ما هو موقع العراق في "حرب الموانئ" الجارية في العالم والمنطقة؟ 

عبد الله السعد

26 شباط 2026

تتسارع مشاريع الممرات والموانئ في المنطقة ضمن صراعٍ على طرق التجارة العالمية، والعراق أمام لحظة حاسمة تحدّد ما إذا كان ميناء الفاو سيحوّله إلى عقدة عبورٍ كبرى نحو أوروبا، أم يبقيه خارج معادلة النفوذ الاقتصادي..

عند تخوم البصرة، حيث تلتقي الأرض بالبحر، يتشكّل مشروع يلفه الغموض وتتنازعه التصريحات.  

الربط السككي بين العراق وإيران ليس مجرد خط حديدي عابر للحدود، بل مسار تتقاطع عنده المصالح الإقليمية والرهانات الاقتصادية، وتتشابك فيه خرائط الموانئ مع حسابات النفوذ.  

 يمتد الخط من منفذ الشلامجة نحو الأراضي العراقية، حاملاً وعوداً بالتنمية وشبهات عن تحولات أعمق في توازنات المنطقة.  

في خضم هذا المشهد، برز تصريح عامر عبد الجبار وزير النقل العراقي الأسبق، الذي وصف الربط السككي مع إيران بأنه “جريمة كبرى”، معتبراً أنه سيُفقِد ميناء الفاو الكبير مكانته الاستراتيجية بوصفه صلة الوصل بين الخليج وأوروبا.  

كان عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، وحسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، قد أعلنا في 11 آذار 2019 توقيع اتفاقيات عدة، بينها اتفاقية الربط السككي عبر منفذ الشلامجة شرقي البصرة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة طويلة من الجدل والالتباس بين نفي وتأكيد وتناقض في المواقف الرسمية.  

ففي حين أعلن مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء السابق، عام 2021 إكمال الاتفاقية وعدّها مشروعاً اقتصادياً يربط العراق بالصين، نفى ناصر الشبلي، وزير النقل السابق، لاحقاً توقيع أي اتفاق رسمي، موضحاً أن ما جرى مجرد محضر اجتماع، ومؤكداً أن الربط لن يتم قبل إنجاز ميناء الفاو وبنية السكك الداخلية.  

وفيما تصرّ إيران على أن هدف المشروع هو ربط موانئها بالبحر الأبيض المتوسط عبر العراق، يؤكد المسؤولون العراقيون أن الغرض منه نقل المسافرين فقط.  

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يضع حجر الأساس لمشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء. 

مشروع ومحاذير  

تعاني إيران منذ عقود من العقوبات الاقتصادية الأمريكية، لكنها ظلت تسعى إلى كسر هذا الطوق عبر اتفاقيات وتحالفات أمنية واقتصادية مع دول عدة، مع إبقاء قنوات التواصل مع واشنطن مفتوحة حيناً وغامضة حيناً آخر.  

وفي هذا السياق، اتخذت طهران موقفاً متحفظاً تجاه الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع الصين، مفضلة التركيز على مشروعها الخاص القائم على جعل موانئها في خليج عُمان والخليج العربي محوراً لربط آسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصولاً إلى أوروبا عبر تركيا أو العراق، في انسجام مع استراتيجيتها المعروفة بـ”اللعب بكل الأوراق” لخدمة مصالحها.  

ولتعزيز هذا المسار، عقدت إيران اتفاقاً مع الهند -الخصم التقليدي للصين وباكستان- لإعادة تأهيل وتطوير ميناء تشابهار، ليكون نقطة ربط بين الموانئ الهندية ودول آسيا الوسطى.  

أما ميناء تشابهار ذاته، فيقع في أقصى الجنوب الشرقي لإيران على خليج عُمان وبحر العرب، على بُعد نحو مئة ميل بحري من ميناء غوادر الباكستاني.  

وقد بدأ التخطيط له مطلع السبعينيات في عهد الشاه محمد رضا بهلوي كقاعدة بحرية، وبدأت أعمال بنائه عام 1973 قبل أن تتوقف بسبب أزمة مالية منتصف العقد ذاته، ثم انسحاب الشركات مع سقوط الشاه عام 1979. وبعد الثورة، استُكملت أعماله بين عامي 1982 و1983 بواسطة شركات إيرانية، ليصبح لاحقاً ميناءً تجارياً رئيسياً خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، حين سعت طهران إلى تقليل اعتمادها على موانئ الخليج العربي خوفاً من تعرضها للقصف الجوي العراقي.  

ميناء تشابهار الإيراني. المصدر: السوشال ميديا.

منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وضعت إيران خطة لاستثمار ميناء تشابهار ليكون بوابتها البحرية على العالم ومركزاً استراتيجياً للتجارة الدولية، بهدف الضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.  

وفي هذا الإطار، بدأت عام 1993 بالتواصل مع الهند، مستغلة رغبتها في الوصول إلى آسيا الوسطى من دون المرور عبر باكستان، وحاجتها إلى النفط والغاز الإيرانيين لتعزيز أمنها الطاقوي، فضلاً عن توظيف التحالف الهندي-الأمريكي في مواجهة محور الصين-باكستان.  

وعلى الرغم من ذلك، لم يتحقق أي تقدم ملموس حتى عام 2003، حين وُقعت أول مذكرة تفاهم بين طهران ونيودلهي بشأن تطوير الميناء.  

لكن العقوبات الدولية التي فُرضت لاحقاً على إيران أجهضت المشروع، بعد أن أحجمت الشركات الهندية عن العمل تحت وطأة القيود الأمريكية، ولا سيما عقب صدور قرار مجلس الأمن 1737 عام 2006، الذي تبع رفض إيران الالتزام بالقرار 1696 الداعي إلى تعليق أنشطة التخصيب النووي. ونتيجة لذلك، توقفت المفاوضات وتجمّدت أعمال تطوير الميناء لسنوات.  

ومع توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (1+5) في فيينا عام 2015، ودخوله حيّز التنفيذ في كانون الثاني 2016، عادت المفاوضات بين إيران والهند إلى الواجهة.  

وفي أيار 2016، تم توقيع اتفاقية ثلاثية بين الهند وإيران وأفغانستان لتطوير الميناء، تعهّدت بموجبها الهند باستثمار 500 مليون دولار في البنى التحتية لميناء تشابهار ومحطة شهيد بهشتي، إلى جانب إنشاء ممر نقل بري وسككي يربط الميناء الإيراني بأفغانستان، بما يتيح للهند تصدير بضائعها إلى أفغانستان وآسيا الوسطى من دون المرور بباكستان.  

مخطط الممر من ميناء مومباي إلى ميناء تشابهار وصولاً إلى أفغانستان. المصدر: السوشال ميديا.    

  

وفي إطار سعيها الدائم إلى توسيع نفوذها الاقتصادي وتمديد خطوط تأثيرها الإقليمي، شرعت إيران منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي في مفاوضات مع العراق بشأن مشروع الربط السككي عبر منفذ الشلامجة الحدودي شرقي البصرة، بهدف ربط موانئها بالبحر الأبيض المتوسط مروراً بالأراضي العراقية والسورية من جهة، وبأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية من جهة أخرى.  

  

غير أن تلك المفاوضات لم تحقق أي نتائج عملية آنذاك، بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلدين، إضافة إلى غياب الرغبة العراقية في المضي بالمشروع في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.  

  

ومع سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ورفع العقوبات الدولية عن العراق، عادت إيران لتستأنف جهودها بإصرار على مدى السنوات اللاحقة، مركّزة على جعل الأراضي العراقية ممراً أساسياً ضمن خططها اللوجستية نحو المتوسط وأوروبا.  

  

وتوّجت تلك المساعي في 11 آذار 2019 بتوقيع اتفاقية ثنائية للربط السككي خلال زيارة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى بغداد، تلاها في أيار 2023 توقيع اتفاق تنفيذي بين الشركة العامة للسكك الحديد العراقية ونظيرتها الإيرانية، يتضمن الإجراءات الفنية وتسليم الأرض لإجراء الدراسات الخاصة بجسر شط العرب، الذي يُفترض أن يربط بين ضفتيه لعبور القطارات بين إيران والبصرة ذهاباً وإياباً.  

  

يقول د.حكيم أمهز، المحلل السياسي الإيراني، إنّ الربط السككي بين العراق وإيران ليس مشروعاً منفصلاً، بل جزء من خطة استراتيجية أوسع تعمل عليها إيران مع حلفائها والدول المجاورة، بهدف عزل الممرات الاقتصادية في المنطقة عن تلك التي قد تتعرض للعقوبات الأمريكية.   

ويرى أمهز أن هذا الربط يشكل إجراءً استثنائياً ضمن مساعي تلك الدول لتأمين طرق بديلة وآمنة لتبادل البضائع.    

ويشرح أمهز أن الممر السككي “شرق–غرب” المقترح يمتد من إيران إلى العراق فسوريا، وصولاً إلى ميناء اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط، حيث يمكن من هناك نقل البضائع إلى أوروبا وأفريقيا، في حين يتفرع خط آخر باتجاه دمشق.    

ويؤكد أن هذا الممر سيؤمن حماية للبضائع العراقية والإيرانية وغيرها من آثار العقوبات الأمريكية، كما سيُسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق وسوريا، وتقليل تكاليف النقل والكمارك.  

ويقدّر أمهز عوائد المشروع بنحو 30 مليار دولار سنوياً في حال اكتماله، مشيراً إلى أن أعمال التنفيذ في الجانب العراقي انطلقت فعلياً، ومن المقرر إتمامها خلال عامين تقريباً.    

لقطة تظهر بدء أعمال التسليح لواحدة من دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب. 

في هذا الشأن، يحذر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي من التداعيات الاستراتيجية لمشروع الربط السككي بين العراق وإيران، مشيراً إلى أنه لا يمكن فصله عن الرؤية الإقليمية لطهران، الساعية إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي عبر إنشاء ممرات نقل استراتيجية تمتد نحو البحر الأبيض المتوسط مروراً بالأراضي العراقية.  

ويؤكد الهاشمي أن التغيرات السياسية في سوريا خلال السنوات الأخيرة أدت إلى إرباك هذا المشروع، وإغلاق جزء أساسي من الممر الغربي الذي كانت إيران تراهن عليه، ما جعلها تحوّل تركيزها نحو العراق ليكون البديل الجغرافي والسياسي لتحقيق أهدافها التجارية واللوجستية.  

ويضيف أن المشروع يتقاطع مستقبلاً مع مشروع “طريق التنمية” العراقي، الذي يهدف إلى ربط العراق بأوروبا عبر الأراضي التركية، مشيراً إلى أن الجانب الإيراني سيكون المستفيد الأكبر من هذا الربط، إذ سيحصل على شبكة نقل سريعة ومنخفضة التكلفة لتوريد سلعه إلى السوق العراقية ومنها إلى وجهات أخرى، ما يمنحه ميزة تنافسية واقتصادية واضحة على حساب الموانئ والمشاريع العراقية المنافسة.  

لقطة تظهر الأعمال التنفيذية لإحدى دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب. 
إحدى دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب في البصرة ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب. 

  

لقطة جانبية من أعلى جسر خالد تظهر أعمال تشييد دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب في البصرة ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب.  

 

موازين الجغرافيا  

يمتلك العراق موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعله من أهم ممرات العبور البرية في العالم، فضلاً عمّا يتمتع به من ثروات طبيعية وموارد بشرية كبيرة. فهو يقع في جنوب غرب آسيا، وفي أقصى الشمال الشرقي للوطن العربي، ما يجعله حلقة وصل بين شرق ووسط آسيا وغربها، وبين غرب آسيا وأفريقيا.  

ويتميز العراق بحدود برية طويلة مع إيران تتيح تنفيذ مشاريع ربط بري وسككي متعددة، إلى جانب كونه مطلّاً على الخليج العربي ومرتبطاً بحدود برية مع سوريا ذات الساحل الواسع على البحر الأبيض المتوسط، ومع تركيا التي تمثل بوابته نحو أوروبا.  

ويقول د.محمد زباري مؤنس، التدريسي في جامعة البصرة، إن المتغيرات الإقليمية والدولية منذ تسعينيات القرن الماضي -ولا سيما سقوط الاتحاد السوفييتي (1991)، وأحداث 11 أيلول 2001، واحتلال الولايات المتحدة للعراق (2003)- قد غيّرت موازين الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.  

فالعراق، بحسب مؤنس، يمتلك مقومات طبيعية وبشرية فريدة واتصالاً مباشراً مع تركيا، بوصفها واجهة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي مع العالم الإسلامي، ما يجعله مؤهلاً ليكون المنافس الأبرز للربط البري مع أوروبا.  

ويضيف مؤنس أن المسافة التي تفصل الموانئ العراقية في شمال الخليج العربي عن الحدود التركية لا تتجاوز 1211 كيلومتراً، ما يجعل العراق جسراً أرضياً مثالياً بين شرق وغرب آسيا وأوروبا عبر تركيا وسوريا.  

ويوضح أن هذا الموقع يمكن أن يُعيد تفعيل مشروع سكة حديد بغداد-برلين الذي تعطل مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لتتحول الموانئ العراقية إلى موانئ استراتيجية قادرة على تغيير خريطة النقل البحري العالمية وتعزيز دور العراق كمركز دولي للتجارة والاستثمار.  

ويرى العديد من الباحثين والمراقبين أن العراق اليوم قادر على أداء دور محوري في التجارة الدولية إذا ما استثمر موقعه الجغرافي وموانئه، ولا سيما ميناء الفاو الكبير، عبر ربط بري وسككي بالبحر المتوسط من خلال الأراضي السورية، وبأوروبا عبر تركيا، من دون الحاجة إلى الربط السككي مع إيران الذي قد ينتقص من مكانته كممر مستقل ومؤثر.  

وتبرز تساؤلات حول الربط بين ميناء غوادر الباكستاني وميناء الفاو الكبير ضمن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، وما إذا كان هذا الخيار أكثر جدوى للعراق من الممر الملاحي المباشر بين موانئ الصين وميناء الفاو.  

وفي هذا السياق، يقول الربان الأقدم ضچر البدران إن المقارنة بين الممرين غير منصفة، لأن لكل ممر مزاياه وعيوبه. فالدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين تخطط دوماً لإنشاء ممرات اقتصادية متعددة لتجنّب تعطّل تجارتها بسبب الحروب أو العقوبات أو الكوارث الطبيعية.  

ويشرح البدران أن الممر الملاحي المباشر من الصين إلى ميناء الفاو الكبير يتميز بالنقل المباشر من المصدر إلى الهدف، ما يحافظ على سلامة البضائع ويقلل من عمليات المناولة، فضلاً عن ضمان سرية البضائع الحساسة مثل الذهب والمعادن الثمينة والتحف الأثرية. كما يسمح بنقل المعدات الثقيلة وكميات ضخمة من الحاويات على متن سفينة واحدة، ما يساهم في خفض تكاليف النقل بشكل كبير.  

لكنّه يلفت إلى أن لهذا الممر عيوباً واضحة، أبرزها طول مدة الإبحار وما يترتب عليها من تكاليف مرتفعة ومخاطر طبيعية مثل الأعاصير والعواصف، إضافة إلى احتمالات اندلاع الحروب أو هجمات القراصنة أو الأخطاء البشرية، وهي جميعها عوامل قد تؤثر على أمان الممر وكلفته النهائية.  

الممر الملاحي من موانئ الصين إلى ميناء الفاو جنوبي البصرة. المصدر: السوشال ميديا.  

وبالنسبة للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، ومن ثم النقل من ميناء غوادر إلى ميناء الفاو، يقول البدران إن لهذا الممر مزايا وعيوباً أيضاً. فهو وإن كان يقلّل المسافة بين المصدر والوجهة النهائية، إلا أن عيوبه تطغى على مزاياه.  

ويلفت إلى أن من أبرز تلك العيوب صعوبة نقل المعدات والآليات العملاقة، وعدم إمكانية نقل كميات كبيرة من الحاويات على سفينة واحدة، إضافة إلى تعدد مراحل النقل من الشاحنات إلى السكك الحديد ثم إلى السفن، ما يؤدي إلى ارتفاع النفقات وإلى احتمال تضرر البضائع نتيجة كثرة عمليات المناولة وتبديل الوسائط.  

أما عن مزاياه، فيشير إلى أن أهمها قصر المسافة وسرعة وصول البضائع، إلى جانب انخفاض مستوى المخاطر والتهديدات، فضلاً عن إمكانية تنفيذ النقل بواسطة سفن صغيرة أو متوسطة الحجم، بخلاف الممر المباشر بين موانئ الصين وميناء الفاو الكبير الذي يتطلب سفناً عملاقة وتكاليف تشغيلية أكبر.  

  

الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني والممر الملاحي (ميناء غوادر – ميناء الفاو). المصدر: السوشال ميديا.  

حرير الصين  

تقول الأساطير الصينية إن أحد الأباطرة (نحو 2700 ق.م) كان يبحث عن سبب تلف أشجار التوت في قصره، فاكتشفت زوجته وجود ديدان بيضاء تتغذى على أوراق التوت وتغزل شرانق لامعة.  

وبمحض الصدفة، سقطت إحدى تلك الشرانق في ماء ساخن كانت تعد فيه الشاي، وحين حركت الإمبراطورة الشرنقة لاحظت خيوطاً رفيعة تتفكك، فسحبتها لتكتشف الحرير، ومن هنا بدأت صناعة الحرير في الصين.  

لكن بعيداً عن الأساطير، فإن الثابت تاريخياً أن صناعة الحرير نشأت في الصين القديمة قبل أن تنتقل إلى اليابان وكوريا والهند ودول أخرى.  

وكان الصينيون القدماء قد صدّروا الحرير عبر شبكة طرق برية وبحرية، أطلق عليها عام 1877 الجغرافي الألماني فرديناند فون ريتشهوفن اسم “طريق الحرير”.  

وساهم هذا الطريق في صعود الاقتصاد الصيني حتى أصبح أقوى اقتصاد في العالم عام 1820، قبل أن يتراجع بفعل الثورة الصناعية الغربية، ليصل إلى أدنى مستوياته بعد الحرب العالمية الثانية.  

وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي بدأ الاقتصاد الصيني بالتعافي، إلى أن أطلق الزعيم دينغ شياو بينغ برنامج الإصلاح والانفتاح عام 1978، بعد إطاحته بسلفه هوا جيو فينغ، فشهدت الصين قفزات اقتصادية هائلة جعلتها تتبوأ المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة.  

وبعد انتهاء الحرب الباردة عام 1991، شرعت الصين في فتح أسواق جديدة وتوسيع استثماراتها الخارجية، وكانت باكستان ضمن أولوياتها لما تملكه من أهمية جيوسياسية وموقع استراتيجي قريب من المحيط الهندي. فالعلاقات بين البلدين، المستمرة منذ 1950، تطورت تصاعدياً حتى أعلنت الصين عام 2013 مشروعها العملاق “حزام واحد، طريق واحد”، الرامي إلى إنشاء شبكة نقل تجارية عالمية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.  

وكان ميناء غوادر الباكستاني أحد أهداف الصين الاستراتيجية في هذا المشروع، إذ يُعد الأقرب إلى إقليم شينجيانغ الصناعي من الموانئ الصينية نفسها، ما يجعله الطريق الأقصر والأكثر جدوى لوصول البضائع الصينية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا.  

مسارات مشروع “حزام واحد طريق واحد” الصيني. المصدر: السوشال ميديا.  

يقع ميناء غوادر في أقصى جنوب غرب باكستان، مطلاً على بحر العرب قرب مضيق هرمز الذي تمرّ عبره ثلث تجارة النفط العالمية. وكانت مدينة غوادر خاضعة لسيطرة سلطنة عُمان منذ عام 1797 وحتى 1958، حين تنازلت عنها لعهدة باكستان مقابل ثلاثة ملايين دولار أمريكي، بعد مفاوضات استمرت نحو أربع سنوات.  

وعلى الرغم من ذلك، بقي الميناء معطلاً عن العمل لعقود بعد انتقال السيادة إلى باكستان، حتى عام 2002 حين بدأت الأخيرة بالتعاون مع الصين لتنفيذ المرحلة الأولى من إعادة بناء الميناء، التي اكتملت أواخر 2006.  

إلا أن أعمال توسعة وتطوير الميناء توقفت لاحقاً بفعل الاضطرابات السياسية التي شهدتها باكستان عقب سقوط نظام الجنرال برويز مشرف، وتصاعد الصراع مع حركة طالبان باكستان، ما عطّل المشروع لسنوات.  

وفي عام 2014، توّجت الجهود الصينية إلى توقيع اتفاق ثنائي مع باكستان، لتنفيذ مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني بكلفة 64 مليار دولار بتمويل صيني، تلاه اتفاق آخر في 2015 قضى بتأجير ميناء غوادر للصين لمدة 43 عاماً.  

وبموجب الاتفاق، التزمت الصين بإنفاق 4.5 مليارات دولار لتطوير الميناء وإنشاء شبكة طرق وفنادق ومطار ومنطقة حرة في محيطه، ليصبح الركيزة الأساسية للممر الاقتصادي الصين-الباكستاني وقاعدة متقدمة للصين على بحر العرب.  

وفي 13 تشرين الثاني 2016، انطلقت أول رحلة تجارية من ميناء غوادر إلى موانئ الخليج العربي، في حدث مثّل تدشيناً عملياً للممر الاقتصادي الجديد.  

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة إنشاء ممر بري يربط الأراضي الصينية بميناء غوادر تعود إلى بداية خمسينيات القرن الماضي، حين بدأت الصين في عام 1959 تنفيذ طريق كراكورام السريع، الذي شكّل لاحقاً العمود الفقري للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.  

ميناء غوادر. المصدر: السوشال ميديا.  

ممر خلافي  

 شكّل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني منذ الإعلان عنه تهديداً جيوسياسياً واقتصادياً لعدد من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها الهند والإمارات، لما يحمله من إمكانيات لتغيير خريطة التجارة الإقليمية، فيما رأت دول أخرى مثل السعودية وقطر في المشروع فرصة استراتيجية تستحق الانضمام إليها أو الاستثمار فيها.  

وتُعد الهند أبرز المعارضين للممر، إذ تعده انتهاكاً لسيادتها لمروره عبر إقليم كشمير المتنازع عليه، الذي شهد حروباً عدة مع باكستان بين عامي 1974 و1999.  

وقد أكد وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في إسلام آباد (16 تشرين الأول 2024)، أن التعاون الإقليمي يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية، في إشارة إلى رفض نيودلهي للمشروع.  

في المقابل، حثّ شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، الدول الأعضاء على عدم النظر إلى مثل هذه المشاريع من خلال “منظور سياسي ضيق”، وفق تعبيره.  

لكن أسباب الرفض تتجاوز البعد الإقليمي. فبحسب تقرير لقناة الجزيرة، ترى الهند أن المشروع يمثل تهديداً لنفوذها في منطقة المحيط الهندي، ومقوضاً لمساعيها الرامية إلى تعزيز مكانتها العالمية بما يؤهلها للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، إذ تتنافس الصين والهند على النفوذ في منطقة المحيط الهندي، وتسعى كل منهما إلى السيطرة على طرق التجارة والموانئ المهمة.  

ولهذا اتجهت الصين إلى إنشاء وتشغيل موانئ بحرية وتجارية تمتد حتى أفريقيا بالتعاون مع الدول الساحلية المحيطة بالهند، في حين اعتمدت الأخيرة استراتيجية مضادة، تقوم على بناء شبكة من القواعد العسكرية في الدول المجاورة والتحالف معها لتعزيز وجودها في المنطقة وتأمين طرق تجارتها.  

وقد أبرمت نيودلهي اتفاقيات استراتيجية مع موانئ تشابهار الإيراني والدقم العُماني وسابانج الإندونيسي، ما يمنحها قدرة على مراقبة طرق الشحن وتأمين وارداتها النفطية، فضلاً عن تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في المحيط الهندي.  

أما الإمارات، ولا سيما إمارة دبي، فتعدّ من أبرز القوى البحرية واللوجستية في المنطقة بفضل ميناء جبل علي، أحد أكبر موانئ العالم. لذا رأت الإمارات في صعود ميناء غوادر الباكستاني تهديداً مباشراً لريادتها الإقليمية في قطاع الموانئ.  

وتشير تقارير صحفية إلى دعم إماراتي غير مباشر للمعارضة الباكستانية التي أطاحت برئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، عبر تسريبات قيل إن مصدرها إماراتي.  

وفي الوقت ذاته، عززت أبو ظبي تحالفها مع الهند -الخصم الجيوسياسي لباكستان- للضغط على إسلام آباد، والحفاظ على موقعها كمركز نقل إقليمي أول في الشرق الأوسط، على الرغم من العلاقات التاريخية التي تربط البلدين منذ عام 1971.  

خارج المنافسة   

تتمتع السعودية بموقع جغرافي محوري يجعلها لاعباً أساسياً في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهي ثاني أكبر دولة منتجة ومصدّرة للنفط في العالم.  

وقد أبدت الرياض اهتماماً ملحوظاً بالممر الصيني-الباكستاني عبر سلسلة اتفاقيات أُبرمت مطلع عام 2019، شملت إنشاء مصفاة لشركة “أرامكو” في ميناء غوادر بكلفة عشرة مليارات دولار، إضافة إلى تمويل مشاريع للطاقة الكهربائية وتزويد باكستان بالنفط الخام ومنتجات الطاقة.  

هذه الخطوة اعتُبرت إشارة واضحة إلى رغبة السعودية في الانضمام إلى  CPEC، ما يعزز حضورها في الممرات التجارية الآسيوية ويفتح لها آفاق استثمارية جديدة في جنوب آسيا.  

أما قطر، أكبر مصدّر للغاز المسال في العالم، فتُعد الصين زبونها الاستراتيجي. وفي أواخر عام 2024، وقّعت الدوحة مع بكين اتفاقاً طويل الأمد لتوريد الغاز المسال لمدة 22 عاماً، يبدأ تطبيقه في 2025.  

ومن هذا المنطلق، تبدي قطر اهتماماً خاصاً بميناء غوادر، باعتباره الممر الأرخص والأكثر فاعلية لنقل الغاز إلى الصين عبر الأراضي الباكستانية.  

وقد أثار هذا التوجه غضب الإمارات التي عدته إعلان حرب اقتصادية يهدد مكانتها كمركز تجاري رئيسي في الخليج، بحسب تقارير إعلامية. 

وتكشف خريطة المصالح حول مشروع CPEC عن صراع محتدم على النفوذ في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، يمتد ليشمل مضيق باب المندب والبحر الأحمر، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على التحكم بالموانئ وخطوط التجارة العالمية، من غوادر وتشابهار شرقاً إلى جيبوتي والسودان غرباً.  

وفي خضم ما يُعرف بـ”حرب الموانئ” التي تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، يقف العراق -بما يملكه من موقع فريد وثروات هائلة- خارج دائرة المنافسة الحقيقية، نتيجة الاضطرابات السياسية وسوء الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية، على الرغم من امتلاكه مقومات تؤهله ليكون عقدة الربط الأهم بين الخليج وأوروبا.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

عند تخوم البصرة، حيث تلتقي الأرض بالبحر، يتشكّل مشروع يلفه الغموض وتتنازعه التصريحات.  

الربط السككي بين العراق وإيران ليس مجرد خط حديدي عابر للحدود، بل مسار تتقاطع عنده المصالح الإقليمية والرهانات الاقتصادية، وتتشابك فيه خرائط الموانئ مع حسابات النفوذ.  

 يمتد الخط من منفذ الشلامجة نحو الأراضي العراقية، حاملاً وعوداً بالتنمية وشبهات عن تحولات أعمق في توازنات المنطقة.  

في خضم هذا المشهد، برز تصريح عامر عبد الجبار وزير النقل العراقي الأسبق، الذي وصف الربط السككي مع إيران بأنه “جريمة كبرى”، معتبراً أنه سيُفقِد ميناء الفاو الكبير مكانته الاستراتيجية بوصفه صلة الوصل بين الخليج وأوروبا.  

كان عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، وحسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، قد أعلنا في 11 آذار 2019 توقيع اتفاقيات عدة، بينها اتفاقية الربط السككي عبر منفذ الشلامجة شرقي البصرة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة طويلة من الجدل والالتباس بين نفي وتأكيد وتناقض في المواقف الرسمية.  

ففي حين أعلن مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء السابق، عام 2021 إكمال الاتفاقية وعدّها مشروعاً اقتصادياً يربط العراق بالصين، نفى ناصر الشبلي، وزير النقل السابق، لاحقاً توقيع أي اتفاق رسمي، موضحاً أن ما جرى مجرد محضر اجتماع، ومؤكداً أن الربط لن يتم قبل إنجاز ميناء الفاو وبنية السكك الداخلية.  

وفيما تصرّ إيران على أن هدف المشروع هو ربط موانئها بالبحر الأبيض المتوسط عبر العراق، يؤكد المسؤولون العراقيون أن الغرض منه نقل المسافرين فقط.  

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يضع حجر الأساس لمشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء. 

مشروع ومحاذير  

تعاني إيران منذ عقود من العقوبات الاقتصادية الأمريكية، لكنها ظلت تسعى إلى كسر هذا الطوق عبر اتفاقيات وتحالفات أمنية واقتصادية مع دول عدة، مع إبقاء قنوات التواصل مع واشنطن مفتوحة حيناً وغامضة حيناً آخر.  

وفي هذا السياق، اتخذت طهران موقفاً متحفظاً تجاه الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع الصين، مفضلة التركيز على مشروعها الخاص القائم على جعل موانئها في خليج عُمان والخليج العربي محوراً لربط آسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصولاً إلى أوروبا عبر تركيا أو العراق، في انسجام مع استراتيجيتها المعروفة بـ”اللعب بكل الأوراق” لخدمة مصالحها.  

ولتعزيز هذا المسار، عقدت إيران اتفاقاً مع الهند -الخصم التقليدي للصين وباكستان- لإعادة تأهيل وتطوير ميناء تشابهار، ليكون نقطة ربط بين الموانئ الهندية ودول آسيا الوسطى.  

أما ميناء تشابهار ذاته، فيقع في أقصى الجنوب الشرقي لإيران على خليج عُمان وبحر العرب، على بُعد نحو مئة ميل بحري من ميناء غوادر الباكستاني.  

وقد بدأ التخطيط له مطلع السبعينيات في عهد الشاه محمد رضا بهلوي كقاعدة بحرية، وبدأت أعمال بنائه عام 1973 قبل أن تتوقف بسبب أزمة مالية منتصف العقد ذاته، ثم انسحاب الشركات مع سقوط الشاه عام 1979. وبعد الثورة، استُكملت أعماله بين عامي 1982 و1983 بواسطة شركات إيرانية، ليصبح لاحقاً ميناءً تجارياً رئيسياً خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، حين سعت طهران إلى تقليل اعتمادها على موانئ الخليج العربي خوفاً من تعرضها للقصف الجوي العراقي.  

ميناء تشابهار الإيراني. المصدر: السوشال ميديا.

منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وضعت إيران خطة لاستثمار ميناء تشابهار ليكون بوابتها البحرية على العالم ومركزاً استراتيجياً للتجارة الدولية، بهدف الضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.  

وفي هذا الإطار، بدأت عام 1993 بالتواصل مع الهند، مستغلة رغبتها في الوصول إلى آسيا الوسطى من دون المرور عبر باكستان، وحاجتها إلى النفط والغاز الإيرانيين لتعزيز أمنها الطاقوي، فضلاً عن توظيف التحالف الهندي-الأمريكي في مواجهة محور الصين-باكستان.  

وعلى الرغم من ذلك، لم يتحقق أي تقدم ملموس حتى عام 2003، حين وُقعت أول مذكرة تفاهم بين طهران ونيودلهي بشأن تطوير الميناء.  

لكن العقوبات الدولية التي فُرضت لاحقاً على إيران أجهضت المشروع، بعد أن أحجمت الشركات الهندية عن العمل تحت وطأة القيود الأمريكية، ولا سيما عقب صدور قرار مجلس الأمن 1737 عام 2006، الذي تبع رفض إيران الالتزام بالقرار 1696 الداعي إلى تعليق أنشطة التخصيب النووي. ونتيجة لذلك، توقفت المفاوضات وتجمّدت أعمال تطوير الميناء لسنوات.  

ومع توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (1+5) في فيينا عام 2015، ودخوله حيّز التنفيذ في كانون الثاني 2016، عادت المفاوضات بين إيران والهند إلى الواجهة.  

وفي أيار 2016، تم توقيع اتفاقية ثلاثية بين الهند وإيران وأفغانستان لتطوير الميناء، تعهّدت بموجبها الهند باستثمار 500 مليون دولار في البنى التحتية لميناء تشابهار ومحطة شهيد بهشتي، إلى جانب إنشاء ممر نقل بري وسككي يربط الميناء الإيراني بأفغانستان، بما يتيح للهند تصدير بضائعها إلى أفغانستان وآسيا الوسطى من دون المرور بباكستان.  

مخطط الممر من ميناء مومباي إلى ميناء تشابهار وصولاً إلى أفغانستان. المصدر: السوشال ميديا.    

  

وفي إطار سعيها الدائم إلى توسيع نفوذها الاقتصادي وتمديد خطوط تأثيرها الإقليمي، شرعت إيران منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي في مفاوضات مع العراق بشأن مشروع الربط السككي عبر منفذ الشلامجة الحدودي شرقي البصرة، بهدف ربط موانئها بالبحر الأبيض المتوسط مروراً بالأراضي العراقية والسورية من جهة، وبأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية من جهة أخرى.  

  

غير أن تلك المفاوضات لم تحقق أي نتائج عملية آنذاك، بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلدين، إضافة إلى غياب الرغبة العراقية في المضي بالمشروع في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.  

  

ومع سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ورفع العقوبات الدولية عن العراق، عادت إيران لتستأنف جهودها بإصرار على مدى السنوات اللاحقة، مركّزة على جعل الأراضي العراقية ممراً أساسياً ضمن خططها اللوجستية نحو المتوسط وأوروبا.  

  

وتوّجت تلك المساعي في 11 آذار 2019 بتوقيع اتفاقية ثنائية للربط السككي خلال زيارة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى بغداد، تلاها في أيار 2023 توقيع اتفاق تنفيذي بين الشركة العامة للسكك الحديد العراقية ونظيرتها الإيرانية، يتضمن الإجراءات الفنية وتسليم الأرض لإجراء الدراسات الخاصة بجسر شط العرب، الذي يُفترض أن يربط بين ضفتيه لعبور القطارات بين إيران والبصرة ذهاباً وإياباً.  

  

يقول د.حكيم أمهز، المحلل السياسي الإيراني، إنّ الربط السككي بين العراق وإيران ليس مشروعاً منفصلاً، بل جزء من خطة استراتيجية أوسع تعمل عليها إيران مع حلفائها والدول المجاورة، بهدف عزل الممرات الاقتصادية في المنطقة عن تلك التي قد تتعرض للعقوبات الأمريكية.   

ويرى أمهز أن هذا الربط يشكل إجراءً استثنائياً ضمن مساعي تلك الدول لتأمين طرق بديلة وآمنة لتبادل البضائع.    

ويشرح أمهز أن الممر السككي “شرق–غرب” المقترح يمتد من إيران إلى العراق فسوريا، وصولاً إلى ميناء اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط، حيث يمكن من هناك نقل البضائع إلى أوروبا وأفريقيا، في حين يتفرع خط آخر باتجاه دمشق.    

ويؤكد أن هذا الممر سيؤمن حماية للبضائع العراقية والإيرانية وغيرها من آثار العقوبات الأمريكية، كما سيُسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق وسوريا، وتقليل تكاليف النقل والكمارك.  

ويقدّر أمهز عوائد المشروع بنحو 30 مليار دولار سنوياً في حال اكتماله، مشيراً إلى أن أعمال التنفيذ في الجانب العراقي انطلقت فعلياً، ومن المقرر إتمامها خلال عامين تقريباً.    

لقطة تظهر بدء أعمال التسليح لواحدة من دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب. 

في هذا الشأن، يحذر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي من التداعيات الاستراتيجية لمشروع الربط السككي بين العراق وإيران، مشيراً إلى أنه لا يمكن فصله عن الرؤية الإقليمية لطهران، الساعية إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي عبر إنشاء ممرات نقل استراتيجية تمتد نحو البحر الأبيض المتوسط مروراً بالأراضي العراقية.  

ويؤكد الهاشمي أن التغيرات السياسية في سوريا خلال السنوات الأخيرة أدت إلى إرباك هذا المشروع، وإغلاق جزء أساسي من الممر الغربي الذي كانت إيران تراهن عليه، ما جعلها تحوّل تركيزها نحو العراق ليكون البديل الجغرافي والسياسي لتحقيق أهدافها التجارية واللوجستية.  

ويضيف أن المشروع يتقاطع مستقبلاً مع مشروع “طريق التنمية” العراقي، الذي يهدف إلى ربط العراق بأوروبا عبر الأراضي التركية، مشيراً إلى أن الجانب الإيراني سيكون المستفيد الأكبر من هذا الربط، إذ سيحصل على شبكة نقل سريعة ومنخفضة التكلفة لتوريد سلعه إلى السوق العراقية ومنها إلى وجهات أخرى، ما يمنحه ميزة تنافسية واقتصادية واضحة على حساب الموانئ والمشاريع العراقية المنافسة.  

لقطة تظهر الأعمال التنفيذية لإحدى دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب. 
إحدى دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب في البصرة ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب. 

  

لقطة جانبية من أعلى جسر خالد تظهر أعمال تشييد دعائم جسر السكك الحديد الرابط بين ضفتي شط العرب في البصرة ضمن مشروع الربط السككي بين العراق وإيران. المصدر: الكاتب.  

 

موازين الجغرافيا  

يمتلك العراق موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعله من أهم ممرات العبور البرية في العالم، فضلاً عمّا يتمتع به من ثروات طبيعية وموارد بشرية كبيرة. فهو يقع في جنوب غرب آسيا، وفي أقصى الشمال الشرقي للوطن العربي، ما يجعله حلقة وصل بين شرق ووسط آسيا وغربها، وبين غرب آسيا وأفريقيا.  

ويتميز العراق بحدود برية طويلة مع إيران تتيح تنفيذ مشاريع ربط بري وسككي متعددة، إلى جانب كونه مطلّاً على الخليج العربي ومرتبطاً بحدود برية مع سوريا ذات الساحل الواسع على البحر الأبيض المتوسط، ومع تركيا التي تمثل بوابته نحو أوروبا.  

ويقول د.محمد زباري مؤنس، التدريسي في جامعة البصرة، إن المتغيرات الإقليمية والدولية منذ تسعينيات القرن الماضي -ولا سيما سقوط الاتحاد السوفييتي (1991)، وأحداث 11 أيلول 2001، واحتلال الولايات المتحدة للعراق (2003)- قد غيّرت موازين الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.  

فالعراق، بحسب مؤنس، يمتلك مقومات طبيعية وبشرية فريدة واتصالاً مباشراً مع تركيا، بوصفها واجهة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي مع العالم الإسلامي، ما يجعله مؤهلاً ليكون المنافس الأبرز للربط البري مع أوروبا.  

ويضيف مؤنس أن المسافة التي تفصل الموانئ العراقية في شمال الخليج العربي عن الحدود التركية لا تتجاوز 1211 كيلومتراً، ما يجعل العراق جسراً أرضياً مثالياً بين شرق وغرب آسيا وأوروبا عبر تركيا وسوريا.  

ويوضح أن هذا الموقع يمكن أن يُعيد تفعيل مشروع سكة حديد بغداد-برلين الذي تعطل مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لتتحول الموانئ العراقية إلى موانئ استراتيجية قادرة على تغيير خريطة النقل البحري العالمية وتعزيز دور العراق كمركز دولي للتجارة والاستثمار.  

ويرى العديد من الباحثين والمراقبين أن العراق اليوم قادر على أداء دور محوري في التجارة الدولية إذا ما استثمر موقعه الجغرافي وموانئه، ولا سيما ميناء الفاو الكبير، عبر ربط بري وسككي بالبحر المتوسط من خلال الأراضي السورية، وبأوروبا عبر تركيا، من دون الحاجة إلى الربط السككي مع إيران الذي قد ينتقص من مكانته كممر مستقل ومؤثر.  

وتبرز تساؤلات حول الربط بين ميناء غوادر الباكستاني وميناء الفاو الكبير ضمن الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، وما إذا كان هذا الخيار أكثر جدوى للعراق من الممر الملاحي المباشر بين موانئ الصين وميناء الفاو.  

وفي هذا السياق، يقول الربان الأقدم ضچر البدران إن المقارنة بين الممرين غير منصفة، لأن لكل ممر مزاياه وعيوبه. فالدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين تخطط دوماً لإنشاء ممرات اقتصادية متعددة لتجنّب تعطّل تجارتها بسبب الحروب أو العقوبات أو الكوارث الطبيعية.  

ويشرح البدران أن الممر الملاحي المباشر من الصين إلى ميناء الفاو الكبير يتميز بالنقل المباشر من المصدر إلى الهدف، ما يحافظ على سلامة البضائع ويقلل من عمليات المناولة، فضلاً عن ضمان سرية البضائع الحساسة مثل الذهب والمعادن الثمينة والتحف الأثرية. كما يسمح بنقل المعدات الثقيلة وكميات ضخمة من الحاويات على متن سفينة واحدة، ما يساهم في خفض تكاليف النقل بشكل كبير.  

لكنّه يلفت إلى أن لهذا الممر عيوباً واضحة، أبرزها طول مدة الإبحار وما يترتب عليها من تكاليف مرتفعة ومخاطر طبيعية مثل الأعاصير والعواصف، إضافة إلى احتمالات اندلاع الحروب أو هجمات القراصنة أو الأخطاء البشرية، وهي جميعها عوامل قد تؤثر على أمان الممر وكلفته النهائية.  

الممر الملاحي من موانئ الصين إلى ميناء الفاو جنوبي البصرة. المصدر: السوشال ميديا.  

وبالنسبة للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، ومن ثم النقل من ميناء غوادر إلى ميناء الفاو، يقول البدران إن لهذا الممر مزايا وعيوباً أيضاً. فهو وإن كان يقلّل المسافة بين المصدر والوجهة النهائية، إلا أن عيوبه تطغى على مزاياه.  

ويلفت إلى أن من أبرز تلك العيوب صعوبة نقل المعدات والآليات العملاقة، وعدم إمكانية نقل كميات كبيرة من الحاويات على سفينة واحدة، إضافة إلى تعدد مراحل النقل من الشاحنات إلى السكك الحديد ثم إلى السفن، ما يؤدي إلى ارتفاع النفقات وإلى احتمال تضرر البضائع نتيجة كثرة عمليات المناولة وتبديل الوسائط.  

أما عن مزاياه، فيشير إلى أن أهمها قصر المسافة وسرعة وصول البضائع، إلى جانب انخفاض مستوى المخاطر والتهديدات، فضلاً عن إمكانية تنفيذ النقل بواسطة سفن صغيرة أو متوسطة الحجم، بخلاف الممر المباشر بين موانئ الصين وميناء الفاو الكبير الذي يتطلب سفناً عملاقة وتكاليف تشغيلية أكبر.  

  

الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني والممر الملاحي (ميناء غوادر – ميناء الفاو). المصدر: السوشال ميديا.  

حرير الصين  

تقول الأساطير الصينية إن أحد الأباطرة (نحو 2700 ق.م) كان يبحث عن سبب تلف أشجار التوت في قصره، فاكتشفت زوجته وجود ديدان بيضاء تتغذى على أوراق التوت وتغزل شرانق لامعة.  

وبمحض الصدفة، سقطت إحدى تلك الشرانق في ماء ساخن كانت تعد فيه الشاي، وحين حركت الإمبراطورة الشرنقة لاحظت خيوطاً رفيعة تتفكك، فسحبتها لتكتشف الحرير، ومن هنا بدأت صناعة الحرير في الصين.  

لكن بعيداً عن الأساطير، فإن الثابت تاريخياً أن صناعة الحرير نشأت في الصين القديمة قبل أن تنتقل إلى اليابان وكوريا والهند ودول أخرى.  

وكان الصينيون القدماء قد صدّروا الحرير عبر شبكة طرق برية وبحرية، أطلق عليها عام 1877 الجغرافي الألماني فرديناند فون ريتشهوفن اسم “طريق الحرير”.  

وساهم هذا الطريق في صعود الاقتصاد الصيني حتى أصبح أقوى اقتصاد في العالم عام 1820، قبل أن يتراجع بفعل الثورة الصناعية الغربية، ليصل إلى أدنى مستوياته بعد الحرب العالمية الثانية.  

وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي بدأ الاقتصاد الصيني بالتعافي، إلى أن أطلق الزعيم دينغ شياو بينغ برنامج الإصلاح والانفتاح عام 1978، بعد إطاحته بسلفه هوا جيو فينغ، فشهدت الصين قفزات اقتصادية هائلة جعلتها تتبوأ المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة.  

وبعد انتهاء الحرب الباردة عام 1991، شرعت الصين في فتح أسواق جديدة وتوسيع استثماراتها الخارجية، وكانت باكستان ضمن أولوياتها لما تملكه من أهمية جيوسياسية وموقع استراتيجي قريب من المحيط الهندي. فالعلاقات بين البلدين، المستمرة منذ 1950، تطورت تصاعدياً حتى أعلنت الصين عام 2013 مشروعها العملاق “حزام واحد، طريق واحد”، الرامي إلى إنشاء شبكة نقل تجارية عالمية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.  

وكان ميناء غوادر الباكستاني أحد أهداف الصين الاستراتيجية في هذا المشروع، إذ يُعد الأقرب إلى إقليم شينجيانغ الصناعي من الموانئ الصينية نفسها، ما يجعله الطريق الأقصر والأكثر جدوى لوصول البضائع الصينية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا.  

مسارات مشروع “حزام واحد طريق واحد” الصيني. المصدر: السوشال ميديا.  

يقع ميناء غوادر في أقصى جنوب غرب باكستان، مطلاً على بحر العرب قرب مضيق هرمز الذي تمرّ عبره ثلث تجارة النفط العالمية. وكانت مدينة غوادر خاضعة لسيطرة سلطنة عُمان منذ عام 1797 وحتى 1958، حين تنازلت عنها لعهدة باكستان مقابل ثلاثة ملايين دولار أمريكي، بعد مفاوضات استمرت نحو أربع سنوات.  

وعلى الرغم من ذلك، بقي الميناء معطلاً عن العمل لعقود بعد انتقال السيادة إلى باكستان، حتى عام 2002 حين بدأت الأخيرة بالتعاون مع الصين لتنفيذ المرحلة الأولى من إعادة بناء الميناء، التي اكتملت أواخر 2006.  

إلا أن أعمال توسعة وتطوير الميناء توقفت لاحقاً بفعل الاضطرابات السياسية التي شهدتها باكستان عقب سقوط نظام الجنرال برويز مشرف، وتصاعد الصراع مع حركة طالبان باكستان، ما عطّل المشروع لسنوات.  

وفي عام 2014، توّجت الجهود الصينية إلى توقيع اتفاق ثنائي مع باكستان، لتنفيذ مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني بكلفة 64 مليار دولار بتمويل صيني، تلاه اتفاق آخر في 2015 قضى بتأجير ميناء غوادر للصين لمدة 43 عاماً.  

وبموجب الاتفاق، التزمت الصين بإنفاق 4.5 مليارات دولار لتطوير الميناء وإنشاء شبكة طرق وفنادق ومطار ومنطقة حرة في محيطه، ليصبح الركيزة الأساسية للممر الاقتصادي الصين-الباكستاني وقاعدة متقدمة للصين على بحر العرب.  

وفي 13 تشرين الثاني 2016، انطلقت أول رحلة تجارية من ميناء غوادر إلى موانئ الخليج العربي، في حدث مثّل تدشيناً عملياً للممر الاقتصادي الجديد.  

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة إنشاء ممر بري يربط الأراضي الصينية بميناء غوادر تعود إلى بداية خمسينيات القرن الماضي، حين بدأت الصين في عام 1959 تنفيذ طريق كراكورام السريع، الذي شكّل لاحقاً العمود الفقري للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.  

ميناء غوادر. المصدر: السوشال ميديا.  

ممر خلافي  

 شكّل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني منذ الإعلان عنه تهديداً جيوسياسياً واقتصادياً لعدد من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها الهند والإمارات، لما يحمله من إمكانيات لتغيير خريطة التجارة الإقليمية، فيما رأت دول أخرى مثل السعودية وقطر في المشروع فرصة استراتيجية تستحق الانضمام إليها أو الاستثمار فيها.  

وتُعد الهند أبرز المعارضين للممر، إذ تعده انتهاكاً لسيادتها لمروره عبر إقليم كشمير المتنازع عليه، الذي شهد حروباً عدة مع باكستان بين عامي 1974 و1999.  

وقد أكد وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في إسلام آباد (16 تشرين الأول 2024)، أن التعاون الإقليمي يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية، في إشارة إلى رفض نيودلهي للمشروع.  

في المقابل، حثّ شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، الدول الأعضاء على عدم النظر إلى مثل هذه المشاريع من خلال “منظور سياسي ضيق”، وفق تعبيره.  

لكن أسباب الرفض تتجاوز البعد الإقليمي. فبحسب تقرير لقناة الجزيرة، ترى الهند أن المشروع يمثل تهديداً لنفوذها في منطقة المحيط الهندي، ومقوضاً لمساعيها الرامية إلى تعزيز مكانتها العالمية بما يؤهلها للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، إذ تتنافس الصين والهند على النفوذ في منطقة المحيط الهندي، وتسعى كل منهما إلى السيطرة على طرق التجارة والموانئ المهمة.  

ولهذا اتجهت الصين إلى إنشاء وتشغيل موانئ بحرية وتجارية تمتد حتى أفريقيا بالتعاون مع الدول الساحلية المحيطة بالهند، في حين اعتمدت الأخيرة استراتيجية مضادة، تقوم على بناء شبكة من القواعد العسكرية في الدول المجاورة والتحالف معها لتعزيز وجودها في المنطقة وتأمين طرق تجارتها.  

وقد أبرمت نيودلهي اتفاقيات استراتيجية مع موانئ تشابهار الإيراني والدقم العُماني وسابانج الإندونيسي، ما يمنحها قدرة على مراقبة طرق الشحن وتأمين وارداتها النفطية، فضلاً عن تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في المحيط الهندي.  

أما الإمارات، ولا سيما إمارة دبي، فتعدّ من أبرز القوى البحرية واللوجستية في المنطقة بفضل ميناء جبل علي، أحد أكبر موانئ العالم. لذا رأت الإمارات في صعود ميناء غوادر الباكستاني تهديداً مباشراً لريادتها الإقليمية في قطاع الموانئ.  

وتشير تقارير صحفية إلى دعم إماراتي غير مباشر للمعارضة الباكستانية التي أطاحت برئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، عبر تسريبات قيل إن مصدرها إماراتي.  

وفي الوقت ذاته، عززت أبو ظبي تحالفها مع الهند -الخصم الجيوسياسي لباكستان- للضغط على إسلام آباد، والحفاظ على موقعها كمركز نقل إقليمي أول في الشرق الأوسط، على الرغم من العلاقات التاريخية التي تربط البلدين منذ عام 1971.  

خارج المنافسة   

تتمتع السعودية بموقع جغرافي محوري يجعلها لاعباً أساسياً في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهي ثاني أكبر دولة منتجة ومصدّرة للنفط في العالم.  

وقد أبدت الرياض اهتماماً ملحوظاً بالممر الصيني-الباكستاني عبر سلسلة اتفاقيات أُبرمت مطلع عام 2019، شملت إنشاء مصفاة لشركة “أرامكو” في ميناء غوادر بكلفة عشرة مليارات دولار، إضافة إلى تمويل مشاريع للطاقة الكهربائية وتزويد باكستان بالنفط الخام ومنتجات الطاقة.  

هذه الخطوة اعتُبرت إشارة واضحة إلى رغبة السعودية في الانضمام إلى  CPEC، ما يعزز حضورها في الممرات التجارية الآسيوية ويفتح لها آفاق استثمارية جديدة في جنوب آسيا.  

أما قطر، أكبر مصدّر للغاز المسال في العالم، فتُعد الصين زبونها الاستراتيجي. وفي أواخر عام 2024، وقّعت الدوحة مع بكين اتفاقاً طويل الأمد لتوريد الغاز المسال لمدة 22 عاماً، يبدأ تطبيقه في 2025.  

ومن هذا المنطلق، تبدي قطر اهتماماً خاصاً بميناء غوادر، باعتباره الممر الأرخص والأكثر فاعلية لنقل الغاز إلى الصين عبر الأراضي الباكستانية.  

وقد أثار هذا التوجه غضب الإمارات التي عدته إعلان حرب اقتصادية يهدد مكانتها كمركز تجاري رئيسي في الخليج، بحسب تقارير إعلامية. 

وتكشف خريطة المصالح حول مشروع CPEC عن صراع محتدم على النفوذ في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، يمتد ليشمل مضيق باب المندب والبحر الأحمر، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على التحكم بالموانئ وخطوط التجارة العالمية، من غوادر وتشابهار شرقاً إلى جيبوتي والسودان غرباً.  

وفي خضم ما يُعرف بـ”حرب الموانئ” التي تعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، يقف العراق -بما يملكه من موقع فريد وثروات هائلة- خارج دائرة المنافسة الحقيقية، نتيجة الاضطرابات السياسية وسوء الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية، على الرغم من امتلاكه مقومات تؤهله ليكون عقدة الربط الأهم بين الخليج وأوروبا.