"سريعة وصامتة".. هل يبني العراق صداقة مع البيئة من خلف "الستيرن"؟
19 شباط 2026
تجاوز محمد صائب هواجس نقص قطع الغيار وقلة المتخصصين بالصيانة، وغامر بالدخول إلى عالم السيارات الهجينة.. هل يبني العراق صداقة مع البيئة من خلف "الستيرن"؟
تفحص محمد صائب هاتفه للمرة الأخيرة، مراجعاً تقارير اليوتيوب وإجابات الذكاء الاصطناعي التي تراكمت في سجله، قبل أن يتخذ القرار الذي سيغير تفاصيل يومه المعتادة.
كان يدرك أنه على وشك مغادرة “منطقة الأمان” التي وفرتها له السيارات الكورية الجنوبية لسنوات، والمجازفة بالدخول في عالم المحركات الهجينة والتكنولوجيا الصينية الوافدة، وهو عالم لطالما أحاطت به هواجس نقص الأدوات وندرة الفنيين.
لم تكن مغامرة المدرس ذي الدخل المحدود ترفاً، بل كانت هروباً اضطرارياً من نزيف الأموال التي كانت تلتهمها محطات الوقود وورش الصيانة.
وفي لحظة حاسمة، ودّع سيارته القديمة ليضع ثقته في هيكل يعمل بثلاثة محركات وبطارية شحن منزلي، مراهناً على أن التكنولوجيا هي وحدها الكفيلة بإنقاذ ما يتبقى من راتبه الشهري.
اليوم، وبينما يراقب محمد عداد سيارته الجديدة، يشعر بنشوة راحة البال التي وجدها في كلفة تشغيل رمزية، جعلته يوقن أن خياره الجريء كان الاستثمار الأنجح لتأمين معيشة عائلته وتوفير ما كان يضيع من راتبه في محطات الوقود.
هذا الرضا الشخصي الذي يسكن مقصورة محمد ليس إلا جزءاً من مشهد أكبر يرتسم في الأفق، فكظل خفيف، تشقّ السيارات الكهربائية طريقها في شوارع العراق بصمت، لا غبار ولا ضجيج، سريعة وهادئة في طرق اعتادت هدير المحركات، هذا فصل جديد وصداقة غير مألوفة مع البيئة يبنيها العراق من خلف المقود.
السيارات الكهربائية ليست ابتكاراً حديثاً، بل تعود جذورها إلى نحو 200 عام، حتى إنها سبقت في ظهورها السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري “البنزين”، لكن هذه السيارات الصامتة شهدت تقلبات في مسيرتها، بين الازدهار والانحسار، قبل أن تعود بقوة في القرن الحادي والعشرين، وتحديداً مع حلول عام 2025 حين ازدادت مبيعاتها عالمياً زيادة لا تصدق، وأجبرت السوق العراقية “التقليدية والمتطرفة” على تجربتها.
وعلى الرغم من دخولها فرادى إلى العراق قبل هذا العام، كانت الشوارع العراقية في مطلع 2025 على موعد مع دفعة من السيارات الهجينة التي تعمل بمحركين، أحدهما كهربائي والآخر يعمل بالوقود العادي، عندما أعلنت وزارة الداخلية العراقية في شهر شباط من ذاك العام تسليمها الدفعة الأولى من عجلات “تويوتا”، من طراز “كراون” و”هايلاندر” و”راف فور”، التي تعمل بتقنية “الهايبرد” (الكهرباء والوقود)، إلى مفارز النجدة في بغداد والمحافظات.
قالت الوزارة آنذاك إن هذه المبادرة تهدف إلى تطوير أداء مديرية النجدة، من خلال تزويدها بمركبات حديثة قادرة على تنفيذ الواجبات الأمنية بكفاءة عالية في مختلف الظروف والمناطق.
“فلاش باك”
بدأت حكاية السيارات الكهربائية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين كانت البدايات المبكرة لها بين عامي 1830 و1890. ففي ثلاثينيات ذلك القرن، ابتكر المخترع الاسكتلندي روبرت أندرسون أول عربة كهربائية بدائية تعمل ببطاريات غير قابلة لإعادة الشحن، وهو ما جعلها تجربة محدودة لكنها ثورية في زمنها.
ولم يتحول الحلم إلى فكرة عملية إلا عام 1859، عندما اخترع الفيزيائي الفرنسي غاستون بلانتي بطارية الرصاص الحمضية القابلة لإعادة الشحن، فاتحاً الباب أمام استخدام الكهرباء كطاقة دافعة للمركبات.
وبعد ذلك بربع قرن تقريباً، وتحديداً عام 1884، نجح المخترع الإنجليزي توماس باركر في إنتاج أول سيارة كهربائية عملية، متقدماً بذلك بعامين على سيارة كارل بنز التي تعمل بالوقود.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، دخلت السيارات الكهربائية ما يُعرف بعصرها الذهبي الأول بين عامي 1890 و1935. ففي عام 1900، كان نحو ثلث المركبات التي تجوب شوارع الولايات المتحدة تعمل بالكهرباء، متفوقة على سيارات البنزين بفضل هدوئها وسهولة تشغيلها وخلوها من الروائح والانبعاثات.
ولم يكن أداؤها متواضعاً كما يُتصوَّر، إذ سجّلت السيارة الكهربائية الشهيرة La Jamais Contente عام 1899 إنجازاً تاريخياً، عندما أصبحت أول مركبة في العالم تتجاوز سرعة مئة كيلومتر في الساعة.
غير أن هذا الازدهار لم يدم طويلاً؛ فبحلول عام 1935، تلاشت السيارات الكهربائية تقريباً من الأسواق، نتيجة عوامل متداخلة أبرزها الإنتاج الكمي الرخيص لسيارة “فورد” من طراز “T”، واكتشاف كميات هائلة من النفط في تكساس الأمريكية، ما خفّض أسعار البنزين، إلى جانب توسع شبكات الطرق السريعة التي تطلبت مدى قيادة أطول لم تكن البطاريات قادرة على توفيره آنذاك.
وبعد عقود من الغياب، بدأت العودة الحديثة للسيارات الكهربائية مع نهاية القرن العشرين. فقد أعادت أزمات النفط في السبعينيات والثمانينيات تسليط الضوء على بدائل الطاقة، لكن التحول الحقيقي لم يبدأ إلا في التسعينيات، حين أطلقت شركة “جنرال موتورز” سيارة EV1 عام 1996، كأول محاولة جدية لإحياء المركبات الكهربائية الحديثة.
أما الانعطافة الكبرى فجاءت عام 2008 مع شركة “تسلا”، التي أحدثت ثورة في الصناعة بإطلاق سيارة “Roadster” المزودة ببطاريات “الليثيوم-أيون”، والقادرة على قطع أكثر من 320 كيلومتراً بشحنة واحدة، ما أنهى عملياً عقدة المدى المحدود.
تحول كبير
مع حلول عام 2025، دخلت السيارات الكهربائية مرحلة التحول الكامل، إذ باتت تهيمن على حصة متزايدة من المبيعات العالمية، مدعومة بانخفاض حاد في تكاليف البطاريات، وتوسع غير مسبوق في البنية التحتية لمحطات الشحن، فضلاً عن تشديد القوانين البيئية عالمياً. وهكذا، عادت السيارة الكهربائية من هامش التاريخ إلى قلبه، لا بوصفها بديلاً مؤقتاً، بل كعنوان لمرحلة جديدة في عالم النقل والطاقة.
في هذا العام تحديداً، تعرّف رجال النجدة العراقيون لأول مرة باستغراب على هذه السيارة، التي كانت تعمل بهدوء تام ومن دون أي صوت، إلى حدٍ جعلهم يظنون أحياناً أنها مطفأة، وهو ما تناقلوه بطرافة، لكن الآن لم تعد هذه السيارات غريبة بعدما مدت حبل صداقة مع البيئة العراقية المُتعبَة وكثير من السائقين.
يقول محمد صائب لـ”جمّار” إنه بدأ بسيارة “سوناتا” 2018 مستوردة من أمريكا، وكانت جيدة في سنواتها الأولى، لكنه اضطر إلى اعتماد “محسّنات وبرمجة للعقل” حتى تستقر في الأداء. ومع بلوغ عدّادها نحو 150 ألف كيلومتر بدأت تظهر أعطال الاستهلاك المعتادة.
ويضيف: “كنت أخشى الانتقال إلى سيارة كهربائية صينية، خصوصاً بسبب قضية قطع الغيار، بس بصراحة انتشار سيارات BYD الصديقة للبيئة بالعراق طمأنني، خاصة بعدما سمعت بوجود مراكز صيانة معتمدة وفنيين مختصين بالسليمانية”.
بعد البحث الطويل، باع سيارته القديمة واشترى سيارة هجينة تعمل بثلاثة محركات، ويؤكد: “صار لي أيام بس من اشتريتها، بس جداً مقتنع، ما نادم، وناوي أحتفظ بيها سنوات طويلة إذا الله كتب لي عمر”.
ما جعله يحسم قراره هو الفارق الكبير بالمواصفات، يشير إلى أن “السيارات الكورية واليابانية تعتمد على اسمها وتسوّق نفسها بالعلامة التجارية، لكن صارت بخيلة بالمواصفات. لما قارنت السوناتا والكيا 2025 بالـ BYD، شفت فرق تقني كبير”.
أما عن تقنية الـPlug-in Hybrid، فيراها محمد أكثر ما يميز السيارة: “من ناحية التقنية والاقتصاد بالوقود متفوقة بصراحة، ما أريد أمدح الشاشات والمظاهر، بس التكنولوجيا اللي بيها ناجحة جداً”.
ويشرح السبب الاقتصادي الذي دفعه للتحول إلى الهجينة والكهربائية: “إحنا ناس رواتبنا محدودة، مو تجار ولا مقاولين ولا سياسيين، ما أكدر أحط 200 ألف دينار بنزين بالشهر وأگول ما يهم، هاي الفلوس عائلتي أولى بيها”.
ويلفت محمد إلى أن كلفة تشغيل سيارته الجديدة تكاد تكون رمزية: “عندي شحن منزلي، بالكامل يمشيني تقريبا 100 كيلومتر، تقديري أنه شهرياً ما أصرف حتى 20 ألف دينار، ويمكن أقل، لأن البنزين بس للطرق الخارجية”.
ويختم حديثه بثقة: “بالنسبة إلي، هاي السيارة تحقق كل اللي أريده، وراحة البال أهم شي”.

إعفاءات مشجعة
التطور السريع خلال عام 2025 في دخول السيارات الكهربائية والهجينة إلى العراق لم يكن مرتبطاً فقط بالمزايا البيئية والتقنية، فالإعفاء من الرسوم الكمركية الذي أقرته الدولة العراقية ساهم بشكل ملموس في جعل السيارات الكهربائية والهجينة أقل تكلفة في الاستيراد مقارنةً بالسيارات التقليدية التي تُفرض عليها رسوم أعلى. هذا الخفض في التكلفة كان حافزاً مهماً للمستوردين والمستهلكين للدخول في هذه السوق.
ففي 2019 قرر مجلس الوزراء تخفيض الرسوم الكمركية المفروضة على المركبات الهجينة “هايبرد” بنسبة 100 بالمئة للسنة الأولى وبعدها 50 بالمئة، استناداً إلى الصلاحيات المنصوص عليها في أحكام المادة 2/أولاً من قانون التعرفة الكمركية من أجل تخفيض أسعار المركبات الهجينة، لتحفيز المواطنين على اقتنائها لما في ذلك من فوائد كبيرة من الناحيتين الاقتصادية والبيئية.
وفي 2022 أصدرت الحكومة العراقية قرارها المرقم 13، المتضمن إعفاء المركبات الكهربائية والهجينة من الرسوم المرورية، بالإضافة إلى إعفائها من رسوم لوحات التسجيل والأرقام المرورية.
لكن في إطار سلسلة تعديلات ضريبية واقتصادية في العراق مع بداية 2026، أعلنت الهيئة العامة للكمارك عن فرض رسم كمركي جديد بنسبة 15 بالمئة على استيراد السيارات الهجينة والكهربائية، وذلك اعتباراً من 1 كانون الثاني، والهدف المعلن من القرار هو تنظيم الاستيراد ورفع جودة المركبات وتعزيز معايير السلامة والحد من الزحام المروري.
القرار أثار جدلاً، إذ أعلن مجلس النواب رفضه له، لأن قرارات الحكومة المنتهية الصلاحية بعد 11 تشرين الثاني العام الماضي تعتبر فاقدة الشرعية، وفقاً للنائبة ابتسام الهلالي.
وقد أظهرت البيانات الرسمية الصادرة من هيئات الكمارك الصينية واليابانية والكورية الجنوبية عام 2025، أن أعداد السيارات المصدرة بشكل مباشر إلى العراق خلال النصف الأول من العام بلغت نحو 40 ألف سيارة، مرتفعة بذلك عما كانت عليه في الفترة ذاتها من العام الماضي، وكانت 32.5 ألف سيارة، بحسب منار العبيدي، الخبير الاقتصادي المتخصص بالإحصاءات.
يشير العبيدي في تدوينة على حسابه في فيسبوك إلى نمو استيراد السيارات الهجينة التي تعمل على البنزين والكهرباء، حيث ارتفعت حصتها لتبلغ 10 بالمئة من إجمالي السيارات المستوردة في النصف الأول من 2025، مقارنة بحصة بلغت 8 بالمئة من إجمالي السيارات المستوردة في النصف الأول من 2024، وهو دليل على تقبل أنواع هذه السيارات في السوق العراقية.
محمد عبد القادر، أحد مستوردي السيارات اليابانية، يؤكد ذلك.
يبيّن الرجل الأربعيني أن الطلب على السيارات الهجينة والكهربائية شهد ارتفاعاً واضحاً خلال العامين الأخيرين، موضحاً أن العالم بأسره يتجه اليوم نحو هذا النوع من المركبات، وأن العراق ليس بمعزل عن هذا التحول، بل إنه مرشح بقوة لأن يكون سوقاً نشطة للسيارات الهجينة على وجه الخصوص.
وهناك أسباب عدة يضعها عبد القادر لهذا التوجه، كارتفاع كلفة الوقود، فضلاً عن الزحام المروري الخانق الذي تعاني منه المدن العراقية، وما يرافقه من توقف طويل للمركبات، الأمر الذي يجعل السيارات الهجينة خياراً عملياً واقتصادياً.
ويقول عبد القادر لـ”جمّار” إن السيارة الهجينة عند التوقف في التقاطعات أو أثناء الزحام تعتمد على محرك الكهرباء فقط، ما يعني عدم استهلاك البنزين حتى مع تشغيل منظومة التبريد أو التدفئة، إذ يكون الحمل كاملاً على البطارية، مبيناً أن النظام يتحول تلقائياً إلى محرك البنزين عند انخفاض شحن البطارية، فالاستهلاك في هذه الحالة يكون محدوداً جداً، ولا يتجاوز لتراً أو لترين في أسوأ الأحوال أثناء التوقف، وغالباً ما يكون أقل من ذلك.
ويلفت إلى أن الشارع العراقي بدأ يشهد بالفعل انتشاراً ملحوظاً للسيارات الكهربائية البحتة، مثل بعض الطرازات الكورية كـEV6 وEV9، إضافة إلى سيارات “تسلا” الأمريكية، فضلاً عن السلاسل الصينية الحديثة، ولا سيما سيارات BYD التي تتميز بنظام مختلف عن الـ”هايبرد” التقليدي.
يعتمد النظام الهجين المعروف على محرك البنزين لشحن البطارية، مع تناوب التشغيل بين الوقود والكهرباء، في حين أن بعض سيارات BYD المتداولة حالياً في السوق العراقية تحتوي على محرك بنزين لا يُستخدم للدفع، بل يعمل فقط كمولّد لشحن البطارية عند نفادها، بينما يكون سير السيارة كهربائياً بالكامل.
وعن توفر السيارات الكهربائية والهجينة في معارضه في أربيل وبغداد، يقول عبد القادر إن السيارات الكهربائية البحتة ما زالت محدودة، بينما يتوفر لديه عدد من السيارات الهجينة، مثل “تويوتا كراون” و”هيونداي توكسن”، لافتاً إلى أن سيارات “تسلا” المعروضة في الإقليم جرى استيرادها من قبل معارض أخرى.

الكبار أكثر إقبالاً
وحول الفئات العمرية الأكثر إقبالاً على هذه السيارات، يوضح عبد القادر أن كبار السن هم الشريحة الأكثر اقتناعاً بالسيارات الهجينة، بعد أن كانوا في السابق مترددين تجاهها، مؤكداً أن القناعة اليوم أصبحت راسخة بأن “الهايبرد” هي “سيارة المرحلة”.
ويضيف أن الشباب ما زال بعضهم يفضل السيارات ذات المحركات الكبيرة والقوية، مثل محركات الثماني أسطوانات (8 سلندر)، لما توفره من صوت وأداء، في حين يميل كبار السن إلى السيارات الهادئة والاقتصادية، وهو ما يفسر الإقبال الأكبر منهم على “الهايبرد”.
ولم تعد قطع الغيار والصيانة تحدياً يواجه السوق، فعبد القادر أكد أنها توفرت بشكل كبير جداً، مشيراً إلى أن توسع السوق يفرض على التاجر تلبية احتياجاتها، لأن أي سيارة لا تتوفر لها قطع غيار وأدوات صيانة لن تجد رواجاً مهما كانت ميزاتها، وفقاً له.
وينتقد التاجر اعتماد السوق العراقية على “السمعة” أكثر من الجودة، لافتاً إلى أن رأي بعض الميكانيكيين بات مؤثراً تأثيراً غير مهني، إذ يصفون السيارة بالجيدة أو السيئة من دون تفسير فني واضح، وغالباً بسبب عدم قدرتهم على صيانتها.
لكن عبد القادر يراهن على أن وعي المستهلك العراقي بدأ يتحسن تدريجياً، موضحاً أن تجربة القيادة لها الدور الحاسم في تغيير القناعات، إذ يقتنع المستخدم بعد التجربة وينقل تجربته إلى محيطه، لتتوسع الدائرة تدريجياً.
وفيما يخص مستقبل السوق، يتوقع التاجر أن يشهد العراق اتجاهاً متصاعداً نحو السيارات الكهربائية خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن الشارع بدأ بالفعل يعكس هذا التحول.
ويستشهد بتجربة سيارات “هوندا” الهجينة، موضحاً أنه قبل عامين كان ينصح الزبائن بشراء “هوندا أكورد”، على الرغم من أن كثيرين لم يكونوا يعرفون قيمتها أو يثقون بها. ويضيف أن أحد العاملين في المكتب اشترى عدداً من هذه السيارات دون أن يبيعها في البداية، قبل أن يبدأ الطلب عليها تدريجياً.
ويبيّن أن سيارة “هوندا أكورد” التي كانت تُشترى من المزاد بنحو سبعة آلاف دولار، وصل سعرها لاحقاً إلى 14 ألف دولار، ما يعكس ارتفاع الطلب والقدرة الشرائية عليها في السوق العراقية.
بيد أن البنية التحتية من ناحية توفر محطات الشحن لهذه السيارات تبقى دون المستوى المطلوب، خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد، باستثناء إقليم كردستان الذي شهد نصب محطات شحن سريع، وفقاً لعبد القادر، الذي يشرح أن الشحن السريع (DC) يتيح شحن السيارة خلال 15 إلى 20 دقيقة.
أما الشحن المنزلي (AC) فيعتمد على مخارج كهربائية مختلفة بحسب “الأمبيرية”، وهو الخيار الأفضل للحفاظ على عمر البطارية، في حين يُستخدم الشحن السريع للحالات الطارئة أو أثناء السفر، بحسب عبد القادر الذي يؤكد أن البطاريات الحديثة تُدار بأنظمة ذكية تقسم استخدامها بين منظومات متعددة، ما يحقق توازناً بين الأداء والعمر الافتراضي.
جرعة أوكسجين
تأتي السيارات الكهربائية كجرعة أوكسجين خفيفة في بغداد التي تتصدر عواصم العالم بالتلوث وفقاً لمؤشر AQI العالمي لقياس نوعية الهواء، في وقت يكشف فيه المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان أن العراق احتل المرتبة الـ55 في معدلات ملكية السيارات في العالم بناء على نسبة السيارات المستخدمة لكل ألف شخص.
يوضح فاضل الغراوي، رئيس المركز، أن عدد السيارات في العراق ارتفع ليصل إلى ثمانية ملايين سيارة في عام 2024، حيث سجل ارتفاعاً بنسبة 1.9 بالمئة، أي بحدود سيارة واحدة لكل 5.55 من الأشخاص، مقارنة بعام 2023، متوقعاً أن تبلغ أعداد السيارات في العراق بحلول 2030 أكثر من عشرة ملايين سيارة.
ويؤكد عمر عبد اللطيف، عضو مرصد العراق الأخضر، لـ”جمّار”، أن ملف السيارات في العراق تحوّل إلى أحد أبرز الملفات المتعلقة بمصادر التلوث البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع الارتفاع المتسارع في الأعداد داخل جميع المحافظات، لافتاً إلى أن ما يقرب من 2.5 مليون سيارة منها تتمركز داخل العاصمة بغداد وحدها، ما يجعلها أكثر المدن تعرضاً لضغوط الانبعاثات والعوادم والضوضاء.
ويشرح عبد اللطيف أن ربع هذه السيارات تقريباً يعود إلى طرازات قديمة أصبحت تشكّل عبئاً مضاعفاً على البيئة، كونها تفتقر إلى معايير السلامة البيئية الحديثة، ما يجعلها تصدر نسباً أعلى من الملوثات مقارنة بالمركبات الحديثة. ويضيف: “هذا وحده كفيل بجعل سماء بغداد أثقل بالدخان والعوادم، وجعل نوعية الهواء أقل جودة بشكل متواصل”.
أما بشأن الحاجة الملحّة لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، فيؤكد الناشط البيئي أن العراق يعيش اليوم تأثيرات مباشرة للتغير المناخي، وأن اعتماد البلاد على مصادر طاقة تقليدية عالية الانبعاثات جعل الوضع البيئي أكثر هشاشة.
ويقول: “الأجواء في العراق تضررت كثيراً نتيجة أنواع الطاقة المستخدمة حالياً، والتحول لم يعد رفاهية بل ضرورة وجودية”.

ويذكر أن على الحكومة تعزيز هذا التوجه عبر دعم منظومات الطاقة الشمسية وتقليل أسعارها، إضافة إلى توفير قروض بلا فوائد لتشجيع المواطنين على تبنيها، لافتاً إلى أن الجمع بين السيارات النظيفة والطاقة المتجددة سيخلق نقلة نوعية في جودة الحياة.
ويعود عبد اللطيف للحديث عن السيارات الكهربائية تحديداً، موضحاً أنها تواجه عدداً من التحديات البيئية والفنية على الرغم من فوائدها الكبيرة، ويقول: “التحديات موجودة، أهمها البطاريات المستهلكة ومشكلاتها، كما أن درجات الحرارة العالية في العراق قد تجعل من أداء البطارية أمراً صعباً”.
ويشير كذلك إلى أن نقص محطات شحن السيارات الكهربائية يُعد المشكلة الأبرز، خاصة في المدن التي تشهد درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية في الصيف. ويبيّن أنّ الحرارة والزحام المروري يسرّعان من استنزاف البطارية ويعقّدان تجربة الاستخدام اليومي.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يؤكد عبد اللطيف أن الاتجاه نحو السيارات الكهربائية والهجينة يبقى الخيار الأكثر واقعية للعراق في مواجهة أزماته البيئية، قائلاً: “هذه أبرز التحديات، لكنها لا تقلل من أهمية التحول، البيئة العراقية لم تعد تحتمل الانتظار”.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
"باچر ورانه شغل".. مقاطع صغيرة من الحياة الكبيرة لينار محمد
15 مارس 2026
مرشد جديد وخيارات محدودة.. الفصائل العراقية في المعركة الإقليمية
12 مارس 2026
من البحر إلى الإنترنت.. تراشق رقمي منسق بين حسابات كويتية وعراقية بشأن خور عبد الله
11 مارس 2026
العراق في زمن الحرب: سلاح مفعّل وسياسة تنتظر التدخل الخارجي كحل
09 مارس 2026
تفحص محمد صائب هاتفه للمرة الأخيرة، مراجعاً تقارير اليوتيوب وإجابات الذكاء الاصطناعي التي تراكمت في سجله، قبل أن يتخذ القرار الذي سيغير تفاصيل يومه المعتادة.
كان يدرك أنه على وشك مغادرة “منطقة الأمان” التي وفرتها له السيارات الكورية الجنوبية لسنوات، والمجازفة بالدخول في عالم المحركات الهجينة والتكنولوجيا الصينية الوافدة، وهو عالم لطالما أحاطت به هواجس نقص الأدوات وندرة الفنيين.
لم تكن مغامرة المدرس ذي الدخل المحدود ترفاً، بل كانت هروباً اضطرارياً من نزيف الأموال التي كانت تلتهمها محطات الوقود وورش الصيانة.
وفي لحظة حاسمة، ودّع سيارته القديمة ليضع ثقته في هيكل يعمل بثلاثة محركات وبطارية شحن منزلي، مراهناً على أن التكنولوجيا هي وحدها الكفيلة بإنقاذ ما يتبقى من راتبه الشهري.
اليوم، وبينما يراقب محمد عداد سيارته الجديدة، يشعر بنشوة راحة البال التي وجدها في كلفة تشغيل رمزية، جعلته يوقن أن خياره الجريء كان الاستثمار الأنجح لتأمين معيشة عائلته وتوفير ما كان يضيع من راتبه في محطات الوقود.
هذا الرضا الشخصي الذي يسكن مقصورة محمد ليس إلا جزءاً من مشهد أكبر يرتسم في الأفق، فكظل خفيف، تشقّ السيارات الكهربائية طريقها في شوارع العراق بصمت، لا غبار ولا ضجيج، سريعة وهادئة في طرق اعتادت هدير المحركات، هذا فصل جديد وصداقة غير مألوفة مع البيئة يبنيها العراق من خلف المقود.
السيارات الكهربائية ليست ابتكاراً حديثاً، بل تعود جذورها إلى نحو 200 عام، حتى إنها سبقت في ظهورها السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري “البنزين”، لكن هذه السيارات الصامتة شهدت تقلبات في مسيرتها، بين الازدهار والانحسار، قبل أن تعود بقوة في القرن الحادي والعشرين، وتحديداً مع حلول عام 2025 حين ازدادت مبيعاتها عالمياً زيادة لا تصدق، وأجبرت السوق العراقية “التقليدية والمتطرفة” على تجربتها.
وعلى الرغم من دخولها فرادى إلى العراق قبل هذا العام، كانت الشوارع العراقية في مطلع 2025 على موعد مع دفعة من السيارات الهجينة التي تعمل بمحركين، أحدهما كهربائي والآخر يعمل بالوقود العادي، عندما أعلنت وزارة الداخلية العراقية في شهر شباط من ذاك العام تسليمها الدفعة الأولى من عجلات “تويوتا”، من طراز “كراون” و”هايلاندر” و”راف فور”، التي تعمل بتقنية “الهايبرد” (الكهرباء والوقود)، إلى مفارز النجدة في بغداد والمحافظات.
قالت الوزارة آنذاك إن هذه المبادرة تهدف إلى تطوير أداء مديرية النجدة، من خلال تزويدها بمركبات حديثة قادرة على تنفيذ الواجبات الأمنية بكفاءة عالية في مختلف الظروف والمناطق.
“فلاش باك”
بدأت حكاية السيارات الكهربائية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين كانت البدايات المبكرة لها بين عامي 1830 و1890. ففي ثلاثينيات ذلك القرن، ابتكر المخترع الاسكتلندي روبرت أندرسون أول عربة كهربائية بدائية تعمل ببطاريات غير قابلة لإعادة الشحن، وهو ما جعلها تجربة محدودة لكنها ثورية في زمنها.
ولم يتحول الحلم إلى فكرة عملية إلا عام 1859، عندما اخترع الفيزيائي الفرنسي غاستون بلانتي بطارية الرصاص الحمضية القابلة لإعادة الشحن، فاتحاً الباب أمام استخدام الكهرباء كطاقة دافعة للمركبات.
وبعد ذلك بربع قرن تقريباً، وتحديداً عام 1884، نجح المخترع الإنجليزي توماس باركر في إنتاج أول سيارة كهربائية عملية، متقدماً بذلك بعامين على سيارة كارل بنز التي تعمل بالوقود.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، دخلت السيارات الكهربائية ما يُعرف بعصرها الذهبي الأول بين عامي 1890 و1935. ففي عام 1900، كان نحو ثلث المركبات التي تجوب شوارع الولايات المتحدة تعمل بالكهرباء، متفوقة على سيارات البنزين بفضل هدوئها وسهولة تشغيلها وخلوها من الروائح والانبعاثات.
ولم يكن أداؤها متواضعاً كما يُتصوَّر، إذ سجّلت السيارة الكهربائية الشهيرة La Jamais Contente عام 1899 إنجازاً تاريخياً، عندما أصبحت أول مركبة في العالم تتجاوز سرعة مئة كيلومتر في الساعة.
غير أن هذا الازدهار لم يدم طويلاً؛ فبحلول عام 1935، تلاشت السيارات الكهربائية تقريباً من الأسواق، نتيجة عوامل متداخلة أبرزها الإنتاج الكمي الرخيص لسيارة “فورد” من طراز “T”، واكتشاف كميات هائلة من النفط في تكساس الأمريكية، ما خفّض أسعار البنزين، إلى جانب توسع شبكات الطرق السريعة التي تطلبت مدى قيادة أطول لم تكن البطاريات قادرة على توفيره آنذاك.
وبعد عقود من الغياب، بدأت العودة الحديثة للسيارات الكهربائية مع نهاية القرن العشرين. فقد أعادت أزمات النفط في السبعينيات والثمانينيات تسليط الضوء على بدائل الطاقة، لكن التحول الحقيقي لم يبدأ إلا في التسعينيات، حين أطلقت شركة “جنرال موتورز” سيارة EV1 عام 1996، كأول محاولة جدية لإحياء المركبات الكهربائية الحديثة.
أما الانعطافة الكبرى فجاءت عام 2008 مع شركة “تسلا”، التي أحدثت ثورة في الصناعة بإطلاق سيارة “Roadster” المزودة ببطاريات “الليثيوم-أيون”، والقادرة على قطع أكثر من 320 كيلومتراً بشحنة واحدة، ما أنهى عملياً عقدة المدى المحدود.
تحول كبير
مع حلول عام 2025، دخلت السيارات الكهربائية مرحلة التحول الكامل، إذ باتت تهيمن على حصة متزايدة من المبيعات العالمية، مدعومة بانخفاض حاد في تكاليف البطاريات، وتوسع غير مسبوق في البنية التحتية لمحطات الشحن، فضلاً عن تشديد القوانين البيئية عالمياً. وهكذا، عادت السيارة الكهربائية من هامش التاريخ إلى قلبه، لا بوصفها بديلاً مؤقتاً، بل كعنوان لمرحلة جديدة في عالم النقل والطاقة.
في هذا العام تحديداً، تعرّف رجال النجدة العراقيون لأول مرة باستغراب على هذه السيارة، التي كانت تعمل بهدوء تام ومن دون أي صوت، إلى حدٍ جعلهم يظنون أحياناً أنها مطفأة، وهو ما تناقلوه بطرافة، لكن الآن لم تعد هذه السيارات غريبة بعدما مدت حبل صداقة مع البيئة العراقية المُتعبَة وكثير من السائقين.
يقول محمد صائب لـ”جمّار” إنه بدأ بسيارة “سوناتا” 2018 مستوردة من أمريكا، وكانت جيدة في سنواتها الأولى، لكنه اضطر إلى اعتماد “محسّنات وبرمجة للعقل” حتى تستقر في الأداء. ومع بلوغ عدّادها نحو 150 ألف كيلومتر بدأت تظهر أعطال الاستهلاك المعتادة.
ويضيف: “كنت أخشى الانتقال إلى سيارة كهربائية صينية، خصوصاً بسبب قضية قطع الغيار، بس بصراحة انتشار سيارات BYD الصديقة للبيئة بالعراق طمأنني، خاصة بعدما سمعت بوجود مراكز صيانة معتمدة وفنيين مختصين بالسليمانية”.
بعد البحث الطويل، باع سيارته القديمة واشترى سيارة هجينة تعمل بثلاثة محركات، ويؤكد: “صار لي أيام بس من اشتريتها، بس جداً مقتنع، ما نادم، وناوي أحتفظ بيها سنوات طويلة إذا الله كتب لي عمر”.
ما جعله يحسم قراره هو الفارق الكبير بالمواصفات، يشير إلى أن “السيارات الكورية واليابانية تعتمد على اسمها وتسوّق نفسها بالعلامة التجارية، لكن صارت بخيلة بالمواصفات. لما قارنت السوناتا والكيا 2025 بالـ BYD، شفت فرق تقني كبير”.
أما عن تقنية الـPlug-in Hybrid، فيراها محمد أكثر ما يميز السيارة: “من ناحية التقنية والاقتصاد بالوقود متفوقة بصراحة، ما أريد أمدح الشاشات والمظاهر، بس التكنولوجيا اللي بيها ناجحة جداً”.
ويشرح السبب الاقتصادي الذي دفعه للتحول إلى الهجينة والكهربائية: “إحنا ناس رواتبنا محدودة، مو تجار ولا مقاولين ولا سياسيين، ما أكدر أحط 200 ألف دينار بنزين بالشهر وأگول ما يهم، هاي الفلوس عائلتي أولى بيها”.
ويلفت محمد إلى أن كلفة تشغيل سيارته الجديدة تكاد تكون رمزية: “عندي شحن منزلي، بالكامل يمشيني تقريبا 100 كيلومتر، تقديري أنه شهرياً ما أصرف حتى 20 ألف دينار، ويمكن أقل، لأن البنزين بس للطرق الخارجية”.
ويختم حديثه بثقة: “بالنسبة إلي، هاي السيارة تحقق كل اللي أريده، وراحة البال أهم شي”.

إعفاءات مشجعة
التطور السريع خلال عام 2025 في دخول السيارات الكهربائية والهجينة إلى العراق لم يكن مرتبطاً فقط بالمزايا البيئية والتقنية، فالإعفاء من الرسوم الكمركية الذي أقرته الدولة العراقية ساهم بشكل ملموس في جعل السيارات الكهربائية والهجينة أقل تكلفة في الاستيراد مقارنةً بالسيارات التقليدية التي تُفرض عليها رسوم أعلى. هذا الخفض في التكلفة كان حافزاً مهماً للمستوردين والمستهلكين للدخول في هذه السوق.
ففي 2019 قرر مجلس الوزراء تخفيض الرسوم الكمركية المفروضة على المركبات الهجينة “هايبرد” بنسبة 100 بالمئة للسنة الأولى وبعدها 50 بالمئة، استناداً إلى الصلاحيات المنصوص عليها في أحكام المادة 2/أولاً من قانون التعرفة الكمركية من أجل تخفيض أسعار المركبات الهجينة، لتحفيز المواطنين على اقتنائها لما في ذلك من فوائد كبيرة من الناحيتين الاقتصادية والبيئية.
وفي 2022 أصدرت الحكومة العراقية قرارها المرقم 13، المتضمن إعفاء المركبات الكهربائية والهجينة من الرسوم المرورية، بالإضافة إلى إعفائها من رسوم لوحات التسجيل والأرقام المرورية.
لكن في إطار سلسلة تعديلات ضريبية واقتصادية في العراق مع بداية 2026، أعلنت الهيئة العامة للكمارك عن فرض رسم كمركي جديد بنسبة 15 بالمئة على استيراد السيارات الهجينة والكهربائية، وذلك اعتباراً من 1 كانون الثاني، والهدف المعلن من القرار هو تنظيم الاستيراد ورفع جودة المركبات وتعزيز معايير السلامة والحد من الزحام المروري.
القرار أثار جدلاً، إذ أعلن مجلس النواب رفضه له، لأن قرارات الحكومة المنتهية الصلاحية بعد 11 تشرين الثاني العام الماضي تعتبر فاقدة الشرعية، وفقاً للنائبة ابتسام الهلالي.
وقد أظهرت البيانات الرسمية الصادرة من هيئات الكمارك الصينية واليابانية والكورية الجنوبية عام 2025، أن أعداد السيارات المصدرة بشكل مباشر إلى العراق خلال النصف الأول من العام بلغت نحو 40 ألف سيارة، مرتفعة بذلك عما كانت عليه في الفترة ذاتها من العام الماضي، وكانت 32.5 ألف سيارة، بحسب منار العبيدي، الخبير الاقتصادي المتخصص بالإحصاءات.
يشير العبيدي في تدوينة على حسابه في فيسبوك إلى نمو استيراد السيارات الهجينة التي تعمل على البنزين والكهرباء، حيث ارتفعت حصتها لتبلغ 10 بالمئة من إجمالي السيارات المستوردة في النصف الأول من 2025، مقارنة بحصة بلغت 8 بالمئة من إجمالي السيارات المستوردة في النصف الأول من 2024، وهو دليل على تقبل أنواع هذه السيارات في السوق العراقية.
محمد عبد القادر، أحد مستوردي السيارات اليابانية، يؤكد ذلك.
يبيّن الرجل الأربعيني أن الطلب على السيارات الهجينة والكهربائية شهد ارتفاعاً واضحاً خلال العامين الأخيرين، موضحاً أن العالم بأسره يتجه اليوم نحو هذا النوع من المركبات، وأن العراق ليس بمعزل عن هذا التحول، بل إنه مرشح بقوة لأن يكون سوقاً نشطة للسيارات الهجينة على وجه الخصوص.
وهناك أسباب عدة يضعها عبد القادر لهذا التوجه، كارتفاع كلفة الوقود، فضلاً عن الزحام المروري الخانق الذي تعاني منه المدن العراقية، وما يرافقه من توقف طويل للمركبات، الأمر الذي يجعل السيارات الهجينة خياراً عملياً واقتصادياً.
ويقول عبد القادر لـ”جمّار” إن السيارة الهجينة عند التوقف في التقاطعات أو أثناء الزحام تعتمد على محرك الكهرباء فقط، ما يعني عدم استهلاك البنزين حتى مع تشغيل منظومة التبريد أو التدفئة، إذ يكون الحمل كاملاً على البطارية، مبيناً أن النظام يتحول تلقائياً إلى محرك البنزين عند انخفاض شحن البطارية، فالاستهلاك في هذه الحالة يكون محدوداً جداً، ولا يتجاوز لتراً أو لترين في أسوأ الأحوال أثناء التوقف، وغالباً ما يكون أقل من ذلك.
ويلفت إلى أن الشارع العراقي بدأ يشهد بالفعل انتشاراً ملحوظاً للسيارات الكهربائية البحتة، مثل بعض الطرازات الكورية كـEV6 وEV9، إضافة إلى سيارات “تسلا” الأمريكية، فضلاً عن السلاسل الصينية الحديثة، ولا سيما سيارات BYD التي تتميز بنظام مختلف عن الـ”هايبرد” التقليدي.
يعتمد النظام الهجين المعروف على محرك البنزين لشحن البطارية، مع تناوب التشغيل بين الوقود والكهرباء، في حين أن بعض سيارات BYD المتداولة حالياً في السوق العراقية تحتوي على محرك بنزين لا يُستخدم للدفع، بل يعمل فقط كمولّد لشحن البطارية عند نفادها، بينما يكون سير السيارة كهربائياً بالكامل.
وعن توفر السيارات الكهربائية والهجينة في معارضه في أربيل وبغداد، يقول عبد القادر إن السيارات الكهربائية البحتة ما زالت محدودة، بينما يتوفر لديه عدد من السيارات الهجينة، مثل “تويوتا كراون” و”هيونداي توكسن”، لافتاً إلى أن سيارات “تسلا” المعروضة في الإقليم جرى استيرادها من قبل معارض أخرى.

الكبار أكثر إقبالاً
وحول الفئات العمرية الأكثر إقبالاً على هذه السيارات، يوضح عبد القادر أن كبار السن هم الشريحة الأكثر اقتناعاً بالسيارات الهجينة، بعد أن كانوا في السابق مترددين تجاهها، مؤكداً أن القناعة اليوم أصبحت راسخة بأن “الهايبرد” هي “سيارة المرحلة”.
ويضيف أن الشباب ما زال بعضهم يفضل السيارات ذات المحركات الكبيرة والقوية، مثل محركات الثماني أسطوانات (8 سلندر)، لما توفره من صوت وأداء، في حين يميل كبار السن إلى السيارات الهادئة والاقتصادية، وهو ما يفسر الإقبال الأكبر منهم على “الهايبرد”.
ولم تعد قطع الغيار والصيانة تحدياً يواجه السوق، فعبد القادر أكد أنها توفرت بشكل كبير جداً، مشيراً إلى أن توسع السوق يفرض على التاجر تلبية احتياجاتها، لأن أي سيارة لا تتوفر لها قطع غيار وأدوات صيانة لن تجد رواجاً مهما كانت ميزاتها، وفقاً له.
وينتقد التاجر اعتماد السوق العراقية على “السمعة” أكثر من الجودة، لافتاً إلى أن رأي بعض الميكانيكيين بات مؤثراً تأثيراً غير مهني، إذ يصفون السيارة بالجيدة أو السيئة من دون تفسير فني واضح، وغالباً بسبب عدم قدرتهم على صيانتها.
لكن عبد القادر يراهن على أن وعي المستهلك العراقي بدأ يتحسن تدريجياً، موضحاً أن تجربة القيادة لها الدور الحاسم في تغيير القناعات، إذ يقتنع المستخدم بعد التجربة وينقل تجربته إلى محيطه، لتتوسع الدائرة تدريجياً.
وفيما يخص مستقبل السوق، يتوقع التاجر أن يشهد العراق اتجاهاً متصاعداً نحو السيارات الكهربائية خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن الشارع بدأ بالفعل يعكس هذا التحول.
ويستشهد بتجربة سيارات “هوندا” الهجينة، موضحاً أنه قبل عامين كان ينصح الزبائن بشراء “هوندا أكورد”، على الرغم من أن كثيرين لم يكونوا يعرفون قيمتها أو يثقون بها. ويضيف أن أحد العاملين في المكتب اشترى عدداً من هذه السيارات دون أن يبيعها في البداية، قبل أن يبدأ الطلب عليها تدريجياً.
ويبيّن أن سيارة “هوندا أكورد” التي كانت تُشترى من المزاد بنحو سبعة آلاف دولار، وصل سعرها لاحقاً إلى 14 ألف دولار، ما يعكس ارتفاع الطلب والقدرة الشرائية عليها في السوق العراقية.
بيد أن البنية التحتية من ناحية توفر محطات الشحن لهذه السيارات تبقى دون المستوى المطلوب، خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد، باستثناء إقليم كردستان الذي شهد نصب محطات شحن سريع، وفقاً لعبد القادر، الذي يشرح أن الشحن السريع (DC) يتيح شحن السيارة خلال 15 إلى 20 دقيقة.
أما الشحن المنزلي (AC) فيعتمد على مخارج كهربائية مختلفة بحسب “الأمبيرية”، وهو الخيار الأفضل للحفاظ على عمر البطارية، في حين يُستخدم الشحن السريع للحالات الطارئة أو أثناء السفر، بحسب عبد القادر الذي يؤكد أن البطاريات الحديثة تُدار بأنظمة ذكية تقسم استخدامها بين منظومات متعددة، ما يحقق توازناً بين الأداء والعمر الافتراضي.
جرعة أوكسجين
تأتي السيارات الكهربائية كجرعة أوكسجين خفيفة في بغداد التي تتصدر عواصم العالم بالتلوث وفقاً لمؤشر AQI العالمي لقياس نوعية الهواء، في وقت يكشف فيه المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان أن العراق احتل المرتبة الـ55 في معدلات ملكية السيارات في العالم بناء على نسبة السيارات المستخدمة لكل ألف شخص.
يوضح فاضل الغراوي، رئيس المركز، أن عدد السيارات في العراق ارتفع ليصل إلى ثمانية ملايين سيارة في عام 2024، حيث سجل ارتفاعاً بنسبة 1.9 بالمئة، أي بحدود سيارة واحدة لكل 5.55 من الأشخاص، مقارنة بعام 2023، متوقعاً أن تبلغ أعداد السيارات في العراق بحلول 2030 أكثر من عشرة ملايين سيارة.
ويؤكد عمر عبد اللطيف، عضو مرصد العراق الأخضر، لـ”جمّار”، أن ملف السيارات في العراق تحوّل إلى أحد أبرز الملفات المتعلقة بمصادر التلوث البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع الارتفاع المتسارع في الأعداد داخل جميع المحافظات، لافتاً إلى أن ما يقرب من 2.5 مليون سيارة منها تتمركز داخل العاصمة بغداد وحدها، ما يجعلها أكثر المدن تعرضاً لضغوط الانبعاثات والعوادم والضوضاء.
ويشرح عبد اللطيف أن ربع هذه السيارات تقريباً يعود إلى طرازات قديمة أصبحت تشكّل عبئاً مضاعفاً على البيئة، كونها تفتقر إلى معايير السلامة البيئية الحديثة، ما يجعلها تصدر نسباً أعلى من الملوثات مقارنة بالمركبات الحديثة. ويضيف: “هذا وحده كفيل بجعل سماء بغداد أثقل بالدخان والعوادم، وجعل نوعية الهواء أقل جودة بشكل متواصل”.
أما بشأن الحاجة الملحّة لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، فيؤكد الناشط البيئي أن العراق يعيش اليوم تأثيرات مباشرة للتغير المناخي، وأن اعتماد البلاد على مصادر طاقة تقليدية عالية الانبعاثات جعل الوضع البيئي أكثر هشاشة.
ويقول: “الأجواء في العراق تضررت كثيراً نتيجة أنواع الطاقة المستخدمة حالياً، والتحول لم يعد رفاهية بل ضرورة وجودية”.

ويذكر أن على الحكومة تعزيز هذا التوجه عبر دعم منظومات الطاقة الشمسية وتقليل أسعارها، إضافة إلى توفير قروض بلا فوائد لتشجيع المواطنين على تبنيها، لافتاً إلى أن الجمع بين السيارات النظيفة والطاقة المتجددة سيخلق نقلة نوعية في جودة الحياة.
ويعود عبد اللطيف للحديث عن السيارات الكهربائية تحديداً، موضحاً أنها تواجه عدداً من التحديات البيئية والفنية على الرغم من فوائدها الكبيرة، ويقول: “التحديات موجودة، أهمها البطاريات المستهلكة ومشكلاتها، كما أن درجات الحرارة العالية في العراق قد تجعل من أداء البطارية أمراً صعباً”.
ويشير كذلك إلى أن نقص محطات شحن السيارات الكهربائية يُعد المشكلة الأبرز، خاصة في المدن التي تشهد درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية في الصيف. ويبيّن أنّ الحرارة والزحام المروري يسرّعان من استنزاف البطارية ويعقّدان تجربة الاستخدام اليومي.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يؤكد عبد اللطيف أن الاتجاه نحو السيارات الكهربائية والهجينة يبقى الخيار الأكثر واقعية للعراق في مواجهة أزماته البيئية، قائلاً: “هذه أبرز التحديات، لكنها لا تقلل من أهمية التحول، البيئة العراقية لم تعد تحتمل الانتظار”.