات تستهدف مراكز أجنبية ذات طبيعة مدنية.
ويتحدث مصدر في الإطار التنسيقي عن رغبة داخل بعض الدوائر السياسية في إبقاء هامش تحرك للفصائل يسمح بإعادة ضبط الإيقاع إذا تبدلت المعطيات الإقليمية، بما في ذلك احتمال الوصول إلى تهدئة مشابهة لتلك التي أعقبت التصعيد خلال الحرب الإبادة على غزة، حين أوقفت الفصائل العراقية عملياتها بعد أسابيع من الهجمات.
غير أن مصادر مقربة من الفصائل تقول إن المواجهة الحالية تختلف من حيث السياق والرهانات. أحد هذه المصادر أشار إلى أن الفصائل تضع في حساباتها استهداف مناطق وجود القوات الأمريكية داخل العراق، ومنها القواعد في أربيل، إلى جانب مهام خارج الحدود، بينها استخدام طائرات مسيّرة لضرب أهداف في الإمارات. هذا المسار يضع العراق أمام تعقيدات إضافية في علاقاته الإقليمية، ويفتح باباً لاحتمالات دبلوماسية وأمنية تتجاوز الساحة الداخلية.
وبحسب المصدر نفسه، فإن حديث الحكومة عن ضمان عدم استهداف العراق في هذه الحرب سقط عملياً منذ اللحظات الأولى للتصعيد. “القصف على مواقع تابعة للفصائل مستمر، ويجري تعقب منصات إطلاق الطائرات المسيّرة وقصفها فور رصدها”.

تصدير النفط العراقي مهدد


التطور الأخطر جاء من مضيق هرمز، الممر البحري الذي تعبره قرابة خُمس تجارة النفط العالمية. أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي IRIB استهداف ناقلة نفط حاولت العبور خلافاً للتحذيرات، مؤكداً أنها “تغرق”. مهمة عملية أسبيدس الأوروبية أشارت إلى تلقي السفن إشعارات تمنع العبور، فيما نقلت رويترز عن مصادر تجارية تعليق شحنات خام ووقود، وذكرت وكالة أنباء فارس أن عبور ناقلات النفط توقف.
بالنسبة للعراق، يشكل المضيق شريان الإيرادات الأساسي. أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً تُصدَّر عبر موانئ البصرة، تمثل أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الدولة. استمرار الإنتاج في حقول الجنوب مثل الرميلة وغرب القرنة ومجنون لا يضمن استمرار التدفقات إذا تعطلت الملاحة، فالمنظومة النفطية تعتمد على الضخ المباشر إلى الموانئ مع قدرة تخزين محدودة لتنظيم التدفق قصير الأمد، ما يجعل أي إغلاق طويل الأمد عاملاً يفرض خفضاً تدريجياً في الإنتاج ويضغط مباشرة على تمويل الرواتب والإنفاق التشغيلي.
في إقليم كردستان، علّقت شركتا DNO وDana Gas جزءاً من الإنتاج في طاوكي وبشخابور وخورمور، ما أدى إلى خروج نحو 200 ألف برميل يومياً من الخدمة، أي ما يعادل 5 إلى 6 بالمئة من إجمالي الصادرات العراقية، وهو رقم محدود التأثير قياساً بأهمية تعطّل الإنتاج في الجنوب.
وزارة النفط عقدت اجتماعاً طارئاً لبحث آليات ضمان استمرار الصادرات والوفاء بالالتزامات التعاقدية، وسط ارتفاع كلفة التأمين البحري وأجور الناقلات إلى مستويات قياسية، وستنعكس أي زيادة في كلف النقل مباشرة على صافي الإيرادات التي تعاني أساساً من عجز في سد الكلف التشغيلية للدولة.
وقال فؤاد حسين، وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، إن استمرار الحرب من شأنه أن يفاقم اضطرابات أسواق الطاقة ويؤثر سلباً في استقرار السوق العالمية.

الأسواق العراقية في ارتباك


في الأسواق المحلية، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية صباح 1 آذار إلى نحو 157 ألفاً إلى 157 ألفاً و500 دينار لكل 100 دولار، بزيادة تقارب 6 بالمئة خلال أيام، فيما يعتمد العراق على الاستيراد لتأمين الجزء الأوسع من احتياجاته الاستهلاكية. حجم التبادل التجاري مع إيران يتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنوياً، ويشمل مواد غذائية ومنتجات زراعية ومواد بناء، ما يجعل أي اضطراب في النقل البري أو في سعر صرف الدولار عاملاً مباشراً في ارتفاع الأسعار داخل الأسواق العراقية.
قطاع الكهرباء يمثل نقطة حساسة إضافية. فالعراق يستورد ما بين 40 و50 مليون متر مكعب يومياً من الغاز الإيراني، يساهم في توليد نحو 7 إلى 8 آلاف ميغاواط، أي قرابة ثلث الإنتاج الفعلي، وسرعان ما ظهر خلل في هذه الإمدادات أدى إلى رفع ساعات الانقطاع، خاصة في بغداد ومحافظات الجنوب التي تعتمد على محطات توليد تعمل بالغاز المستورد.
إضافة إلى ذلك، دخلت سوق العراق للأوراق المالية موجة تراجع حادة مع تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة الإقليمية، وقد فعّلت إدارة السوق آلية إيقاف التداول المؤقت على أي سهم يخسر 5 بالمئة خلال الجلسة للحد من التراجعات السريعة، في وقت تشير فيه تقديرات أولية داخل الوسط المالي إلى احتمال تسجيل خسائر قد تتجاوز 20 بالمئة من قيمة بعض الأسهم خلال الأسبوع الحالي إذا استمر التصعيد.

أزمة الإطار التنسيقي


في ظل هذا المشهد المتداخل، يقول مصدر في الإطار التنسيقي إن القوى الشيعية تجد نفسها في لحظة غير مسبوقة من الإحراج السياسي، لحظة لم تدخلها بحسابات واضحة.
يعيش العراق منذ أشهر انقساماً داخلياً، وحكومة منتهية الولاية، وضغوطاً مالية دفعت خلال الأشهر الماضية إلى فرض إجراءات ضريبية ومالية لمحاولة احتواء العجز وضبط سعر الصرف. ومع اغتيال علي خامنئي، أصبحت هذه الهشاشة مكشوفة أمام اختبار إقليمي مباشر.
يقول المصدر إن ما حدث في إيران لا يمكن فصله عن الداخل العراقي، لأن جزءاً كبيراً من توازن القوى السياسية في بغداد تشكَّل في ظل معادلة إيرانية مستقرة نسبياً، لافتاً إلى أن أي تغيير في رأس الهرم هناك يعيد فتح ملفات النفوذ، والعلاقة مع الفصائل، وسقف المواجهة مع الولايات المتحدة.
ورغم الخطاب التصعيدي الذي ظهر في الساعات الأولى، يؤكد المصدر أن أغلب القوى الشيعية داخل الإطار تميل عملياً إلى التهدئة مع واشنطن، حتى في ظل هذا التصعيد الواسع.
البراغماتية، بحسب تعبيره، تحكم القرار النهائي عندما تتداخل السياسة مع بقاء السلطة. ويُستشهد على ذلك بسابقة سحب قوى عديدة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء بعد رفضه أمريكياً، حين رأت أطراف داخل المنظومة أن الاصطدام المباشر مع واشنطن يحمل كلفة أكبر من إعادة ترتيب التحالفات.