ماذا سيحدث في إيران والمنطقة والعراق إذا سقط المرشد الأعلى؟ 

جلجامش نبيل

13 كانون الثاني 2026

يحلّل هذا المقال سيناريو سقوط المرشد الأعلى في إيران، وما قد يترتّب عليه من تحوّلات. يناقش شكل إيران ما بعد ولاية الفقيه، بين تصاعد الهويات القومية، واحتمالات التقارب مع الغرب وإسرائيل، ويركّز على العراق بوصفه المتأثّر الأعمق: أحزاب شيعية بلا سند إيراني، وفصائل أمام اختبار البقاء، وحدود مفتوحة على الهجرة والاضطراب.. قراءة في حدث قد يعيد رسم المنطقة..

بعد عامين عصيبين واحتكاكات صاروخية وحربٍ مع إسرائيل، أبت إيران أن تبارح العام 2025 بهدوء، حيث غصّت شوارع عددٍ من المدن الإيرانية بأصحاب المتاجر صبيحة 28 كانون الأول، احتجاجاً على التدهور الاقتصادي الحاد وهبوط أسعار صرف الريال الإيراني إلى أدنى مستوياتها، وسط تفاقم الصعوبات المعيشية بسبب العقوبات الأمريكية على البلاد.  

وفي يومها العاشر، اتسعت دائرة التظاهرات مع انضمام طلاب الجامعات إلى صفوفها لتشمل 222 موقعاً في 78 مدينة، ضمن 26 محافظة من محافظات البلاد الواحدة والثلاثين. أسفرت الاحتجاجات خلال عشرة أيام عن مقتل ما لا يقل عن 19 متظاهراً، منهم ثلاثة قاصرين وعنصر من عناصر قوى الأمن، واعتقال نحو ألف شخص بحسب منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (HRAI)، ومقرّها الولايات المتحدة. مع ذلك، تبقى المعلومات ومقاطع الفيديو المتاحة عن التظاهرات محدودة، ويصعب تحديد حجمها الحقيقي بسبب التعتيم وما يواجهه الصحفيون من قيود في إيران. 

شتاء إيران الساخن: احتجاجات وجفاف  

تأتي هذه التظاهرات في ظل أوضاعٍ إقليمية وداخلية غير مواتية لنظام ولاية الفقيه. ففي حزيران 2025، كشفت الضربات الإسرائيلية عن اختراقٍ أمني واستخباراتي واسع للبلاد من قبل الموساد، أسفر عن استهداف عددٍ من قادة الصف الأول في الحرس الثوري الإيراني والعلماء النوويين البارزين، فضلاً عن قصف الولايات المتحدة لثلاثة مواقع نووية.  

وبهدف امتصاص السخط الشعبي، خفّفت الحكومة من قيود الحجاب واللباس المفروضة على النساء، وهو ما يراه البعض خطوة براغماتية، ويراه آخرون تنازلاً عن شعارات الثورة بما يهدّد سرديّاتها التأسيسية بصمت. وبينما تهمّ الحريّات شرائح من سكّان المدن الكبرى في الغالب، تشكّل التحديّات الاقتصادية التهديد الأكبر للنظام، الذي يشيع سخطاً عاماً يتجاوز حدود هموم الطبقة الوسطى المتعلّمة، حيث هبط الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته مسجّلاً 1.4 مليون ريال (144 ألف تومان) لكل دولارٍ أمريكي واحد. يشكّل هذا الهبوط تهديداً واضحاً للحكومة، من شأنه زعزعة استقرار كامل الشرق الأوسط، بما في ذلك دفع آلاف اللاجئين نحو العراق وتركيا.  

مع رفع العقوبات الدولية في أعقاب الاتفاق النووي في 2015، كان الدولار يعادل 32 ألف ريال، وبعد نقض الاتفاق في عام 2018 وعزل إيران مجدداً عن التجارة الدولية، هبط الريال ليصل إلى حدود 430 ألف ريال للدولار الواحد في عام 2022. وتفاقم الأمر مع الأضرار الهائلة التي طالت البنى التحتية لقطاع الطاقة في حرب حزيران 2025، واستنزاف خزين البلاد من العملة الصعبة. وبحسب مركز إيران الإحصائي (SCI)، فقد ارتفعت نسبة التضخّم في كانون الأول 2025 بنسبة 42.2 في المئة مقارنة بكانون الأول الماضي، وبنسبة 1.8 في المئة مقارنة بشهر تشرين الثاني. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72 بالمئة والمواد الطبية بنسبة 50 بالمئة مقارنة بكانون الأول 2024، وذلك بعد تطبيق الحكومة تسعيرة ثلاثية للبنزين أسفرت عن ارتفاع سعر اللتر إلى 50 ألف ريال وعرقلة خطوط الإمداد وارتفاع الأسعار. ولتخفيف “الأعباء الاقتصادية”، أعلنت الحكومة عن خطة لتقديم مبلغ مليوني ريال (نحو سبعة دولارات) لكل شخص ولمدة أربعة أشهر بهدف مواجهة الاحتجاجات.  

وتشهد إيران جفافاً حاداً أسفر عن جفاف 19 سداً رئيسياً وتسع بحيرات وأهوار جفافاً كاملاً أو جزئياً، منها بحيرات أورميه وبختغان وبريشان، ممّا دفع المسؤولين لبدء عمليات تلقيح السحب والحديث عن إخلاء العاصمة طهران، وهو ما لوّح به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، زاعماً رغبته في تقديم حلولٍ للأزمة في آب 2025، مكرراً رسالته المماثلة لعام 2018.  

تأتي هذه التظاهرات بعد تضعضع “محور المقاومة” وتلقّيه ضربات قوية في لبنان وغزّة واليمن، وخروجه من سوريا مع سقوط نظام بشّار الأسد، وتحيّيد العراق من خلال ضغوط أمريكية على الفصائل المسلحة، ممّا وضع حداً لشعار “وحدة الساحات” داخلياً وخارجياً، وانتشار الخلاص الفردي والوطني. انعكس هذا الأمر على شعارات التظاهرات التي طالبت صراحة بإسقاط الجمهورية الإسلامية، ملقية اللوم على النظام في إنفاق المليارات على صراعات خارجية، بينما انخفض معدل دخل الفرد الأدنى إلى نحو مئة دولار شهرياً، ومن شأن كل هذا أن ينحّي الشعارات الأيديولوجية للثورة الإسلامية ويدفنها تحت جبل الاحتياجات الواقعية للشعب.  

فرادة التظاهرات الراهنة في تاريخ إيران التظاهري 

في القرن الماضي، شهدت إيران العديد من التظاهرات والانقلابات، منها انقلاب شباط 1921 الذي أطاح بأحمد شاه، آخر الملوك القاجاريين، والانقلاب الذي دبّرته الولايات المتحدة الأمريكية في آب 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب محمّد مصدّق، وثورة شباط 1979 التي أتت بنظام ولاية الفقيه إلى السلطة.  

ورغم الطبيعة “البوليسية” لنظام الحكم في إيران، لم يستكن الشعب الإيراني ولم يتوقّف عن الاحتجاج حول العديد من قضايا الحريات أو الاقتصاد أو الهوية، وبينما يشهد العراق ثورات تزيد الصيف لهيباً، نجد أن تظاهرات إيران تحرّكها أشتيتها الباردة في الغالب.  

بدأ تاريخ التظاهر في إيران ما بعد الثورة مبكراً، عندما احتجّ الآلاف بعد أسبوعين من نجاحها في قلب نظام الحكم في طهران، رفضاً لقرار آية الله الخميني بفرض الحجاب، وما أعقبه من حظر للكحول وفصل بين الجنسين في الجامعات والمدارس والشواطئ، وقيود على بث الموسيقى في الراديو والتلفزيون. وبعد هدنة فرضتها ظروف الحرب مع العراق (1980-1988)، تخلّلتها هجمات مجاهدي خلق وتظاهرات اقتصادية متفرّقة، انتعش تاريخ الاحتجاج بتظاهراتٍ طلابية في عام 1999 احتجاجاً على إغلاق صحيفة سلام الإصلاحية، واحتجاجاتٍ طلابية ضد الرئيس محمّد خاتمي في 2003 للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية ليبرالية وبالاقتصاص لضحايا التظاهرات السابقة، واحتجاجات على فرض حصص لبيع الوقود في صيف 2007، والثورة الخضراء أو الربيع الفارسي احتجاجاً على فوز أحمدي نجاد بالرئاسة عام 2009، واحتجاجات يوم الغضب في شباط 2011 تأثراً بثورات الربيع العربي في تونس ومصر، وثورة قورش العظيم القومية المعادية للنظام الإسلامي في عام 2016، حيث تجمّع أنصار الملكية عند ضريح قورش الكبير، ممّا حدا بالحكومة لحظر الاحتفالات بيوم قورش في السنوات اللاحقة، والاحتجاجات ضد الغلاء في 2017-2018، والاحتجاجات على زيادة أسعار البنزين في عام 2019، واحتجاجات إسقاط رحلة الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية 752 من قبل الحرس الثوري الإيراني في كانون الثاني 2020، واحتجاجات خوزستان ضد نقص المياه في نهر الكارون في تموز 2021، وتوسّعها ضد ارتفاع أسعار المواد الأساسية، مثل الخبز والمعكرونة، في أيار 2022، واحتجاجات أيلول 2022 عقب مقتل الشابة الإيرانية الكردية مهسّا أميني، بعد تعرّضها للضرب المبرّح أثناء احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، وما أعقب ذلك من خضوع الحكومة وتخفيف القيود على فرض الحجاب، واحتجاجات نقص المياه في صيف 2025.  

مع صعوبة تحديد حجم التظاهرات الراهنة، إلّا أن النظام الإيراني نجا من تظاهراتٍ ضخمة ومليونية، منها الثورة الخضراء واحتجاجات حرية النساء بعد مقتل مهسّا أميني، وذلك من خلال أسلوب الردع والاحتواء، حيث يبرع النظام في المناورة بحسب الظروف، معتمداً على جمهوره على الأرض وتخوين المتظاهرين بربطهم بأجندات خارجية، ويساهم إيرانيون في الخارج في تدعيم هذه السردية برفع أعلام إسرائيل نكاية بالنظام وسرديّته واستعطافاً لإسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن التصريحات الإسرائيلية والأمريكية كل مرّة عن دعم المتظاهرين ممّا يساهم في ثني فئات أخرى من الإيرانيين عن المشاركة.  

مع ذلك، لا يبدو أن هذه التظاهرات ستمرّ مرور الكرام، لا سيما مع زيادة وتيرة التظاهرات في العقد الأخير من عمر الثورة، واتساع نطاقها رغم التعتيم، فضلاً عن التلويح بالدعم الغربي واحتمال توجيه ضربة إسرائيلية للبلاد، وتضعضع محور المقاومة وسرديّاته -وربّما كانت حروب الوكالة تلك وسيلة إضافية لاستدراج إيران وإنهاكها وزيادة عزلتها بعد تأجيج التكتلات الطائفية- وتدهور الاقتصاد إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وتآكل شعارات النظام المحافظة، التي قد تعكس ضعفاً لا محاولة ذاتية للانفتاح والتغيير.   

ما يميّز هذه التظاهرات أيضاً انخراط البازار فيها، حيث أغلق التجّار وأصحاب المتاجر محالّهم وتجمّعوا في الشوارع، احتجاجاً على الانهيار غير المسبوق في سعر الريال وارتفاع أسعار العملات والذهب، وكان للبازار دورٌ بارز في تظاهرات عام 1979، وهذا يطرح سؤالاً فيما إذا كان البازار سيطيح بمن أتى بهم قبل 47 عاماً. وشملت شعارات هذه التظاهرات المطالبة بالحرية (آزادى) والموت للدكتاتور وسقوط المرشد الأعلى علي خامنئي. كما رفع بعض المحتجين صور ولي العهد المنفي رضا بهلوي، الذي وجّه رسالة للمتظاهرين وطالب الولايات المتحدة بالتدخّل منذ حرب حزيران مع إسرائيل. وربّما يعمل الشاه كرمز لتوحيد المتظاهرين، في ظل غياب الرموز، وهو ما كان من نصيب الخميني في ثورة عام 1979، التي أطاحت بأسلافه، حيث التفّ الناس حوله كرمز مجرّد، وليس اتفاقاً كاملاً حول خطابه الإسلامي.  

وبينما كانت تظاهرات 2022 محصورة بالفئات الأكثر ليبرالية وعلمانية من المجتمع، وهم خصوم النظام الدائمين، فإن طابع المظالم الاقتصادية لهذه التظاهرات يجعلها أكثر شمولاً وعابرة للطبقات والتوجّهات الأيديولوجية، وهذا ما يفسّر اتساعها منذ البداية لتشمل المدن الكبرى -طهران وأصفهان ومشهد وهمدان- فضلاً عن تحريك الطلاب والعمّال والنساء والأقليات العرقية بسبب المصاعب المعيشية.  

ومع ضعف صورة إيران إقليمياً، كرّر دونالد ترامب تهديداته بقصفها مرة أخرى أو التدخّل في حال سقوط المزيد من الضحايا، فيما كرّر نتنياهو عزمه منع إيران من إعادة بناء قدراتها البالستية. ويأتي هذا بالتزامن مع اعتقال قوات دلتا الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره في العاصمة كاراكاس مطلع هذا العام، في إشارة للهيمنة الأمريكية وضربها بقواعد القانون الدولي عرض الحائط، وتعزيز مبدأ “السلام عبر القوة”، الذي يتجلّى في تهديدات ترامب المتكرّرة لكلٍ من كوبا وكولومبيا وإيران، وهجماته على الصوماليين، وإعلان نيّته ضم جزيرة غرينلاند، واحتلال مضيق بنما. وهذا يجعل تظاهرات اليوم مختلفة عن التظاهرات في عهد جو بايدن، عندما كانت إيران تُحكم قبضتها على محورها وتمتلك برنامجاً نووياً فعّالاً.  

وشهدت الساحة حروباً إعلامية في أعقاب خطف مادورو، حليف إيران المقرّب منذ أيّام سلفه هوغو تشافيز، من قبيل نشر إيلون ماسك تغريدة ساخرة تؤيد تعيين ماركو روبيو رئيساً لفنزويلا وكوبا وملكاً لإيران، وقد أثار ذلك موجة استياء في صفوف الإيرانيين المعارضين أيضاً، فضلاً عن اليساريين المعاديين للاستعمار والإمبريالية، وقد دخل ماسك في مصادمات إلكترونية مع المرشد علي خامنئي على منصة X.  

إيران ما بعد الفقيه: الضد النوعي 

رغم صعوبة التكهنات بسقوط النظام، لكن التاريخ ينبئنا ألّا نظام أبديّ، وأنّ أعتى الإمبراطوريات والأنظمة الشمولية قد سقطت سقوطاً مدويّاً ومفاجئاً، وهذا ينقلنا للتفكير في مصير إيران ما بعد المرشد.  

غالباً ما يعقب سقوط الأنظمة الشمولية، التي تقمع العمل السياسي المعارض في الداخل، الفوضى ما إن يتهاوى رأس النظام، وهذا ما حدث في العراق عام 2003 وفي ليبيا عام 2011، فيما اندلع الاقتتال الأهلي في سوريا قُبيل سقوط النظام، وبعد سقوطه في أواخر 2024، لم تنته المشكلات ولا تزال البلاد مقسّمة مع صراعاتٍ مؤجّلة مع الكرد في شمال شرقي البلاد، والدروز في السويداء جنوبيّها، بالإضافة إلى ما يتعرّض له العلويون من انتهاكات في الساحل.  

من المتوقّع أن تواجه إيران مصيراً مماثلاً مع تفجّر المشكلات التي يخفيها نظامها الشمولي، ومن المتوقّع أن يلجأ الغرب إلى دعم المعارضة في الخارج لقيادة إيران في المرحلة الانتقالية، تماماً كما حدث مع المعارضة العراقية في عام 2003، وقد تتكرّر نماذج المحاصصة اللبنانية والعراقية، التي يُراد تطبيقها في سوريا أيضاً، بحجّة تمثيل الجميع، وبالتالي خلق أنظمة برلمانية غارقة في النزاعات الداخلية وعاجزة عن التأثير إقليمياً. قد يعني سقوط النظام طفو المطالب العرقية إلى السطح، لا سيما أن الفرس يشكّلون 61 في المئة من السكان، إلى جانب أقليات كبرى مثل الأذر في الشمال (16 بالمئة)، ويعدّون تبريز عاصمتهم التاريخية، والكُرد في الشمال الغربي (10 بالمئة)، واللُر (6 بالمئة)، والعرب (2 بالمئة) في الجنوب الشرقي المحاذي للعراق والخليج، والبلوش (2 بالمئة)، والتركمان (2 بالمئة) وغيرهم. قد يؤدّي الوضع لتفجّر المطالب القومية بالانفصال أو الحكم الذاتي، وفي أسوأ السيناريوهات قد يؤدي ذلك إلى تقسيم البلاد.  

من الواضح أيضاً تصاعد المدّ العلماني في إيران الجديدة، بل هنالك تحوّل يتمثّل في تبنّي الهوية الفارسية قبل الإسلامية، ومحاولات إنعاش الزرادشتية، بل والتحوّل إلى المسيحية داخل وخارج إيران، في تعبيرٍ عن النفور الشعبي من النظام الثيوقراطي. وبينما ساد إيران النفور من التغريب الذي مارسه الشاه، مع محاولات لمقاومته من خلال دعوات المحافظة على الجذور، وهي دعوات تلقفتها حتى التيارات المتعلّمة في الغرب حينها، يحاول بعض الفرس اليوم إثبات تحضّرهم من خلال ربط أنفسهم بالغرب، والنأي عن أي صلة تربطهم بالإسلام والعرب والأفغان. وكما حدث من تحوّل الأمميّين الملحدين في دول الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا ويوغسلافيا السابقة إلى القومية والدين (الأرثوذكسية، الكاثوليكية، الإسلام) في أعقاب سقوط الشيوعية، وكما نفر العراقيون والسوريون من الشعارات القومية العربية وتقاربوا مع إيران وتركيا على التوالي في أعقاب سقوط أنظمة البعث، يتوقّع أن ينقلب الإيرانيّون إلى النقيض النوعي للثيوقراطية الشيعية لتصبح العمامة موضع ازدراء وهجوم، ولا يعني هذا انتقالاً سهلاً من دون اصطدامات، ولكن الدين سيغدو سجيناً في إيران الجديدة ذات النفس القومي العلماني، وسيفجّر هذا مشكلات عرقية ومذهبية للأقليّات.  

من المتوقّع أن تتقارب إيران الجديدة مع إسرائيل بسرعة، حيث إن النفور من الحديث عن القضية الفلسطينية -وهو ما شهده العراق وسوريا قبيل سقوط نظامي البعث- نتيجة لاستغلال الأنظمة فلسطين والفلسطينيين كأسباب للقمع والجوع، سيدفعهم لفعل نقيض ما فعله نظام المرشد.  

وكما لم يكتفِ البعثيّون في العراق بالسكوت ودخلوا في صراعاتٍ مع العراق الجديد، وتسربلوا بشعاراتٍ دينية وجماعات مسلحة سُنية لمعاكسة الخطاب الديني الشيعي للحكّام الجدد، وكما يحاول بقايا النظام السوري إثارة المشكلات في الساحل وبعض مناطق سوريا حسب بعض المواقع الإخبارية، لن يركن بقايا النظام الإيراني إلى السكوت سريعاً من دون مقاومة وإثارة فوضى للدفاع عن مكتسبات خمسة عقودٍ من السلطة. 

شرق أوسط جديد: الاضطراب المريح لإسرائيل 

تعدّ إيران من بين الدول المصدّرة للمهاجرين، ففي عام 2020 سُجّل نحو نصف مليون إيراني في أوروبا، أكثر من 470 ألفاً منهم في بلدان غرب وشمال أوروبا، بحسب إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية (UNDESA)، وسُجل أكثر من 39 ألف لاجئ إيراني في تركيا عام 2019، وتضاعف العدد إلى 69 ألفاً بحلول العام 2020. من المتوقع أن يتضاعف عدد اللاجئين الإيرانيين بسبب الصعوبات المعيشية حتّى في حال بقاء النظام، حيث أجبر قطع التمويل أكثر من 256 ألف مهاجر أفغاني غير مسجّل على ترك إيران بحسب منظمة الهجرة الدولية (IOM). لكن أيّ فوضى عرقية أو أمنية في إيران ما بعد الفقيه قد تجرّ المنطقة إلى دوّامة هجرة جديدة، على نحو ما حدث في أعقاب غزو العراق وثورات “الربيع العربي” في سوريا وليبيا، وستدفع تركيا وأوروبا الثمن الأكبر وسط صعوباتٍ اقتصادية وخطابات عنصرية مستعرة في كلا الحالتين.  

ومن ناحية أمنية، قد يكون للفوضى في إيران ونشوء أية جماعات مسلّحة آثارها على دول المنطقة ولا سيما العراق، وقد يكون لأي مشكلات عرقية في كردستان إيران آثارها على إقليم كردستان العراق وتركيا وسوريا.  

مع ذلك، قد يجعل غياب نظام ولاية الفقيه حزب الله في لبنان في موقفٍ أضعف، ويصبح معزولاً في محيطه الداخلي، فيما يشعر العلويون في الساحل السوري بالإحباط، رغم وجود محاولات محدودة لتعزيز ربط الطائفة بالشيعة الجعفرية، فيما تحاول أوساط أكثر علمانية التواصل مع بدائل غير منطقية في قبرص واليونان وحتّى إسرائيل. ورغم امتلاك الحوثيين للسلاح إلّا أن غياب إيران المرشد قد يعيدهم إلى العزلة، لا سيما مع الاشتباكات السعودية-الإماراتية غير المباشرة في جنوب اليمن، ومحاولات دعم انفصال اليمن الجنوبي مقابل المحاولة السعودية للهيمنة على كل اليمن عدا المناطق الحوثية غربي البلاد، ما قد يغير موازين الخليج والمنطقة، ومع محاولات إسرائيل مد بساطها في محيط مضيق عدن في اليمن الجنوبي، وجمهورية أرض الصومال التي أعلنت الاعتراف بها في 26 كانون الأول 2025، لتكون أول دولة تعترف بالإقليم دولة مستقلة.  

بالنسبة لإسرائيل، سيكون تقسيم إيران أو غرقها في مشكلاتها الخاصة أو قيام نظام برلماني معطّل، مع عزل حلفائها السابقين، موضع ترحيب، ناهيك عن احتمال قيام نظام شديد القرب منها ومن الغرب.  

العراق وإيران الجديدة 

مع حدودٍ برية تزيد عن 1,599 كم بين العراق وجارته الشرقية إيران، لن يكون التغيير فيها من دون ارتدادات تُحس في العمق العراقي، سواء من ناحية هجراتٍ متوقّعة لأنصار النظام الحالي غالباً، وحتّى الهزّات الأمنية والعرقية وربّما الإرهابية.  

سيترك سقوط النظام الأحزاب الشيعية العراقية في حالة صدمة، ويجعلها أمام سيناريوهين، إما الاستسلام لمطالب الولايات المتحدّة أو تحدّيها. قد ترى الأحزاب الشيعية ألّا سبيل للحفاظ على السلطة سوى التماهي التام مع المطالب الأمريكية -وهو ما ينتهجه البعض منذ الآن- أو قد يميل البعض لفكرة تشكيل الإقليم الشيعي جنوبي البلاد، لتفادي المزيد من الخسائر، لا سيما أن العراق سيصبح محاصراً من جميع الجهات بكياناتٍ جديدة لا تكنّ مشاعر طيبة للحكومة، وقد تزداد العلاقات سوءاً مع إيران الجديدة إذا ما قرّرت الميليشيات الانخراط في قمع التظاهرات الإيرانية، وهو أمرٌ مستبعد، حيث لم تتدخّل في سوريا لحماية بشّار الأسد في أواخر 2024. وقد تختار الأحزاب الشيعية تخفيف نبرة الحديث عن المذاهب والتوجّه لخطابٍ عراقي جامع تحت مظلة المواطنة يقلّل الاحتقان ويخلّص البلاد من شبح التغيير، مع زيادة ثقة الكُرد والسُنة بقدراتهم، رغم أن هناك صعوبات في رأب الصدع بعد شيوع الخطابات والصراعات الطائفية طوال العقدين المنصرمين، وموت الإيمان بالدولة الوطنية في نفوس العديد من أبناء الشرق الأوسط.  

بخلاف ذلك، قد ترى الفصائل الشيعية أن نزع السلاح يعني تسليم رقابهم لجلاديهم المحتملين، وبالتالي ترفض بعض هذه الفصائل ذلك، ما قد يسفر عن فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على البنوك والفصائل والشخصيات العراقية، وارتفاع احتمال تنفيذ ضرباتٍ جويّة أمريكية، لكنّ الخوف الناجم من سقوط النظام الإيراني -الذي عملَ كضمان لمنع أي اقتتال شيعي داخلي سابقاً- قد يجرّ الأحزاب لقراراتٍ أكثر براغماتية تركّز على النجاة الفردية.  

ينقسم العراقيون في مشاعرهم حيال إيران، حيث يرى بعضهم أنها العدو الأزلي للبلاد عبر العصور، ويربطون ذلك بالتاريخ القديم وسقوط أور ونينوى وبابل عام 539 قبل الميلاد وحرب الأعوام الثمانية، ويرى آخرون أن إيران عمق حضاري للعراق وأنه “لا يمكن الفراق” بين البلدين. وفي جميع الأحوال، لم يكن العراق بمنأى عن التدخلات الإيرانية في عهد الشاه كما في عهد الخميني، ولا يستبعد أن تستمر التدخلات في العهد القومي المحتَمَل ما إن يستتبّ لهم الأمن.  

مع قيام نظام علماني قوي أو هشّ وموالٍ للغرب في إيران قد تجد الأحزاب الشيعية العراقية نفسها مضطرة للتعاون مع نظامٍ لا تحبّذه، ولها ماضٍ سيء مع بعض أطرافه، مثل مجاهدي خلق الذين طردتهم الأحزاب من العراق بعد أن آواهم نظام صدام حسين لعقود. قد يجد العراق نفسه محاصراً بين إيران وسوريا، وقد يحاول مد جسورٍ خجولة مع الحكّام الجدد -كما فعل مع حكومة دمشق- ولكنّ العلاقات ستبقى متحفّظة وتراقب احتمال انتقال عدوى التغيير العاصف إلى الداخل العراقي، وقد تكون العزلة أشد إذا ما حاول النظام الجديد التقرّب من إسرائيل ومقاطعة العراقيين، في سعيٍ حثيث لإعلان القطيعة مع ماضي نظام ولاية الفقيه وعلاقاته.

تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

بعد عامين عصيبين واحتكاكات صاروخية وحربٍ مع إسرائيل، أبت إيران أن تبارح العام 2025 بهدوء، حيث غصّت شوارع عددٍ من المدن الإيرانية بأصحاب المتاجر صبيحة 28 كانون الأول، احتجاجاً على التدهور الاقتصادي الحاد وهبوط أسعار صرف الريال الإيراني إلى أدنى مستوياتها، وسط تفاقم الصعوبات المعيشية بسبب العقوبات الأمريكية على البلاد.  

وفي يومها العاشر، اتسعت دائرة التظاهرات مع انضمام طلاب الجامعات إلى صفوفها لتشمل 222 موقعاً في 78 مدينة، ضمن 26 محافظة من محافظات البلاد الواحدة والثلاثين. أسفرت الاحتجاجات خلال عشرة أيام عن مقتل ما لا يقل عن 19 متظاهراً، منهم ثلاثة قاصرين وعنصر من عناصر قوى الأمن، واعتقال نحو ألف شخص بحسب منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (HRAI)، ومقرّها الولايات المتحدة. مع ذلك، تبقى المعلومات ومقاطع الفيديو المتاحة عن التظاهرات محدودة، ويصعب تحديد حجمها الحقيقي بسبب التعتيم وما يواجهه الصحفيون من قيود في إيران. 

شتاء إيران الساخن: احتجاجات وجفاف  

تأتي هذه التظاهرات في ظل أوضاعٍ إقليمية وداخلية غير مواتية لنظام ولاية الفقيه. ففي حزيران 2025، كشفت الضربات الإسرائيلية عن اختراقٍ أمني واستخباراتي واسع للبلاد من قبل الموساد، أسفر عن استهداف عددٍ من قادة الصف الأول في الحرس الثوري الإيراني والعلماء النوويين البارزين، فضلاً عن قصف الولايات المتحدة لثلاثة مواقع نووية.  

وبهدف امتصاص السخط الشعبي، خفّفت الحكومة من قيود الحجاب واللباس المفروضة على النساء، وهو ما يراه البعض خطوة براغماتية، ويراه آخرون تنازلاً عن شعارات الثورة بما يهدّد سرديّاتها التأسيسية بصمت. وبينما تهمّ الحريّات شرائح من سكّان المدن الكبرى في الغالب، تشكّل التحديّات الاقتصادية التهديد الأكبر للنظام، الذي يشيع سخطاً عاماً يتجاوز حدود هموم الطبقة الوسطى المتعلّمة، حيث هبط الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته مسجّلاً 1.4 مليون ريال (144 ألف تومان) لكل دولارٍ أمريكي واحد. يشكّل هذا الهبوط تهديداً واضحاً للحكومة، من شأنه زعزعة استقرار كامل الشرق الأوسط، بما في ذلك دفع آلاف اللاجئين نحو العراق وتركيا.  

مع رفع العقوبات الدولية في أعقاب الاتفاق النووي في 2015، كان الدولار يعادل 32 ألف ريال، وبعد نقض الاتفاق في عام 2018 وعزل إيران مجدداً عن التجارة الدولية، هبط الريال ليصل إلى حدود 430 ألف ريال للدولار الواحد في عام 2022. وتفاقم الأمر مع الأضرار الهائلة التي طالت البنى التحتية لقطاع الطاقة في حرب حزيران 2025، واستنزاف خزين البلاد من العملة الصعبة. وبحسب مركز إيران الإحصائي (SCI)، فقد ارتفعت نسبة التضخّم في كانون الأول 2025 بنسبة 42.2 في المئة مقارنة بكانون الأول الماضي، وبنسبة 1.8 في المئة مقارنة بشهر تشرين الثاني. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72 بالمئة والمواد الطبية بنسبة 50 بالمئة مقارنة بكانون الأول 2024، وذلك بعد تطبيق الحكومة تسعيرة ثلاثية للبنزين أسفرت عن ارتفاع سعر اللتر إلى 50 ألف ريال وعرقلة خطوط الإمداد وارتفاع الأسعار. ولتخفيف “الأعباء الاقتصادية”، أعلنت الحكومة عن خطة لتقديم مبلغ مليوني ريال (نحو سبعة دولارات) لكل شخص ولمدة أربعة أشهر بهدف مواجهة الاحتجاجات.  

وتشهد إيران جفافاً حاداً أسفر عن جفاف 19 سداً رئيسياً وتسع بحيرات وأهوار جفافاً كاملاً أو جزئياً، منها بحيرات أورميه وبختغان وبريشان، ممّا دفع المسؤولين لبدء عمليات تلقيح السحب والحديث عن إخلاء العاصمة طهران، وهو ما لوّح به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، زاعماً رغبته في تقديم حلولٍ للأزمة في آب 2025، مكرراً رسالته المماثلة لعام 2018.  

تأتي هذه التظاهرات بعد تضعضع “محور المقاومة” وتلقّيه ضربات قوية في لبنان وغزّة واليمن، وخروجه من سوريا مع سقوط نظام بشّار الأسد، وتحيّيد العراق من خلال ضغوط أمريكية على الفصائل المسلحة، ممّا وضع حداً لشعار “وحدة الساحات” داخلياً وخارجياً، وانتشار الخلاص الفردي والوطني. انعكس هذا الأمر على شعارات التظاهرات التي طالبت صراحة بإسقاط الجمهورية الإسلامية، ملقية اللوم على النظام في إنفاق المليارات على صراعات خارجية، بينما انخفض معدل دخل الفرد الأدنى إلى نحو مئة دولار شهرياً، ومن شأن كل هذا أن ينحّي الشعارات الأيديولوجية للثورة الإسلامية ويدفنها تحت جبل الاحتياجات الواقعية للشعب.  

فرادة التظاهرات الراهنة في تاريخ إيران التظاهري 

في القرن الماضي، شهدت إيران العديد من التظاهرات والانقلابات، منها انقلاب شباط 1921 الذي أطاح بأحمد شاه، آخر الملوك القاجاريين، والانقلاب الذي دبّرته الولايات المتحدة الأمريكية في آب 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب محمّد مصدّق، وثورة شباط 1979 التي أتت بنظام ولاية الفقيه إلى السلطة.  

ورغم الطبيعة “البوليسية” لنظام الحكم في إيران، لم يستكن الشعب الإيراني ولم يتوقّف عن الاحتجاج حول العديد من قضايا الحريات أو الاقتصاد أو الهوية، وبينما يشهد العراق ثورات تزيد الصيف لهيباً، نجد أن تظاهرات إيران تحرّكها أشتيتها الباردة في الغالب.  

بدأ تاريخ التظاهر في إيران ما بعد الثورة مبكراً، عندما احتجّ الآلاف بعد أسبوعين من نجاحها في قلب نظام الحكم في طهران، رفضاً لقرار آية الله الخميني بفرض الحجاب، وما أعقبه من حظر للكحول وفصل بين الجنسين في الجامعات والمدارس والشواطئ، وقيود على بث الموسيقى في الراديو والتلفزيون. وبعد هدنة فرضتها ظروف الحرب مع العراق (1980-1988)، تخلّلتها هجمات مجاهدي خلق وتظاهرات اقتصادية متفرّقة، انتعش تاريخ الاحتجاج بتظاهراتٍ طلابية في عام 1999 احتجاجاً على إغلاق صحيفة سلام الإصلاحية، واحتجاجاتٍ طلابية ضد الرئيس محمّد خاتمي في 2003 للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية ليبرالية وبالاقتصاص لضحايا التظاهرات السابقة، واحتجاجات على فرض حصص لبيع الوقود في صيف 2007، والثورة الخضراء أو الربيع الفارسي احتجاجاً على فوز أحمدي نجاد بالرئاسة عام 2009، واحتجاجات يوم الغضب في شباط 2011 تأثراً بثورات الربيع العربي في تونس ومصر، وثورة قورش العظيم القومية المعادية للنظام الإسلامي في عام 2016، حيث تجمّع أنصار الملكية عند ضريح قورش الكبير، ممّا حدا بالحكومة لحظر الاحتفالات بيوم قورش في السنوات اللاحقة، والاحتجاجات ضد الغلاء في 2017-2018، والاحتجاجات على زيادة أسعار البنزين في عام 2019، واحتجاجات إسقاط رحلة الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية 752 من قبل الحرس الثوري الإيراني في كانون الثاني 2020، واحتجاجات خوزستان ضد نقص المياه في نهر الكارون في تموز 2021، وتوسّعها ضد ارتفاع أسعار المواد الأساسية، مثل الخبز والمعكرونة، في أيار 2022، واحتجاجات أيلول 2022 عقب مقتل الشابة الإيرانية الكردية مهسّا أميني، بعد تعرّضها للضرب المبرّح أثناء احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، وما أعقب ذلك من خضوع الحكومة وتخفيف القيود على فرض الحجاب، واحتجاجات نقص المياه في صيف 2025.  

مع صعوبة تحديد حجم التظاهرات الراهنة، إلّا أن النظام الإيراني نجا من تظاهراتٍ ضخمة ومليونية، منها الثورة الخضراء واحتجاجات حرية النساء بعد مقتل مهسّا أميني، وذلك من خلال أسلوب الردع والاحتواء، حيث يبرع النظام في المناورة بحسب الظروف، معتمداً على جمهوره على الأرض وتخوين المتظاهرين بربطهم بأجندات خارجية، ويساهم إيرانيون في الخارج في تدعيم هذه السردية برفع أعلام إسرائيل نكاية بالنظام وسرديّته واستعطافاً لإسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن التصريحات الإسرائيلية والأمريكية كل مرّة عن دعم المتظاهرين ممّا يساهم في ثني فئات أخرى من الإيرانيين عن المشاركة.  

مع ذلك، لا يبدو أن هذه التظاهرات ستمرّ مرور الكرام، لا سيما مع زيادة وتيرة التظاهرات في العقد الأخير من عمر الثورة، واتساع نطاقها رغم التعتيم، فضلاً عن التلويح بالدعم الغربي واحتمال توجيه ضربة إسرائيلية للبلاد، وتضعضع محور المقاومة وسرديّاته -وربّما كانت حروب الوكالة تلك وسيلة إضافية لاستدراج إيران وإنهاكها وزيادة عزلتها بعد تأجيج التكتلات الطائفية- وتدهور الاقتصاد إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وتآكل شعارات النظام المحافظة، التي قد تعكس ضعفاً لا محاولة ذاتية للانفتاح والتغيير.   

ما يميّز هذه التظاهرات أيضاً انخراط البازار فيها، حيث أغلق التجّار وأصحاب المتاجر محالّهم وتجمّعوا في الشوارع، احتجاجاً على الانهيار غير المسبوق في سعر الريال وارتفاع أسعار العملات والذهب، وكان للبازار دورٌ بارز في تظاهرات عام 1979، وهذا يطرح سؤالاً فيما إذا كان البازار سيطيح بمن أتى بهم قبل 47 عاماً. وشملت شعارات هذه التظاهرات المطالبة بالحرية (آزادى) والموت للدكتاتور وسقوط المرشد الأعلى علي خامنئي. كما رفع بعض المحتجين صور ولي العهد المنفي رضا بهلوي، الذي وجّه رسالة للمتظاهرين وطالب الولايات المتحدة بالتدخّل منذ حرب حزيران مع إسرائيل. وربّما يعمل الشاه كرمز لتوحيد المتظاهرين، في ظل غياب الرموز، وهو ما كان من نصيب الخميني في ثورة عام 1979، التي أطاحت بأسلافه، حيث التفّ الناس حوله كرمز مجرّد، وليس اتفاقاً كاملاً حول خطابه الإسلامي.  

وبينما كانت تظاهرات 2022 محصورة بالفئات الأكثر ليبرالية وعلمانية من المجتمع، وهم خصوم النظام الدائمين، فإن طابع المظالم الاقتصادية لهذه التظاهرات يجعلها أكثر شمولاً وعابرة للطبقات والتوجّهات الأيديولوجية، وهذا ما يفسّر اتساعها منذ البداية لتشمل المدن الكبرى -طهران وأصفهان ومشهد وهمدان- فضلاً عن تحريك الطلاب والعمّال والنساء والأقليات العرقية بسبب المصاعب المعيشية.  

ومع ضعف صورة إيران إقليمياً، كرّر دونالد ترامب تهديداته بقصفها مرة أخرى أو التدخّل في حال سقوط المزيد من الضحايا، فيما كرّر نتنياهو عزمه منع إيران من إعادة بناء قدراتها البالستية. ويأتي هذا بالتزامن مع اعتقال قوات دلتا الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره في العاصمة كاراكاس مطلع هذا العام، في إشارة للهيمنة الأمريكية وضربها بقواعد القانون الدولي عرض الحائط، وتعزيز مبدأ “السلام عبر القوة”، الذي يتجلّى في تهديدات ترامب المتكرّرة لكلٍ من كوبا وكولومبيا وإيران، وهجماته على الصوماليين، وإعلان نيّته ضم جزيرة غرينلاند، واحتلال مضيق بنما. وهذا يجعل تظاهرات اليوم مختلفة عن التظاهرات في عهد جو بايدن، عندما كانت إيران تُحكم قبضتها على محورها وتمتلك برنامجاً نووياً فعّالاً.  

وشهدت الساحة حروباً إعلامية في أعقاب خطف مادورو، حليف إيران المقرّب منذ أيّام سلفه هوغو تشافيز، من قبيل نشر إيلون ماسك تغريدة ساخرة تؤيد تعيين ماركو روبيو رئيساً لفنزويلا وكوبا وملكاً لإيران، وقد أثار ذلك موجة استياء في صفوف الإيرانيين المعارضين أيضاً، فضلاً عن اليساريين المعاديين للاستعمار والإمبريالية، وقد دخل ماسك في مصادمات إلكترونية مع المرشد علي خامنئي على منصة X.  

إيران ما بعد الفقيه: الضد النوعي 

رغم صعوبة التكهنات بسقوط النظام، لكن التاريخ ينبئنا ألّا نظام أبديّ، وأنّ أعتى الإمبراطوريات والأنظمة الشمولية قد سقطت سقوطاً مدويّاً ومفاجئاً، وهذا ينقلنا للتفكير في مصير إيران ما بعد المرشد.  

غالباً ما يعقب سقوط الأنظمة الشمولية، التي تقمع العمل السياسي المعارض في الداخل، الفوضى ما إن يتهاوى رأس النظام، وهذا ما حدث في العراق عام 2003 وفي ليبيا عام 2011، فيما اندلع الاقتتال الأهلي في سوريا قُبيل سقوط النظام، وبعد سقوطه في أواخر 2024، لم تنته المشكلات ولا تزال البلاد مقسّمة مع صراعاتٍ مؤجّلة مع الكرد في شمال شرقي البلاد، والدروز في السويداء جنوبيّها، بالإضافة إلى ما يتعرّض له العلويون من انتهاكات في الساحل.  

من المتوقّع أن تواجه إيران مصيراً مماثلاً مع تفجّر المشكلات التي يخفيها نظامها الشمولي، ومن المتوقّع أن يلجأ الغرب إلى دعم المعارضة في الخارج لقيادة إيران في المرحلة الانتقالية، تماماً كما حدث مع المعارضة العراقية في عام 2003، وقد تتكرّر نماذج المحاصصة اللبنانية والعراقية، التي يُراد تطبيقها في سوريا أيضاً، بحجّة تمثيل الجميع، وبالتالي خلق أنظمة برلمانية غارقة في النزاعات الداخلية وعاجزة عن التأثير إقليمياً. قد يعني سقوط النظام طفو المطالب العرقية إلى السطح، لا سيما أن الفرس يشكّلون 61 في المئة من السكان، إلى جانب أقليات كبرى مثل الأذر في الشمال (16 بالمئة)، ويعدّون تبريز عاصمتهم التاريخية، والكُرد في الشمال الغربي (10 بالمئة)، واللُر (6 بالمئة)، والعرب (2 بالمئة) في الجنوب الشرقي المحاذي للعراق والخليج، والبلوش (2 بالمئة)، والتركمان (2 بالمئة) وغيرهم. قد يؤدّي الوضع لتفجّر المطالب القومية بالانفصال أو الحكم الذاتي، وفي أسوأ السيناريوهات قد يؤدي ذلك إلى تقسيم البلاد.  

من الواضح أيضاً تصاعد المدّ العلماني في إيران الجديدة، بل هنالك تحوّل يتمثّل في تبنّي الهوية الفارسية قبل الإسلامية، ومحاولات إنعاش الزرادشتية، بل والتحوّل إلى المسيحية داخل وخارج إيران، في تعبيرٍ عن النفور الشعبي من النظام الثيوقراطي. وبينما ساد إيران النفور من التغريب الذي مارسه الشاه، مع محاولات لمقاومته من خلال دعوات المحافظة على الجذور، وهي دعوات تلقفتها حتى التيارات المتعلّمة في الغرب حينها، يحاول بعض الفرس اليوم إثبات تحضّرهم من خلال ربط أنفسهم بالغرب، والنأي عن أي صلة تربطهم بالإسلام والعرب والأفغان. وكما حدث من تحوّل الأمميّين الملحدين في دول الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا ويوغسلافيا السابقة إلى القومية والدين (الأرثوذكسية، الكاثوليكية، الإسلام) في أعقاب سقوط الشيوعية، وكما نفر العراقيون والسوريون من الشعارات القومية العربية وتقاربوا مع إيران وتركيا على التوالي في أعقاب سقوط أنظمة البعث، يتوقّع أن ينقلب الإيرانيّون إلى النقيض النوعي للثيوقراطية الشيعية لتصبح العمامة موضع ازدراء وهجوم، ولا يعني هذا انتقالاً سهلاً من دون اصطدامات، ولكن الدين سيغدو سجيناً في إيران الجديدة ذات النفس القومي العلماني، وسيفجّر هذا مشكلات عرقية ومذهبية للأقليّات.  

من المتوقّع أن تتقارب إيران الجديدة مع إسرائيل بسرعة، حيث إن النفور من الحديث عن القضية الفلسطينية -وهو ما شهده العراق وسوريا قبيل سقوط نظامي البعث- نتيجة لاستغلال الأنظمة فلسطين والفلسطينيين كأسباب للقمع والجوع، سيدفعهم لفعل نقيض ما فعله نظام المرشد.  

وكما لم يكتفِ البعثيّون في العراق بالسكوت ودخلوا في صراعاتٍ مع العراق الجديد، وتسربلوا بشعاراتٍ دينية وجماعات مسلحة سُنية لمعاكسة الخطاب الديني الشيعي للحكّام الجدد، وكما يحاول بقايا النظام السوري إثارة المشكلات في الساحل وبعض مناطق سوريا حسب بعض المواقع الإخبارية، لن يركن بقايا النظام الإيراني إلى السكوت سريعاً من دون مقاومة وإثارة فوضى للدفاع عن مكتسبات خمسة عقودٍ من السلطة. 

شرق أوسط جديد: الاضطراب المريح لإسرائيل 

تعدّ إيران من بين الدول المصدّرة للمهاجرين، ففي عام 2020 سُجّل نحو نصف مليون إيراني في أوروبا، أكثر من 470 ألفاً منهم في بلدان غرب وشمال أوروبا، بحسب إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية (UNDESA)، وسُجل أكثر من 39 ألف لاجئ إيراني في تركيا عام 2019، وتضاعف العدد إلى 69 ألفاً بحلول العام 2020. من المتوقع أن يتضاعف عدد اللاجئين الإيرانيين بسبب الصعوبات المعيشية حتّى في حال بقاء النظام، حيث أجبر قطع التمويل أكثر من 256 ألف مهاجر أفغاني غير مسجّل على ترك إيران بحسب منظمة الهجرة الدولية (IOM). لكن أيّ فوضى عرقية أو أمنية في إيران ما بعد الفقيه قد تجرّ المنطقة إلى دوّامة هجرة جديدة، على نحو ما حدث في أعقاب غزو العراق وثورات “الربيع العربي” في سوريا وليبيا، وستدفع تركيا وأوروبا الثمن الأكبر وسط صعوباتٍ اقتصادية وخطابات عنصرية مستعرة في كلا الحالتين.  

ومن ناحية أمنية، قد يكون للفوضى في إيران ونشوء أية جماعات مسلّحة آثارها على دول المنطقة ولا سيما العراق، وقد يكون لأي مشكلات عرقية في كردستان إيران آثارها على إقليم كردستان العراق وتركيا وسوريا.  

مع ذلك، قد يجعل غياب نظام ولاية الفقيه حزب الله في لبنان في موقفٍ أضعف، ويصبح معزولاً في محيطه الداخلي، فيما يشعر العلويون في الساحل السوري بالإحباط، رغم وجود محاولات محدودة لتعزيز ربط الطائفة بالشيعة الجعفرية، فيما تحاول أوساط أكثر علمانية التواصل مع بدائل غير منطقية في قبرص واليونان وحتّى إسرائيل. ورغم امتلاك الحوثيين للسلاح إلّا أن غياب إيران المرشد قد يعيدهم إلى العزلة، لا سيما مع الاشتباكات السعودية-الإماراتية غير المباشرة في جنوب اليمن، ومحاولات دعم انفصال اليمن الجنوبي مقابل المحاولة السعودية للهيمنة على كل اليمن عدا المناطق الحوثية غربي البلاد، ما قد يغير موازين الخليج والمنطقة، ومع محاولات إسرائيل مد بساطها في محيط مضيق عدن في اليمن الجنوبي، وجمهورية أرض الصومال التي أعلنت الاعتراف بها في 26 كانون الأول 2025، لتكون أول دولة تعترف بالإقليم دولة مستقلة.  

بالنسبة لإسرائيل، سيكون تقسيم إيران أو غرقها في مشكلاتها الخاصة أو قيام نظام برلماني معطّل، مع عزل حلفائها السابقين، موضع ترحيب، ناهيك عن احتمال قيام نظام شديد القرب منها ومن الغرب.  

العراق وإيران الجديدة 

مع حدودٍ برية تزيد عن 1,599 كم بين العراق وجارته الشرقية إيران، لن يكون التغيير فيها من دون ارتدادات تُحس في العمق العراقي، سواء من ناحية هجراتٍ متوقّعة لأنصار النظام الحالي غالباً، وحتّى الهزّات الأمنية والعرقية وربّما الإرهابية.  

سيترك سقوط النظام الأحزاب الشيعية العراقية في حالة صدمة، ويجعلها أمام سيناريوهين، إما الاستسلام لمطالب الولايات المتحدّة أو تحدّيها. قد ترى الأحزاب الشيعية ألّا سبيل للحفاظ على السلطة سوى التماهي التام مع المطالب الأمريكية -وهو ما ينتهجه البعض منذ الآن- أو قد يميل البعض لفكرة تشكيل الإقليم الشيعي جنوبي البلاد، لتفادي المزيد من الخسائر، لا سيما أن العراق سيصبح محاصراً من جميع الجهات بكياناتٍ جديدة لا تكنّ مشاعر طيبة للحكومة، وقد تزداد العلاقات سوءاً مع إيران الجديدة إذا ما قرّرت الميليشيات الانخراط في قمع التظاهرات الإيرانية، وهو أمرٌ مستبعد، حيث لم تتدخّل في سوريا لحماية بشّار الأسد في أواخر 2024. وقد تختار الأحزاب الشيعية تخفيف نبرة الحديث عن المذاهب والتوجّه لخطابٍ عراقي جامع تحت مظلة المواطنة يقلّل الاحتقان ويخلّص البلاد من شبح التغيير، مع زيادة ثقة الكُرد والسُنة بقدراتهم، رغم أن هناك صعوبات في رأب الصدع بعد شيوع الخطابات والصراعات الطائفية طوال العقدين المنصرمين، وموت الإيمان بالدولة الوطنية في نفوس العديد من أبناء الشرق الأوسط.  

بخلاف ذلك، قد ترى الفصائل الشيعية أن نزع السلاح يعني تسليم رقابهم لجلاديهم المحتملين، وبالتالي ترفض بعض هذه الفصائل ذلك، ما قد يسفر عن فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على البنوك والفصائل والشخصيات العراقية، وارتفاع احتمال تنفيذ ضرباتٍ جويّة أمريكية، لكنّ الخوف الناجم من سقوط النظام الإيراني -الذي عملَ كضمان لمنع أي اقتتال شيعي داخلي سابقاً- قد يجرّ الأحزاب لقراراتٍ أكثر براغماتية تركّز على النجاة الفردية.  

ينقسم العراقيون في مشاعرهم حيال إيران، حيث يرى بعضهم أنها العدو الأزلي للبلاد عبر العصور، ويربطون ذلك بالتاريخ القديم وسقوط أور ونينوى وبابل عام 539 قبل الميلاد وحرب الأعوام الثمانية، ويرى آخرون أن إيران عمق حضاري للعراق وأنه “لا يمكن الفراق” بين البلدين. وفي جميع الأحوال، لم يكن العراق بمنأى عن التدخلات الإيرانية في عهد الشاه كما في عهد الخميني، ولا يستبعد أن تستمر التدخلات في العهد القومي المحتَمَل ما إن يستتبّ لهم الأمن.  

مع قيام نظام علماني قوي أو هشّ وموالٍ للغرب في إيران قد تجد الأحزاب الشيعية العراقية نفسها مضطرة للتعاون مع نظامٍ لا تحبّذه، ولها ماضٍ سيء مع بعض أطرافه، مثل مجاهدي خلق الذين طردتهم الأحزاب من العراق بعد أن آواهم نظام صدام حسين لعقود. قد يجد العراق نفسه محاصراً بين إيران وسوريا، وقد يحاول مد جسورٍ خجولة مع الحكّام الجدد -كما فعل مع حكومة دمشق- ولكنّ العلاقات ستبقى متحفّظة وتراقب احتمال انتقال عدوى التغيير العاصف إلى الداخل العراقي، وقد تكون العزلة أشد إذا ما حاول النظام الجديد التقرّب من إسرائيل ومقاطعة العراقيين، في سعيٍ حثيث لإعلان القطيعة مع ماضي نظام ولاية الفقيه وعلاقاته.

تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.