الريع والسلطة.. كيف تلاشت الطبقات الاجتماعية في العراق؟
22 شباط 2026
السوقُ لم تصنع الطبقاتِ الاجتماعية في العراق، بل صنعتها السلطة.. هذه المادة تتتبع كيف بدّل النفطُ والحروبُ وما بعد 2003 شكلَ المجتمع، حتى صارت الطبقة متعلقة بنفوذٍ وقرب من السلطة لا بوسائل إنتاج أو رأسمال ثقافي. منذ قرنٍ تقريباً، ظلّ الصعود الطبقي مرهوناً بالقرب من الدولة، بينما كان الابتعاد عنها طريقاً إلى الهامش.
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920، تعدى النفط كونه مورداً للاقتصاد وبات منظماً للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وشّكل اقتصاداً قائماً على الريع لا الإنتاج. ومع التحول إلى الجمهورية وانقلابَي القوميين والبعثيين تعزّز هذا النمط، فصارت الدولة الفاعل الاقتصادي الأكبر، وشيئاً فشيئاً تآكلت التنمية.
الدولة الريعية لا تمتلك دوافع كافية لتقوية الديمقراطية؛ فهي تمتلك ما يسد حاجتها من الأموال ولا تجد داعياً لاستحصال الضرائب أو دعم الصناعة أو الإنتاج، وتبعاً لذلك لن تدعم مشاركة الأفراد في صنع القرار، إلا نسبة قليلة من السكان الذين يشاركون في توليد الريع وهم غالباً مقربون من السلطة.

في العراق لم تنشأ الطبقات الاجتماعية وفقاً للتفاوت في الملكية والأجور، بل تقسّمت حسب القرب من السلطة والحزب الحاكم، وعطّل هذا النمط في العراق ولادة الطبقة المنتجة وضيّق إمكانات تشكّل طبقة وسطى مستقلة وقادرة على أداء دور فاعل. كما حول القطاع الخاص إلى قطاع هامشي، وظلت السوق تابعة للدولة ورهينةً لسياستها بدل أن تكون فضاءً للصعود رافعاً للطبقات.
خلق الريع، والحال هذه، علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، فالقرار تحت ظله يقتصر على السلطة، وليس المجتمع سوى أفراد ينتظرون حصتهم التي تقررها الحكومة. أصبحت هذه العلاقة فيما بعد الأساس الذي بنيت عليه الزبائنية السياسية في عراق ما بعد 2003.
العراق أمام العالم
أنتجت العولمة المعاصرة ثورة رقمية جعلت العالم مترابطاً ترابطاً غير مسبوق، وتغيرت محددات الطبقات الاجتماعية؛ فبعد أن كانت مقتصرة على الاقتصاديات صارت الثقافة والتعليم والوصول إلى الشبكات عواملَ حاسمة في تحديد الموقع الاجتماعي.
قدمت نظرية الرأسمال المتعدد أربعة عوامل إضافة إلى الرأسمال الاقتصادي، تتفاعل فيما بينها ليرتكز عليها التمايز الطبقي، وهي الرأسمال البشري والرأسمال الثقافي والرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي. وتبين هذه النظرية أن الجماعات التي تمتلك موارد اقتصادية ضئيلة تستطيع خلق نفوذ لها بما تمتلكه من شبكات علاقات ومعرفة، وبقدرتها على تعريف نفسها والآخرين.

في ظل هذه التغيرات في تعريف الطبقات الاجتماعية ومحددات الانتماء لها، كان العراق في ظل نظام صدام حسين ينتقل من حرب طاحنة إلى غزو الكويت، الأمر الذي دفعت بغداد ثمنه دماراً شاملاً ومئات آلاف من القتلى.
قبل ذلك، رجّحت حرب الخليج الأولى في 1980 كفة العسكرة اجتماعياً، فصار الجيش والأجهزة الأمنية وسائل للصعود الاجتماعي، مقابل تراجع الوزن الاجتماعي للتعليم والمهن المدنية التي تواجه ضعفاً منذ تأسيس الدولة.
وهنا تآكلت الطبقة الوسطى مع التضخم وتثبيت الرواتب، إذ صار الموظف فقيراً بعد أن وُجّهت إيرادات النفط للحرب لا للتنمية، وشهد المجتمع صعود طبقة امتيازات حربية متمثلة بالضباط وحاشية النظام ومسؤولي الأمن، كطبقة اجتماعية عليا ترتكز على الولاء لصدام حسين لا على الإنتاج والكفاءة.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991، وغلبة الولايات المتحدة والرأسمالية، شهد العالم تغيراً بنيوياً تجاوز تأثيره السياسة، فأثر على مفاهيم العدالة والدولة والطبقة، وأعاد تعريف الكثير من المسلمات، كدور الدولة في الحماية الاجتماعية، أو مركزية الطبقة العاملة في التغيير.
وفي هذا السياق تراجع النموذج الذي يرى في الدولة منظماً للاقتصاد، وبالنسبة للعراق جاء هذا التراجع في لحظة ضعف بنيوي وعزلة دولية ناتجة عن حروب متكررة.
أعيد تعريف الطبقات الاجتماعية في العراق وفقاً للقدرة على الوصول إلى الموارد، وفقدت الأسر رأسمالها الاقتصادي والتعليمي، وبدأت تتوارث الفقر وصار هدفها الأساسي التكيف للتمكن من البقاء، ما أنتج جيلاً بدأ من اللاشيء وهو جيل التسعينيات الذي ولد تحت سياط الحصار.

ولا ننسى تأثير الحملة الإيمانية في منتصف التسعينيات، التي خلقت فئة تشهر التزامها الديني حتى صار كرأسمال رمزي، يعتمد الصعود الاجتماعي فيه على الامتثال لكلام الخطباء والمساجد. إلى جانب أنها ساعدت على حضور الدين في الفضاء العام، فسهلت تحوّل النفوذ الديني إلى نفوذ سياسي بعد 2003.
يمكن فهم ما جرى في ظل حكم حزب البعث بوصفه تحولاً من دولة ريعية ذات سيادة إلى دولة أضعف وأكثر هشاشة داخل النظام العالمي الجديد، الذي بدا أحادي القطب، هذا التحول لم يخلق طبقات جديدة منتجة، بل خلق فوضى داخلية ناتجة عن اندماج قسري وغير متكافئ لم نكن على استعداد له.
زبائنية ما بعد 2003
توفر نظرية الزبائنية السياسية إطاراً تفسيرياً دقيقاً لفهم التحول الطبقي في العراق بعد 2003، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفقاً لهذه النظرية، لا تقوم على المواطنة والحقوق، بل على تبادل غير متكافئ: الموارد والخدمات مقابل الولاء والدعم السياسي، وبهذا تتحول الطبقات الاجتماعية إلى مراتب داخل شبكات زبائنية، لا مواقع اقتصادية أو رمزية أو ثقافية مستقلة.

رافق الاحتلالَ الأمريكي للعراق تفككٌ للطبقات القديمة مع تغير الوضع الاقتصادي وانتهاء الحصار، وتوسعت الطبقة التي أسستها الحملة الإيمانية بسبب الفضاء الواسع من الحرية الدينية، فوسعت المؤسسات الدينية نفوذها وصار لها اقتصادها الخاص إلى جانب النفوذ البشري. وظهرت مع النظام السياسي المتظاهر بالديمقراطية طبقة ثرية لم يشهدها العراقيون بهذا الاتساع والعمق سابقاً، تتكون من وزراء ونواب برلمان ورؤساء أحزاب وكتل سياسية، مع أبنائهم وأقاربهم.
سيطرت هذه الطبقة على موارد الدولة، وأسست كل جهة اقتصاداً يمولها من خلال شركات تحتكر مشاريع في مختلف القطاعات التي تمولها الحكومات، وبسطت نفوذها واكتسبت شرعيتها بالمال السياسي الذي منحها إياه الفساد، الذي صار نهجاً سياسياً على مرّ الأعوام دون رادع. وقد أسست هذه الطبقة قاعدتها الجماهيرية بواسطة الوظائف الحكومية.
وهنا أوجدت طبقة وسطى عمادها أكثر من خمسة ملايين درجة وظيفية برواتب شهرية توفر شيئاً من اليسر المعاشي، وملايين من المشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية، فصار لدينا طبقة وسطى تحرك السوق، لكنها مترهلة ومسلوبة الدور وغير مستقلة ولا تساهم في صنع القرار، وترتكز على الولاءات بعد تجذير الطائفية في المجتمع إثر الانقسامات والحروب الداخلية التي خاضتها البلاد.
لم تنقطع حبال الوصل مع الاقتصاد الريعي في 2003، لكنه تحول إلى صورة أكثر تشتتاً، فبدل الحزب الواحد المسيطر على اقتصاد ريعي واحد نَمَت في العراق جهات سياسية خلقت كل منها اقتصاداً ريعياً خاصاً بها، ووسعت الدولة الوظائف الحكومية لبناء الولاءات ممزقةً بذلك ما تبقى من القطاع الخاص ووسائل الإنتاج غير النفطية لمصلحة دول مجاورة.
هذه المعطيات الداخلية تفاعلت مع “وصفات خارجية جاهزة” فنتج نظام اقتصادي–سياسي يقوم على الزبائنية السياسية كبديل عن السوق والمؤسسات، وصار العمل والحماية الاجتماعية امتيازات يحظى بها كل من تقرب من السلطة أو عاد عليها بالفائدة.

وبهذا ترسخ اعتماد تعريف “الطبقة” بوصفها قائمة على القرب من السلطة رغم تشتتها، بالإضافة إلى القرب من المؤسسات الدينية لشتى الطوائف.
منذ تأسيس الدولة العراقية قبل أكثر من مئة عام بقيت قاعدة واحدة شبه ثابتة: لا نفوذ ولا علوّ اجتماعي خارج ظلّ السلطة. أمّا الابتعاد عنها فلم يُنتِج طبقة مستقلة، بل وسّع فقط دائرة الفقر والأمية والبطالة.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
"باچر ورانه شغل".. مقاطع صغيرة من الحياة الكبيرة لينار محمد
15 مارس 2026
مرشد جديد وخيارات محدودة.. الفصائل العراقية في المعركة الإقليمية
12 مارس 2026
من البحر إلى الإنترنت.. تراشق رقمي منسق بين حسابات كويتية وعراقية بشأن خور عبد الله
11 مارس 2026
العراق في زمن الحرب: سلاح مفعّل وسياسة تنتظر التدخل الخارجي كحل
09 مارس 2026
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920، تعدى النفط كونه مورداً للاقتصاد وبات منظماً للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وشّكل اقتصاداً قائماً على الريع لا الإنتاج. ومع التحول إلى الجمهورية وانقلابَي القوميين والبعثيين تعزّز هذا النمط، فصارت الدولة الفاعل الاقتصادي الأكبر، وشيئاً فشيئاً تآكلت التنمية.
الدولة الريعية لا تمتلك دوافع كافية لتقوية الديمقراطية؛ فهي تمتلك ما يسد حاجتها من الأموال ولا تجد داعياً لاستحصال الضرائب أو دعم الصناعة أو الإنتاج، وتبعاً لذلك لن تدعم مشاركة الأفراد في صنع القرار، إلا نسبة قليلة من السكان الذين يشاركون في توليد الريع وهم غالباً مقربون من السلطة.

في العراق لم تنشأ الطبقات الاجتماعية وفقاً للتفاوت في الملكية والأجور، بل تقسّمت حسب القرب من السلطة والحزب الحاكم، وعطّل هذا النمط في العراق ولادة الطبقة المنتجة وضيّق إمكانات تشكّل طبقة وسطى مستقلة وقادرة على أداء دور فاعل. كما حول القطاع الخاص إلى قطاع هامشي، وظلت السوق تابعة للدولة ورهينةً لسياستها بدل أن تكون فضاءً للصعود رافعاً للطبقات.
خلق الريع، والحال هذه، علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، فالقرار تحت ظله يقتصر على السلطة، وليس المجتمع سوى أفراد ينتظرون حصتهم التي تقررها الحكومة. أصبحت هذه العلاقة فيما بعد الأساس الذي بنيت عليه الزبائنية السياسية في عراق ما بعد 2003.
العراق أمام العالم
أنتجت العولمة المعاصرة ثورة رقمية جعلت العالم مترابطاً ترابطاً غير مسبوق، وتغيرت محددات الطبقات الاجتماعية؛ فبعد أن كانت مقتصرة على الاقتصاديات صارت الثقافة والتعليم والوصول إلى الشبكات عواملَ حاسمة في تحديد الموقع الاجتماعي.
قدمت نظرية الرأسمال المتعدد أربعة عوامل إضافة إلى الرأسمال الاقتصادي، تتفاعل فيما بينها ليرتكز عليها التمايز الطبقي، وهي الرأسمال البشري والرأسمال الثقافي والرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي. وتبين هذه النظرية أن الجماعات التي تمتلك موارد اقتصادية ضئيلة تستطيع خلق نفوذ لها بما تمتلكه من شبكات علاقات ومعرفة، وبقدرتها على تعريف نفسها والآخرين.

في ظل هذه التغيرات في تعريف الطبقات الاجتماعية ومحددات الانتماء لها، كان العراق في ظل نظام صدام حسين ينتقل من حرب طاحنة إلى غزو الكويت، الأمر الذي دفعت بغداد ثمنه دماراً شاملاً ومئات آلاف من القتلى.
قبل ذلك، رجّحت حرب الخليج الأولى في 1980 كفة العسكرة اجتماعياً، فصار الجيش والأجهزة الأمنية وسائل للصعود الاجتماعي، مقابل تراجع الوزن الاجتماعي للتعليم والمهن المدنية التي تواجه ضعفاً منذ تأسيس الدولة.
وهنا تآكلت الطبقة الوسطى مع التضخم وتثبيت الرواتب، إذ صار الموظف فقيراً بعد أن وُجّهت إيرادات النفط للحرب لا للتنمية، وشهد المجتمع صعود طبقة امتيازات حربية متمثلة بالضباط وحاشية النظام ومسؤولي الأمن، كطبقة اجتماعية عليا ترتكز على الولاء لصدام حسين لا على الإنتاج والكفاءة.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991، وغلبة الولايات المتحدة والرأسمالية، شهد العالم تغيراً بنيوياً تجاوز تأثيره السياسة، فأثر على مفاهيم العدالة والدولة والطبقة، وأعاد تعريف الكثير من المسلمات، كدور الدولة في الحماية الاجتماعية، أو مركزية الطبقة العاملة في التغيير.
وفي هذا السياق تراجع النموذج الذي يرى في الدولة منظماً للاقتصاد، وبالنسبة للعراق جاء هذا التراجع في لحظة ضعف بنيوي وعزلة دولية ناتجة عن حروب متكررة.
أعيد تعريف الطبقات الاجتماعية في العراق وفقاً للقدرة على الوصول إلى الموارد، وفقدت الأسر رأسمالها الاقتصادي والتعليمي، وبدأت تتوارث الفقر وصار هدفها الأساسي التكيف للتمكن من البقاء، ما أنتج جيلاً بدأ من اللاشيء وهو جيل التسعينيات الذي ولد تحت سياط الحصار.

ولا ننسى تأثير الحملة الإيمانية في منتصف التسعينيات، التي خلقت فئة تشهر التزامها الديني حتى صار كرأسمال رمزي، يعتمد الصعود الاجتماعي فيه على الامتثال لكلام الخطباء والمساجد. إلى جانب أنها ساعدت على حضور الدين في الفضاء العام، فسهلت تحوّل النفوذ الديني إلى نفوذ سياسي بعد 2003.
يمكن فهم ما جرى في ظل حكم حزب البعث بوصفه تحولاً من دولة ريعية ذات سيادة إلى دولة أضعف وأكثر هشاشة داخل النظام العالمي الجديد، الذي بدا أحادي القطب، هذا التحول لم يخلق طبقات جديدة منتجة، بل خلق فوضى داخلية ناتجة عن اندماج قسري وغير متكافئ لم نكن على استعداد له.
زبائنية ما بعد 2003
توفر نظرية الزبائنية السياسية إطاراً تفسيرياً دقيقاً لفهم التحول الطبقي في العراق بعد 2003، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفقاً لهذه النظرية، لا تقوم على المواطنة والحقوق، بل على تبادل غير متكافئ: الموارد والخدمات مقابل الولاء والدعم السياسي، وبهذا تتحول الطبقات الاجتماعية إلى مراتب داخل شبكات زبائنية، لا مواقع اقتصادية أو رمزية أو ثقافية مستقلة.

رافق الاحتلالَ الأمريكي للعراق تفككٌ للطبقات القديمة مع تغير الوضع الاقتصادي وانتهاء الحصار، وتوسعت الطبقة التي أسستها الحملة الإيمانية بسبب الفضاء الواسع من الحرية الدينية، فوسعت المؤسسات الدينية نفوذها وصار لها اقتصادها الخاص إلى جانب النفوذ البشري. وظهرت مع النظام السياسي المتظاهر بالديمقراطية طبقة ثرية لم يشهدها العراقيون بهذا الاتساع والعمق سابقاً، تتكون من وزراء ونواب برلمان ورؤساء أحزاب وكتل سياسية، مع أبنائهم وأقاربهم.
سيطرت هذه الطبقة على موارد الدولة، وأسست كل جهة اقتصاداً يمولها من خلال شركات تحتكر مشاريع في مختلف القطاعات التي تمولها الحكومات، وبسطت نفوذها واكتسبت شرعيتها بالمال السياسي الذي منحها إياه الفساد، الذي صار نهجاً سياسياً على مرّ الأعوام دون رادع. وقد أسست هذه الطبقة قاعدتها الجماهيرية بواسطة الوظائف الحكومية.
وهنا أوجدت طبقة وسطى عمادها أكثر من خمسة ملايين درجة وظيفية برواتب شهرية توفر شيئاً من اليسر المعاشي، وملايين من المشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية، فصار لدينا طبقة وسطى تحرك السوق، لكنها مترهلة ومسلوبة الدور وغير مستقلة ولا تساهم في صنع القرار، وترتكز على الولاءات بعد تجذير الطائفية في المجتمع إثر الانقسامات والحروب الداخلية التي خاضتها البلاد.
لم تنقطع حبال الوصل مع الاقتصاد الريعي في 2003، لكنه تحول إلى صورة أكثر تشتتاً، فبدل الحزب الواحد المسيطر على اقتصاد ريعي واحد نَمَت في العراق جهات سياسية خلقت كل منها اقتصاداً ريعياً خاصاً بها، ووسعت الدولة الوظائف الحكومية لبناء الولاءات ممزقةً بذلك ما تبقى من القطاع الخاص ووسائل الإنتاج غير النفطية لمصلحة دول مجاورة.
هذه المعطيات الداخلية تفاعلت مع “وصفات خارجية جاهزة” فنتج نظام اقتصادي–سياسي يقوم على الزبائنية السياسية كبديل عن السوق والمؤسسات، وصار العمل والحماية الاجتماعية امتيازات يحظى بها كل من تقرب من السلطة أو عاد عليها بالفائدة.

وبهذا ترسخ اعتماد تعريف “الطبقة” بوصفها قائمة على القرب من السلطة رغم تشتتها، بالإضافة إلى القرب من المؤسسات الدينية لشتى الطوائف.
منذ تأسيس الدولة العراقية قبل أكثر من مئة عام بقيت قاعدة واحدة شبه ثابتة: لا نفوذ ولا علوّ اجتماعي خارج ظلّ السلطة. أمّا الابتعاد عنها فلم يُنتِج طبقة مستقلة، بل وسّع فقط دائرة الفقر والأمية والبطالة.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.